الصين وإيران وإسرائيل... لعبة التوازن في شرقٍ يتغير

حول صمت «التنين» الكبير إزاء أحدث حروب المنطقة

آثار القصف الإسرائيلي على طهران (رويترز)
آثار القصف الإسرائيلي على طهران (رويترز)
TT

الصين وإيران وإسرائيل... لعبة التوازن في شرقٍ يتغير

آثار القصف الإسرائيلي على طهران (رويترز)
آثار القصف الإسرائيلي على طهران (رويترز)

تعود العلاقات بين الصين وإيران إلى آلاف السنين حين كانت «طريق الحرير» القديمة الرابط الحيوي بين حضارتين عظميين. في عمق التاريخ هذا، لم تكن تلك الطرق مجرد مسارات تجارية لنقل البضائع، بل كانت أيضاً جسوراً للتبادل الثقافي والفكري والديني بين الشرق والغرب. وبالفعل تبادل الفرس والصينيون السلع... من الحرير والتوابل إلى الأحجار الكريمة والتقاليد الفنية. وكانت هذه العلاقات تضرب بجذورها في التقاليد والسياسات والتأثيرات الثقافية التي ظلت تلون هذه العلاقات حتى اليوم. وعبر القرون شكّل هذا التفاعل أساساً متيناً لشراكة استراتيجية معاصرة تتجاوز مجرد المصالح الاقتصادية، لتصل إلى تلاقح حضاري يعكس طموحات مشتركة لعالم متعدد الأقطاب وأكثر توازناً. ثم، بالإضافة إلى الروابط التاريخية، شهدت العلاقات الصينية الإيرانية في العصر الحديث تطوراً متسارعاً، خاصة بعد إطلاق بكين مبادرة «الحزام والطريق» عام 2013 التي تضع إيران في موقع جيوستراتيجي بالغ الأهمية بصفتها «نقطة وصل» حيوية بين آسيا الوسطى والشرق الأوسط. وفي هذا الإطار، أبدت الصين التزاماً واضحاً بالاستثمار في تحديث البنية التحتية الإيرانية، من طرق وسكك حديدية وموانٍ، لتسهيل تدفق البضائع والطاقة بما يعزّز فرص التنمية الاقتصادية المشتركة ويقوي الترابط الإقليمي، رغم أن وتيرة التنفيذ الفعلي لا تزال محدودة بفعل العقوبات والظروف الجيوسياسية.

اليوم في مشهد إقليمي متقلّب، ووسط صواريخ متبادلة وتصريحات حادة وتدخلات مباشرة، ظهر الموقف الصيني كما اعتاد العالم رؤيته خلال السنوات الأخيرة: هادئاً ومتريثاً، وإن كان كما يرى مراقبون راصدون «محمّلاً برسائل مدروسة تتجاوز اللحظة».

وحقاً، يلاحَظ أنه حين اندلعت المواجهة العسكرية الأخيرة بين إيران وإسرائيل في منتصف يونيو (حزيران) 2025، وقفت بكين في موقع ليس محايداً تماماً ولا منحازاً لأحد، بل في موقع مَن يعرف كيف يدير التوازنات ولا يحترق بشظاياها.

ومن جهة ثانية، عُرفت القيادة الصينية، ولا سيما خلال العقود الأخيرة، بقدرتها على إدارة علاقاتها الدولية ضمن سياسة «الحياد النشط» التي تمكّنها من المحافظة على مصالحها الحيوية من دون الدخول في صراعات مباشرة.

هذا الأسلوب أتاح ويتيح لبكين أن تكون لاعباً محورياً في الملفات الأكثر تعقيداً، لكونها تدير شبكة من العلاقات المتوازنة مع عدة أطراف متنازعة. وفي الشرق الأوسط، تحديداً، فإن استراتيجيتها ترتكز على تجنب الاصطفاف مع أي جهة بشكل كامل، ومن ثم الحرص على التمسك بالحوار والتفاوض والسعي لتخفيف التوترات التي قد تهدد «أمنها الاقتصادي»... خاصة في مجال الطاقة.

وقف إطلاق النار

يوم 24 يونيو 2025، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ما وصفه بـ«وقف إطلاق نار شامل وكامل» بين إسرائيل وإيران، وأعرب عن أمله بأن يتحول إلى اتفاق دائم. وكانت قد سبقت الإعلان أيام من القصف المتبادل والتهديدات النووية التي حبست أنفاس المنطقة والعالم، وبلغت ذروتها مع دخول الولايات المتحدة بشكل مباشر على خط التصعيد، عبر تنفيذ ضربات على منشآت نووية إيرانية في سابقة عدّتها طهران انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي.

لقد بدا الإعلان مفاجئاً، لكنه لم يكن معزولاً عن الضغوط الدولية المتزايدة، خاصةً مع اقتراب الأمور من حافة انفجار يصعب احتواؤه. والحقيقة، أن هذا الإعلان من جانب واشنطن كان يحمل دلالات مهمة على أكثر من مستوى. فهو يعكس رغبة في احتواء المواجهة، لكنه أيضاً يشير إلى رغبة في إعادة ترتيب الأوراق الإقليمية والدولية بما يتلاءم مع مصالح القوى الكبرى من دون السماح لأي تصعيد بأن يخرج عن السيطرة.

الصين، بطبيعة الحال، تابعت هذا التطوّر بعناية، لكونها تدرك أن استمرار النزاع ستكون له تبعات سلبية على أمن الطاقة واستقرار الأسواق العالمية، وبالأخص، في ظل الاعتماد الكبير على النفط الإيراني والصادرات الصينية.

بكين حاضرة

في تلك اللحظة لم يكن صوت الصين عالياً لكنها كانت حاضرة في خلفية كل مشهد. من نيويورك إلى بكين إلى طهران... كانت تتحرّك بخفة غير مرئية، لكنها فعالة. وفي جلسة مجلس الأمن الدولي خرج المندوب الصيني فو تسونغ بموقف غير تقليدي؛ إذ حمّل واشنطن المسؤولية الكاملة عن أزمة الملف النووي الإيراني، مذكّراً بانسحابها الأحادي من الاتفاق النووي عام 2018، وفرضها سياسة «الضغط الأقصى» التي أدت – وفق رأي بكين – إلى انهيار التفاهمات وتسبّبت لاحقاً في التصعيد الحالي.

في هذه الخطوة أكدت الصين موقفها الداعم للدبلوماسية ولحلول الحوار، منتقدة السياسات التي تقود إلى التصعيد والتوتر، وموضحة أن «الحروب والتهديدات ليست الطريق الصحيح، وبالأخص، في ملف حساس كالقضية النووية».

مصلحة صينية في الاستقرار الإقليمي

هذا الموقف المعبر عنه في مجلس الأمن يعكس إدراك الصين أن تعزيز الاستقرار في المنطقة يصب في مصلحتها، وأن تحييد الشرق الأوسط عن المواجهات المسلحة وفتح المجال أمام حل سياسي شامل... هو السبيل الوحيد لتثبيت دورها بوصفها لاعباً دولياً فاعلاً.

ثم إن المندوب الصيني عدّ أيضاً الضربات الأميركية والإسرائيلية على منشآت نووية إيرانية «انتهاكاً خطيراً» للقانون الدولي، و«سابقة تهدد نظام منع الانتشار العالمي». ولاحظ المندوب أن طهران «ما زالت ملتزمة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية رغم كل الضغوط»، وأن «المسار الدبلوماسي لم يُغلق من طرفه، بل أُضعف بفعل سياسات الإملاء والازدواجية».

في سياق موازٍ، هذا الموقف يتقاطع مع مصالح الصين في الحفاظ على استقرار مبادرة «الحزام والطريق» التي تمر عبر منطقة الشرق الأوسط، ولا تستطيع تحمّل أي اضطرابات كبيرة قد تعيق تنفيذ المشاريع التنموية الكبرى التي تربط الصين بالعالم. وعلاوة على ذلك، تمثل إيران في هذا السياق «نقطة مركزية»، إذ إن استمرار العلاقة المتينة بينها وبين الصين، يوفر للصين مصدراً أساسياً للطاقة، وأيضاً فرصاً اقتصادية استثمارية مهمة.

بالتوازي، كان الرئيس الصيني شي جينبينغ يتكلم مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين. والموقف الصيني جاء على لسانه واضحاً، ألا وهو، أن استمرار التصعيد سيقود إلى نتائج كارثية لا على طرفي النزاع فحسب، بل على المنطقة والعالم أيضاً. وحقاً، دعا شي إلى «الوقف الفوري لاستخدام القوة، وبخاصة من جانب إسرائيل»، وشدّد على أن «حماية المدنيين واحترام القانون الدولي لا يمكن أن يكونا موضع تفاوض أو استثناء». لكنه أضاف: «ما هو أهم أن العالم يدخل طوراً جديداً من الاضطراب والتحول»، وأن الشرق الأوسط «بات نموذجاً مصغّراً لهذا الانتقال من نظام أحادي القطبية إلى عالم يتشكّل على أنقاضه».

لقاء صيني - إيراني... ضمن استراتيجيتي التلاقي بين القوتين الآسيويتين (وزارة الخارجية الصينية)

عالم متعدد الأقطاب

هذا التحول في النظام الدولي بات أكثر وضوحاً مع تنامي طموحات الصين لإرساء عالم متعدد الأقطاب. إذ لا ترغب بكين في أن تحل محل واشنطن بوصفها «قوة مهيمنة»، بل تسعى إلى «تقاسم السلطة العالمية» في إطار نظام يحترم التنوع والاختلاف بين الدول، ويمنع فرض إرادة طرف واحد على الجميع. وهذا الطموح يعزّز من أهمية الصين بوصفها لاعباً رئيساً في الشرق الأوسط، حيث تعمل على تعميق علاقاتها وتوسيع نفوذها من خلال مبادرات اقتصادية وتنموية مستدامة، تعكس رؤيتها للاستقرار الشامل بدلاً من التوتر العسكري.

والحال، أنه منذ سنوات، تسعى الصين بهدوء وبعيداً عن الشعارات إلى «إعادة تشكيل النظام الدولي ليكون أكثر توازناً وعدالة وقائماً على التعددية القطبية بدل الهيمنة الأحادية». وكما سبقت الإشارة، فإنها لا تسعى إلى أن تحل محل واشنطن بوصفها قوة مهيمنة، بل لأن تكون لاعباً محورياً في نظام دولي جديد تتوزّع فيه مراكز القرار وتُحترم فيه السيادة وتُبنى فيه الشراكات لا الاستتباع. وهذا الطموح لا يُترجم فقط في بيانات السياسة الخارجية، بل في السلوك العملي للصين من الشرق الأوسط إلى أفريقيا إلى آسيا الوسطى.

«الشراكة الاستراتيجية» الصينية الإيرانية

في هذا السياق، تأتي «الشراكة الاستراتيجية» بين الصين وإيران، التي تُرجمت باتفاق طويل الأمد وُقّع عام 2021 لمدة 25 سنة، بقيمة تتجاوز 400 مليار دولار، وهي تشمل مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل وحتى التعاون الأمني والعسكري.

هذا الاتفاق لم يكن مجرد عقد استثمار، بل رسالة إلى العالم مضمونها أن بكين ترى في طهران شريكاً استراتيجياً في مشروعها الأوسع، أي مبادرة «الحزام والطريق» التي تسعى إلى ربط الصين بالعالم من خلال البنى التحتية والشراكات الاقتصادية، بدل الجيوش والتحالفات العسكرية.

... وجسور مع إسرائيل

ولكن في المقابل، لم تقطع بكين جسورها مع إسرائيل، بل تواصل الشركات الصينية الاستثمار في موانيها وتحتفظ بعلاقات تقنية وتجارية متقدمة معها. وهكذا تبقى السياسة الصينية متوازنة وخياراتها مفتوحة... أساسها الاستثمار من دون انحياز والربط من دون قيود. فبين هذين الطرفين، تمارس بكين «دبلوماسية حذرة» لكنها أيضاً «دبلوماسية مدروسة».

إنها ليست حيادية بالكامل، وليست صدامية. لا تطلق تهديدات، لكنها ترفض أن تُستفز. تتكلّم عن احترام السيادة لكنها لا تُهمل المصالح. وعبر كل ذلك تواصل بكين بناء صورة القوة المسؤولة التي لا تبحث عن أدوار بطولية في الإعلام، بل عن نتائج واقعية على الأرض.

وهنا، يشدد مراقبون على أن الصين أظهرت فعلاً في هذه الأزمة، كما في غيرها، أن صمتها ليس غياباً بل هو أسلوب عمل. وأن حضورها الهادئ أكثر تأثيراً من عواصف التصريحات، ولا سيما أنها لا تسعى إلى خلق أعداء بل إلى بناء توازنات. ولا تمانع أن يُحسب موقفها على قاعدة المصالح لا التحالفات... وذلك «لأن مشروعها الأكبر هو أن يصبح العالم متعدد الأقطاب حيث لا تفرض دولة واحدة معاييرها على الجميع بل تُبنى السياسات على التفاهم والشراكة».

ختاماً، تدرك القيادة الصينية جيداً أن الشرق الأوسط، بكل ما فيه من نفط وتوترات ونفوذ أميركي تقليدي، ليس «ساحة مؤقتة»، بل هو «ممرٌ إجباري» نحو النظام العالمي المقبل. ومن ثمّ، كلما اشتدت الأزمات فيه حرصت بكين على زيادة حضورها وصبرها. بل كلما سقطت أقنعة القوة التقليدية، بدا أن الصعود الهادئ لـ«التنين» الكبير لم يعد مجرد احتمال بل غدا واقعاً يتشكّل بصمت.

لا تسعى بكين لأن تحل محل واشنطن بل لأن تكون لاعباً محورياً في نظام دولي جديد تتوزّع فيه مراكز القرار

واشنطن غير مرتاحة للتقارب الاقتصادي الصيني ــ الإسرائيلي

تعود العلاقات الدبلوماسية بين الصين وإسرائيل إلى عام 1992، لكن سبقتها اتصالات غير رسمية منذ أواخر السبعينات عندما بدأت بكين، بعد انفتاحها الاقتصادي، عملية توسيع علاقاتها خارج إطار «الحرب الباردة» التقليدي. ومنذ مطلع الألفية شهدت العلاقات تطوراً سريعاً خاصة في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية. لقد استثمرت شركات صينية في مشاريع بنى تحتية ضخمة داخل إسرائيل، من بينها تطوير وتشغيل أجزاء من ميناءي حيفا وأشدود، فضلاً عن تنفيذ مشاريع في النقل والاتصالات. وفي المقابل شكّلت التكنولوجيا الإسرائيلية، وخصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والزراعة الذكية، عامل جذب مهماً للصين التي تسعى إلى اكتساب تقنيات متقدمة عبر شراكات واستثمارات مشتركة. مع هذا، لم يخلُ هذا التقارب من ضغوط أميركية متصاعدة، خاصة في عهد إدارة الرئيس دونالد ترمب؛ إذ عبّرت واشنطن عن قلقها من مشاركة الصين في مشاريع استراتيجية داخل إسرائيل. واستجابةً لذلك، بدأت تل أبيب تعيد النظر في بعض عقودها مع الشركات الصينية، وشكلت لجنة رقابة على الاستثمارات الأجنبية، ما أدى إلى إبطاء مسار التعاون الصيني - الإسرائيلي في بعض المجالات الحساسة. في المقابل، رغم هذا التعاون، لم تُغيّر الصين موقفها الثابت المؤيد للقضية الفلسطينية. للعلم، منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية اعترفت بكين بدولة فلسطين ودعمت منظمة التحرير الفلسطينية، وأكدت مراراً دعمها «حل الدولتين» وفق حدود 1967، ورفضت الإجراءات الإسرائيلية الأحادية مثل بناء المستوطنات أو تهويد القدس. وخلال السنوات الأخيرة، أمام تصاعد العدوان الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية، دعت بكين تكراراً إلى وقف فوري لإطلاق النار، وأكدت أهمية حماية المدنيين واحترام القانون الدولي، وشددت على ضرورة استعادة الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني وحقه في إقامة دولة مستقلة ذات سيادة ضمن حدود عام 1967. في المحصلة تحاول الصين أن تجمع بين «شراكة عملية» مع إسرائيل من جهة و«موقف مبدئي» مؤيد للفلسطينيين من جهة أخرى. وهذه معادلة صعبة، لكنها تنسجم مع فلسفة بكين في إدارة التوازنات الدقيقة بعيداً عن الاصطفاف الآيديولوجي والاستفزاز السياسي العلني.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث، ورئيس الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.