حكم الإعدام على الشيخة حسينة « زلزال» يهزّ بنغلاديش

قلق إقليمي من تداعيات محتملة

الشيخة حسينة (آ ف ب)
الشيخة حسينة (آ ف ب)
TT

حكم الإعدام على الشيخة حسينة « زلزال» يهزّ بنغلاديش

الشيخة حسينة (آ ف ب)
الشيخة حسينة (آ ف ب)

وسط قلق إقليمي كبير، وفي حكم تاريخي غير مسبوق، أُدينت الشيخة حسينة واجد، رئيسة وزراء بنغلاديش السابقة والتي تمتعت بنفوذ سياسي كبير لعقود، بارتكاب «جرائم ضد الإنسانية». وبناءً على ذلك، صدر بحقها حكم بالإعدام - غيابياً - من قبل محكمة أنشأتها هي نفسها عام 2009، لملاحقة خصومها السياسيين، وفق زعم هؤلاء الخصوم. ويخشى كثيرون الآن أن يسطّر هذا الحكم فصلاً جديداً في دائرة الاغتيالات والتصفيات السياسية والصراعات على السلطة في البلاد. ما يخفف نسبياً من مخاطر الحكم أن حسينة ليست في بنغلاديش حالياً، بل تعيش في الهند منذ أكثر من سنة، بمنأى عن متناول المحكمة التي أصدرت الحكم ضدها. وللعلم، حسينة، التي هي ابنة الشيخ مجيب الرحمن، مؤسس بنغلاديش وأول رؤسائها، اتهمت بارتكاب «جرائم حرب» وإصدار أوامر باستخدام القوة المميتة، بعد 15 شهراً من استقالتها وفرارها إلى الهند في مواجهة انتفاضة قادها طلاب، وأسفرت – بحسب تقارير – عن مقتل ما لا يقل عن 1400 شخص.

يوم 17 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، أصدرت محكمة الجرائم الدولية، داخل بنغلاديش، المؤلفة من ثلاثة قضاة برئاسة القاضي محمد غلام مرتضى مزمدار، حكماً بالإعدام - غيابياً - بحق رئيسة البلاد السابقة الشيخة حسينة واجد، في أعقاب إدانتها بـ«ارتكاب جرائم ضد الإنسانية»، إبان انتفاضة يوليو (تموز) من العام الماضي.

وجاء الحكم بالإعدام ضدها بناءً على اتهامها بأنها أمرت بإطلاق النار، ما أدى إلى مقتل ستة متظاهرين عُزّل في العاصمة دكا، يوم 15 أغسطس (آب) العام الماضي. ولقد صدر أيضاً حكم بالإعدام بحق وزير الداخلية البنغلاديشي السابق أسد الزمان خان كمال. وفي المقابل، صدر حكم بحق المفتش العام السابق للشرطة شودري عبد الله المأمون، الذي أصبح «شاهد دولة»، بالسجن خمس سنوات. وأمرت المحكمة كذلك بمصادرة ممتلكات كل من حسينة وكمال.

ردّ حسينة... وتداعيات الحكم

رداً على الحكم، أصدرت الشيخة حسينة بياناً وصفت فيه الحكم بأنه «دليل» على «النية الإجرامية الوقحة لشخصيات متطرّفة داخل حكومة مؤقتة غير منتخبة»، في إشارة مباشرة إلى الزعيم المؤقت الدكتور محمد يونس. وتابعت الرئيسة السابقة في بيانها «إنني أنكر تماماً التهم الموجهة إليّ... وأشعر بالحزن على كل الأرواح التي فُقدت في يوليو (تموز) وأغسطس، من كلا طرفي الانقسام السياسي، لكن لا أنا ولا أي من القادة السياسيين أصدرنا أوامر بقتل المتظاهرين». وجدير بالذكر، هنا، أنه سبق للرئيسة السابقة أن وصفت المحكمة بأنها «محكمة صورية»، واتهمت محمد يونس بأنه يعمل «واجهة لدوائر مصالح سياسية متطرفة».

من جهة ثانية، يمثل هذا الحكم تحوّلاً دراماتيكياً في المشهد السياسي البنغلاديشي، لكونه أحدث انقساماً حاداً في الآراء على مستوى البلاد. وفي حين يراه البعض عدالة طال انتظارها، يراه آخرون «تصفية سياسية» ذات خلفيات ودوافع انتقامية.

هذا، ولقد فُرضت إجراءات أمنية مشددة في دكا عقب إعلان الحكم، واندلعت احتجاجات واسعة، وحرائق متعمدة، ووقعت انفجارات أدت إلى وقوع ضحايا في أنحاء متفرقة من بنغلاديش. واستمرت الاضطرابات في مختلف أنحاء البلاد، مع اشتعال احتجاجات واسعة، وتسجيل هجمات حرق متعمدة، وانفجارات، تسببت في وقوع عدد من الضحايا. ولا تزال التوترات السياسية محتدمة، مع تباين ردود فعل أحزاب المعارضة إزاء الحكم.دوامة لا تنتهي من الانتقام السياسيتاريخياً، لا بد من الإشارة إلى أنه لم تجف تماماً بعد الدماء التي أريقت مع ولادة بنغلاديش عام 1971، إذ ظلت البلاد التي كانت تعرف حينذاك بـ«باكستان الشرقية» نهباً للاغتيالات السياسية وصراعات السلطة. ويرى محللون أن حكم الإعدام الصادر بحق حسينة جزء لا يتجزأ من التاريخ الطويل للانتقامات السياسية في بنغلاديش، الذي يرتبط بعداوتها السياسية مع خصومها، وآخرهم رئيس الوزراء الحالي

واشنطن لم تعلق بشكل مباشر على حكم الإعدام، لكنها أكدت ضرورة اتباع السلطات البنغلاديشية الإجراءات القانونية الواجبة

الدكتور محمد يونس.

وفي تعليق للأكاديمي الهندي سانجاي أستاذ الدراسات الجنوب ـ آسيوية في جامعة جواهر لال نهرو بنيودلهي، قال إن هذه «ليست أول حالة استهداف سياسي؛ إذ تعود جذور الصراع إلى عداوة شخصية اشتعلت منذ عام 2007، وانقسامات آيديولوجية، وتنافس حزبي قديم.... ويأتي الحكم ضد حسينة بمثابة الفصل الأحدث في هذا المسار».

وأردف بهاردواج: «الشيخة حسينة، بطريقة ما، قد ذاقت من الكأس ذاتها»، ملمحاً إلى وضع حسينة «غريمتها» البيغوم خالدة ضياء، زعيمة الحزب الوطني البنغلاديشي، قيد الإقامة الجبرية عام 2020.

ويذكر أن نجل خالدة، طارق رحمن، الذي يعيش في لندن منذ عام 2008 ويشغل منصب القائم بأعمال رئيس الحزب، كان كذلك من بين المستهدفين سابقاً عبر إجراءات قانونية مسيّسة، بحسب ما يقول سياسيون.

الصعود والحكم والسقوط السريع

وُلدت الشيخة حسينة عام 1947، وهي الابنة الكبرى للزعيم المؤسس لبنغلاديش، الشيخ مجيب الرحمن. وبعد اغتيال معظم أفراد عائلتها في انقلاب عسكري عام 1975، نجت هي وشقيقتها فقط لأنهما كانتا خارج البلاد.

بعدها امتدت فترات حكمها، على رأس حزب أبيها «رابطة عوامي» (يسار الوسط) من 1996 إلى 2001، ثم من 2009 حتى عام 2024. وشهدت البلاد عبر هذه السنوات تحولات في الاقتصاد، وقطاع الملابس الجاهزة، والدبلوماسية الإقليمية، لكن المنتقدين اتهموها بالتسلط المتزايد، والإخفاء القسري لمعارضين، وقمع البعض الآخر.

أما سقوطها فجاء سريعاً، إذ بدأت الاحتجاجات على خلفية خلاف حول حصص التوظيف، ثم تحوّلت إلى حركة جماهيرية تطالب باستقالتها. ويوم 5 أغسطس 2024، فرت حسينة إلى الهند على متن هليكوبتر عسكرية، بينما كانت الحشود المبتهجة تقتحم القصر الرئاسي. ومنذ ذلك الحين، تحكم بنغلاديش إدارة مؤقتة بقيادة محمد يونس، الحائز جائزة نوبل. ولقد منعت هذه الإدارة «رابطة عوامي» من خوض الانتخابات المقرر تنظيمها في فبراير (شباط) 2026.

تداعيات جيوسياسية

على المستوى الإقليمي، يحمل الحكم تداعيات جيوسياسية كبرى؛ إذ طلبت بنغلاديش رسمياً من الهند تسليم حسينة ووزير الداخلية السابق، اللذين يعيشان في المنفى منذ فرارهما خلال الانتفاضة، بعدما حكمت محكمة الجرائم الدولية بإعدامهما. وذهبت وزارة الخارجية البنغلاديشية إلى حد التحذير من أن إيواء حسينة من قبل أي دولة يُعد «عملاً عدائياً للغاية وتجاهلاً للعدالة».

أنيل تريغونايات، الدبلوماسي الهندي السابق، يصف لـ«الشرق الأوسط» حالة الاستقطاب الراهنة في بنغلاديش بأنها «خطيرة»، ويحذر من أن مثل هذا الحكم قد يزعزع الاستقرار ليس فقط في بنغلاديش، بل في شبه القارة الهندية بأكملها. وللعلم، رغم مواجهتها ضغوطاً دبلوماسية، التزمت السلطات الهندية الصمت حتى الآن، ولم تصدر أي رد رسمي سوى تأكيد تسلمها للطلب.

فمن جهة، لا ترغب الهند في الظهور وكأنها منحازة تماماً إلى جانب حسينة، مع أن عليها إعادة النظر في جميع ركائز علاقتها مع بنغلاديش، مع الأخذ في الاعتبار الضغوط السياسية الداخلية والاعتبارات الجيوالسياسية الإقليمية. ومن جهة ثانية، فإن رفض طلب التسليم قد يؤدي إلى توتر في العلاقات بين الهند وبنغلاديش، وربما يزيد من حدة الاضطراب السياسي في بنغلاديش.

ومن ثمّ، يتوقع مراقبون ألا تترك هذه الأزمة تبعاتها على الوضع الداخلي في بنغلاديش فحسب، بل يخشون من تعقيدها الحالة الدبلوماسية الإقليمية، خصوصاً العلاقات بين بنغلاديش والهند، والتأثير على الأوضاع الجيوسياسية في جنوب آسيا، وسط مخاوف من وقوع اضطرابات وعدم استقرار المؤسسات.

خيارا الهند الصعبان

أيضاً، يرى محللون أن الهند تواجه الآن خياراً صعباً: فإما حماية حليفة سابقة دعمت مصالحها الأمنية لأكثر من عقد، أو الحفاظ على علاقات عملية مع حكومة يونس، التي تقترب بوضوح من الصين وباكستان. ومما يذكر أن إدارة حسينة حافظت لسنوات على مصالح الأمن الداخلي الهندية، عبر قمعها الجماعات المعادية للهند، والتعاون مع الوكالات الهندية. كذلك كافحت تصاعد الأصولية الإسلامية عبر استيعاب قوى محافظة متشددة، مثل «حفظة الإسلام»، وملاحقة المتعاونين، ومعظمهم من جماعة «الجماعة الإسلامية».

أما بالنسبة للصين، فقد وصفت السلطات في بكين الحكم بأنه «شأن داخلي يخص بنغلاديش»، رافضةً الإدلاء بمزيد من التعليقات. وأعربت بكين عن أملها في «استقرار وتنمية» بنغلاديش - نهج محايد صُمم بعناية بغية الحفاظ على العلاقات مع الحكومة المؤقتة. ويعزز النفوذ الصيني المتزايد في بنغلاديش، بما في ذلك الصفقات المرتقبة على معدات عسكرية مثل طائرات «جيه – 10 سي» المقاتلة، الثقل الاستراتيجي لبكين.

رد فعل واشنطن

واشنطن أيضاً، لم تعلق بشكل مباشر على حكم الإعدام، لكنها أكدت على ضرورة اتباع الإجراءات القانونية الواجبة. ومعلوم أنه سبق للسلطات الأميركية نفي أي تورط لها في إسقاط حسينة عام 2024، واصفةً هذه الادعاءات بأنها «كاذبة بكل بساطة». وحثت منظمات حقوقية، منها «هيومان رايتس ووتش»، واشنطن وحكومات أخرى على مراقبة أي انتهاكات محتملة للإجراءات القانونية الواجبة في المحاكمات.

الصين وباكستان تسدّان الفراغ

مع ذلك، شرعت الحكومة البنغلاديشية المؤقتة بقيادة يونس، في تغيير مسارها بعيداً عن سياستها الخارجية السابقة، متجهة نحو مُغازلة الصين وباكستان علناً. ووقّعت بنغلاديش عدة اتفاقيات ثنائية مع الصين في مجالات التجارة والبنية التحتية والتعليم والثقافة، بينما قد يبدو اهتمام دكا بشراء 20 طائرة مقاتلة صينية الصنع من طراز «جيه - 10 سي» متعجلاً في ظل الظروف الحالية.

واللافت أن الزيارات الرفيعة المستوى بين بنغلاديش وباكستان - بما في ذلك زيارات وزير الخارجية إسحاق دار ووزير الداخلية محسن نقفي - تمخضت عن اتفاقيات متعددة، بما في ذلك إلغاء التأشيرات. كما أن رسو السفينة البحرية الباكستانية «بي إن إس سيف» في ميناء تشيتاغونغ البنغلاديشي عزّز، بصورة استثنائية، العلاقات العسكرية بين البلدين منذ عقود.

وحديثاً، أهدى رئيس وزراء بنغلاديش، قائد الجيش الباكستاني كتاباً يصور شمال شرقي الهند باعتباره جزءاً من «بنغلاديش الكبرى»، ما أثار القلق في وقت تفقد الهند عمقها السياسي والاستراتيجي الكبير داخل بنغلاديش.

من جهتهم، يرى مراقبو بنغلاديش أن نيودلهي ليس لديها حافز كبير لتعزيز العلاقات مع يونس، الذي تَعدّه استغل فترة ولايته لرعاية مصالحه الشخصية، في المقام الأول. وقد أصدر أمراً إدارياً بالتخلص من جميع القضايا الضريبية المعلقة ضد شركاته، إضافة إلى الحصول على تراخيص لجامعة غرامين، بحسب ما يقول خصومه.

 

مشهد من الاضطرابات التي تسببت في التغيير السياسي في بنغلاديش (إ ب ا)

«الجرائم الدولية»... محكمة انقلبت على مؤسسها

> تتجلى المفارقة في أن «محكمة الجرائم الدولية» في بنغلاديش جاءت إلى الوجود على يد أحدث «ضحاياها»، أي الشيخة حسينة نفسها، لمعاقبة مرتكبي جرائم مروعة مثل القتل والاغتصاب، وكذلك من عاونوا باكستان على ارتكابها خلال حرب تحرير بنغلاديش عام 1971. إذ أسست المحكمة بموجب «قانون محاكم الجرائم الدولية» لعام 1973، الذي أقرته حكومة «رابطة عوامي» بزعامة الشيخ مجيب الرحمن بعد الاستقلال بفترة وجيزة. ومع أن القانون ظل قائماً منذ عام 1973، لم تُجرَ أي محاكمات بناءً عليه طوال عقود، بسبب الاضطرابات السياسية المتكررة والانقلابات العسكرية وتغير الحكومات. غير أن حكومة الشيخة حسينة أعادت تفعيل «المحكمة» رسمياً في مارس (آذار) 2010 إثر عودة حزب «رابطة عوامي» إلى السلطة عام 2009 عبر نجاح انتخابي كبير. وجرى تفعيل المحكمة استجابةً لمطالب طويلة الأمد من منظمات المجتمع المدني، خاصةً عائلات ضحايا عام 1971. وجرى تصميم المحكمة بعدّها محكمة محلية ذات معايير دولية، وليست هيئة دولية مثل المحكمة الجنائية الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية في يوغوسلافيا السابقة. وعلى مدار 15 سنة، أصدرت «محكمة الجرائم الدولية» 57 حكماً، بدءاً من إعدام زعيم «الجماعة الإسلامية» عبد القادر ملا عام 2013. وقد نفذت حتى الآن ستة أحكام إعدام. مع ذلك، واجهت المحكمة انتقادات بسبب استخدامها ضد المعارضين السياسيين، خاصة قادة «الجماعة الإسلامية» و«الحزب الوطني البنغلاديشي». وشملت الاتهامات الموجهة للمحكمة التدخل السياسي والمحاكمات المتسرعة. وبعد الإطاحة بحسينة في أغسطس 2024 - في حركة طلابية يُزعم أن «الجماعة الإسلامية» اخترقتها - أعادت الحكومة المؤقتة بقيادة يونس توجيه المحكمة لمقاضاة قادة ومسؤولي «رابطة عوامي»، على خلفية حملة القمع التي شنتها في يوليو وأغسطس. وفي هذه الأثناء، أعلن «المجلس الدولي للحقوقيين» عن مخاطبة لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، طالباً التدخل العاجل لحماية حق الشيخة حسينة في الحياة والمحاكمة العادلة. وبالطبع، تأتي هذه الخطوة وسط قلق دولي واسع النطاق بشأن حكم الإعدام الصادر بحق حسينة. وأعلن المجلس، أيضاً، عزمه على التوجه قريباً بنداء عاجل إلى الأمم المتحدة لحماية حقوق حسينة الأساسية. جدير بالذكر، أن هذه المنظمة منفصلة تماماً عن كلٍّ من محكمة العدل الدولية ولجنة الحقوقيين الدولية. وذكر ستيفان دوجاريك، الناطق باسم الأمم المتحدة، بأنه على الرغم من كونها «لحظة مهمة» لضحايا أعمال العنف التي شهدتها بنغلاديش عام 2024، فإن فرض عقوبة الإعدام أمرٌ مؤسف... «ونحن نعارض استخدام عقوبة الإعدام في جميع الظروف». وحقاً، جاء الحكم القضائي ليفاقم حالة الاستقطاب السياسي في بنغلاديش. إذ تواجه الانتخابات المقبلة، المقرر إجراؤها مطلع عام 2026، حالة من الشك الشديد مع حظر «رابطة عوامي» فعلياً ونفي حسينة. كما قد يعقد المستقبل السياسي المبهم آفاق الحكم الديمقراطي ويعطل المصالحة، ويؤثر سلباً على المشهد الدبلوماسي الإقليمي. إذ يُعدّ حكم الإعدام الصادر بحق الشيخة حسينة أكثر من مجرد حدث قانوني محلي، لكونه نقطة تحول جيوسياسية قد تُعيد تعريف العلاقات الخارجية لبنغلاديش، وتُشكّل تحدياً للدور الإقليمي المهيمن للهند، وتُشجّع على توسيع نفوذ الصيني والباكستاني، وتُؤثّر على الاستقرار السياسي والأمني في جنوب آسيا على امتداد السنوات المقبلة.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.