كوت ديفوار... انتخابات توقظ كوابيس الحرب

رئيس يبحث عن ولايته الرابعة في إقليم تهيمن عليه الانقلابات العسكرية

صورة من مدينة ابيدجان العاصمة الاقتصادية لكوت ديفوار (الشرق الاوسط)
صورة من مدينة ابيدجان العاصمة الاقتصادية لكوت ديفوار (الشرق الاوسط)
TT

كوت ديفوار... انتخابات توقظ كوابيس الحرب

صورة من مدينة ابيدجان العاصمة الاقتصادية لكوت ديفوار (الشرق الاوسط)
صورة من مدينة ابيدجان العاصمة الاقتصادية لكوت ديفوار (الشرق الاوسط)

تتجه كوت ديفوار (ساحل العاج بالعربية)، أكبر اقتصاد في دول أفريقيا جنوب الصحراء الناطقة باللغة الفرنسية، إلى انتخابات رئاسية في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وسط مخاوف من عودة البلد إلى الحرب الأهلية، فمنذ 1995 لم تعرف كوت ديفوار أي تداول سلمي على السلطة، وظلت الانتخابات موعداً دائماً مع العنف. الرئيس الحسن واتارا، البالغ من العمر 83 سنة، أعلن ترشحه لولاية رئاسية رابعة، علماً بأنه يحكم البلاد منذ 2011، ولقد أثار ترشحه جدلاً واسعاً باعتباره تحدياً للقيود الدستورية وروح التناوب الديمقراطي. في المقابل، استُبعد أبرز قادة المعارضة من السباق، بينهم الرئيس السابق لوران غباغبو، ورئيس أعرق وأقدم أحزاب البلاد تيجيان تيام، كل ذلك دفع أحزاباً رئيسة في المعارضة إلى تجميد عضويتها في اللجنة المشرفة على تنظيم الانتخابات.

كوني مامادو، وهو قيادي في الحزب الحاكم وعضو مكتبه التنفيذي (الشرق الأوسط)

المناخ المشحون في كوت ديفوار راهناً يذكّر بانتخابات 2020 التي شهدت احتجاجات دامية أوقعت 85 قتيلاً، حين قرّر الحسن واتارا الترشح لولاية رئاسية ثالثة رفضتها المعارضة، كما يعيد إلى الأذهان الحرب الأهلية الدامية التي أعقبت انتخابات 2010. ذلك أنه على الرغم من الإنجازات الاقتصادية والأمنية التي حقّقها الرئيس الثمانيني منذ وصوله إلى السلطة، ومنها نمو اقتصادي تجاوز نسبة 7 في المائة سنوياً، واستثمارات كبيرة في البنية التحتية وإصلاح الجيش، لا يزال البلد الأفريقي يعمل بنظام سياسي شديد الهشاشة، ما يعرضه لمخاطر الانزلاق في أي لحظة، وفقدان كل ما تحقق من مكاسب خلال السنوات الـ15 الأخيرة.

محلياً، يبدو المشهد السياسي في كوت ديفوار ضعيفاً أمام هيمنة المؤسسة الرئاسية، حيث يمنح الدستور صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية، كما أن الطبقة السياسية ظلت لعقود عاجزة عن تحقيق أي «توافق». وبالتالي، ظل مشروع «المصالحة الوطنية» غير مكتمل، ويبدو واضحاً أن المعارضة عاجزة عن المنافسة، إذ تقودها وجوه من الحقب الماضية، في ظل ضعف انخراط الشباب في العمل السياسي.

ولكن ما يزيد تعقيدات الوضع الداخلي، أن هذه الانتخابات تنظم في سياق إقليمي حساس. فعلاقات كوت ديفوار مع جيرانها في منطقة الساحل الأفريقي متوترة، ولا سيما «جارتها» الشمالية بوركينا فاسو، بينما يزداد نفوذ روسيا بالمنطقة، مقابل تراجع الدور الفرنسي التقليدي.

وأمام هذا المشهد، حذّرت تقارير عديدة من أن موسكو قد تحاول التأثير في هذا الاستحقاق، ما يضيف بعداً جيوسياسياً على الأزمة الداخلية، وخاصة أن كوت ديفوار تُعدّ مركز نفوذ تقليدياً لباريس، رغم الانسحاب الشكلي للقوات الفرنسية من قواعدها العسكرية في البلاد.

جذور الهشاشة

تعود هشاشة النظام السياسي في كوت ديفوار إلى الإرث الذي تركه فيليكس هوفويه بوانيي، أول رئيس للبلاد، الذي حكم بعد الاستقلال عن فرنسا عام 1960، حتى وفاته عام 1993، فظلت البلاد تحت حكم الحزب الواحد لأكثر من 33 سنة، كان «الرئيس المؤسس» صاحب السلطة المطلقة.

مع ذلك، نجح هوفويت بوانيي في الحفاظ على توازن القوة والمصالح ما بين نحو 60 مجموعة إثنية مختلفة، وفتح البلاد أمام الهجرة الإقليمية والدولية، واستطاع أن يحقق طفرة اقتصادية غير مسبوقة في غرب أفريقيا. لكن هذا التوازن سرعان ما انهار بعد وفاته مباشرة، إذ اندلعت «حرب خلافة» بين رئيس وزرائه الأخير الحسن واتارا، ورئيس البرلمان (آنذاك) هنري كونان بيديه.

لضمان فوزه بانتخابات 1995، لجأ كونان بيديه إلى تعديل القانون الانتخابي بما يمنع منافسه من الترشح عبر شروط صارمة للجنسية والإقامة. وبالفعل، استُبعد واتارا بحجة أن والده من أصول بوركينية، وأنه كان يقيم حينذاك في الولايات المتحدة. ومع مقاطعة زعيم المعارضة لوران غباغبو للاقتراع، فاز كونان بيديه بالرئاسة بسهولة، لكن الثمن كان باهظاً؛ إقصاء سياسي حادّ غذّى الانقسامات بين الشمال والجنوب، وأطلق نقاشاً حول «الهوية الوطنية الإيفوارية»؛ وتعريف من هو المواطن الإيفواري «الأصيل» ومن هو «الوافد»، وهو نقاش ما زال مفتوحاً حتى اليوم.

في نهاية 1999، أطاح انقلاب عسكري بكونان بيديه، شارك فيه ضباط من الشمال. وبعد مرحلة انتقالية قصيرة، وصل لوران غباغبو إلى السلطة عبر انتخابات عنيفة في أكتوبر (تشرين الأول) 2000، استبعد المجلس الدستوري خلالها 14 مرشحاً، من بينهم واتارا وكونان بيديه. ولقد استخدم غباغبو بدوره خطاب «الهوية الوطنية الإيفوارية» لتقوية موقعه السياسي. الأمر الذي زاد أيضاً من انقسام البلاد.

وفي سبتمبر (أيلول) 2002، انفجر الوضع بمحاولة انقلاب أدّت إلى تقسيم البلاد إلى شطرين؛ الجنوب تحت سيطرة الحكومة، والشمال والوسط بيد تمرد «القوات الجديدة»، الذي طالب بالاعتراف الكامل بمواطني الشمال.

«اتفاق واغادوغو»... وما بعده

بعدها، أدّى «اتفاق واغادوغو السياسي» عام 2007، بوساطة الرئيس البوركيني بليز كومباوري، إلى تهدئة النزاع وفتح حوار مباشر بين الفرقاء، كما منح المتمردين منصب رئيس الوزراء الذي تولّاه زعيمهم غييوم سورو. ومن جهة ثانية، مهّد الاتفاق الطريق لانتخابات رئاسية جامعة أجّلت مراراً حتى أجريت جولتها الأولى في أكتوبر 2010، بمشاركة كل الأقطاب السياسية.

غير أن الجولة الثانية فجّرت أزمة جديدة، فقد أعلن كل من اللجنة الانتخابية والمجتمع الدولي فوز الحسن واتارا، بينما رفض غباغبو النتيجة، وبذا اندلعت مواجهات عسكرية انتهت باعتقال غباغبو في أبريل (نيسان) 2011 على يد قوات واتارا، المدعومة من الجيش الفرنسي والأمم المتحدة.

خلّفت تلك الأزمة أكثر من 3 آلاف قتيل خلال 6 أشهر من العنف، قبل أن يُنصّب الحسن واتارا رئيساً في مايو (أيار) 2011، وهو المنصب الذي ظل يشغله حتى اليوم.

فلقد أعيد انتخاب واتارا لولاية رئاسية ثانية عام 2015، ورغم نجاحه في تحقيق نمو اقتصادي لافت وتعزيز الأمن، ظل ملف المصالحة الوطنية ناقصاً، ولم تُطوَ بالكامل صفحة الجرائم التي ارتُكبت خلال أزمة 2010-2011. ومع أن واتارا حاول الحد من الطابع الرئاسي المفرط عبر دستور جديد عام 2016، استحدث من خلاله منصب نائب الرئيس، فإن هذا المنصب بقي مرتبطاً بسلطة الرئيس نفسه.

رغم كل ذلك، استمر الجدل حول نزاهة الانتخابات في عهد واتارا. إذ استُبعد 23 مرشحاً في انتخابات 2015، ولم يُقبل سوى 4 من أصل 44 في انتخابات 2020، التي رافقها عنف أوقع 85 قتيلاً و500 جريح في صدامات بين المعارضة وأنصار الحزب الحاكم.

نويل أكوسي بنجو، وهو نائب رئيس الحزب الديمقراطي لكوت ديفوار - التجمع الديمقراطي الأفريقي (الشرق الأوسط)

استمرار التوتر السياسي

اليوم، تعيش كوت ديفوار وضعاً مُكرراً، وكأن التاريخ يعيد نفسه في بلد يمتلك ثروة هائلة من الخشب، وتاريخاً طويلاً من الاشتعال، ونخبة سياسية ترى الحريق قادماً، ولكنها لا تتوقف عن إلقاء الشرارة وراء الأخرى.

أنصار الرئيس واتارا ما زالوا يرون فيه الشخص الوحيد القادر على إدارة البلاد، وهو الضامن للاستقرار والتنمية، أما المعارضة فترى فيه انتكاسة حقيقية للديمقراطية وتكريساً لنهج ديكتاتوري.

وفي هذا السياق، يقولُ نويل أكوسي بنجو، نائب رئيس الحزب الديمقراطي لكوت ديفوار (التجمع الديمقراطي الأفريقي)، إن واتارا أدخل البلاد في «نفق مظلم وطريق مسدود». وأردف أن ما تعيشه كوت ديفوار اليوم «حالة انسداد سياسي تام، بعد إقصاء مرشحي المعارضة البارزين من السباق الانتخابي».

أكوسي بنجو تكلم مع «الشرق الأوسط» في مكتبه بمقر الحزب الديمقراطي لكوت ديفوار في مدينة أبيدجان، العاصمة الاقتصادية للبلاد، حيث يتولى إدارة شؤون الحزب السياسي الأعرق في كوت ديفوار، فقد أسس الحزب عام 1946 على يد الرئيس فيليكس هوفويه بوانيي، وحكم البلاد بعد الاستقلال حتى عام 1999.

الحزب اليوم يتصدّر المشهد السياسي المعارض، ويحلم بالعودة إلى سدة الحكم، إلا أن رئيسه تيجان تيام مقيم منذ أشهر في فرنسا، بسبب ما يقول أنصاره إنها مخاوف من استهدافه من طرف السلطات التي منعته من الترشح بحجج عديدة، من بينها كونه حمل في السابق الجنسية الفرنسية.

يعتقدُ أكوسي بنجو أن الظروف التي ستنظم فيها انتخابات أكتوبر «غير مقبولة». ويشرح بالقول إنَّ اللجنة المشرفة على الانتخابات «ليست متوازنة، بل هي محسوبة على الرئيس»، مشيراً إلى أن المعارضة قرّرت تجميد عضويتها في اللجنة حين أقصي مرشحوها من السباق الرئاسي.

كما أشار إلى أن قادة المعارضة «أجروا تدقيقاً للائحة الانتخابية، فوجدوا كثيراً من الثغرات التي لا يمكن إجراء انتخابات شفافة معها، وبالتالي لا بد من مراجعة هذه اللائحة وإعادة تشكيل لجنة الانتخابات حتى نضمن أنها مستقلة».

«في سبتمبر 2002،

وقعت محاولةانقلاب

أدّت إلى تقسيم

البلاد إلى شطرين»

معارضة عاجزة

على الضفة الأخرى، يبدو المشهدُ مختلفاً تماماً. إذ يرى أنصار الرئيس الحسن واتارا في كل حجج المعارضة ومطالبها محاولة لتفادي خوض الانتخابات بسبب العجز عن المواجهة. وهذا ما أكده عدد من قيادات حزب «تجمع الهوفويتين للديمقراطية والسلام» الحاكم، في لقاءات مع «الشرق الأوسط».

كوني مامادو، وهو قيادي في الحزب الحاكم وعضو مكتبه التنفيذي، قال إن «المعارضة لا تريد الذهاب إلى الانتخابات، لأنها في كل مرحلة كانت تغير مطالبها، فهي تعرف أنها لم تحضّر بما يكفي للانتخابات الرئاسية، وتسعى للوصول إلى السلطة بوسائل أخرى، لكن في كوت ديفوار ينصّ الدستور على أنه لكي تصبح رئيساً للجمهورية، يجب أن تمرَّ عبر صناديق الاقتراع وحدها».

وتابع كوني، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، قائلاً: «الغالبية الرئاسية لم تضيّع الوقت كما فعلت المعارضة، بل بدأت مباشرة، بعد نهاية انتخابات 2020، التحضير الجاد لانتخابات 2025. وهذا ما يجعلنا واثقين من النصر. أما المعارضة فهي ليست جادة على الإطلاق، وكل ما تريده هو خلق الذرائع لتضييع الوقت».

واستطرد كوني: «للتأكد من قلة جدية المعارضة، يكفي أن نلاحظ أنها بدلاً من تقديم مرشح قوي والدفاع عنه، نجد أنها تفكر أكثر في كيفية منع ترشح الحسن واتارا، وإصلاح اللجنة الانتخابية ومراجعة اللائحة الانتخابية، وهذه مطالب غير عقلانية، وطارحها يسعى للتأزيم وإدخال البلاد في مسار من التوتر».

الحوار هو الحل

في غضون ذلك، يبدو أن المطلب الأبرز لدى المعارضة هو «تنظيم حوار وطني شامل»، وفق كلام نويل أكوسي بنجو.

أكوسي بنجو ذكر أن «من شأن الحوار تهيئة الظروف المناسبة لتنظيم انتخابات شفافة ونزيهة وهادئة، لأنه من دون الحوار والتوصل إلى تفاهمات سنعيد خلق نفس ظروف انتخابات 2010 و2020». ودافع بقوة عن مواقف المعارضة، مشدداً: «هدفنا الأساسي هو ضمان ظروف انتخابية سلمية، كي لا تدخل كوت ديفوار في حرب أهلية، كما حدث في 2010، أو يتجدد العنف كما وقع عام 2020».

وأضاف أكوسي بنجو أن «كوت ديفوار منذ 1995 لم تعرف أي تناوب سلمي على السلطة، بل على العكس كانت الانتخابات دائماً لحظات توتر وقلق وخوف». وتابع: «من غير المنطقي الاستمرار بهذه الطريقة... إن ما نريده في المعارضة هو خلق ظروف مواتية لبناء الثقة في المستقبل والخروج من دوامة الخوف».

سياق إقليمي

في الحقيقة، لا يبدو أن الدعوة إلى الحوار تجد آذاناً صاغية في معسكر الغالبية الرئاسية، حيث إن الوقت بالنسبة لهم وقت حملة انتخابية. بل إنَّ أطرافاً في السلطة ترى أن الدعوة للحوار مجرد محاولة لتأجيل الانتخابات وإدخال البلاد في وضع غير دستوري، يمنح المعارضة القدرة على الطعن في شرعية الرئيس وحكومته.

في هذا السياق، قال كوني مامادو إنه من الضروري تفادي أي محاولة لخلق وضع غير دستوري، مشيراً إلى أنه «عندما ننظر من حولنا، نجد أن الانقلابات العسكرية ضربت العديد من دول الجوار، وهناك 4 دول على الأقل في المنطقة تحت سلطة أنظمة عسكرية، وهذه وضعية تثير القلق».

وأشار القيادي في الحزب الحاكم إلى كل من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، التي تحكمها أنظمة عسكرية منذ سنوات، وتمر علاقاتها بدول غرب أفريقيا بمرحلة شديدة التوتر، خاصة مع كوت ديفوار، هذا بالإضافة إلى غينيا المجاورة التي يحكمها الجيش منذ 4 سنوات.

وأضاف: «حين نلقي نظرة على المنطقة بشكل عام، نجد أن كوت ديفوار هي قاطرة الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا، وتحتل مكانة مهمة في غرب أفريقيا، وهذا بسبب موقعها الاستراتيجي ونموها الاقتصادي. لذا، فإن كوت ديفوار بحاجة أكثر إلى الاستقرار، وإلى زيادة انخراط الشباب في العمل السياسي والتنموي».

الشباب... التحدي الأكبر

الشباب يشكّل حقاً التحدي الأكبر لكوت ديفوار. إذ عدد سكانها تجاوز 30 مليون نسمة، تشير الإحصائيات إلى أن نسبة 43 في المائة منهم تحت 15 سنة، وهو ما يطرح مشكلات كبيرة في المستقبل، على مستوى التعليم والصحة والتشغيل.

وفي هذا السياق، قال كوني مامادو: «من أجل دعم الاستقرار والاستجابة لمطالب الشباب، قرّر الحسن واتارا أن يكون عام 2023 عام الشباب، وذلك من خلال العمل على خلق بيئة اقتصادية، اجتماعية، شاملة، حتى يتمكن هذا الشباب من الظهور، والمشاركة في الحياة النشطة، حتى يضع نفسه في خدمة الأمة».

وأردف أن «مناخ الاستقرار الذي تعيشه كوت ديفوار يمنح الشباب الثقة الحقيقية، حيث يفتحون الشركات ويطلقون أعمالهم الخاصة، وهو ما لا يمكن أن يستمر دون استقرار، والرئيس الحسن واتارا هو الضامن لهذا الاستقرار، فمنذ تولى السلطة عام 2011، هناك استقرار. وبالتالي، فإن الشباب الإيفواري، من خلال هذا الاستقرار، بدأ يكتسب الثقة في نفسه».

وهكذا، يجد أكثر من 8 ملايين ناخب في كوت ديفوار أنفسهم أمام انتخابات حاسمة، يهيمن عليها الخوف من العودة إلى مربع الحرب الأهلية، الذي سبق أن اختبروه قبل 15 عاماً، وبالتالي يُجمع الشارع الإيفواري على أن مسؤولية النخبة السياسية تتمثل في تجنب التصعيد والعنف.


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.