«المظلّة النووية» الأوروبية... خطوة في مسيرة الألف ميل

صعوبات جدّية أمام استغناء أوروبا عن حماية واشنطن وإيجاد بديل لها

ماكرون وستارمر (أ.ب)
ماكرون وستارمر (أ.ب)
TT

«المظلّة النووية» الأوروبية... خطوة في مسيرة الألف ميل

ماكرون وستارمر (أ.ب)
ماكرون وستارمر (أ.ب)

يُجمع المحلّلون الاستراتيجيون على توصيف المرحلة الراهنة التي تجتازها أوروبا بـ«المفصلية»؛ نظراً للتحديات التي تواجهها، وهي معروفة: حرب أوكرانيا المتواصلة منذ ثلاث سنوات ونصف السنة، وحروب الشرق الأوسط وانعكاساتها على القارة القديمة، وتمرّد «الجنوب الشامل» وسعي قادته لإحداث تغيير في موازين القوى في العالم. غير أن الجانب اللافت أكثر من غيره هو «الضبابية» في العلاقات... أو ما يمكن تسميته «تلاشي اليقين» إزاء السياسة الأميركية منذ عودة الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في بداية العام الحالي.

ما يثير قلق الأوروبيين راهناً ثلاثة أمور: الأول، تغيّر السياق العسكري في أوروبا وخوف الأوروبيين من روسيا ومن طموحاتها، واعتبارهم أن الرئيس فلاديمير بوتين «لن يكتفي» بما سيحصل عليه من أوكرانيا في نهاية المطاف وأن طموحاته الأوروبية تذهب أبعد من ذلك؛ ولذا عليهم التأهب.

والثاني، تذبذب سياسة الإدارة الأميركية إزاء حرب أوكرانيا، وخوفها من أن تشيح واشنطن نظرها عما يحصل شرق أوروبا؛ كي تركز اهتمامها على الصين التي تعتبرها منافسها الاستراتيجي.

والثالث، أن يقرّر الرئيس الأميركي، في لحظة ما، أن الدفاع عن أوروبا مسؤولية الأوروبيين، وبالتالي... يتخلّى عن حلف شمال الأطلسي (ناتو) ويسحب المظلة النووية الأميركية عنهم، وهي المظلة التي تفيأوا ظلها طيلة عقود طويلة؛ الأمر الذي يجعلهم منكشفين أمام ما يعتبرونه «خطراً روسياً». ومن ثم، فهم الآن يجدّون البحث عن «بديل».

المظلة «البديلة» لا يمكن البحث عنها إلا لدى الدولتين النوويتين في أوروبا، وهما فرنسا وبريطانيا. من هنا، فإن زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بريطانيا، والتركيز في جانب منها على التعاون العسكري بين الطرفين، وتحديداً النووي، قد تشكّل انعطافة مهمة وخطوة أولى باتجاه التأسيس لرَدع نووي أوروبي. إلا أن تحقيق مشروع كهذا دونه عقبات كثيرة، أهمها: الانقسامات الأوروبية، وتمسّك دول عديدة في شرق أوروبا وشمالها بالحماية الأميركية التي وفّرت للقارة القديمة، منذ تأسيس «ناتو»، الأمن والسلام.

«إعلان نورثوود» البريطاني - الفرنسي

يمثّل الإعلان المشترك بعنوان «إعلان الجمهورية الفرنسية والمملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وآيرلندا الشمالية بشأن السياسة والتعاون في المجال النووي» حجر الأساس لتعزيز العلاقات الدفاعية بين الطرفين. ولقد جاء في فقرته الأولى، أنه «لا يوجد دليل أقوى على متانة وأهمية علاقتنا الثنائية من رغبتنا في التعاون في هذا المجال البالغ الحساسية».

بيد أن الأهم ورد في الفقرتين الثانية والثالثة؛ إذ جاء في الثانية ما يلي: «تهدف أسلحتنا النووية إلى ردع التهديدات القصوى لأمن بلدينا ومصالحنا الحيوية. قواتنا النووية مستقلة، لكنها قابلة للتنسيق، وتُسهم بشكل كبير في الأمن الشامل للتحالف وفي السلام والاستقرار في المنطقة الأوروبية الأطلسية». ونصّت الفقرة الثالثة على أنه «كما نعلن صراحة منذ عام 1995، أننا لا نتصوّر وجود حالة تُهدّد فيها المصالح الحيوية لأحد بلدينا، فرنسا والمملكة المتحدة، من دون أن تكون المصالح الحيوية للآخر مهددة أيضاً. و(اليوم) تتفّق فرنسا والمملكة المتحدة على أنه لا وجود لتهديد خطير ضد أوروبا لا يستدعي استجابة (رداً) من قبل بلدينا معاً».

يتضمّن الإعلان «المبدئي» نقلة نوعية لجهة التهديدات التي تبرّر لجوء البلدين لاستخدام السلاح النووي. فالعقيدة النووية السابقة التي تربط البلدين تعود إلى عام 1995، التي يتضمنها ما يُسمّى «إعلان تشيكرز» الذي يحصر الضغط على الزر النووي بالدفاع المتبادل بين باريس ولندن. ووفق «إعلان نورثوود»، فإن وظيفة نووي البلدين تذهب أبعد من ذلك؛ لأنه يشير إلى إمكانية اللجوء إلى قوة الردع النووية في حال «وجود تهديدات قصوى لأوروبا».

ولأن الطرفين يعتبران أن «الغموض الاستراتيجي» يُعدّ إحدى أوراق الردع، فإنّهما يمتنعان عن تعريف طبيعة «التهديدات القصوى» التي تستدعي ردّاً نووياً. كذلك، لا يفصح «الإعلان» عن هوية الدول المعنية بهذا الرد: فهل تشمل كل الدول المنتمية إلى الاتحاد الأوروبي (ناتو)، أي الدول التي تُعدّ «غربيةّ» بالمفهوم السياسي؟

اما الطريق للعمل بـ«العقيدة» النووية الجديدة فيمر بـ«تعميق التعاون والتنسيق النووي» بين الطرفين من خلال «إنشاء مجموعة توجيه نووية فرنسية - بريطانية لضمان التنسيق السياسي لهذا العمل، وهي ستُدار من قِبل رئاسة الجمهورية الفرنسية ومكتب رئيس الوزراء البريطاني، وستضطلع بدور تنسيقي في المجالات الاستراتيجية والقدراتية والعملياتية».

في المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقده ماكرون مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مساء العاشر من يوليو (تموز)، شدد الأول على أن «الزمن تغيّر» وأن التعاون العسكري بين بريطانيا وفرنسا يجب أن يأخذ بعين الاعتبار «مواجهة نزاع رئيس في أوروبا خلال السنوات القريبة المقبلة تشارك فيه دول متقدمة»، في إشارة لروسيا.

وتميل باريس، كما جاء في وثيقة «التهديدات الاستراتيجية» التي نُشرت يوم 14 يوليو الحالي، إلى اعتبار أن نزاعاً من هذا النوع يمكن أن يحصل قبل بلوغ عام 2030. وخلاصة الرئيس الفرنسي، أنه «في هذا السياق، يتعين على أوروبا أن تعرف أنها تستطيع الاعتماد على قطب استراتيجي نووي يجمع فرنسا والمملكة المتحدة».

ووصف ماكرون القرارات التي اتُخذت بأنها «جوهرية». واللافت، أنه في إشارته إلى «الاستجابة» المشتركة لـ«التهديد الخطير» لأوروبا، لم يستبعد استخدام السلاح النووي بقوله: «أياً كانت طبيعة هذه الاستجابة». ولأنه يعي أن المعارضة في بلاده، يميناً ويساراً؛ يمكن أن تأخذ عليه تفريطه بالسيادة الفرنسية وبقوة الردع التي تمتلكها، حرص كما في كل مرة يثار فيها هذا الموضوع، إلى التأكيد أن فرنسا وبريطانيا «ستبقيان بلدين مستقلين وذوي سيادة».

المنطلق الفرنسي - البريطاني الأول، أن الضغط على الزرّ النووي يجب أن يبقى «سيادياً»، بمعنى أن يبقى بين يدي السلطات المعنية في البلدين. ووصفت هيلوييز فاييه، الباحثة في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية أن ما تحقّق في بريطانيا يُعدّ «خطوة إضافية فعلاً بدرجة غير مسبوقة من التنسيق العسكري والسياسي»، معتبرة أنه «ينسجم مع العقيدة النووية الفرنسية، التي تعتبر أن المصالح الحيوية الفرنسية تتضمن بُعداً أوروبياً».

كذلك، فإنها ترى أنه يتماشى مع العقيدة البريطانية التي «تندرج تقليدياً ضمن إطار الحلف الأطلسي والتعاون مع الولايات المتحدة». وفي أي حال، فإن ماكرون دعا، منذ عام 2020، إلى إطلاق «حوار استراتيجي حول دور الردع النووي الفرنسي في الحفاظ على أمننا الجماعي»، مضيفاً أن «للمصالح الحيوية الفرنسية بعداً أوروبياً». وقبل ماكرون، تطرّق كل الرؤساء الفرنسيين إلى «البعد الأوروبي» للردع النووي الفرنسي.

مظلة واحدة أم مظلتان أميركية وأوروبية؟

من جهة ثانية، في مقال نشرته صحيفة «لوموند» بتاريخ 10 مارس (آذار) الماضي تحت عنوان: «هل حان الوقت لنشر مظلة نووية أوروبية حقيقية فوق أوروبا؟»، ميّز كاتبه الباحث الاستراتيجي الفرنسي برونو لوتيرتريه بين «سيناريوهين»:

السيناريو الأول، سمّاه «الضمانة الإضافية»، التي تفترض بقاء المظلة النووية الأميركية - الأطلسية، وأن يعمد الأوروبيون بالاستناد إلى فرنسا وبريطانيا إلى تطوير مظلة نووية «رديفة»، الغرض منها توفير مزيد من الطمأنة للأوروبيين، ولكن من غير الانقطاع عن الحليف الأميركي ما يمكن أن يعني أيضاً استباق انسحاب أميركي قد يحصل في المستقبل والتأهب لهذا الاحتمال. ومن المعلوم أن الولايات المتحدة تنشر، منذ سنوات، أسلحة نووية في ألمانيا، وبلجيكا، وإيطاليا، وهولندا وتركيا في إطار ما يسمى «تقاسم الأسلحة النووية». إلا أن مفتاح الاستخدام موجود في واشنطن ولا يمكن الوصول إليه إلا بالحصول على ضوء أخضر أميركي.

أما السيناريو الآخر، فسماه تيرتريه «الضمانة الرئيسة». وهو يتعلّق بانحسار المظلة الأميركي، وحاجة الأوروبيين المطلقة إلى التنسيق فيما بينهم للنظر في كيفية الاستفادة من القدرات النووية الفرنسية والبريطانية وتأمين ورقة ردع نووية ذاتية تتمتع بالمصداقية «في نظر موسكو».

حقيقة الأمر، أن «المظلة» الأوروبية لن ترى النور غداً، وما جاء في الإعلان البريطاني - الفرنسي ليس سوى خطوة في مسار الألف ميل. بل، إذا كان صحيحاً أن العقيدة النووية الفرنسية أشارت منذ ما قبل ماكرون إلى «البعد الأوروبي» لقدرات الردع الفرنسية، فإن ذلك بقي مجرد صيغة إنشائية تتردّد في البيانات والخطب، من دون مضمون جدّي.

إلا أن وصول فريدريتش ميرتس إلى المستشارية في برلين سرّع البحث في هذا المجال. ومنذ ما قبل تسلّمه مهماته رسمياً يوم 6 مايو (أيار) الماضي، طرح ميرتس إشكالية «المظلة» الأوروبية، معرباً عن «انفتاحه» لتوسيع رقعة الحماية النووية الفرنسية - البريطانية. وقال ميرتس في مقابلة صحافية مع إذاعة «دويتشه لاند فونك» يوم 6 مارس الماضي حرفياً: «علينا ببساطة أن نصبح أقوى معاً في مجال الردع النووي في أوروبا؛ إذ إن الوضع العالمي، وخاصة القضايا الأمنية الحالية، يتطلب منّا نحن الأوروبيين أن نناقش هذا الموضوع معاً»، مشدداً على أن النقاشات يجب أن تشمل فرنسا وبريطانيا.

ماكرون يرى أن «الزمن تغيّر» وأن التعاون العسكري بين بريطانيا وفرنسا يجب أن يتحسّب لنزاع كبير في أوروبا خلال سنوات قليلة

ووفق المستشار الألماني الجديد، فإن الغرض من المناقشات هو «معرفة ما إذا كانت ألمانيا قادرة على الاستفادة من المشاركة النووية (مع باريس ولندن) أو على الأقل الحصول على الأمن النووي». بيد أنه حرص على تأكيد أمرين: الأول، أن المظلة الأوروبية «يجب أن تكون مُكملة للمظلة النووية الأميركية التي نرغب بالطبع في الإبقاء عليها». والآخر أن ألمانيا «لن تتمكّن ولن يُسمح لها بامتلاك السلاح النووي». وللتذكير، فإن ألمانيا وقَّعت على معاهدة منع انتشار السلاح النووي. ولكن مع عودة ترمب إلى البيت الأبيض، ثمة أصوات من داخل حزب ميرتس (الاتحاد الديمقراطي المسيحي) ومن اليمين المتطرف (حزب البديل لألمانيا) تدعو بالفعل إلى أن تمتلك ألمانيا سلاحاً نووياً.

المستشار الألماني ميرتس (آ ف ب)

الجدل الألماني

ولكن لا يتوقّف الاهتمام بالمظلّة الأوروبية عند الحدود الألمانية. إذ إن بولندا، بدورها، مهتمة للغاية. وقال رئيسها أندريه دودا، في تصريح لقناة «إل سي آي» الإخبارية الفرنسية، يوم 6 مارس الماضي، إن بلاده «ترحب» بأن تمتد المظلة الفرنسية النووية لتحمي شركاء أوروبيين، مضيفاً أن «المصالح الحيوية الفرنسية تبدأ في بولندا، كما أنها تمتدّ إلى أوكرانيا». وفي نظره، انفتاح باريس، في هذا السياق، «يعكس إحساساً بالمسؤولية» إزاء حماية أوروبا من اعتداء خارجي. بيد أن النقاش حمي وطيسه في ألمانيا مع كلام يانس سباهن، رئيس مجموعة نواب اليمين الديمقراطي المسيحي في «البوندستاغ»، الذي أثار جدلاً واسعاً بقوله لصحيفة «فيلت أم سانتونغ» في أول يوليو: «يجب علينا أن نناقش موضوع إيجاد مظلة نووية أوروبية مستقلة، ولن ينجح ذلك إلا بقيادة ألمانية». وأردف سباهن: «إذا لم نتمكن من توفير رادع نووي، سنتحول بيدقاً في السياسة العالمية». وخلاصته، أن على ألمانيا «مناقشة مشاركتها ومشاركة أوروبا في الترسانة النووية لفرنسا وبريطانيا. ومع أن ذلك سيكون مكلفاًً، لكن لحمايتنا يتوجب علينا تمويله».

وجاء الرد عليه سريعاً من ميرتس، بعد ذلك بقليل؛ إذ قال الأخير خلال مؤتمر صحافي، في برلين، مع لوك فريدن، رئيس وزراء لوكسمبورغ: «يجب بذل كل جهد ممكن للحفاظ على المشاركة النووية للولايات المتحدة في السنوات، بل في العقود المقبلة». ولمزيد من الإيضاح؛ أضاف أن الغرض «ليس الاستعاضة عن الضمانات التي توفرها الولايات المتحدة بضمانات لأوروبا... وليست هناك مبادرات ملموسة، بل جُلّ ما هو متوافر بعض النقاشات مع الجانب الفرنسي».

المتابعون يدركون أن المسألة النووية بالغة الحساسية في ألمانيا التي تخلّت بموجب المعاهدة المسماة «2 زائد 4» الموقّعة في موسكو، في ديسمبر (كانون الأول) 1990 عن إنتاج وامتلاك أو السيطرة على أسلحة نووية أو كيماوية أو بيولوجية. وكانت الدول الموقّعة يومذاك: ألمانيا الغربية والشرقية إضافة إلى الدول الحليفة الأربع بريطانيا، وفرنسا، والولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي (قبل انهياره). وكان ذلك هو الثمن الذي دفعه الألمان لقبول إعادة توحيد بلادهم. لكن اقتراب الخطر الروسي وانعدام الثقة بديمومة الحماية الأميركية يدفعان الألمان إلى إعادة النظر بوضعهم العسكري والاستراتيجي ويجعلهم يبحثون عن «البديل» مع الإعلان عن تمسكهم بالحماية الأميركية. وجوهر ما يقوله ميرتس عن الحاجة إلى بقاء الالتزام الأميركي أوروبياً «لسنوات وعقود» وجود علامات استفهام جدية حول قيام مظلة نووية أوروبية. إذ ثمة أسئلة تُطرح حول كفاية القوة النووية الفرنسية - البريطانية التي لا يتعدى حجمها الـ525 رأساً نووياً لتشكل قوة ردع فاعلة ولحماية أوروبا أو بعض منها.

فضلاً عن ذلك، فإن القوة البريطانية مرتبطة عضوياً وصناعياً بالولايات المتحدة. وبالتالي، لا تمتلك لندن الحرية الكاملة للتصرف بما تملكه. ثم إن تأسيس قوة أوروبية يفترض انطلاق مناقشات معقدة وصعبة مقرونة بانقسامات داخلية أوروبية بين مَن يروّج للاستقلالية الاستراتيجية ومَن يتمسك بالأهداب الأميركية. وعليه، فالسيناريو المرجّح عنوانه البحث عن مظلة نووية فرنسية - بريطانية «مُكملة» لا «بديلة» فعلية للمظلة الأميركية.


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.