عصفورة ــ نصر الله... معركة عربية على رئاسة هندوراس

فلسطيني يريد تقارباً مع أميركا وإسرائيل... وفنزويلا تُقلق ترمب من المرشح اللبناني

نصري عصفورة - سلفادور نصرالله (الشرق الأوسط)
نصري عصفورة - سلفادور نصرالله (الشرق الأوسط)
TT

عصفورة ــ نصر الله... معركة عربية على رئاسة هندوراس

نصري عصفورة - سلفادور نصرالله (الشرق الأوسط)
نصري عصفورة - سلفادور نصرالله (الشرق الأوسط)

ليس سابقة، ولا مستجدّاً، وصول متحدر من أصول عربية إلى سدّة الرئاسة في أميركا اللاتينية التي تعاقب عليها كُثر من أبناء المهاجرين الذين نزلوا في تلك البلاد عندما كانت لا تزال مواطنهم الأصلية ترزح تحت حكم السلطنة العثمانية. كانوا يُعرفون بالأتراك Turcos نتيجة حملهم وثائق سفر الدولة المستعمرة، قبل أن تنال بلدانهم استقلالها عن دول الانتداب التي ورثت السلطنة بعد انهيارها النهائي في أعقاب الحرب العالمية الأولى. لكن الانتخابات الرئاسية والعامة التي أُجريت يوم الأحد المضي في هندوراس شهدت سابقة تمثلت في أن المنافسة، في شوطها الأخير، انحصرت بين اثنين من المرشحين يتحدر كلاهما من أصول عربية، هما نصري عصفورة (67 عاماً) المولود من أب فلسطيني وأم هندورية، وسلفادور نصر الله (72 عاماً) المتحدر من أسرة لبنانية. وقد حبست هذه المنافسة أنفاس المراقبين طيلة أيام، في انتظار أن يتم حسمها، وبفارق ضئيل، لصالح أحدهما، علماً أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب دخل مباشرة على خط الاقتراع الهندوري داعماً عصفورة، واصفاً إياه بالحليف الموثوق في دعم الحرية والديمقراطية ومحاربة تجارة المخدرات والمنظمات الإجرامية التي تقف وراءها.

بعد عملية فرز ماراثونية ومحاطة بمخاوف كثيرة من احتمالات تدخّل القوات المسلحة الهندورية لقلب النتائج لصالح المحامية ريكسي مونكادا (60 عاماً)، مرشحة الحزب اليساري الحاكم الذي كان قد أوكل إلى الجيش مهمة الإشراف على تجميع قوائم الاقتراع وفرزها في الثكنات العسكرية، وبعد سلسلة من التصريحات المتضاربة بين عصفورة ونصر الله اللذين كان كل منهما يطمئن مناصريه بأن الفوز بات حليفه، أعلن الناطق باسم المجلس الانتخابي الوطني، مساء الثلاثاء الماضي، أي بعد يومين على نهاية العملية الانتخابية وفرز ما يقارب من ثلثي لوائح الاقتراع، أن النتيجة هي «تعادل تقني» بين الاثنين (عصفورة ونصر الله) بعدما حصل كل منهما على قرابة 40 في المائة من الأصوات، في مقابل 20 في المائة لمرشحة الحزب الحاكم. وبعد يوم من ذلك، أظهر إحصاء جديد من هيئة الانتخابات أن سلفادور نصر الله، مرشح الحزب الليبرالي الوسطي، يتصدر الانتخابات الرئاسية بنسبة 40.34 في المائة بعد فرز 79 في المائة من الأصوات. وبيّنت هذه النتائج أن مرشح الحزب الوطني المحافظ عصفورة يليه بنسبة 39.57 في المائة.

وكانت المنافسة محتدمة بين المرشحين الثلاثة الساعين لخلافة الرئيسة اليسارية زيومارا كاسترو التي شغل زوجها مانويل زيلايا الرئاسة أيضاً قبل أن يُطاح بانقلاب عام 2009.

وعلى الرغم من أن التراجع القوي في التأييد الشعبي للحزب الحاكم (حزب «ليبري») بدّد المخاوف من احتمال التلاعب بالنتائج، بقي الترقّب على أشدّه لمعرفة الفائز في هذه الانتخابات التي تحولّت مسرحاً جديداً للمواجهة بين دونالد ترمب والرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، سيّما وأن القانون الانتخابي في هندوراس يلحظ، في حال التعادل التقني، إعادة عملية الفرز بشكل مفصّل ومراجعة الطعون والقسائم المشبوهة، وإعادة الانتخابات بين المرشحين المتعادلين في مهلة لا تتجاوز عشرين يوماً إذا استمر التعادل. وكان هذا الاحتمال قد تعزز عندما وصل الفارق بين عصفورة ونصر الله إلى 515 صوتاً فقط. وتراجعت حدة التوتر الذي ساد في الساعات الأولى بعد تأكد هزيمة الحزب الحاكم، عندما أقرّ عدد من الوزراء في الحكومة الحالية بخسارة الرهان الانتخابي، وباشروا التحضير لتسليم مهامهم إلى الحكومة الجديدة.

لكن عاد التوتر ليسود الأجواء مع تأخر المجلس الانتخابي في تحديث النتائج، وخاصة بعد المؤتمر الصحافي الذي عقدته الرئيسة الحالية، حيث نفت ما يشاع عن خسارة الحزب الحاكم، وأدانت «التدخل الأجنبي»، مشيرة بصورة مباشرة إلى الولايات المتحدة والرئيس ترمب، ومؤكدة أنها ستبقى «إلى جانب الشعب؛ لأن الانتخابات لم تحسم بعد».

نصري عصفورة

يتحدر نصري عصفورة من أسرة فلسطينية هاجرت إلى هندوراس أواسط القرن الماضي، وهو رجل أعمال ناشط في مجال البناء والعقارات، ومُجاز في الهندسة المدنية. بدأ حياته العامة متولياً مناصب مختلفة في بلدية تيغوسيبالغا، عاصمة البلاد، وبرز خلالها بتنفيذه عدداً من مشاريع البنى التحتية، متميزاً بروح عملية عالية وقدرة على حل المشكلات وسهولة في التعامل. أكسبه ذلك شعبية واسعة لازمته طوال مسيرته السياسية. وبعد محاولة فاشلة لتولي رئاسة بلدية العاصمة، نجح في محاولته الثانية عام 2013، ثم أعيد انتخابه في عام 2017، حيث بدأ يخطط للوصول إلى سدة رئاسة الجمهورية.

تميّزت السنوات الثماني التي أمضاها في رئاسة بلدية العاصمة بتنفيذه عدداً كبيراً من مشاريع البنى التحتية الضخمة، خاصة في الأحياء الفقيرة التي ازدادت فيها شعبيته، لكن دون أن تمكّنه من الفوز في الانتخابات الرئاسية التي خاضها في عام 2021 وخسرها أمام الرئيسة الحالية تشيمينا كاسترو التي أصيبت بهزيمة قاسية في هذه الانتخابات. وعاد عصفورة مطلع السنة الحالية لخوض الانتخابات الأولية للحزب الوطني، وفاز على منافسته السيدة الأولى السابقة آنا غارسيّا بما يزيد على ثلاثة أرباع الأصوات التي تم الإدلاء بها، معززاً بذلك زعامته على التيار اليميني المحافظ الذي أوصله إلى رئاسة كبرى بلدان أميركا الوسطى.

يقوم برنامج عصفورة على خطته التي أعلنها في بداية حملته الانتخابية تحت عنوان «رؤية النجوم الخمس» التي تضمّ مجموعة من الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية الرامية إلى وضع البلاد على «الطريق الصحيح»، حسب تعبيره. وتدور هذه الخطة حول محور مركزي لتنشيط الاقتصاد وإيجاد فرص العمل وتشجيع الاستثمارات الخاصة والأجنبية وتوفير الضمانات القانونية لها، فضلاً عن رقمنة الإدارة العامة والتعليم، ومشاريع إسكانية للطبقتين المتوسطة والفقيرة.

في السياسة الخارجية، يطرح عصفورة توثيق العلاقات مع الولايات المتحدة للوصول إلى تحالف استراتيجي معها، واستعادة العلاقات مع تايوان بعد أن كانت الحكومة الحالية قطعتها لصالح بكين، والتقارب مع إسرائيل، وإبعاد هندوراس عن دائرة النفوذ الفنزويلي.

وإذا كان انحصار المنافسة بين مرشحين متحدرين من أصول عربية قد ميّز هذه الانتخابات الرئاسية في هندوراس، فإن دخول الإدارة الأميركية بشكل مباشر وعلني للتأثير في نتيجتها، يؤكد النمط الذي ينهجه الرئيس ترمب، منذ بداية ولايته الثانية في يناير (كانون الثاني) الماضي، داعماً المرشحين الذين يتماهون مع خطه السياسي، ومهدداً بعواقب اقتصادية في حال عدم وصولهم إلى الحكم. وهو توعد، مساء الاثنين الماضي، الحكومة الحالية في هندوراس بالجحيم إذا حاولت التلاعب بنتائج الانتخابات.

وكان الأسبوع الماضي قد شهد سلسلة من التصريحات والتغريدات للرئيس الأميركي على منصته «تروث سوشيال» أعلن فيها دعمه الصريح لنصري عصفورة ووصفه بالحليف الموثوق لمحاربة الشيوعيين ومهربي المخدرات، معتبراً أنه القادر على ترسيخ الحريات والديمقراطية في هندوراس. وكان لافتاً، في هذا الدعم المباشر، أن ترمب وضعه في سياق المواجهة مع فنزويلا وحلفائها في المنطقة، مثل كوبا ونيكاراغوا، وضمن مساعيه لمحاصرة الأنظمة اليسارية. وكانت اندفاعة الرئيس الأميركي لدعم عصفورة، الذي رجحت الاستطلاعات الأخيرة قبل الاقتراع أنه سيأتي في المركز الثالث، قد بلغت ذروتها عشية الانتخابات عندما أعلن أنه سيصدر عفواً كاملاً عن رئيس هندوراس الأسبق خوان أورلاندو هرنانديز الذي كان يقضي عقوبة بالسجن 45 عاماً في الولايات المتحدة بعدما أدانته محكمة أميركية بتهمة تهريب 400 طن من الكوكايين والتواطؤ مع منظمات إجرامية. وقد أثار هذا الإعلان، الذي كان يهدف إلى تجيير تأييد أنصار أورلاندو لصالح عصفورة، موجة من الانتقادات داخل الولايات المتحدة وخارجها، خاصة وأن واشنطن وضعت نشر قواتها في البحر الكاريبي وقبالة السواحل الفنزويلية تحت عنوان مكافحة تهريب المخدرات وقطع طرق الإمدادات التي تستخدمها المنظمات الإجرامية في المنطقة.

وفوز عصفورة في انتخابات الأحد الماضي التي شملت أيضاً تجديد البرلمان والمجالس البلدية، من شأنه، إذا ما تحقق فعلاً، أن يعيد المشهد السياسي في هندوراس إلى السياق اليميني المحافظ الذي تميّز به تاريخياً ولم تقطعه سوى فترات قصيرة من العهود الإصلاحية التي حاولت تقليص نفوذ الولايات المتحدة، علماً أن الأخيرة تملك في هذا البلد أكبر قواعدها العسكرية في أميركا الوسطى. وبنت الولايات المتحدة هذه القاعدة في أواسط ثمانينات القرن الماضي على مقربة من العاصمة، لتكون منصة لوجيستية تنتشر منها القوات الأميركية في المحيط الإقليمي، وكي تكون مقراً للقيادة الجنوبية للجيش الأميركي. ونتيجة لوجود هذه القاعدة، صار يُطلق على هندوراس لقب «حاملة الطائرات الأميركية» في المنطقة.

وتجدر الإشارة، في هذا الإطار، إلى أن آخر العهود الإصلاحية في هندوراس كان العهد الذي قاده الرئيس الأسبق مانويل زيلايا قبل سقوطه في انقلاب عسكري تحاشت واشنطن إدانته. وكان زيلايا قد علّق على إعلان الرئيس ترمب قرار العفو عن الرئيس السابق أورلاندو قائلاً إنه يهدف إلى «حماية ناهب الدولة»، مضيفاً أن الهزيمة التي مُني بها الحزب الحاكم في هذه الانتخابات لن تثنيه عن سعيه لإرساء أول تجربة يسارية حقيقية في هندوراس.

سلفادور نصر الله

هذه كانت محاولة نصر الله الرابعة للوصول إلى الرئاسة، وهو صحافي يتمتع بشهرة واسعة من وراء البرامج الرياضية والمنوعات التلفزيونية التي يقدمها منذ أكثر من أربعين عاماً. يتحدر من أسرة لبنانية. هاجر والده إلى هندوراس بينما هاجرت أمه إلى تشيلي. وهو اعتاد المفاخرة بأصوله العربية، وبالدور الذي لعبته الجاليات العربية في نهضة أميركا اللاتينية منذ مطالع القرن الماضي.

بدأ مسيرته السياسية عام 2011، وترشح لرئاسة الجمهورية في عام 2013 عن حزب مكافحة الفساد الذي كان شارك في تأسيسه بعد أن كانت هندوراس غارقة في سلسلة من الفضائح المالية، وفي دوامة من العنف الاجتماعي على يد المنظمات الإجرامية. ثم عاد وترشح للمرة الثانية في عام 2017 عن تحالف المعارضة المناهض للنظام الدكتاتوري. وفي عام 2021 أسس حزب سلفادور (مخلّص) هندوراس، وترشح عن التحالف الذي كان يضمّ هذا الحزب إلى جانب حزب الوحدة والابتكار، لكنه عاد وسحب ترشيحه لينضمّ إلى لائحة الرئيسة الحالية نائباً لها، ويستقيل من منصبه بعد أشهر من فوزها في الانتخابات؛ احتجاجاً على عدم تمتعه بالصلاحيات التي كانت وعدته بها. ويرجّح أن ذلك التحالف مع الرئيسة الحالية التي كانت قريبة من النظام الفنزويلي، هو الذي دفع الرئيس الأميركي ترمب إلى تأييد منافسه المرشح اليميني المحافظ نصري عصفورة. وفي مطلع هذا العام، انضمّ نصر الله إلى الحزب الليبرالي الذي اختاره مرشحاً رئاسياً له.

وفي أول تعليق له على العفو الذي أصدره ترمب عن رئيس هندوراس الأسبق، خوان أورلاندو هرنانديز، قال نصر الله إن الأخير يجب أن يمثُل أمام القضاء في هندوراس، وإنه سيطلب من واشنطن تسليمه، في حال فاز بالرئاسة. ومعلوم أن الفساد وارتباطه بتجارة المخدرات يشكلان تحدياً كبيراً لهندوراس التي تسجل أحد أعلى معدلات الجريمة في المنطقة. وحسب «وكالة الصحافة الفرنسية»، يعيش ما يقرب من ثلثي سكان هندوراس في الفقر، ويأتي 27 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد من تحويلات مواطنيها المقيمين في الولايات المتحدة، والتي تبلغ عشرة مليارات دولار.

حقائق

أميركا اللاتينية... قوى اليمين تتمدد

من السمات المألوفة في المشهد السياسي الأميركي اللاتيني منذ عقود، وجود شخصيات متحدرة من أصول عربية، غالباً لبنانية، وأحياناً فلسطينية وسورية، في المناصب الرسمية العليا من وزراء في الحكومات، أو أعضاء في المجالس النيابية، أو زعماء نقابيين وقيادات في الحركات الثورية، وصولاً إلى سدة الرئاسة في بلدان مثل كولومبيا، والبرازيل، والأرجنتين، والإكوادور، وبوليفيا، والسلفادور، وهندوراس، والدومينيكان والباراغواي.

لكن الانتخابات الرئاسية التي أُجريت في هندوراس الأحد الماضي ستعني، في حال الفوز غير المتوقع لمرشح الحزب اليميني المحافظ نصري عصفورة، أن المنطقة أمام منعطف يسمح بعودة القوى والأحزاب اليمينية إلى بسط سيطرتها على الحكم في أميركا اللاتينية، بعد سنوات من تمدد اليسار الذي استفاد من انكفاء الولايات المتحدة (قبل وصول ترمب إلى سدة الحكم في ولايته الجديدة) عن التدخل المباشر لدعم القوى اليمينية، وبخاصة العسكرية، في بلدان وازنة مثل الأرجنتين، والبرازيل، والبيرو وتشيلي.

وكان صعود القوى اليسارية والتقدمية في أميركا اللاتينية قد اتخذ أنماطاً مختلفة، حيث أنتج في معظم الحالات أنظمة ديمقراطية على النمط الأوروبي، تناوبت فيها الأحزاب السياسية على الحكم، وتعززت الحريات العامة والفردية. لكن مع وصول هوغو تشافيز إلى الحكم في عز الطفرة النفطية الفنزويلية، وظهور نيكولاس مادورو بعد وفاته، وجنوح دانييل أورتيغا في نيكاراغوا نحو نظام استبدادي، مالت هذه الأنظمة ناحية النمط الكوبي، وأحكمت قبضتها على السلطة والمؤسسات العامة، قاطعة الطريق أمام أي تناوب على الحكم. وبعد انهزام اليسار في الانتخابات البوليفية الأخيرة، وتزايد احتمالات وصول المرشح اليميني المتطرف أنطونيو كاتس إلى رئاسة تشيلي في الدورة الثانية من الانتخابات المقررة منتصف هذا الشهر، جاء بروز اسم نصري عصفورة في انتخابات هندوراس، مدعوماً بقوة من الرئيس الأميركي ترمب، ليفتح باب التساؤل حول ما إذا كان المد اليميني سيواصل توسيع دائرته، وما إذا كانت القوى اليسارية ستجنح بدورها نحو الاعتدال واحترام الإرادة الشعبية والتنازل عن السلطة بالطرق الديمقراطية في انتخابات حرة ونزيهة.



مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.