رحيل الروائية اللبنانية ليلى بعلبكي أستاذة الأديبات المتمردات

بعد محاكمتها توقفت عن الكتابة لكن شهرتها لم تخبُ

عمر مشوار ليلى بعلبكي الأدبي قصير جداً قد لا يتجاوز السنوات العشر (منصة «إكس»)
عمر مشوار ليلى بعلبكي الأدبي قصير جداً قد لا يتجاوز السنوات العشر (منصة «إكس»)
TT

رحيل الروائية اللبنانية ليلى بعلبكي أستاذة الأديبات المتمردات

عمر مشوار ليلى بعلبكي الأدبي قصير جداً قد لا يتجاوز السنوات العشر (منصة «إكس»)
عمر مشوار ليلى بعلبكي الأدبي قصير جداً قد لا يتجاوز السنوات العشر (منصة «إكس»)

عملياً عاشت ليلى بعلبكي، الروائية اللبنانية الرائدة التي غادرتنا يوم الجمعة الماضي، في مغتربها اللندني عن 89 عاماً، عمراً أدبياً قصيراً جداً قد لا يتجاوز السنوات العشر، ومن ثمّ غابت عن المشهد ما يقارب 50 سنة، لم تظهر خلالها إلّا لماماً وعلى استحياء، إلى أن قرأنا خبر نعيها.

ومع ذلك، بقيت ليلى بعلبكي، طوال هذه السنين، نجمة في دنيا الأدب، لم ينسَ القرّاء ولا النقاد يوماً اسمها، وبقيت حكايتها تطاردها، والأجيال المتعاقبة تبحث عن كتبها، وتحاول العثور على نصوصها بأي ثمن. وبذلك فإن ليلى بعلبكي، كُتب عنها بالعربية والأجنبية، أضعاف ما كتبت هي نفسها، وأسالت من الحبر دون أن تقصد، ما تحسدها عليه كاتبات كثيرات. إذ لا يمكن التأريخ للرواية النسائية العربية، من دون التوقف عند ليلى بعلبكي وما كتبته، ومدى تأثيره فيمن جاء بعدها. وبذلك هي بالفعل ظاهرة تستحق أن تدرس، وسيرة، كان لا بدّ أن تُكتب، ويخشى أن تكون ليلى بعلبكي، وهذا هو المرجح، قد رحلت، من دون أن تترك لنا مخطوطة وراءها، أو قصّاصات سجلت فيها خواطرها.

منذ ما يقارب نصف قرن، غابت الروائية اللبنانية ليلى بعلبكي عن المشهد الثقافي، بقرار خالص منها. انسحبت وعاشت حياة عائلية خارج لبنان، وحين كانت تعود في زياراتها القليلة، تبدو وكأنها ليست هي المرأة التي أقامت الدنيا ولم تقعدها بكتاباتها، بل بقيت صامتة، خصوصاً عن أي موضوع يمكن أن يزيد أو ينقص عمّا عرفناه عنها في الكتب. رفضت مشاريع كثيرة، أدارت ظهرها لأي مقابلة صحافية، أو حتى حوار شخصي يعيدها إلى أي تفصيل أدبي. قالت إنها هجرت حتى الكتابة الصحافية لأنّها كانت تتعرّض لمضايقات جمّة، ولم تشعر أن بمقدورها أن تكتب ما تريد أو تحكي عمّا تشاء.

الروائية اللبنانية ليلى بعلبكي

هي ابنة الجنوب اللبناني، من قرية حومين التحتا في منطقة النبطية، تعلّمت في بيروت، وبدأت دراستها في جامعة القديس يوسف ولم تكملها. عملت موظفة في المجلس النيابي اللبناني لسنوات قليلة، وكتبت في عدد من الصحف والمجلات منها «الحوادث»، و«النهار»، و«الأسبوع العربي».

دخولها عالم الرواية

صدرت رواية ليلى بعلبكي الأولى «أنا أحيا» عام 1958 عن «منشورات مجلة شعر»، وهو ربما ما روّج لها وساعد في انتشارها، ومن ثمّ ذيوع صيتها. بطبيعة الحال هذا وحده لا يكفي، ليجعل «أنا أحيا» إلى اليوم، واحدة من أشهر الروايات العربية على الإطلاق، وبها يؤرخ النقاد لولادة أول رواية عربية نسائية حرّة وجريئة؛ فهي مكتوبة بتلقائية، وبأسلوب بسيط، لكنه حيوي وجذاب، وبطلتها لينا فياض، لديها من الجرأة أن تفكّر بما لا تجرؤ عليه الأخريات، وتقول وتفعل، ما بدا مستهجناً لكثيرات في حينه. فهي التي تقول: «هكذا أنا عالم مستقل لا يمكن أن يتأثر مجرى الحياة فيه بأي حدث خارجي لا ينطلق من ذاتي». ومن هنا كان لها أن تكتب نفسها وما يدور في خاطرها.

الطبعات الأولى لكتبها

ورغم أن قراءة هذه الرواية اليوم، قد تبدو غير مستساغة لأن الزمن قد تغير، والكتابة الروائية اتخذت أشكالاً أخرى، إلا أنّ أجيالاً من الفتيات تتلمذن على «أنا أحيا»، و«الآلهة الممسوخة» التي بقيت أقل شهرة. أمّا الكتاب الثالث للروائية فهو «سفينة حنان إلى القمر»، وهو عبارة عن مجموعة قصصية صدرت عام 1963. ورغم أن الرواية التي تحمل اسم المجموعة كانت قد نشرت منفردة، في مجلة «حوار»، وكذلك القصص الأخرى من المجموعة نشرت متفرقة، من دون أن تلفت نظراً أو تثير غباراً بل نالت مديحاً، فإنه بعد ثمانية أشهر نشرت صحافية مصرية مقالة في مجلة «صباح الخير»، هاجمت فيها كاتبة المجموعة واتهمتها بالإباحية وهي تعيد بعض الألفاظ النابية الواردة في الكتاب ومعلقة في النهاية: «ملعون هذا الأدب يا شيخة!».

«يحكي كتابي (أنا أحيا) عن البشر، وعن الناس، وعن الأشخاص، في هذا البلد. يصوّر الواقع بطريقة أدبية فنية. وإذا كانت تجب مصادرته فالأصح أن تصادر البشر هنا، لأنهم مادته...»

ليلى بعلبكي، الروائية اللبنانية الرائدة

المحاكمة

على الأثر، ورغم أن الكتاب كان حائزاً على رخصة النشر بشكل قانوني، قامت السلطات اللبنانية بمصادرته من دار النشر، ومن المكتبات الموجود فيها، واحتجزت شرطة الآداب الكاتبة لمدة ثلاث ساعات، واستجوبت وأُحيلت إلى المحكمة.

كتبت ليلى بعلبكي عن استجواب رجل الشرطة لها وهي تقول: «لم أتمكن من إخفاء استغرابي وهو يسألني: لماذا تكتبين بهذه الطريقة؟ وسألت نفسي هل يحقّ لأحد أن يسأل فناناً لماذا يكتب هكذا؟ بصوت مرتفع أجبت: لأنني أعتبر نفسي أتمتع بحرية الرأي، والفكر، والعمل، الممنوحة لكل شخص في لبنان». قالت إن كتابها يحكي «عن البشر، وعن الناس، وعن الأشخاص، في هذا البلد. يصوّر الواقع بطريقة أدبية فنية. وإذا كانت تجب مصادرته فالأصح أن تصادر البشر هنا، لأنهم مادته...».

محاكمة ليلى بعلبكي بسبب روايتها «أنا أحيا» (منصة «إكس»)

لكن هذا كله لم يكن كافياً. أُحيلت إلى المحكمة، وطالبت النيابة العامة بحبس المؤلفة من شهر إلى ستة أشهر وبتغريمها من 10 ليرات إلى 100. تولّى الدفاع في هذه المحاكمة الشهيرة عن ليلى المحامي محسن سليم، والد الروائية والناشرة رشا الأمير، والمغدور به لقمان سليم. وكانت المحاكمة الأولى من نوعها في لبنان التي يحاكم فيها أديب على هذا النحو.

 

أثناء المحاكمة وتظهر في الصورة ليلى بعلبكي

اختلفت ردود الفعل على ما تعرضت له ليلى بعلبكي، ساندها أدباء ومفكرون عرب ولبنانيون، ودافعوا عنها دفاعاً عالي النبرة، خصوصاً جماعة مجلة «شعر»، لكن هيئات نسائية اعترضت على الكتاب ومستواه الأخلاقي الهابط. ووصل الصدى إلى أوروبا تحديداً فرنسا، وانشغلت المجلات والصحف هناك، بقضية الكاتبة اللبنانية كونها تخوض معركة حرية.

وانتهت هذه المنازلات الحادة، التي استنزفت الكاتبة ووضعتها في حالة نفسية صعبة للغاية، بالحكم «بوقف التعقبات الجارية بحق المدعى عليهما ليلى بعلبكي وجورج غريب وبعدم إيجاب الرسوم ورفع قرار المصادرة وإعادة الكتب المضبوطة لأصحابها».

ليلى بعلبكي بهذا كانت أول لبنانية تحاكم بتهمة خدش الحياء العام، وصدر الحكم في شهر 23 يوليو (تموز) عام 1964.

في الجرأة كانت سبّاقة

وليلى بعلبكي بهذا النبض والنصوص المتمردة، والرغبة العارمة في إطلاق ما في داخلها والتعبير عنه، قد تكون سبقت غيرها. وهي حقيقة رفعت السقف عالياً، في مجتمع كان لا يزال التقليديون فيه كثرة، ولم توفّر الجوانب الدينية، وكأنما تركت لنفسها تقول ما تتمنى. لكننا نتحدث عن نهاية الخمسينات من القرن الماضي، وبداية الستينات، وفورة العصر الذهبي الثقافي اللبناني، وغليان التيارات الفكرية، وصعود الوجودية، وازدهار الحركة المسرحية والتشكيلية وولادة المهرجانات الفنية، ومعرض الكتاب. هي حيوية مجتمعية ثقافية جامعة، جاءت ليلى بعلبكي لتتّبعها موجة من الكاتبات مثل حنان الشيخ وغادة السمان، وغيرهن.

كل ما تعرضت له ليلى بعلبكي، يبدو أنه أصابها بالإحباط، فتوقفت عن الكتابة، وتزامن ذلك مع زمن النكسة، ولم يطل الوقت قبل أن تنشب الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، فتركت لبنان إلى لندن، وغابت ليلى، باستثناء زيارات متقطعة، ونفدت طبعات كتبها، وأصبح قُرّاؤها، يبحثون عن النسخة من «أنا أحيا» فلا يجدونها.

العودة إلى المكتبات

وتمكنت «دار الآداب» من إقناع ليلى بعلبكي، بإعادة طباعة كتبها، وهكذا كان، وأصبحت موجودة لمرّة جديدة في الأسواق. وحضرت بعلبكي بعد احتجابٍ لتلتقي بجمهور معرض بيروت للكتاب عام 2009 وتوقّع كتبها، وبهذه المناسبة أعادت ربط بعض ما انقطع لبعض الوقت، قبل أن تغيب كلياً، وجاء الوباء والانهيار، فلم نعد نعرف ما حلّ بليلى، إلى أن وافتها المنية في مغتربها، وجنوبها، جنوب لبنان، يعيش أياماً صعبة وقاسية، وأهله في قلق على غَدِهم.

كتب أنيس صايغ في العدد الخامس من مجلة «الآداب» الصادر في 1 مايو (أيار) 1958 في مقالة نقدية: «(أنا أحيا) لا تعني (أنا حبلى) فحسب، إنها قد تعني أيضاً، أنا أنتج فكراً، أنا أُكافح عدواً، أنا أنصر ضعيفاً، أنا أُربّي يتيماً،...». خاتماً مقالته: «ليلى بعلبكي إمكانية كبرى، لن نسميها فرنسواز ساغان العرب، ولا نريدها أن تكون فرنسواز ساغان العرب، نريدها ليلى بعلبكي وحسب».

 


مقالات ذات صلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

ثقافة وفنون روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت

دوايت غارنر
ثقافة وفنون «تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون  عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات،

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة

«الشرق الأوسط» (القاهرة: )
ثقافة وفنون الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها،

خالد الغنامي

رحيل حياة الفهد... سيدة الشاشة الخليجية

الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)
الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)
TT

رحيل حياة الفهد... سيدة الشاشة الخليجية

الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)
الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)

رحلت الفنانة الكويتية حياة الفهد، الثلاثاء، بعد مسيرة فنية طويلة امتدت لأكثر من خمسة عقود، تركت خلالها بصمة بارزة في تاريخ الدراما الخليجية والعربية، لتفقد الساحة الفنية واحدة من أبرز رموزها وأكثرها تأثيراً.

وتُعدّ حياة الفهد من رواد الدراما الخليجية، حيث بدأت مشوارها الفني في ستينات القرن الماضي، ونجحت في تقديم أعمال تلفزيونية ومسرحية شكلت علامات فارقة، وأسهمت في ترسيخ الهوية الدرامية الخليجية، بفضل أدوارها المتنوعة التي عكست قضايا المجتمع الخليجي والإنساني.

وأُعلن خبر الوفاة عبر حساباتها الرسمية، وسط حالة من الحزن في الأوساط الفنية الخليجية والعربية، حيث وُصفت الراحلة بأنها «أيقونة الدراما الخليجية» التي تركت إرثاً فنياً سيبقى حاضراً في ذاكرة الأجيال.

وشهدت الحالة الصحية للفنانة الراحلة تدهوراً خلال الأيام الماضية، حيث نُقلت إلى العناية المركزة قبل أن تُعلن وفاتها، بعد رحلة طويلة مع المرض، لتسدل الستار على مسيرة فنية ثرية امتدت لأكثر من خمسة عقود.

قدّمت حياة الفهد خلال مسيرتها الفنية عشرات الأعمال الناجحة التي حظيت بمتابعة واسعة في الخليج والعالم العربي، وتميزت بقدرتها على أداء الأدوار المركبة، مما جعلها تحظى بلقب «سيدة الشاشة الخليجية»، وتكسب محبة الجمهور عبر أجيال متعاقبة.

وفي رصيد الراحلة عشرات الأعمال التي تنوعت بين المسرحيات، والأفلام السينمائية، والمسلسلات التلفزيونية؛ قدمت خلالها أدوراً، مع فنّانين كويتيين روّاد.

كما عُرفت الراحلة بإسهاماتها في الكتابة والإنتاج، إلى جانب التمثيل، حيث شاركت في تقديم أعمال درامية ناقشت قضايا اجتماعية مهمة، وأسهمت في دعم المواهب الشابة وتطوير الدراما الخليجية.


«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
TT

«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)

عندما تنفصل المرأة عن حبيبها أو زوجها غالباً ما يكون أول رجلٍ تلجأ إليه مصفّف الشعر. تضع كامل ثقتها في مقصّه، متناسيةً كل مرةٍ قالت له فيها هِيَ هِيَ:«إيّاك أن تقصّر شَعري». وهذا تصرُّفٌ تحدّثَ عنه علم النفس رابطاً إياه برغبة المرأة في ولادة جديدة، وفي دعمٍ معنويّ يساعدُها على ترميم قلبها المكسور.

في حوارٍ سابق مع «الشرق الأوسط»، كانت قد لفتت المعالجة النفسية د. ريف رومانوس إلى أن هذه الظاهرة منتشرة فعلاً، واصفةً إياها بأنها «ردّ فعل تلقائي، ومتسرّع». أما الدوافع الأساسية خلفها فهي «أوّلاً إثبات الأنثى لنفسها أنها ما زالت قادرة على إثارة الإعجاب، وثانياً جرعة الثقة بالنفس التي تمنحها جرأةُ التغيير خلال المحنة العاطفية، والنفسية».

يؤكّد مصفّف الشعر اللبناني المخضرم سلام مرقص تلك النظريّة، بدليل أنّ كثيراتٍ من السيدات مكسورات القلوب لجأن إلى مقصّه. ويلفت مرقص لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ «غالبيّة مَن خرجن للتوّ من علاقة عاطفية، أو واجهن تجربة طلاق، يطلبن تحديداً قصّ الغرّة». ولعلّ في ذلك تشبُّهاً بنجمات هوليوود اللواتي ما إن أُعلن خبرُ انفصالهنّ، حتى لحقَته صورُهنّ بتسريحة الغُرّة.

الممثلة نيكول كيدمان في تسريحتَي ما قبل الطلاق من المغنّي كيث أوربان وما بعده عام 2025 (أ.ف.ب - أ.ب)

«غرّة الصدمة»؟

فور ظهور المرأة بالغُرّة على الطريقة الفرنسية (French bangs)، والتي تغطّي الجبين، حتى يتساءل معارفها وأصدقاؤها ما إذا كانت تمرّ بمحنةٍ عاطفية مع الشريك. فما يمكن أن يكون مجرّد قرارٍ للتغيير في الشكل ومواكبة للموضة، غالباً ما يُمنَح تأويلاتٍ نفسية.

وعلى غرار مُجريات مسلسل «إميلي في باريس» المحبوب، يذهب البعض أحياناً إلى تسميتها «غرّة الصدمة» (trauma bangs). ففي الموسم الثالث، تقصّ البطلة «إميلي» شعرَها بنفسها بعد تَراكُم الضغوط العاطفية والمهنية عليها، ما يدفع بصديقتها «ميندي» إلى تسمية التسريحة «غرّة الصدمة».

في مسلسل «إميلي في باريس» تقصّ البطلة شعرها بنفسها في الموسم 3 (نتفليكس)

كم تبلغ نسبة الواقع في هذه التسمية؟

وفق علم النفس، ثمة حقيقة علميّة وموثّقة حول قرار قصّ الشَعر، أو إجراء تعديل جذريّ على التسريحة، أو اللون. إذ يولّدُ الانفصال العاطفي رغبةً لدى الأنثى ببَتر الروابط القديمة، وإهداء نفسها بداية جديدة؛ والشَعرُ كواجهةٍ أمامية للوجه يمكن أن يقدّم أوضَح تعبيرٍ عن التغيير.

إلى جانب الرغبة في التجديد، وهي إحدى ردود الفعل على الصدمة، يؤشّر تغيير مظهر الشعر إلى فقدان السيطرة على المشاعر، أو تجنّب مواجهة الواقع، أو حاجة ماسّة لتعزيز الثقة بالنفس، وإثبات القدرة على امتلاك القرار. فبعد الانفصال أو الطلاق، تُصاب غالبية النساء بهشاشةٍ معنويّة تجعلها تظنّ أنها ضعيفة، وغير مرئيّة، وغير محبوبة، وعاجزة عن إثارة الإعجاب. فتأتي التسريحة أو الغُرّة الجريئة لتلفتَ الأنظار إليها من جديد.

تسريحة الغرّة هي إحدى ردود الفعل على الصدمة العاطفية (بكسلز)

الغُرّة... حلّ جذريّ ومؤقّت

في صالونات تصفيف الشَعر، يُنظَر إلى الغُرّة أحياناً على أنها علاجٌ نفسيّ. صحيحٌ أنه مؤقّت، لكنه فعّال في معظم الحالات. يقول سلام مرقص في هذا السياق إنّ «الغرّة تمنح الراحة النفسية للمرأة». ويتابع مصفّف الشعر موضحاً أنّ «النساء بعد الانفصال يشعرن بالضعف، وبالحاجة إلى الظهور أجمل، وأصغر سناً في عيون أنفسهنّ، والآخرين، فيلجأن إلى قصّ الغرّة التي تجعل المرأة تبدو أصغر بالفعل».

من إيجابيات الغرّة كذلك أنها تمنح الشعور المطلوب بالتغيير، وبامتلاك القرار، من دون أن تتسبّب بالندم، لأنّ الشعر قابلٌ للنموّ من جديد. هي ليست كما الجراحات التجميليّة، ولا كالوشم مثلاً الذي تصعب إزالتُه بعد أن تنقضي الخيبة العاطفية.

تمنح الغرة الشعور بالتجديد من دون أن تتسبب بالندم (بكسلز)

تأكيداً لنظريّة العلاقة الوثيقة بين قَصّ النساء شعرهنّ خلال الأزمات النفسية وفترات التوتّر، لاحظت صالونات التجميل خلال جائحة كورونا ازدياداً كبيراً لطلبات قصّ الغرّة.

النجمات وغرّة الانفصال

من قال إنّ قلوب نجمات هوليوود ليست معرّضة للانكسار، وإنّ ثقتهنّ بأنفسهنّ لا تتزعزع بسبب رجل؟

حتى نيكول كيدمان، الممثلة ذات الشخصية الصلبة أمام الكاميرا، وبعيداً عنها، لجأت إلى الغرّة بعد طلاقها من زوجها المغنّي كيث أوربان. ففي عام 2025، انتهت العلاقة بين الفنانَين بعد زواج استمرّ أكثر من 20 سنة. ذكرا حينها خلافاتٍ غير قابلة للحلّ، فيما تحدّثت معلومات أخرى عن أنّ كيدمان تعرضت للخيانة من أوربان.

في أكتوبر من العام نفسه، وبعد شهرٍ تحديداً على إعلان الانفصال، أطلّت النجمة الأسترالية في «أسبوع باريس للموضة» مفاجئةً الصحافة والجمهور بتسريحةٍ جديدة. شهرَت كيدمان غرّتها في وجه الحزن والانكسار، وهي المعتادة على التسريحات الكلاسيكية البسيطة.

نيكول كيدمان والمخرج باز لورمان في «أسبوع باريس للموضة» 2025 (إنستغرام)

بعد انفصالها عن المغنّي زين مالك عام 2021، لجأت العارضة جيجي حديد هي الأخرى إلى غرّة ما بعد الصدمة. وقد أرفقتها حينذاك بتعديلٍ جذريّ وجريء في لون الشعر.

غرّة جيجي حديد بعد انفصالها عن زين مالك عام 2021 (إنستغرام)

في تأكيدٍ على أنّ الغرّة علاجٌ فعّال لحزن ما بعد الانفصال العاطفيّ، أعادت الممثلة ريس ويثرسبون الكرّة مرتَين؛ بعد الطلاق الأول من الممثل راين فيليبي عام 2008، وبعد انتهاء زواجها الثاني من جيم روث في 2023.

الممثلة ريس ويثرسبون وغرّة ما بعد الطلاق (إنستغرام)

يُنقَل عن أسطورة تصميم الأزياء كوكو شانيل قولها: «إنّ المرأة التي تقصّ شعرها هي على وشك تغيير حياتها». لكن إن وجدت المرأة المَخرج في الغرّة، فعليها أن تعلم أنها تتطلّب التزاماً وعنايةً، تماماً كالاهتمام الذي تستلزمه العلاقات العاطفية.


43 % من المصريين يمتلكون «حسابات سوشيالية»

المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
TT

43 % من المصريين يمتلكون «حسابات سوشيالية»

المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)

أفاد تقرير حكومي مصري بأن 43.4 في المائة من المصريين لديهم حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وجاء موقع «فيسبوك» في صدارة المنصات الأكثر استخداماً بإجمالي 51.6 مليون مستخدم، وذلك في إطار إحصاءات عدة عن «أبرز مؤشرات التحول من الإعلام التقليدي إلى الرقمي».

وحسب «مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار» الصادر عنه التقرير (الاثنين)، فإن الأرقام التي رصدتها شركة «كيبوس» (Kepios) حتى أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تشير إلى وجود 49.3 مليون مستخدم على «يوتيوب»، و48.8 مليون مستخدم على «تيك توك» ضمن الفئة العمرية من 18 سنة فأكثر، مشيراً إلى أن الإعلام الرقمي في مصر يشهد تطوراً متسارعاً في ظل التحول الرقمي، مدفوعاً بالتقدم في تقنيات الذكاء الاصطناعي التي أسهمت في تحسين إنتاج المحتوى وتطوير آليات التفاعل مع الجمهور.

استخدام الإنترنت في مصر شهد نمواً ملحوظاً (الشرق الأوسط)

وأشار التقرير إلى أن استخدام الإنترنت في مصر شهد نمواً ملحوظاً، حيث بلغ عدد مستخدمي الإنترنت عبر الجوال نحو 92.6 مليون مستخدم بنهاية ديسمبر (كانون الأول) 2025، بنسبة 75.3 في المائة من إجمالي مشتركي المحمول، في حين وصلت اشتراكات الإنترنت الثابت إلى نحو 12.7 مليون مشترك، وهو ما يعكس اتساع قاعدة المستخدمين واعتمادهم الكبير على الخدمات الرقمية.

وبدأ مجلس النواب (البرلمان) مناقشة قانون لحماية الأطفال رقمياً، من خلال إعداد مشروع قانون لتنظيم استخدام التكنولوجيا للأطفال، ومن المفترض إعداد النسخة النهائية منه خلال الفترة المقبلة للتصويت، بمشاركة جهات حكومية عدة، منها وزارتا «الثقافة»، و«التربية والتعليم»، مع العمل على إلزام المنصات الرقمية بالتحقق من أعمار المستخدمين.

ورأى الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، محمد فتحي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الأرقام تعكس بوضوح تنامي حضور مواقع التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها «فيسبوك»، الذي بات أحد أبرز مصادر تشكيل الرأي العام في الوقت الراهن، لشعور المستخدمين عبره بقدر أكبر من الحرية في التعبير عن آرائهم مقارنة بوسائل الإعلام التقليدية.

نحو نصف عدد سكان مصر يستخدمون «فيسبوك» (أ.ف.ب)

وأضاف أن «غالبية البرامج التلفزيونية في الإعلام المصري لم تعد تعتمد على المداخلات الهاتفية من الجمهور كما كان يحدث في السابق، ما جعل الإعلام في صورته الحالية أقرب إلى وسيلة تلقٍّ أحادية الاتجاه، في حين انتقلت مساحة التفاعل الحقيقي وإبداء الرأي إلى منصات التواصل الاجتماعي التي توفر هامشاً أوسع للمشاركة».

وأوضح فتحي أن «هذه المنصات تُعد بالنسبة لكثير من المستخدمين وسيلة تواصل آمنة نسبياً، خصوصاً في ظل تنامي سطوة الإنترنت في مصر وارتفاع معدلات المشاهدة عبره مقارنة بوسائل المشاهدة التقليدية»، لافتاً إلى أن استخدام الإنترنت لم يعد مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبح مجالاً أساسياً للمتابعة والرقابة والمشاركة في النقاشات العامة، وهو أمر يمكن رصده عبر تفاعل الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية والجهات الحكومية مع الشكاوى التي يُبلَّغ عنها.

ملايين المصريين يعتمدون على الإنترنت يومياً (الشرق الأوسط)

ويؤكد ذلك تقرير «مركز المعلومات»، إذ يفيد بأن «التحول نحو المنصات الرقمية قد أفضى إلى فتح آفاق غير مسبوقة لإنتاج المحتوى وتداوله، ما أسهم في بروز أشكال إعلامية جديدة، من شبكات التواصل الاجتماعي والمدونات إلى البودكاست وخدمات البث المباشر والمنصات الإخبارية الرقمية. ومع تعمق حضور الإعلام الرقمي في تفاصيل الحياة اليومية، لم يقتصر تأثيره على إعادة تشكيل علاقة المواطنين بالمعلومات، بل امتد ليُحدث تحولات جوهرية في أنماط عمل الشركات وآليات تفاعل الحكومات مع المواطنين».

وبسبب هذا التفاعل الواسع، دعا أستاذ الطب النفسي جمال فرويز إلى أهمية توفير محتوى هادف للأجيال الجديدة، لأن المحتوى العنيف المتاح عبر بعض المنصات بات يجذب شرائح أكبر من المستخدمين، وينعكس على سلوكياتهم في الحياة اليومية، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «التركيز المفرط على مواقع التواصل ترك آثاراً سلبية على سلوكيات المصريين وحالتهم النفسية».