أطباق غزّة التقليديّة... بعيون الشيف سلام دقّاق ودموعها

مؤسِسة «بيت مريم» تحيي المطبخ الفلسطيني كي لا يُسرَق أو يندثر

الشيف سلام دقّاق الحائزة جائزة ميشلان ولقب أفضل طاهية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 2022 (صور دقّاق)
الشيف سلام دقّاق الحائزة جائزة ميشلان ولقب أفضل طاهية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 2022 (صور دقّاق)
TT

أطباق غزّة التقليديّة... بعيون الشيف سلام دقّاق ودموعها

الشيف سلام دقّاق الحائزة جائزة ميشلان ولقب أفضل طاهية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 2022 (صور دقّاق)
الشيف سلام دقّاق الحائزة جائزة ميشلان ولقب أفضل طاهية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 2022 (صور دقّاق)

في غزّة مجاعةٌ تلوح في الأفق المسدود؛ بساتين الزيتون أُحرقت، الثروة السمكيّة محاصَرة وقوارب الصيّادين مشلّعة، أما آخر أفران القطاع فبلا طحين.

في مطبخ «بيت مريم» في دبي، يُطهى الطعام على نارٍ هادئة، فالشيف سلام دقّاق تحبّ أن «تدلّل طبخها»، كما أوصتها والدتها مريم، ابنة بلدة ترشيحا الفلسطينية.

الكبّة اللبنيّة من تحضير الشيف سلام دقّاق (صور دقّاق)

خلال الشهور الثلاثة الأخيرة، غالباً ما امتزجت دموع الشيف سلام بمكوّنات الطعام. «إذا بطبخ بدمّع، إذا باكل بغصّ»، هكذا تواكب الطاهية الفلسطينية الأردنية الحربَ على غزة كما تروي لـ«الشرق الأوسط». لكنها في المقابل، تحاول الصمود «لأن غزة وفلسطين بحاجة لصوتنا أكثر من أي وقت».

مطبخ غزّة باقٍ رغم التجويع

تقول سلام دقّاق الحائزة نجمة «ميشلان» العالمية وعلى لقب أفضل طاهية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2022، إنها رغم الوجع، ستواصل تحضير الطعام الفلسطيني والكلام عنه على مسامع العالم.

تحاول دقّاق الصمود رغم الألم «لأن غزة بحاجة لصوتنا» (صور دقّاق)

قد يكون من الصعب التصديق أن غزّة الجائعة اليوم، اشتُهرت في وقتٍ مضى بموائدها العامرة وبأبواب بيوتها المشرّعة للزوّار. «أهل غزة مضيافين. ممنوع تطلعي من عندهم من غير ما تاكلي»، تروي سلام دقّاق.

وسط المأساة الحاصلة، يُخشى على تلك التقاليد وعلى تراث غزّة المطبخيّ من أن تُدفنَ هي الأخرى تحت الركام. لكنّ الشيف سلام تبدو واثقة من أنّ ذلك لن يحصل، وهي هنا لتشهد بأن المطبخ الفلسطيني باقٍ، رغم إتلاف الأراضي الزراعية، وإحراق شجر الزيتون، وتجويع الكبار والصغار.

طبق الهندباء على طريقة الشيف سلام دقّاق (صور دقّاق)

لا تكتفي بقصة نجاح مطعمها المتواصلة منذ 7 سنوات، بل هي تحاول توظيفها في خدمة وطنها؛ «الطعام الفلسطيني قضيّة بحدّ ذاته، وبه نواجه أقوى ثقافات العالم. كما أنه رابطٌ روحيّ بين أهل البلاد أينما حلّوا، والآن أكثر من أي وقت نشعر بمتانة هذا الرابط». وما الالتفاف الفلسطيني والعربي حولها وحول «بيت مريم» في الآونة الأخيرة، سوى دليل على ذلك.

تؤمن الشيف سلام، ومثلُها طبّاخون فلسطينيون كثُر، بأنه ما دام هناك مَن يتحدّث عن مطبخ غزة ويحييه كلاماً وطهواً، فإنه لن يموت. وهي، إلى جانب تنظيمها أسبوعاً من الطهو ذهب ريع مبيعاته كاملاً إلى أهل غزّة، تحرص على أن تُضمّن قائمة أطباقها اليوميّة مأكولاتٍ غزّاويّة تقليديّة.

الشيف سلام دقّاق في مطعم «بيت مريم» الذي أسسته في دبي منذ 7 أعوام (إنستغرام)

لا تخشى على هذا الإرث من الاندثار بفعل الحرب، بقدر خشيتها عليه من السرقة بفعل تشويه الهويّة الفلسطينية. «فالعدوّ ينسب إليه الكثير من الأطباق الفلسطينية ويغيّر معالمها. لذلك أنا مصرّة على الحفاظ عليه والكلام عنه».

السمّاقيّة والرمّانيّة

منذ اندلاع الحرب، امتنعت، وهي الناشطة جداً على وسائل التواصل الاجتماعي، عن نشر أي محتوى له علاقة بالطعام. إلا أنها كسرت صمتها هذا لتشارك متابعيها وصفتَي «فطاير الزعتر» و«السمّاقيّة»، في تحيّة منها إلى غزة. تفصّل مكوّنات هذا الطبق الغزّاويّ فتعدّد اللحم، والسلق، والسمّاق مطحوناً ومعصوراً، وزيت الزيتون، والبصل، والثوم، والفلفل الحارّ، والطحين، والحمّص، والطحينة الحمراء. ثم توضح دقّاق أن هذا الطبق يُطبخ في قِدر كبيرة ويوزَّع على أهل الحارة جميعاً في الأفراح، «فأهل غزّة معروفون بمطبخهم الكريم والشعبيّ».

من بين الأطباق الغزّاويّة المعروفة، «الرمّانيّة» التي اعتاد أهل القطاع أن يحضّروها خلال موسم الرمّان. فيها إلى جانب الرمّان حَباً وعصيراً، العدس، والطحينة، والباذنجان، والثوم، والفلفل الحارّ.

الرمّانية، من بين أشهر الأطباق التقليدية في غزة (إنستغرام)

تُضاف إلى لائحة الطعام الغزاويّ التقليدي، «القدرة» وهي طبق مكوّن من اللحم والأرزّ المطبوخَين مع السمن وأصناف متنوّعة من البهارات. ومن الأكلات المعروفة كذلك، «الزبديّة الغزّاويّة»، وهي عبارة عن طبق من الفخّار يُقدّم فيه القريدس (الجمبري) المطبوخ مع زيت الزيتون، والثوم، والفلفل الحارّ، والطماطم. أما في أيام الشتاء القارس، فاعتاد الغزّيون أن يعدّوا «فخّارة العدس»، وهو العدس المطبوخ على نار هادئة، والمُطيَّب بالفلفل الأحمر، والشبت (الشمرة)، والثوم، والكمّون.

وكما تشير أسماء الأطباق، فإنّ الأواني التي تُطهى وتقدَّم فيها مصنوعة من طين غزّة وتراب أرضها، كالقِدرة والفخّارة والزبديّة.

القدرة الغزّاوية المكوّنة من الأرزّ واللحم والسمن (إنستغرام)

جارة مصر والبحر

تشرح الشيف سلام دقّاق أن مطبخ غزّة متأثّر بموقعها الجغرافي المحاذي لمصر، وهذا ما يفسّر النكهة المصريّة الحاضرة بقوّة في الأطباق الغزّاويّة، كالفلفل الحارّ (الشطّة)، والطماطم، والشبت، والثوم المقلي. وتضيف أن اللحم عنصر أساسيّ في المطبخ الغزّاوي، وكذلك السمك بما أن غزّة جارة البحر ومعظم أهلها صيّادون. أما البصمة الخاصة فهي الطحينة الحمراء المصنوعة من حبوب السمسم المحمّصة على النار. ولزيت الزيتون خصوصيّته كذلك، إذ يحلف الغزّيّون باسمِه، مثلهم مثل سائر أهل فلسطين ولبنان والأردن.

بين الشيف سلام وزيت الزيتون حكاية، فهي تكشف أنها تستعمله بديلاً عن الكريمات فتدهن وجهها ويدَيها به. تسافر بها رائحته إلى «البلاد» التي لم تزُرها منذ أكثر من سنة. «صحيح أن إقامتي لم تكن في فلسطين، بل بين الأردن والسعودية والإمارات، لكني أحرص على زيارتها دَورياً. وبناءً على وصيّة أمّي، أول محطة لي هناك تكون دائماً قريتنا ترشيحا».

زيت الزيتون زينة مائدة الشيف سلام وموائد أهل فلسطين (إنستغرام)

الشيف سلام دقّاق التي انتقل إليها الشغف بالطبخ من والدتها مريم في سن الـ11، حقّقت حلمها منذ 7 سنوات وافتتحت المطعم إحياءً لذكراها وتحيّةً لروحها. تتحدّث عن «بيت مريم» قائلةً: «لم يكن هدفي الربح المادي، بل أردتُ مكاناً يشبهني في الغربة».

أما زوّار المكان فلا يجدون فيه صحناً ساخناً من الطعام فحسب، بل حضناً دافئاً يذكّرهم بأحضان أمّهاتهم. «كل حدا مشتاق لأهلو لمّا ييجي لهون بيحسّ بالأمان والألفة»، تقول سلام. هي كذلك وجدت في «بيت مريم» وطنها البديل، بعيداً عن وطنٍ شحّت في قطاعه المدمّر آخر قطرات زيت الزيتون، واختنق السمك في بحره، ودخلت مواسم الرمّان والسمّاق فيه حداداً طويلاً.


مقالات ذات صلة

اجتماع تركي - عربي يطالب بوقف انتهاكات إسرائيل في غزة والأراضي الفلسطينية

شؤون إقليمية صورة تذكارية للوزراء والمسؤولين المشاركين في الاجتماع حول غزة على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي في جنوب تركيا السبت (الخارجية التركية)

اجتماع تركي - عربي يطالب بوقف انتهاكات إسرائيل في غزة والأراضي الفلسطينية

أكد وزراء ومسؤولون من تركيا، والسعودية، ومصر، والأردن، وقطر، والإمارات ضرورة وقف انتهاكات إسرائيل في غزة، والانتقال للمرحلة الثانية من خطة السلام

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه ترمب.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي (واس)

وزير الخارجية السعودي يصل إلى تركيا

وصل الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، مساء الجمعة، إلى مدينة أنطاليا التركية.

«الشرق الأوسط» (أنطاليا)
خاص فلسطينيون إلى جوار جثماني الشقيقين عبد الملك وعبد الستار العطار اللذين قُتلا في غارة إسرائيلية قبل تشييعهما في مدينة غزة يوم الخميس (رويترز) p-circle

خاص «تهديد مبطن وتوتر»... ماذا دار في لقاء الحية ومسؤول أميركي بالقاهرة؟

كُشف النقاب عن لقاء عُقد في القاهرة، جمع رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، شهد تهديداً وخيم عليه التوتر... فما كواليسه؟

«الشرق الأوسط» (غزة)
الخليج حملت قافلة المساعدات السعودية الجديدة على متنها كميات كبيرة من السلال الغذائية (واس)

قافلة مساعدات سعودية جديدة تصل إلى غزة

وصلت إلى قطاع غزة الفلسطيني قافلة مساعدات إنسانية سعودية جديدة، تحمل على متنها كميات كبيرة من السلال الغذائية.

«الشرق الأوسط» (غزة)

هاني شاكر يتعرض لانتكاسة صحية بعد فشل تنفسي

هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)
هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)
TT

هاني شاكر يتعرض لانتكاسة صحية بعد فشل تنفسي

هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)
هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)

تعرّض الفنان هاني شاكر لانتكاسة صحية مفاجئة، إثر إصابته بفشل تنفسي خلال خضوعه للعلاج في فرنسا، وذلك بعد تحسّن ملحوظ طرأ على حالته خلال الأيام الماضية. ويخضع حالياً لملاحظة طبية دقيقة، وفق ما أكدت المطربة نادية مصطفى، السبت، في بيان نشرته عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، نقلاً عن نهلة توفيق، زوجة الفنان الكبير، علماً بأن نادية مصطفى ترتبط بعلاقة صداقة مع أسرة هاني شاكر.

وجاء رد أسرة هاني شاكر عقب تصريحات للكاتب الصحافي عادل حمودة أعلنها الجمعة، وذكر فيها أن قلب هاني شاكر توقف لمدة 7 إلى 8 دقائق عقب إجرائه عملية في القولون قبل أسابيع، ثم عاد إلى الحياة، مؤكداً أن المعلومات حصل عليها من التقرير الطبي عن حالة شاكر الصحية، والتي يجري نشرها لأول مرة.

ونفت زوجة هاني شاكر، عبر البيان، ما تردد بشأن تعرضه لنزيف حاد وتوقف في القلب لمدة 7 أو 8 دقائق، مؤكدة أنه دخل أحد المستشفيات بالقاهرة إثر إصابته بنزيف حاد نتيجة مشكلة قديمة في القولون، حيث يعاني وجود «جيوب أدت إلى التهابات ونزيف». وأضافت أنه تعرض لنزيف شديد استدعى نقله دم، وتدخل الأطباء عبر «الأشعة التداخلية» لوقف النزيف، إلا أن حالته شهدت لاحقاً توقفاً في القلب لمدة 6 دقائق، قبل أن يتم إنعاشه بسرعة خلال 3 محاولات.

وذكر البيان أنه على أثر ذلك قرر الأطباء إجراء الجراحة في ظروف بالغة الصعوبة والخطورة، وتمت العملية بنجاح. وبعد الإفاقة، تعرَّف هاني شاكر على زوجته ونجله شريف، وبدأت مرحلة التعافي. إلا أنه، نظراً لطول فترة بقائه في العناية المركزة التي قاربت 20 يوماً، أصيب بضعف عام في عضلات الجسم، ما دفع الأطباء إلى التفكير في سفره لاستكمال التأهيل الطبي. وأضاف البيان أنه بالفعل شهد تحسناً ملحوظاً، وخرج من العناية المركزة، غير أنه تعرّض لاحقاً لانتكاسة صحية مجدداً.

وطلبت نادية مصطفى من جمهور الفنان هاني شاكر الدعاء له بأن يعود سالماً لأسرته ومحبيه.

وكان شاكر قد تعرّض لأزمة صحية فبراير (شباط) الماضي، وبعد إجراء جراحة بالقاهرة سافر لفرنسا منتصف مارس (آذار) الماضي؛ حيث استقل طائرة طبية مجهزة.

وأعلنت نقابة الموسيقيين في بيان لها أن هاني شاكر خضع لفحوصات طبية للاطمئنان على استقرار حالته الصحية. كما كشف نقيب الموسيقيين مصطفى كامل، في وقت سابق، عن استقرار حالته ومغادرته غرفة الرعاية المركزة بالمستشفى الذي يتلقى العلاج به في فرنسا، مشيراً إلى أنه بدأ مرحلة العلاج الطبيعي، ما عزز حالة من التفاؤل بقرب عودته سالماً إلى مصر.

ولاحقت المطرب هاني شاكر شائعات عديدة منذ إعلان مرضه، تارة عن تدهور صحته، وأخرى عن وفاته، لتشعل مواقع «السوشيال ميديا» وتثير غضب أسرته وجمهوره.

وقال الناقد أمجد مصطفى إن بيان أسرة هاني شاكر وضع النقاط فوق الحروف بشأن حالته الصحية الحالية، وأنه أنصف الأطباء المصريين بعد نجاحهم في إجراء الجراحة الحرجة له بالقاهرة. وأبدى أمجد، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، دهشته مما ذكره الكاتب عادل حمودة، مؤكداً أن ذلك «ليس سبقاً صحافياً وليس وقته»، مشيراً إلى أن أسرته هي الجهة الوحيدة التي يحق لها الكشف عن تفاصيل حالته، عبر الفنانة نادية مصطفى المقربة من العائلة. واختتم بتوجيه الدعاء له بالشفاء، وتجاوز أزمته الصحية.

فيما دعا الناقد أحمد السماحي للفنان هاني شاكر أن يتجاوز أزمته الصحية، وأن يعود لمحبيه قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «شاكر أحد الذين لم يخدشوا هيبة الغناء، وحافظ على وقار الغناء العربي من خلال اختياراته الغنائية ووقوفه الراقي المحترم على المسرح».

ويُعد هاني شاكر (73 عاماً) المُلقب بـ«أمير الغناء العربي» أحد كبار المطربين العرب، وقد بدأ مسيرته الفنية سبعينات القرن الماضي، وشق طريقه بنجاح، واستطاع أن يؤكد موهبته وسط عمالقة نجوم الغناء على غرار الموسيقار محمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، وفريد الأطرش، وحاز شاكر خلال مشواره عدداً من الجوائز والتكريمات من بينها وسام الاستحقاق من تونس، والوسام العلوي بدرجة قائد من محمد السادس ملك المغرب، وجائزة فلسطين؛ حيث كان من أوائل المطربين الذين غنوا بها، وتولى منصب نقيب الموسيقيين بمصر.


كلاب مرفهة في مصر تثير انتقادات اجتماعية

تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)
تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)
TT

كلاب مرفهة في مصر تثير انتقادات اجتماعية

تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)
تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)

جدد إعلان عن إعداد «تورتة» صحية للكلاب للاحتفال بأعياد ميلادها، الضوء على التناقضات التي تحكم ملف رعايتها في مصر، فبينما تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي بصورة شبه يومية مقاطع تُصوّر مواجهات بين الأهالي والكلاب الشاردة، وسط دعوات للتخلص منها، فإنه في المقابل تنشط حملات للتبرع لملاجئها ورعايتها، إلى جانب مظاهر رفاهية موجهة للكلاب المنزلية، في مشهد تنعكس فيه تفاعلات متباينة بين السخرية والفضول، والتعاطف والسخط.

وعبر منصة «تيك توك»، نشرت إحدى القائمات على محل متخصص لبيع مستلزمات الحيوانات الأليفة، مقطع فيديو «تُبشر» فيه مُربي الكلاب بتصميم «تورتة» مناسبة لأليفهم، بحيث يمكنهم «طباعة» صورته على سطحها بعد تزيينها، والاحتفال معه بعيد ميلاده، والاطمئنان على «خلو الكعك من المواد المضرة للكلاب لا سيما السكريات، التي تسبب أضراراً كبيرة للبنكرياس»، وفق الإعلان.

ووسط تعليقات تتساءل عن تفاصيل أكثر عن مكونات «التورتة» وسعرها، والوقت اللازم لإعدادها، تصاعدت في المقابل موجة من التعليقات الساخرة على شاكلة: «أنا لم أحتفل بعيد ميلادي منذ سنوات»، و«أنا لم أشتر تورتة لأبنائي... أشتريها للكلب؟!»، على نحو يستعيد العبارة الشهيرة في مسرحية «الواد سيد الشغال» التي كان يسخر فيها «سيد» (قام بدوره الفنان عادل إمام) من الرفاهية الكبيرة التي يُحاط بها الكلب «شحيبر» من جانب أسرة ملاك الفيلا التي يعمل بها، وهم يحرصون على تقديم فطور «فخم» لكلبهم.

يتزامن ذلك مع تحركات رسمية للتعامل مع ملف «الكلاب الضالة» في مصر؛ إذ أعلنت وزارة الزراعة، الخميس، عن تحصين نحو 22 ألف كلب شارد ضد مرض السعار منذ مطلع يناير (كانون الثاني) هذا العام، إلى جانب تنفيذ ما يقرب من 1900 عملية تعقيم، ضمن «حملة قومية تعتمد على أساليب علمية وإنسانية للحد من انتشار المرض والسيطرة على أعداد الكلاب في الشوارع»، حسب بيان الوزارة.

كما دعت المواطنين إلى الإبلاغ عن حالات انتشار كلاب ضالة عبر خط ساخن خصصته الوزارة لهذا الشأن، في خطاب يوسّع دائرة المسؤولية المجتمعية.

وترى الدكتورة أميرة الشاذلي، أستاذة علم الاجتماع بجامعة القاهرة، أن الإعلانات التي تشمل بنود رفاهية على غرار «تورتة الكلاب» تثير بدورها «حالة من السخط لدى قطاع واسع من المواطنين، في ظل موجة الغلاء التي تطول السلع الأساسية، والقائمون على مثل هذه الإعلانات يدركون مسبقاً حجم الجدل الذي ستثيره، بل قد يعوّلون عليه في الترويج؛ إذ تعتمد بعض المنتجات التي يراها قطاع كبير (استفزازية) على إثارة التفاعل، حتى لو جاء في صورة سخرية أو انتقاد»، كما تقول لـ«الشرق الأوسط».

وتضيف أن «كثيراً من مربي الحيوانات الأليفة يواجهون منذ فترة صعوبات في توفير احتياجات طعامها، ما يدفع بعضهم إلى التخلي عنها تحت ضغط الظروف الاقتصادية، وهو ما يسهم في تفاقم أزمات قائمة، مثل زيادة أعداد الكلاب في الشوارع داخل الأحياء السكنية؛ فملف التعايش بين المواطنين والكلاب في مصر لا يزال يفتقر إلى التنظيم، ويجعل من الصعب لوم من يخشاها، أو من يتعامل معها بدافع الرحمة كما نرى في انتشار مبادرات فردية تدعو إلى إطعامها وتقديم المياه لها مع ارتفاع درجات الحرارة».

وتتعزز الانتقادات الموجهة للإعلانات الترفيهية في وقت يتزايد فيه الحديث عن ارتفاع معدلات الفقر؛ فرغم أن أحدث تقرير حكومي مصري عن معدلات الفقر صدر في عام 2020، وبلغ حينها نحو 30 في المائة، فإن تقارير غير رسمية تتوقع ارتفاع هذه النسبة مع تراجع سعر العملة المحلية أمام العملات الأجنبية وارتفاع التضخم وتأثر الاقتصاد المصري بتداعيات إغلاق جائحة «كورونا»، ثم الحرب الروسية - الأوكرانية، وأخيراً الحرب الإيرانية.


غياب السينما المصرية عن مهرجان «كان» يثير تساؤلات

ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
TT

غياب السينما المصرية عن مهرجان «كان» يثير تساؤلات

ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)

تغيب السينما المصرية عن مهرجان «كان» السينمائي في دورته الـ79 بعدما اعتادت الوجود بأفلام في المسابقات الموازية، في حين تشهد الدورة المرتقبة، المقرر عقدها بين 12 و23 مايو (أيار) 2026، حضوراً لافتاً لأفلام من بعض الدول العربية.

وكانت السينما المصرية قد اعتادت المشاركة في المسابقات الموازية على غرار «نظرة ما» و«أسبوع النقاد»، التي توجت فيها بجوائز مهمة من بينها جائزة «العين الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي التي حازها فيلم «رفعت عيني للسما» للمخرجين ندى رياض وأيمن الأمير قبل عامين، وفيلم «ريش» الذي حصل على الجائزة الكبرى لمسابقة «أسبوع النقاد» في الدورة الـ74، والفيلم القصير «16» الذي حمل عنواناً آخر «لا أستطيع أن أنسى وجهك» للمخرج سامح علاء، وتُوّج بالسعفة الذهبية لأفضل فيلم قصير.

وأكد المخرج أيمن الأمير الذي تُوج فيلمه والمخرجة ندى رياض بجائزة «العين الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي 2024، أن «الأفلام التي تستطيع أن تنافس في المهرجانات الكبرى تظل قليلة مع الأسف، لذا من الممكن أن نشارك في عام وننتظر أعواماً حتى نعود إلى مهرجان (كان) وغيره من المهرجانات الدولية، لا سيما في ظل ظروف تنتاب العالم حالياً، وتلقي بظلالها على كل شيء بما فيها إنتاج الأفلام».

الفيلم اليمني «المحطة» يشارك في مسابقة «أسبوع النقاد» (مهرجان كان)

ويقول الأمير لـ«الشرق الأوسط»: «لو أردت حالياً صناعة فيلم مثل (رفعت عيني للسما) الذي استغرق تصويره عدة سنوات فلن أستطيع إنجازه بسبب أسعار التصوير في الشوارع التي باتت جنونية، ودونما تفرقة بين فيلم ميزانيته كبيرة أو آخر وثائقي»، لافتاً إلى «وجود صعوبات في التصوير لا سيما لمخرجين لديهم رؤية مختلفة»، مؤكداً أن «قوة السينما تكمن في تقديم أنواع مختلفة، وليس الرهان على نوع أو اثنين من الأفلام، وأن هذا يحدث بقوة صنّاعها خصوصاً في ظل غياب دعم الدولة».

وتسجل الدورة الـ79 لمهرجان «كان» حضوراً عربياً لافتاً حيث تشارك 6 أفلام عربية بالأقسام الموازية للمهرجان، دونما تمثيل عربي بالمسابقة الرسمية. فيشارك المغرب بفيلم «الأكثر حلاوة» للمخرجة ليلى مراكشي في مسابقة «نظرة ما»، وهو إنتاج مشترك بين المغرب وفرنسا وإسبانيا وبلجيكا، ويروي قصة امرأة مغربية تسافر إلى إسبانيا للعمل في موسم حصاد الفراولة ضمن رفيقاتها، لكن رحلتها تصبح مزعجة، حيث تتعرض لمضايقات وسوء معاملة، والفيلم من بطولة نسرين الراضي، وفاطمة عاطف، وهاجر غريغا.

ويشارك في المسابقة ذاتها الفيلم الفلسطيني «البارحة ما نامت العين» من كتابة وإخراج راكان مياسي، وهو أول أفلامه الطويلة، ويعرض قصة هروب فتاة تنتمي إلى قرية بدوية عقب اتهامات طالتها بإحراق سيارة حبيبها، وخلال رحلة البحث عنها تتكشف أسرار عديدة.

وينافس الفيلم اليمني الطويل «المحطة» للمخرجة سارة إسحاق في مسابقة «أسبوع النقاد»، وتدور أحداثه حول بطلته «ليال» التي تدير محطة وقود للنساء بقرية يمنية مزقتها الحرب. كما يشارك في المسابقة نفسها الفيلم السوري الوثائقي القصير «نفرون» للمخرج عبد الله داوود.

بينما يشهد برنامج «أسبوع المخرجين» مشاركة الفيلم المغربي القصير «بحثاً عن الطائر الرمادي ذي الخطوط الخضراء» للمخرج سعيد حميش، والفيلم السوداني القصير «لا شيء يحدث بعد غيابك» للمخرج إبراهيم عمر.

لقطة للفيلم الوثائقي السوري «نفرون» (مهرجان كان)

ويرى الناقد الفني المصري، طارق الشناوي، أن «غياب السينما المصرية عن مهرجان (كان) أو غيره من المهرجانات الكبرى ليس دليلاً على الضعف، بدليل أن الدورة الماضية كان لدينا فيلمان بالمهرجان هما (عائشة لا تستطيع الطيران) لمراد مصطفى و(الحياة بعد سهام) لنمير عبد المسيح».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «يجب أن نفتح الباب أكثر لمناقشة كل قضايانا، لأن هناك أفكاراً كثيرة تتطرق إلى قضايا حساسة ترفضها الرقابة». كما يشير إلى أهمية عودة الدعم الذي كانت تمنحه وزارة الثقافة للأفلام لوجود بعض التجارب خارج الصندوق التي لا تتحمس لها شركات الإنتاج إلا إذا حازت دعم الدولة، «مما يطرح مجالاً آخر للأفكار التي تصلح للمنافسة في المهرجانات»، على حد تعبيره. ويضيف: «لدينا المواهب، لكن المناخ لم يمنحها القدرة كي تنتعش»، لافتاً إلى وجود أفلام قادرة على التنافس واقتناص الجوائز في تونس والمغرب ولبنان والأردن، وأن مصر لم تشارك في المسابقة الرسمية منذ 8 سنوات، حيث كانت آخر مشاركة بفيلم «يوم الدين» 2018 للمخرج أبو بكر شوقي.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended