إيران: بيان «جبهة الإصلاحات» يكشف عن واقع الانقسام الداخلي

اشتداد السِّجال حول أزمة الحكم حتى بعد «حرب مع إسرائيل»

شريعتمداري رئيس تحرير صحيفة كيهان خلال اجتماع مع الرئيس في يوليو 2025- الرئاسة الإيرانية
شريعتمداري رئيس تحرير صحيفة كيهان خلال اجتماع مع الرئيس في يوليو 2025- الرئاسة الإيرانية
TT

إيران: بيان «جبهة الإصلاحات» يكشف عن واقع الانقسام الداخلي

شريعتمداري رئيس تحرير صحيفة كيهان خلال اجتماع مع الرئيس في يوليو 2025- الرئاسة الإيرانية
شريعتمداري رئيس تحرير صحيفة كيهان خلال اجتماع مع الرئيس في يوليو 2025- الرئاسة الإيرانية

الخلافات بين التيارين الرئيسين في النظام السياسي الإيراني ليست جديدة، لكن الحرب التي استمرت 12 يوماً مع إسرائيل، والتوترات المتفاقمة مع الغرب، أعادت إشعالها بشكل ملحوظ، وأفرزت ديناميكيات جديدة عززت هذا التباين. هذا ما برز بوضوح خلال تطورات الأسبوعين الماضيين، رغم الخطاب الرسمي الذي يحرص على التأكيد بأن إيران باتت أكثر وحدة وتلاحماً مما كانت عليه قبل الحرب. ولقد أثارت دعوات «جبهة الإصلاحات» لإحداث تغييرات جذرية في نهج المؤسسة الحاكمة، بما في ذلك التخلي عن برنامج تخصيب اليورانيوم وخفض التوتر مع العالم الخارجي، غضباً واسعاً في الأوساط المحافظة، التي اتهمت الموقّعين على البيان بـ«الخيانة».

بزشيكان عقد ثالث اجتماع مع اعضاء جبهة الاصلاحات منذ توليه الرئاسة بعد أيام من انتهاء الحرب مع إسرائيل (الرئاسة الإيرانية)

تزداد في إيران وتيرة الضغوط على «الإصلاحيين» بالتوازي مع تحذير مكتب المرشد الإيراني علي خامنئي لمَن «يكرّرون خطاب الأعداء»؛ الأمر الذي طرح تساؤلات وشكوكاً بشأن صحة ما ردده المسؤولون عن التآزر والوحدة والمصالحة الداخلية.

الرئيس مسعود بزشكيان كان الأكثر إصراراً على تأكيد الوحدة الداخلية؛ تماشياً مع شعاره لتحقيق المصالحة الوطنية. إلا أنه أيضاً كان أول من أفصح عن التباينات في أعلى هرم السلطة بعدما شهدت البلاد تغييرات في أعلى هيئة أمنية تخضع لصلاحيات المرشد علي خامنئي، رغم الدور الرمزي للرئيس الإيراني. فبعد أيام من تعيين علي لاريجاني أميناً لمجلس الأمن القومي، قال بزشكيان لمجموعة من ممثلي وسائل الإعلام: «لا تريدون إجراء مباحثات؟ إذن، ما البديل؟ هل تريدون العودة إلى الحرب؟ لقد جاءوا وضربوا المنشآت النووية، وإذا أصلحناها سيعودون لضربها مجدداً».

أيضاً، حذّر بزشكيان من مواصلة تحدّي القوى الغربية، خصوصاً واشنطن، بقوله: «لا أتصور أننا بالخصومة يمكن أن نصل إلى أي نتيجة... إذا لم تتحاور معهم، فما الذي ستفعله؟ هل تريد أن نحارب؟... لم يقل أحد إنه عندما أتحدث سأذهب لأستسلم». وتعهّد بأنه لن يقوم بأي خطوة دون موافقة وتنسيق مع علي خامنئي، حتى وإن كانت مخالفة لرأيه الشخصي. وأردف: «باعتماد التنسيق لا ينبغي للآخرين الاعتراض، وما يصبّ في مصلحة البلد والشعب يجب تنفيذه».

مقترحات بيان الإصلاحيين أثارت غضب الأوساط المحافظة ضد التيار الإصلاحي وضد روحاني وظريف

بزشيكان يلتقي موظفي الوزارة الخارجية بعد الحرب (الرئاسة الإيرانية)

عاصفة من الانتقادات

أشعلت تصريحات بزشكيان هذه عاصفة من الانتقادات وصلت إلى حد تكرار التهديد الكلاسيكي لنواب البرلمان بطرح الثقة بالرئيس لعدم الأهلية السياسية. هذا وصفه أنصار بزشكيان بـ«سيناريو» الرئيس الإيراني الأول بعد ثورة 1979 أبو الحسن بني صدر، الذي عزله البرلمان من منصبه بعد خلافات مع المرشد الأول الخميني بشأن الحرب الإيرانية - العراقية في الثمانينات. وهو التهديد الذي واجه رؤساء سابقين في إيران، كان آخرهم حسن روحاني أثناء المفاوضات التي انتهت بالاتفاق النووي لعام 2015.

لم تقتصر الردود على نواب البرلمان ووسائل الإعلام المحافظة كصحيفة «كيهان»، بل جاء الرد سريعاً من المكتب السياسي في «الحرس الثوري» على لسان نائب مسؤول الشؤون السياسية، الجنرال عزيز غضنفري الذي قال «أخطاء الرئيس اللفظية تزداد في الأوقات الحرجة... ومجال السياسة الخارجية ليس مكاناً لقول كل الحقائق». وأضاف في مقال نشرته مواقع «الحرس الثوري» أن مجال السياسة الخارجية ليس مكاناً لذكر كل الحقائق... والعبارات غير الدقيقة من المسؤولين رفيعي المستوى تؤثر سلباً في عمل الحكومة وتزيد من صعوبة المهام في المجالين الخارجي والداخلي». وفي تحذير واضح، تابع: «التصريحات غير المدروسة تعود بالضرر الأكبر على الحكومة نفسها، وتجعل عملها في الساحة السياسية المعقدة، أكثر صعوبة».

«الإصلاحيون» يضغطون...

وحتى قبل أن تهدأ عاصفة تصريحات بزشكيان، وجّه الزعيم الإصلاحي مهدي كروبي صدمة أخرى للساحة السياسية، وانتقد في بيان صريح، البرنامج النووي، ورد على التصريحات الأخيرة للمرشد الإيراني علي خامنئي الذي قال أخيراً إن على الشعب أن يقترب من القمة، وعليه الصبر حتى حدوث ذلك. أما كروبي، فقال مخالفاً إن «النظام كان يريد أن يصل بالشعب إلى القمة عبر الطاقة النووية، بينما أوصل الأمة إلى قاع الهاوية... على المسؤولين العودة إلى الشعب وتوفير أرضية للإصلاحات الهيكلية القائمة على إرادة الأمة كي تبقى إيران، قبل فوات الأوان». وأبدى أسفه لما وصفه بـ«ابتعاد الناس عن الثورة والنظام بسبب سوء أداء المسؤولين».

وبموازاة كروبي، وجَّه الرئيس الأسبق حسن روحاني رسالة مطولة عبر فيديو نشره على موقعه الرسمي، تناول فيها مختلف جوانب الأوضاع الحالية. وتضمن الفيديو رسائل حساسة عدة مرَّرها بأسلوبه المعتاد، وعلى رأسها دعوته لخفض التوتر مع واشنطن، معتبراً ذلك «واجباً لا خياراً».

وشدَّد روحاني على ضرورة «صياغة استراتيجية وطنية محدثة تعكس إرادة الشعب، تقوم على تنمية البلاد وتعزيز الوحدة الوطنية»، محذراً: «من الاكتفاء بالشعارات من دون إصلاحات عملية لمعالجة الثغرات التي كشفتها الأحداث الأخيرة». وأضاف أن على القوات المسلحة والأجهزة الاستخباراتية التركيز على مهامها الأساسية، بعيداً عن الاقتصاد والدعاية والسياسة.

بدوره، وجَّه محمد جواد ظريف، وزير خارجية حكومة روحاني، وأحد مصمّمي الاتفاق النووي لعام 2015، رسائل مماثلة عبْر مجلة «فورين بوليسي» الأميركية - المؤثرة إيرانياً - دعا فيها لـ«تغيير المنظور والانتقال من نموذج التهديد إلى «نموذج الفرصة». وشدَّد على ضرورة عودة إيران والغرب إلى طاولة المفاوضات.

مع تنوعها، عكست هذه المواقف قلقاً داخلياً من التهديدات بشن حرب جديدة واحتمال تفاقم الأزمة مع الولايات المتحدة والتلويح الإسرائيلي باستهداف المرشد الإيراني ودعوات رئيس الوزراء الإسرائيلي للإيرانيين بالنزول إلى الشارع وتغيير نظام الحكم.

بيان «جبهة الإصلاحات»

من جهة ثانية، جاء بيان بعنوان «المصالحة الوطنية: فرصة ذهبية للتغيير والعودة إلى الشعب»، ليؤكد هذه المخاوف.

البيان تضمن «خريطة طريق» من 11 بنداً، لإحداث تغييرات أساسية في السياسة الخارجية، ومنها التوقف الطوعي عن تخصيب اليورانيوم، وقبول رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والدخول في مفاوضات شاملة مع واشنطن، وخفض التوتر مع الدول الغربية والتعاون مع دول المنطقة، خصوصاً المملكة العربية السعودية.

لكن المقترحات التي جاءت بعد شهرين من حرب مدمرة مع إسرائيل وضربات أميركية استهدفت المنشآت النووية الإيرانية، أثارت غضب الأوساط المحافظة ضد التيار الإصلاحي وضد روحاني وظريف. وبلغت الانتقادات ذروتها مع دخول مكتب المرشد الإيراني على الخط، عبر صحيفة «صوت إيران»، التي حذّرت التيار الإصلاحي من «ملء مخزن ذخيرة أعداء البلاد».

وأضافت الصحيفة في مقال افتتاحي، الثلاثاء، أن «ترديد مزاعم باطلة حول قضايا حساسة، كالنشاط النووي والتخصيب، عبر إعادة إنتاج القائمة التي أملاها الأميركيون، وفي ظل ظروف وقف إطلاق النار، لا يخدم إلا العدو ويبعث فيه الأمل بتحقيق مآربه».

الصحيفة اتهمت مراكز أبحاث أميركية بإطلاق حملة تأثير متعددة الوسائط داخل إيران في أعقاب الحرب التي استمرت 12 يوماً مع إسرائيل. وعدَّت أن هدف الحملة «إثارة نقاش داخلي ضد البرنامج النووي الإيراني وترسيخ فكرة أن الطموحات النووية هي مصدر انعدام الأمن لا مصدر الأمن». ورأت أن «عوامل متعددة أسهمت في إفشال المخططات الأميركية الأخيرة، لكن العامل الأهم والأبرز كان وحدة الشعب وتماسكه، وهي النقطة التي يسعى العدو لاستهدافها قبل أي شيء آخر».

وعكس المقال «غضب» أعلى المستويات في إيران في البيان الذي صدر الأحد الماضي، من «جبهة الإصلاحات» التي تشكل خيمة لأكثر من 30 حزباً في التحالف الإصلاحي الداعم للحكومة الحالية. وتعدّ مقرّبة من الرئيس الإصلاحي الأسبق محمد خاتمي.

خامنئي خلال مراسم حداد على قادة عسكريين وعلماء قُتلوا في حرب الـ12 يوماً مع إسرائيل 29 يوليو 2025 (موقع المرشد)

...وهجوم المحافظين

من جهتها، تساءلت صحيفة «كيهان» التابعة لمكتب المرشد الإيراني، ما إذا كان «بيان جبهة الإصلاحات أو الترجمة الفارسية لخطاب نتنياهو». ووصف حسين شريعتمداري، رئيس تحرير الصحيفة وممثل المرشد الإيراني، الموقّعين على بيان «الجبهة» بـ«الطابور الخامس للعدو». وأنه «بعد هزيمة إسرائيل وأميركا، في الحرب التي استمرت 12 يوماً، تبدّد حلمهم المعلن رسمياً بتغيير النظام».

وأدلت بدلوها وكالة «فارس»، أبرز وسائل الإعلام التي يديرها «الحرس الثوري» وتلعب دورها أساسياً في الساحة الإعلامية، فاعتبرت أن كثيرين «يرون أن بيان جبهة الإصلاحات تتماشى مع أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل في الحرب الأخيرة». وأضافت: «البيان لم يتمكن أبداً من جذب انتباه الناس... الرصد الميداني وبيانات شبكة الإنترنت تظهر أنه قد نوقش فقط في الأوساط السياسية... لكن أهمية هذا الموضوع تكمن في أن مواقف هذا التيار غدت واضحة لكثيرين، خاصة في الظروف الأخيرة».

وألقت الوكالة باللوم على مقربين من الرئيس الأسبق محمد خاتمي، على رأسهم الناشط إبراهيم أصغر زاده، الذي يترأس اللجنة السياسية في «جبهة الإصلاحات»، والناطق باسم «الجبهة» الناشط الإصلاحي جواد أمام.

من جهتها، ذكرت صحيفة «وطن امروز» المحافظة أن البيان يشجّع الولايات المتحدة وإسرائيل على شن هجوم عسكري جديد ضد إيران. وأردفت: «في الواقع، قدّمت جبهة الإصلاح من خلال هذا البيان تنظيراً للتراجع والاستسلام، واعتبرت - عن طريق الخطأ - أن التراجع هو الحل للخروج من الوضع الراهن، بل وذهبت إلى حد اتهام النظام بأنّه في حال اندلاع حرب جديدة، فإن مسؤوليتها ستقع على عاتق الجمهورية الإسلامية».

وأدان حزب «مؤتلفة الإسلامية»، أبرز الأحزاب المحافظة وهو التكتل السياسي التقليدي لتجار البازار، بيان «جبهة الإصلاحات». واتهم التيار الإصلاحي بـ«إضعاف الروح المعنوية الوطنية... والاستقطاب الحزبي وخلق انقسام داخلي وإيحاء الضعف واليأس والترويج لمفاوضات شاملة، وإضعاف المؤسسة العسكرية والأمنية، وإرسال رسالة ضعف إلى العدو، وإظهار النظام بمظهر المخطئ وتجاهل الحقائق الإقليمية».

وقال الحزب إن دعوة الإصلاحيين لوقف تخصيب اليورانيوم، والتعاون التام مع الوكالة الذرية والجلوس على طاولة مفاوضات شاملة مع واشنطن «تطالب عملياً بنزع السلاح الاستراتيجي لإيران. بينما أظهرت تجربة الحرب الأخيرة التي استمرت 12 يوماً أن الأعداء لا يفكرون إلا في تقسيم وتدمير استقلال البلاد».

ورأى الحزب أن «تجاهل دعم محور المقاومة وحتى طرح تطبيع العلاقات مع أميركا، ابتعاد واضح عن مبادئ الثورة والمرشد، ويؤدي عملياً إلى تقوية الكيان الصهيوني... واقتراح مفاوضات مباشرة مع أميركا وتعليق التخصيب هو تكرار لسياسة (بناء الثقة من جانب واحد) الفاشلة التي ثبتت في تجربة البرنامج النووي ولم تؤد إلا إلى وعود جوفاء وزيادة الضغوط».

واتهم بيان «مؤتلفة»، التيار الإصلاحي بطرح مطالب «غير واقعية وفئوية»، مشيراً على وجه التحديد إلى طلب الإصلاحيين لإلغاء دور مجلس صيانة الدستور في الانتخابات، وحل المؤسسات الموازية وخروج القوات العسكرية من السياسة والاقتصاد». وقال إن هذه الدعوات «تتماشى مع مواقف أميركا والصهيونية، ومصممة لتمكين عودة تيار محدد إلى السلطة»، في إشارة إلى الإصلاحيين. كذلك اتهم الإصلاحيين بالانسجام مع أعداء الخارج لاستخدامهم عبارات مثل «يأس وقلق الشعب» أو «خطر الانهيار التدريجي». وقال البيان إن ذلك «يعكس مباشرة خطاب الأعداء في الظروف الحربية ويعدّ مثالاً على (الطعن من الخلف) للشعب والنظام».

ومن ثم انتقد البيان «الصورة القاتمة» التي قدمتها «جبهة الإصلاحات» من «تجاهل الإنجازات الوطنية والدور البارز للقوات المسلحة وأجهزة الاستخبارات في الحرب التي استمرت 12 يوماً».

أيضاَ انتقادات داخل «المعسكر الإصلاحي»

في المقابل، لم يعبّر سوى حزب إصلاحي واحد وبعض الناشطين الإصلاحيين عن تحفظاتهم إزاء بيان «جبهة الإصلاحات».

إذ ندد حزب «ندا» الإصلاحي المقرب من حلقة كمال خرازي، مستشار المرشد الإيراني، بالبيان. وانتقد النائب المعتدل السابق، علي مطهري حلفاءه «الإصلاحيين»، قائلاً: «حتى لو قبلنا بمراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإنهم سيطالبون بمطالب جديدة تتعلق بالصواريخ والمنطقة، ولن يتراجعوا حتى نقبل بحكم إسرائيل على المنطقة».

أيضاً احتجّ الناشط السياسي الإصلاحي محمد رضا جلايي بور على البيان، معتبراً أنه «يتناقض مع الواقع الإيراني... وهو في الحقيقة ليس أكثر من قائمة بالآمال والطموحات التي تتبناها جبهة الإصلاح، لكنه يفتقر إلى أي مسار عملي أو خطة واضحة لتحقيق أهداف واقعية».

وانتقد الصحافي الإصلاحي محمد قوجاني، رئيس تحرير صحيفة «سازندكي» الناطقة باسم تيار الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، البيان معتبراً أنه «يضعف حكومة بزشكيان». وحث الإصلاحيين على «التحلّي بالمسؤولية التاريخية والوقوف إلى جانب الرئيس، ودعم مؤسسات السياسة الخارجية والأمن الوطني».

وأخيراً، قال المحلل السياسي الإصلاحي أحمد زيد آبادي في مقال: «من حيث المبدأ، لست ضد مضمون بيان جبهة الإصلاحات الداعي إلى تعليق التخصيب؛ فأنا أتبنى هذا الطرح منذ أكثر من ثلاثين سنة. لكن إصدار البيان في هذا التوقيت كان خطأً؛ لأن أصحاب القرار لن يتأثروا به ما لم يقتنعوا داخلياً، بينما يوفّر البيان ذريعة مثالية للقوى المتشددة لتأليب دعايتها ضد الإصلاحيين».

مفترق طرق

هكذا، تكشف الأزمة التي فجّرها البيان الإصلاحي الأخير عن أن إيران تقف عند مفترق طرق حاسم بين مسارين متناقضين: التصعيد والمواجهة المستمرة، أو التهدئة والانفتاح.

وبينما تصر القوى المحافظة على ربط أي خطاب إصلاحي بتهديد الأمن القومي، يتمسك الإصلاحيون بالدعوة إلى إصلاحات هيكلية ومقاربات دبلوماسية لتخفيف التوترات الخارجية.

إلا أن عمق الأزمة يتجاوز الخلاف حول البرنامج النووي، ليعكس صراعاً عميقاً على هوية الدولة ومستقبلها في ظل تزايد المخاوف من أن استمرار الاستقطاب قد يفتح الباب أمام اهتزاز أركان النظام أو حتى سقوطه.


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.