فوز نوبوا يدعم سياسات ترمب في أميركا الجنوبية

إنجاز مهم للرئيس اليميني في انتخابات الإكوادور


نوبوا يؤدي القسم الرئاسي إثر فوزه الكبير والمفاجئ في الإكوادور (أ.ف.ب)
نوبوا يؤدي القسم الرئاسي إثر فوزه الكبير والمفاجئ في الإكوادور (أ.ف.ب)
TT

فوز نوبوا يدعم سياسات ترمب في أميركا الجنوبية


نوبوا يؤدي القسم الرئاسي إثر فوزه الكبير والمفاجئ في الإكوادور (أ.ف.ب)
نوبوا يؤدي القسم الرئاسي إثر فوزه الكبير والمفاجئ في الإكوادور (أ.ف.ب)

بعد حملة انتخابية محمومة وسط اضطرابات أمنية غير مسبوقة، استدعت تكليف الجيش التصدي لعصابات الاتجار بالمخدرات والمنظمات الإجرامية المسلحة، حقق الرئيس الإكوادوري دانيال نوبوا نصراً غير متوقع لينتزع ولاية رئاسية ثانية حتى عام 2029. نوبوا، الثري اليميني المتشدد، تغلب على منافسته اليسارية لويزا غونزاليس التي رفضت الاعتراف بفوزه، متهمة أجهزة الدولة بارتكاب «أبشع عملية تزوير انتخابية»، وطالبت بإعادة فرز الأصوات تحت رقابة محايدة. لكن نوبوا، الذي ينتمي إلى إحدى أغنى العائلات في الإكوادور، رد بالقول: «لم يعد هناك أي شك حول الفائز في الانتخابات!».

نوبوا يؤدي القسم الرئاسي الرئاسي إثر فوزه الكبير والمفاجئ في الإكوادور (آ ب)

المفاجأة الأكبر في شأن انتخابات الرئاسة الإكوادورية هي أنه قبل يوم الاقتراع كانت كل التوقعات تشير إلى فوز ساحق لليسار الذي حذّرت مرشحته من محاولات حثيثة يبذلها المرشح اليميني تحضيراً للطعن في النتائج التي ستعلن فوزها المؤكد، وسيرفض تسليم السلطة. إلا أن ما حصل كان العكس تماماً، عندما أعلن المجلس الانتخابي أن اليمين حقق فوزاً ساحقاً - بفارق 12 نقطة - على اليسار الذي ما زال يتزعّمه من خارج البلاد الرئيس الأسبق الدكتور رافايل كورّيا.

يندرج الفوز الذي حققه دانيال نوبوا بولاية ثانية، وهو ما زال دون الأربعين من العمر، ضمن سياق محلي وإقليمي خاص، يتسم بالعنف الذي تغرق فيه الإكوادور منذ أكثر من سنتين. وكان سبب التزايد الكبير في أعمال العنف التي روّعت المواطنين في جميع أنحاء البلاد، والاصطفاف الواضح للحكومة التي يقودها نوبوا في المعسكر الموالي للإدارة الأميركية الجديدة، والوعود بأن التحالف مع واشنطن هو المدخل إلى معالجة الأزمة الاقتصادية الحادة التي تعاني منها الإكوادور.

تفويض للوكيل

لقد تولّى نوبوا الرئاسة منذ سنة ونيّف فقط، ليكمّل ولاية الرئيس السابق غيّرمو لاسّو - اليميني أيضاً - الذي اضطر إلى الاستقالة تحت وطأة الفضائح وعجزه عن ضبط الأوضاع الأمنية المتفاقمة. وعلى الأثر، كرّس نوبوا ما كان تبقّى من ولاية سلفه لتحضير فوزه في هذه الانتخابات الأخيرة التي كانت كل التوقعات تشير إلى تقدّم المرشحة اليسارية عليه بفارق كبير. وفي فبراير (شباط) الماضي تقدّم في الجولة الأولى على غونزاليس بفارق 17 ألف صوت.

تُجمع القراءات الأولى في نتائج هذه الانتخابات على أن العامل الأساسي في خطأ التوقعات والفارق الكبير الذي فاز به نوبوا على منافسته، كان مخاوف المواطنين من عودة اليسار إلى الحكم؛ وذلك بعد التجربة السابقة التي اتسمت بتفشي الفساد وقمع الحريات وتراجع الأداء الاقتصادي الذي فاقم الأزمة الاجتماعية وساعد على انتشار أعمال العنف.

ولكن كانت هناك عوامل أخرى، منها: إصرار الزعيم اليساري والرئيس الأسبق رافايل كورّيا على دعم نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا التي هاجر نصف مليون من مواطنيها إلى الإكوادور، وهؤلاء يذكّرون سكان الإكوادوريين يومياً بحال العيش في فنزويلا. وإخفاق المرشحة اليسارية في حشد تأييد السكان الأصليين الذين يشكّلون قوة انتخابية وازنة تجنح تقليدياً إلى دعم مرشحي اليسار في الانتخابات المحلية والوطنية. وأيضاً - وفق تحليلات مراقبين لهزيمة المرشحة اليسارية - نجاح حملة نوبوا في استخدام شعارات «اللعب على حبال الكلام»، التي أثمرت نتائج لصالح الأحزاب اليمينية في بلدان أخرى من أميركا اللاتينية، مثل «إكوازويلا»... للدلالة على أن وصول اليسار إلى الحكم سيدفع الإكوادور إلى نظام على غرار القائم في فنزويلا.

أيضاً، نجح نوبوا في الحملة الواسعة التي أطلقها لاستقطاب الذين تجاوزوا سن الـ65، وهؤلاء ليسوا ملزمين بالاقتراع الإجباري في الإكوادور؛ ما رفع نسبة المشاركة إلى رقم قياسي بلغ 84 في المائة.

اليسار يواصل رفض النتيجة

في المقابل، لا تزال المعارضة اليسارية على موقفها الرافض للاعتراف بفوز نوبوا، مصرّة على إعادة الفرز بإشراف «منظمة البلدان الأميركية»، وهي تراهن في ذلك على قدرتها في تحشيد الشارع للاحتجاج والتهديد بالعصيان المدني.

بيد أن الفارق الكبير في الأصوات بين المرشحين، الذي يزيد على مليون صوت، يجعل من الصعب جداً على المعارضة اليسارية قلب المعادلة التي أسفرت عنها هذه الانتخابات. وهي وفق المحللين من شأنها تعزيز «الجبهة الترمبية» اليمينية المتشددة في أميركا اللاتينية إلى جانب الأرجنتين والسالفادور.

إذ إن هذا الفوز لليمين في الإكوادور يوسّع دائرة الدعم الأميركي اللاتيني لدونالد ترمب الذي يبني تحالفاته السياسية عادة على أساس العلاقات الشخصية، كتلك التي تربطه بالرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي ورئيس السالفادور نجيب بوكيلة، وطبعاً نوبوا... الذي يقيم أبوه في فلوريدا، حيث له مصالح مالية واقتصادية ضخمة.

وحقاً، شهدت الأسابيع القليلة المنصرمة سلسلة من اللقاءات والاتفاقات الثنائية والتطورات المعزّزة لهذا التحالف الإقليمي اليميني. وهو تحالف بدأت إدارة ترمب توليه اهتماماً متزايداً في أعقاب تعثّر خطواتها على الجبهات الأخرى وتنامي الاحتجاجات الداخلية على وقع تراجع ملحوظ في شعبية الرئيس الأميركي.

نشاط واشنطن المتزايد

... بدءاً من الأرجنتينومطلع الأسبوع الفائت، جاءت الزيارة التي قام بها وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إلى بوينس آيرس لترسخ التماهي العميق بين ترمب والرئيس الأرجنتيني ميلي، الذي منذ توليه الحكم نهاية عام 2023 زار الولايات المتحدة سبع مرات، ووضع نفسه في تصرّف الرئيس الأميركي «لتطبيق البرنامج الليبرالي الذي يحمله في أميركا والعالم»، على حد تعبيره. ولقد نوّه بيسنت بجهود الحكومة الأرجنتينية المتسارعة للتفاوض حول حزمة من التدابير التجارية المتبادلة مع الولايات المتحدة، وأعرب عن استعداد واشنطن لترسيخ موقع الأرجنتين شريكاً اقتصادياً تفضيلياً للولايات المتحدة.

ولكن إلى جانب التصريحات الرسمية التي تناولت تعزيز الشراكة بين البلدين، توقف الوزير الأميركي طويلاً عند «البُعد الآيديولوجي» للتعاون الأميركي - الأرجنتيني، مؤكداً «أن في صميم التيارين اللذين يقودهما ترمب وميلي اعتقاداً راسخاً بأن السلطة هي للشعب وحده وليس للبيروقراطيين وأجهزتهم، وأن تقديم الديمقراطية على البيروقراطية هو الباب إلى تحقيق النمو الاقتصادي والرخاء».

في المقابل، أعرب الرئيس الأرجنتيني ميلي عن عميق امتنانه للدعم الذي تقدمه واشنطن لبلاده لدى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والبنك الأميركي للتنمية من أجل إعادة جدوَلة الديون المستحقة التي تتجاوز 55 مليار دولار... ولا مؤشرات إلى أن الأرجنتين قادرة على سدادها في القريب المنظور. وشدّد ميلي على أن الأهم من التحوّل الجذري في العلاقات بين البلدين «القيم والمبادئ المشتركة التي يتقاسمها الطرفان، مثل الحياة والحرية والملكية الخاصة». وبعدما كرّر الزعيم الأرجنتيني اليميني حملته وانتقاداته المعهودة لليسار والاشتراكية، قال إنه «يتفهّم» قرار الإدارة الأميركية فرض زيادة بنسبة 10 في المائة على الرسوم الجمركية للصادرات الأرجنتينية وغيرها من بلدان المنطقة - باستثناء نيكاراغوا وفنزويلا - وذكر أن بلاده جاهزة لتوقيع اتفاقية تجارية مع واشنطن وفقاً للشروط الجديدة.

«الحليف» السالفادوري

وقبل أن ينهي بيسنت زيارته إلى الأرجنتين، التي وصفها ميلي بـ«المحطة التاريخية»، كان الرئيس ترمب يستقبل في «المكتب البيضاوي» رئيس السالفادور نجيب بوكيلة، الذي سبق له الإعراب مراراً عن إعجابه العميق بمضيفه. وجاء هذا اللقاء بعدما وضع بوكيلة في تصرّف الإدارة الأميركية الجديدة «معتقل الإرهاب»، وهو أضخم سجون العالم وأحدثها، و«درة التاج» في الحرب التي يشنّها بوكيلة منذ وصوله إلى السلطة ضد العصابات التي كانت تزرع الرعب في السالفادور، وتسيطر على مفاتيح حياتها الاقتصادية والسياسية.

وللعلم، كانت حكومة بوكيلة قد استقبلت أواسط الشهر الماضي في ذلك السجن أكثر من 250 مهاجراً طردتهم السلطات الأميركية بسبب انتمائهم إلى عصابات فنزويلية، لكن المحكمة الأميركية العليا أمرت لاحقاً بتسهيل عودة أحدهم، وهو سالفادوري طُرد بالخطأ. وحتى تاريخه ما زالت حكومة السالفادور تتجاهل هذا الطلب الذي تجاهلته أيضاً الإدارة الأميركية. بل، وأعرب بوكيلة في نهاية لقائه بترمب، أنه لن يعيد «إرهابياً إلى الولايات المتحدة».

ثم إنه، رغم الانتقادات الشديدة التي تتعرض لها سياسة بوكيلة العقابية في الكثير من وسائل الإعلام الكبرى ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان والوكالات الدولية، وفي طليعتها الأمم المتحدة، فإنها لقيت ترحيباً واسعاً عند الإدارة الأميركية، التي فتحت لرئيس السالفادور خطاً مباشراً للتواصل مع الرئيس ترمب، الذي أعرب – بدوره - عن «تقديره وإعجابه» لما يقوم به بوكيلة. وتابع: «أنتم مثلنا، تريدون القضاء على الجريمة والإرهاب، وسياستكم في هذا الصدد تكللت بنجاح باهر. أريد أن أقول لشعب السالفادور إن لهم رئيساً مذهلاً». وردّ بوكيلة بالقول: «نعرف أنكم تواجهون مشكلة مع الإرهاب والجريمة، ونحن بإمكاننا أن نساعد في ذلك. ثمة من يقول إننا اعتقلنا الآلاف، أما أنا فأقول إنّنا حرّرنا الملايين». فسارع ترمب إلى إبداء إعجابه الشديد بهذا التعبير، وطلب من بوكيلة أن يأذن له باستخدام هذا التشبيه.

ترمب والرئيس السالفادوري نجيب بوكيلة... حليفه الجديد في أميركا الوسطى (آ ب)

واشنطن تكافئ حلفائها

لكن التناغم بين الطرفين لم يقتصر على تبادل الإطراء والمدائح؛ إذ حصلت السالفادور مقابل تسهيلها تطبيق سياسة الهجرة التي وضعتها الإدارة الأميركية، على مساعدات مالية ضخمة من واشنطن، وعلى قرار من وزارة الخارجية الأميركية - سيفتح شهية الكثير من البلدان الأميركية اللاتينية - وهو رفع مستوى الضمانات الأمنية في السالفادور إلى أعلى الدرجات. وبذا تتجاوز السالفادور بلدان مثل فرنسا وبريطانيا وإيطاليا. وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في هذا المجال، إن زعامة بوكيلة كانت حاسمة في اتخاذ هذا القرار الذي يفتح أبواب سفر المواطنين الأميركيين إلى السالفادور على مصاريعها.

روبيو كان أيضاً أول الذين هنأوا نوبوا على إعادة انتخابه رئيساً للإكوادور ضد المرشحة اليسارية غونزاليس. وقال الوزير الأميركي (الكوبي الأصل)، الذي أصبح اللاتيني الأول الذي يتولى حقيبة الخارجية في الولايات المتحدة: «سنعمل معاً من أجل حماية بلدينا والمنطقة من المنظمات الإجرامية الخطرة، والتصدي لتدفق الهجرة غير الشرعية».

واشنطن تتعامل مع قيادات أميركا اللاتينية... وعينها على التوسّع الصيني

> بعد أيام قليلة من فوز نوبوا في الانتخابات الرئاسية الإكوادورية، توجّه إلى مسقط رأسه مدينة ميامي الأميركية، وقال إنه يتوقّع الحصول على مساعدات من الإدارة الأميركية لمواجهة أزمة العنف التي تزرع الرعب والفوضى في الإكوادور، وعلى دعم اقتصادي يساعد على معالجة مشكلة البطالة بين الشباب. وأيضاً، تحدّث نوبوا في حوار مع محطة «سي إن إن» الأميركية، عن إعجابه بسياسة الرئيس الأميركي الذي قال إنه سيلتقيه في الأسابيع المقبلة لتوقيع اتفاق للشراكة التجارية والتعاون الأمني بين بلديهما. في أي حال، يمكن القول، إنه خلافاً للتوقعات الأولى ورغم تعيين الرئيس الأميركي دونالد ترمب أميركياً لاتينياً في منصب وزير الخارجية، لم تتشدد السياسة الإقليمية للرئيس الأميركي في مواجهة القيادات التقدمية - أو اليسارية - في المنطقة، كالمكسيكية كلاوديا شاينباوم، والبرازيلي إيغناسيو لولا والكولومبي غوستافو بترو. إذ ما زال هؤلاء الرؤساء يحافظون على قدر من المودة في علاقاتهم مع واشنطن، ويبقون على مسافة حذرة من قراراتها. ولكن، بلا شك، تجهد إدارة ترمب لبناء تحالفات وطيدة مع الحكومات اليمينية التي تدور في فلكها العقائدي، أو تلك التي تشعر بحاسة ماسة للسير في ركبها. وبالتالي، يتوقّع مراقبون أن هذه الخطوات الأولى التي يشرف عليها ترمب مباشرة، والتي رسّخت أقدام إدارته في أميركا الوسطى عبر السالفادور، و«منطقة الآنديز» عبر الإكوادور، و«المخروط الجنوبي» عبر الأرجنتين، هي «منصة» لتحالفات أوسع يبدو الرئيس الأميركي اكثر اقتناعاً بضرورتها إذا ظلت سياساته على الجبهات الأخرى متعثرة. هنا يقول هؤلاء إن الانعطاف نحو المزيد من اهتمام واشنطن ببلدان القارة الأميركية، يأتي تجاوباً مع إصرار الأوساط الاقتصادية على ضرورة التصدي، بسرعة وحزم، للتوسّع الصيني في المنطقة الذي بات يهدد الهيمنة التقليدية للولايات المتحدة على حديقتها الخلفية. وتراقب هذه الأوساط، بقلق شديد منذ سنوات، تغلغل الصين الاقتصادي والتجاري، وتنامي استثماراتها الاستراتيجية في المواني والمطارات في بلدان مثل المكسيك، والبرازيل، والبيرو وبوليفيا. وهي تخشى أن تتحول هذه البلدان «حزاماً ضاغطاً» على الاقتصاد الأميركي الذي يواجه تحديات متعددة.


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.