من هارفارد إلى منهاتن… خريطة طريق جديدة لعكس المرض ومكافحة الشيخوخة

لقاء حصري مع البروفسور صلاح الدين هلسة

دراسة ترابط الدماغ والقلب والميتوكوندريا... لفهم الشيخوخة
دراسة ترابط الدماغ والقلب والميتوكوندريا... لفهم الشيخوخة
TT

من هارفارد إلى منهاتن… خريطة طريق جديدة لعكس المرض ومكافحة الشيخوخة

دراسة ترابط الدماغ والقلب والميتوكوندريا... لفهم الشيخوخة
دراسة ترابط الدماغ والقلب والميتوكوندريا... لفهم الشيخوخة

في قلب منهاتن، التقت «الشرق الأوسط» حصرياً، مع أحد أبرز العقول التي تعيد رسم مستقبل الطب: الدكتور صلاح الدين هلسة البروفسور في جامعة هارفارد، الذي جاء إلى نيويورك ليكشف لنا ملامح كتابٍ أثار اهتمام العالم الطبي، كتاب لا يكتفي بطرح أفكار جديدة، بل يقدّم ما يشبه «خريطة طريق» لإعادة كتابة علاقة الإنسان بمرضه وزمنه وعمره البيولوجي.

البروفسور صلاح الدين هلسة داخل مختبره أثناء شرحه آليات تحليل العمر البيولوجي

قراءة إيقاع العمر

هذا العمل الذي شارك في تأليفه أربعة من كبار الأطباء العالميين - لا يَعِد بمعجزة، ولا يبيع وهماً؛ بل يقدّم منهجاً علمياً متماسكاً، قائماً على فهمٍ أعمق للأيض الخلوي، وتجديد الأنسجة، وقراءة إيقاع العمر في داخل الجسم. وهو كتاب يستعين بالذكاء الاصطناعي لا بوصفه تقنية مساعدة، بل كنافذة جديدة يرى من خلالها الطبيب ما كان يختبئ خلف أعراض صامتة، وما كان يبدأ قبل سنوات من لحظة التشخيص.

الأمراض المزمنة ليست ألغازاً... إنها تبدأ من نقطة واحدة

وفي حديثه بدأ البروفسور صلاح الدين هلسة بقوله: «الأمراض المزمنة ليست ألغازاً معقدة. إنها تبدأ من نقطة واحدة: خلل مبكر في طريقة تواصل خلايا الجسم. وإذا أمكن قراءة هذا الخلل في الزمن المناسب... يمكن إيقاف المرض، بل وعكس مساره».

لم تكن هذه الكلمات مجرد افتتاح، بل كانت المفتاح الفكري الذي يقوم عليه الكتاب كله. فعالم الطب، كما يوضح هلسة، ظلّ لعقود طويلة يتعامل مع المرض عندما يصبح صارخاً وواضحاً: السكري بعد أن يرتفع السكر، ارتفاع ضغط الدم بعد أن يتصاعد الضغط، هشاشة بعد أن يحدث الكسر. لكن ما يكشفه العلم الحديث اليوم هو أن البدايات الفعلية للمرض تتشكّل قبل سنوات من لحظة التشخيص، وأن الخلايا ترسل إشارات خافتة لا يسمعها الطبيب إلا إذا امتلك الأدوات التي تكشف ما تحت السطح وما وراء الأعراض.

البداية من الخلية... لا من العَرَض

يوضّح البروفسور هلسة أن الطريق إلى فهم المرض لا يبدأ من الأعراض التي يراها الطبيب، بل من الخلية نفسها؛ تلك الوحدة الصغيرة التي تحمل داخلها سرّ الصحة وسرّ الانهيار في آنٍ واحد. ويشير إلى أن نحو 80 في المائة من الأمراض المزمنة - من السكري إلى أمراض القلب والسرطان - تشترك في خيط بيولوجي واحد يبدأ بالضغط الخلوي (Cell Stress)، واضطراب عمل الميتوكوندريا المسؤولة عن إنتاج الطاقة، ثم يتطور بصمت عبر تراكم الالتهابات الخفية التي تعمل لسنوات دون أن يشعر بها المريض.

وفي لقائه، يلخّص البروفسور هذه الرؤية بكلمات لافتة: «الخلية هي وحدتنا الأولى. فإذا فُهمت جيداً، فُهم كل شيء بعدها».

هذه العبارة - كما يصفها - ليست مجازاً علمياً، بل قاعدة ذهبية لفهم كيف ينشأ المرض وكيف يمكن إيقافه قبل أن يتحوّل إلى معاناة واضحة تُجبر الطبيب على التدخل.

غلاف الكتاب الجديد

الذكاء الاصطناعي... الطبيب الذي يرى ما لا نراه

لم تعد التقنيات الحديثة تقتصر على تحليل صور الأشعة أو قراءة السجلات الطبية؛ فقد بات الذكاء الاصطناعي قادراً على:

- بناء عمر بيولوجي لكل عضو على حدة.

- اكتشاف الأمراض قبل 5 إلى 10 سنوات من ظهورها.

- التنبؤ بأنماط الشيخوخة وتسارعها.

- تصميم بروتوكولات علاجية شخصية لكل مريض.

ويقول هلسة في حديثه: «الذكاء الاصطناعي لا يستبدل الطبيب، بل يعطيه عيوناً جديدة».

من الوقاية... إلى الوقاية الاستباقية

يشرح البروفسور هلسة أن الوقاية لم تعد فحوصاً سنوية روتينية، بل منظومة متكاملة تشمل: تحليل الدم المتقدم، وقياس المؤشرات الالتهابية الخفية، وقراءة الميكروبيوم، وتقييم الأداء الخلوي، وتتبع النوم والإجهاد، ثم دمج كل هذه البيانات في خوارزميات ذكاء اصطناعي قادرة على التنبؤ بخطر المرض قبل ظهوره.

هل يمكن إبطاء الشيخوخة؟

يُوضّح البروفسور هلسة أن الحديث عن الشيخوخة لم يعد خيالاً علمياً، قائلاً: «نحن لا نتحدث عن إيقاف الزمن، بل عن تحسينه. فهناك اليوم أدلة واضحة على أن بعض المسارات البيوكيميائية يمكن إعادة ضبطها. نحن لا نطيل العمر فقط... بل نعيد جودة الحياة إلى مركزه». وهذه الرؤية، كما يشرح: تُحوّل الشيخوخة من قدر محتوم إلى عملية يمكن توجيهها وتعديل سرعتها.

«المريض الكامل»... رؤية جديدة

يقدّم الكتاب الذي نشر بعنوان The Metabolic Codex (المدوّنة الأيضية)، نموذج «المريض الكامل» الذي يرى الإنسان كمنظومة مترابطة؛ فكل عضو يؤثر في الآخر: القلب بالنوم، والدماغ بالغذاء، والمناعة بالحالة النفسية، والشيخوخة بإيقاع الميتوكوندريا.

ويوجز البروفسور هلسة هذه الفكرة بعبارة لافتة: «لا يوجد مرض منفصل. يوجد إنسان واحد».

من هارفارد إلى العالم العربي

وفي تصريحه الخاص بـ«الشرق الأوسط»، يشيد البروفسور هلسة بالدور المتنامي للمنطقة في تبنّي الطب المستقبلي، قائلاً: «الشرق الأوسط يمتلك طاقة بشرية وصحية هائلة، وما تقوم به السعودية في مجال الذكاء الاصطناعي والطب الوقائي قد يجعلها في مقدمة الدول القادرة على تطبيق هذا النموذج الجديد. وهذه المنطقة - بخططها الطموحة واستثماراتها في التقنيات الطبية - قادرة على أن تتحول إلى منصة عالمية لإعادة تعريف مفهوم الصحة».

ويضيف أن البيئة البحثية في المملكة، وما تشهده من مبادرات في البيانات الصحية، والطب الدقيق، والتوأم الرقمي، تؤهلها لتكون من أوائل الدول التي تنقل هذا العلم من المختبرات إلى الحياة اليومية للمرضى

تطلعات المستقبل

هذا الكتاب ليس مجرد تأليف أكاديمي، بل إعلان بداية مرحلة جديدة من الطب: طبّ ذكي، وشفاف، واستباقي، وشخصي... طبّ لا ينتظر المرض ليظهر، بل يعترضه قبل أن يولد. رؤيةٌ تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وعمره البيولوجي، وتفتح باباً كان مغلقاً لعقود أمام فكرة «عكس المرض» بدل الاكتفاء بإدارته.

وفي ختام اللقاء، عبَّر البروفسور هلسة عن تطلّعه - مع فريق مؤلفي الكتاب - لزيارة الشرق الأوسط، ولا سيما السعودية، لبحث فرص التعاون في تحويل هذه المفاهيم العلمية إلى برامج عملية؛ من الطب الوقائي إلى الذكاء الاصطناعي الصحي، ومن العيادات الذكية إلى منصات العمر البيولوجي. وأضاف: «نحن مستعدون للعمل مع المنطقة لخلق نموذج صحي جديد... يبدأ من هنا، ويصل أثره إلى العالم».


مقالات ذات صلة

النوم بكثرة خلال النهار قد يُخفي أمراضاً كامنة

يوميات الشرق القيلولة هي فترة نوم قصيرة تؤخذ خلال النهار لاستعادة النشاط (موقع هيلث)

النوم بكثرة خلال النهار قد يُخفي أمراضاً كامنة

تَبيَّن أن القيلولة الطويلة والمتكرِّرة، خصوصاً في ساعات الصباح، ترتبط بزيادة ملحوظة في خطر الوفاة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق الشعور بالإرهاق نهاراً يحدث عادة بين الساعة الثانية والرابعة مساء (جامعة ميامي)

وجبات خفيفة وصحية تحارب الشعور بالإرهاق نهاراً

يعاني كثير من الأشخاص مما يُعرف بـ«هبوط الطاقة بعد الظهر»، الذي يحدث عادة بين الساعة الثانية والرابعة مساءً، حيث يشعر الإنسان بالتعب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
صحتك التناول اليومي للمغنيسيوم يعمل درع حماية للأعصاب (بيكسلز)

تأثير تناول المغنيسيوم بشكل يومي على الأعصاب

يبرز المغنيسيوم كأحد أهم العناصر التي تلعب دوراً خفياً لكنه حاسم في تهدئة الأعصاب وتعزيز الاستقرار النفسي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك جوز البيكان نوع من المكسرات يُستخرج من أشجار الجوز «الأميركي - الهيكوري» التي تنمو في شمال المكسيك وجنوب أميركا (بيكساباي)

فوائد تناول جوز البيكان في علاج التهاب المسالك البولية

يسهم جوز البيكان في تخفيف التهاب المسالك البولية عبر تقوية الجهاز المناعي؛ بفضل محتواه من الزنك. ويمتاز البيكان بقوام عالي النعومة، ونكهة زبدية حلوة المذاق.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك ينصح الخبراء بتناول أطعمة صحية بدلاً من الأطعمة المصنعة (أرشيفية - أ.ب)

دراسة: الإفراط في الملح يرتبط بتدهور أسرع في الذاكرة

يرتبط الإفراط في تناول الملح بارتفاع ضغط الدم، لكن دراسة حديثة ربطته أيضاً بتسارع التدهور المعرفي لدى فئات معينة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الموظفون الأميركيون يستخدمون الذكاء الاصطناعي للتعلّم أثناء العمل

الموظفون الأميركيون يستخدمون الذكاء الاصطناعي للتعلّم أثناء العمل
TT

الموظفون الأميركيون يستخدمون الذكاء الاصطناعي للتعلّم أثناء العمل

الموظفون الأميركيون يستخدمون الذكاء الاصطناعي للتعلّم أثناء العمل

يتنافس الموظفون على تطوير مهاراتهم في الذكاء الاصطناعي. ووفقاً لتقرير جديد، فإنهم يستخدمونه أيضاً لتعزيز تعلمهم، سواءً كان ذلك لطلب مساعدة إضافية منه لتوضيح المفاهيم وحل المشكلات، أو لاكتساب مهارات جديدة، كما كتبت سارة بريغل (*).

تحسين المهارات

يستند التقرير إلى نتائج استطلاع أجرته شركة «فراكتل» لصالح الكلية الأميركية للتعليم (ACE)، شمل أكثر من 1000 موظف أميركي يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي في عملهم اليومي.

وكما هو متوقع، تستخدم نسبة كبيرة من الموظفين الذكاء الاصطناعي لتحسين مهاراتهم. فقد أفاد 63 في المائة منهم بأنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي لتعلم مهارات لم يتلقوا تدريباً رسمياً عليها من مؤسساتهم.

القلق من دقة المعلومات

ومع ذلك، أعرب 65 في المائة منهم عن قلقهم بشأن دقة الذكاء الاصطناعي. إلا أن 23 في المائة من الموظفين لا يزالون يعدّون الذكاء الاصطناعي خيارهم الأول عندما يحتاجون إلى تعلم شيء جديد.

فوائد سرعة الإجابات

قد يعود جزء من ذلك إلى سرعة توفير الذكاء الاصطناعي للإجابات: إذ قال ما يقرب من نصف الموظفين (46 في المائة) إنهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي للبحث عن الإجابات لأنه أسرع من طلب المساعدة.

التعلّم سراً لتفادي الاتهامات بالجهل

وربما الأهم من ذلك، أن استخدام هذه التقنية يعني أيضاً أن الموظفين لا يضطرون إلى الاعتراف بجهلهم بشيء ما. فقد قال ما يقرب من ثلثهم (29في المائة) إنهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي لتعلم مهارات جديدة دون الإفصاح عن ذلك. ويُعدّ المديرون أكثر عرضةً لهذا الأمر: إذ اعترف 32 في المائة منهم بأنهم يتعلمون سراً.

وبشكل عام، قال 69 في المائة من الموظفين إن استخدام الذكاء الاصطناعي حسّن إنتاجيتهم، وقال أكثر من 55 في المائة إنه ساعدهم على الشعور بمزيد من الثقة في وظائفهم.

الذكاء الاصطناعي نقطة انطلاق

ومع ذلك، فبينما يستخدم الموظفون الذكاء الاصطناعي بوضوح لسدّ فجوة ما، فإنهم ليسوا راضين تماماً عن قدراته التعليمية. فقد قال 7 في المائة فقط من الموظفين إنهم يشعرون بأن تعلم المهارات من الذكاء الاصطناعي كافٍ، وقال 39 في المائة إنهم يعدّون التدريب الذي يحصلون عليه من الذكاء الاصطناعي نقطة انطلاق لمزيد من التعلم.

الذكاء الاصطناعي يحفّز للانخراط في دورات تدريبية

أفاد ما يقارب نصف المشاركين (48 في المائة) بأنهم التحقوا بدورات تدريبية بعد أن عرّفهم الذكاء الاصطناعي على مواضيع معينة رغبوا في استكشافها بتعمق. والأكثر إثارة للإعجاب، أن 80 في المائة من العاملين أكدوا استمرارهم في التعلم بشكل أو بآخر بعد تعلمهم شيئاً ما باستخدام الذكاء الاصطناعي.

مع أن الذكاء الاصطناعي قد لا يحل محل التدريب العملي تماماً، فإنه يمثل حالياً نقطة انطلاق لغالبية العاملين الساعين لاكتساب مهارات جديدة.

* مجلة «فاست كومباني»


لسانك لا يكذب… «بصمة تنبئية» للأمراض

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي ما لا تراه العين
حين يقرأ الذكاء الاصطناعي ما لا تراه العين
TT

لسانك لا يكذب… «بصمة تنبئية» للأمراض

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي ما لا تراه العين
حين يقرأ الذكاء الاصطناعي ما لا تراه العين

في حضارات وادي الرافدين، حيث تشكّلت البدايات الأولى للطب المنهجي، لم يكن التشخيص يعتمد على أجهزة، أو تحاليل مختبرية، بل على ملاحظة الجسد نفسه. كان الطبيب ينظر، ويتأمل التفاصيل التي قد تبدو عابرة، ومن بينها اللسان.

حين كان اللسان مفتاح التشخيص

معاينة اللسان

لم يكن طلب الطبيب من المريض أن يمد لسانه إجراءً شكلياً، بل خطوة أساسية في قراءة ما يجري داخل الجسد: تغيّر اللون، جفاف السطح، أو ظهور طبقة غير طبيعية؛ كلها إشارات ذات دلالة تُفسَّر ضمن فهم مبكر للصحة والمرض.

اليوم، يعود هذا المشهد القديم بصيغة مختلفة تماماً. فبدل أن يقف الطبيب وحده أمام المريض، تقف معه خوارزميات الذكاء الاصطناعي، وتحلل صورة اللسان بدقة رقمية، وتبحث عن أنماط قد لا تراها العين البشرية. فهل يمكن أن يعود التشخيص القديم... عبر أكثر أدوات العصر تطوراً؟

خريطة بيولوجية مصغّرة

يُعد اللسان من أكثر أعضاء الجسم ثراءً بالمعلومات البيولوجية، فهو يعكس حالة الدورة الدموية، ومستوى الترطيب، والتوازن البكتيري في الفم، بل وحتى بعض الاضطرابات الجهازية. فاللون الشاحب قد يرتبط بفقر الدم، والاحمرار الزائد بالالتهاب، في حين أن الطبقة البيضاء أو الصفراء قد تعكس تغيّرات في الميكروبيوم الفموي، ذلك العالم المجهري الذي يعيش على سطح اللسان.

بهذا المعنى لم يعد اللسان مجرد عضو للكلام، أو التذوق، بل نافذة حيوية على توازن داخلي معقّد.

حين يلتقي الميكروبيوم بالخوارزمية

في السنوات الأخيرة بدأ الباحثون ينظرون إلى اللسان باعتبار أنه نظام بيئي متكامل يرتبط فيه الميكروبيوم الفموي بعدد من الأمراض المزمنة... من السكري وأمراض القلب، وصولاً إلى اضطرابات أيضية معقّدة.

اضطرابات الكبد والأمراض المزمنة

في هذا السياق أظهرت دراسة نُشرت عام 2025 في مجلة «Chinese Medicine»، بقيادة فريق بحثي من الصين، أن تحليل صور اللسان باستخدام الذكاء الاصطناعي وربطها بتركيب الميكروبيوم يمكن أن يكشفا أنماطاً دقيقة مرتبطة باضطرابات في وظائف الكبد، مع قدرة لافتة على التمييز بين الحالات المرضية.

وفي تطور أحدث، طرح باحثون عام 2026 مفهوماً جديداً عُرف بـ«عمر اللسان» (Tongue Age)، يجمع بين تحليل مظهر اللسان وتركيب الميكروبيوم، لتقدير العمر البيولوجي، ومخاطر الإصابة بأمراض مزمنة.

اللسان «بصمة تنبئية»

وتشير هذه الأبحاث إلى أن اللسان قد يحمل بصمة تنبئية لصحة الإنسان تتجاوز الفحص الظاهري التقليدي. وأظهرت أبحاث حديثة من جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة أن الدمج بين الصور الطبية والبيانات الحيوية يفتح آفاقاً جديدة لاكتشاف الأمراض قبل ظهور أعراضها بسنوات.

هنا لا تتحدث الخوارزمية بلغة التشخيص التقليدي، بل بلغة الأنماط الخفية، أنماط لم نكن نبحث عنها، لكنها كانت موجودة طوال الوقت.

حين ينتقل التشخيص إلى الهاتف

من الملاحظة إلى النمط

الفرق بين الطبيب القديم والخوارزمية الحديثة ليس في المبدأ، بل في الاتساع. الطبيب يرى إشارة واحدة، ويؤولها ضمن خبرته، أما الذكاء الاصطناعي فإنه يرى آلاف الإشارات في اللحظة نفسها، ويربط بينها داخل شبكة معقّدة من العلاقات.

وبينما كان التشخيص قائماً على الملاحظة المدعومة بالحدس، أصبح اليوم قائماً على البيانات المدعومة بالخوارزميات.

من العيادة إلى الهاتف... حين يصبح التشخيص مستمراً

لم تعد هذه التقنيات حبيسة المختبرات. فقد بدأت نماذج تحليل صور اللسان تنتقل إلى أدوات أبسط، بل وحتى إلى الهواتف الذكية. وفي هذا النموذج الجديد قد يتحول فحص اللسان من إجراء يتم داخل العيادة إلى عملية مستمرة تعمل في الخلفية، وترصد التغيرات الدقيقة قبل أن يشعر بها الإنسان.

وهنا يتغير معنى التشخيص نفسه. لم يعد حدثاً مؤقتاً، بل عملية ديناميكية لا تتوقف...

حدود الفهم... وحدود الثقة

رغم هذا التقدم، يبقى هناك فرق جوهري بين «الرؤية» و«الفهم». فالذكاء الاصطناعي قادر على اكتشاف الأنماط، لكنه لا يدرك السياق الإنساني الذي يمنح هذه الأنماط معناها.

قد يشير تغيّر في اللسان إلى مرض كامن، لكنه قد يكون أيضاً نتيجة غذاء معيّن، أو حالة عابرة. وهنا يظل دور الطبيب محورياً، ليس في رؤية العلامة فقط، بل في فهمها، وتفسيرها ضمن سياق الإنسان الكامل.

بين وادي الرافدين والذكاء الاصطناعي

إذا عدنا إلى الوراء، نجد أن أطباء وادي الرافدين أدركوا أن الجسد يرسل إشارات خفية، وأن مهمة الطبيب هي قراءتها. اليوم يعيد الذكاء الاصطناعي إحياء هذه الفكرة، لكن بدقة أعلى، ونطاق أوسع. ومع ذلك يبقى السؤال الجوهري كما كان: من يقرأ الإشارة... ومن يفهمها؟

الخلاصة: ما الذي لم نتعلم قراءته بعد؟

في زمن أصبح فيه الهاتف قادراً على تحليل صورة اللسان، لم يعد التشخيص حكراً على العيادة. لكن هذا التقدم يطرح سؤالاً أعمق: هل أصبحنا نرى أكثر... أم نفهم أقل؟

فاللسان، كما كان قبل آلاف السنين، لا يكذب. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فيما يكشفه، بل في قدرتنا على تفسيره. ولهذا، لم يعد السؤال: ماذا يخبرنا اللسان؟ بل أصبح: ما الذي تراه الخوارزميات فيه... ولم نتعلم بعد كيف نقرأه نحن؟


جينات مقاومة المضادات الحيوية موجودة حتى في الرئتين السليمتين

جينات مقاومة المضادات الحيوية موجودة حتى في الرئتين السليمتين
TT

جينات مقاومة المضادات الحيوية موجودة حتى في الرئتين السليمتين

جينات مقاومة المضادات الحيوية موجودة حتى في الرئتين السليمتين

في اكتشاف علمي لافت يعيد رسم حدود ما نعرفه عن مقاومة المضادات الحيوية، توصل باحثون من جامعة برغن النرويجية إلى نتيجة غير متوقعة هي أن الجينات المسؤولة عن مقاومة المضادات الحيوية لا تقتصر على المرضى، بل توجد أيضاً داخل رئات أشخاص يتمتعون بصحة جيدة.

خريطة العالم الميكروبي للرئة

تقدم الدراسة التي قادتها الباحثة غوري كرينغلاند بقسم العلوم السريرية، كلية الطب، الجامعة النرويجية، ونُشرت في مجلة «BMJ Open Respiratory Research» في 25 مارس (آذار) 2026، صورة أكثر تعقيداً لما يُعرف بـ«خزان المقاومة» داخل جسم الإنسان. وهي صورة تشير إلى أن المشكلة أوسع بكثير من حدود المستشفيات، وغرف العلاج.

وقد اعتمد الفريق البحثي على تقنية متقدمة تُعرف بـ«الميتاجينوميكس الشامل» shotgun metagenomics لتحليل عينات من القصيبات الهوائية السفلية، وتم جمعها عبر تنظير القصبات. حيث مكنت هذه التقنية العلماء من رسم خريطة دقيقة للعالم الميكروبي داخل الرئة، لا من حيث أنواع البكتيريا فقط، بل وأيضاً من حيث قدراتها الجينية، بما في ذلك مقاومتها للمضادات الحيوية.

دراسة للمرضى والأصحاء

وشملت الدراسة مرضى يعانون من أمراض رئوية مزمنة، مثل الانسداد الرئوي المزمن chronic obstructive pulmonary disease (COPD، والربو، والتليف الرئوي pulmonary fibrosis (IPF)، والساركويد sarcoidosis (هو مرض حبيبي غير معدٍ يتضمن تجمعات غير طبيعية من الخلايا الالتهابية التي تشكل كتلاً تُعرف باسم الأورام الحبيبية)، إلى جانب مجموعة من المتطوعين الأصحاء. لكن المفاجأة الكبرى لم تكن بين المرضى، بل كانت بين الأصحاء.

التهديد الخفي: مفاجأة في رئات سليمة

كما أظهرت النتائج أن نحو 35 في المائه من الأفراد الأصحاء يحملون جينات مقاومة للمضادات الحيوية رغم عدم وجود أي تاريخ مرضي، أو أعراض تنفسية لديهم.

تقول الباحثة كرينغلاند إن هذه النتيجة كانت «غير متوقعة»، مشيرة إلى أن وجود هذه الجينات لدى أشخاص لم يتعرضوا بشكل ملحوظ للمضادات الحيوية يطرح تساؤلات جديدة حول كيفية انتشار المقاومة.

ولفترة طويلة كان التفسير السائد بسيطاً: كلما زاد استخدام المضادات الحيوية زادت مقاومة البكتيريا لها. وهذا المبدأ لا يزال صحيحاً، لكنه لم يعد كافياً لتفسير الصورة الكاملة، فالدراسة تشير إلى أن الرئة السليمة قد تكون بيئة حاضنة لجينات مقاومة حتى من دون ضغط دوائي مباشر.

هناك عوامل أخرى غير الأدوية

ورغم انتشار هذه الجينات لدى الأصحاء، فإن شدتها لم تكن متساوية. فقد تبين أن المرضى المصابين بالتليف الرئوي والساركويد يحملون مستويات أعلى بشكل واضح من جينات المقاومة مقارنة بغيرهم.

المثير للانتباه أن مرضى الساركويد -وهم غالباً أصغر سناً وأقل استخداماً للمضادات الحيوية- أظهروا مستويات مرتفعة من المقاومة، وهو ما يشير إلى أن هناك عوامل أخرى غير التعرض للأدوية تلعب دوراً في هذه الظاهرة.

البحث عن تفسيرات جديدة

هذه النتائج تدفع العلماء للتفكير في تفسيرات جديدة، مثل اضطرابات خفية في الجهاز المناعي، أو اختلافات في تركيبة الميكروبيوم الرئوي، أو حتى عوامل وراثية لم تُحدد بعد.

المضادات الحيوية... ما زالت في قلب المشكلة

ورغم كل هذه التعقيدات، تؤكد الدراسة حقيقة لا جدال فيها، ألا وهي أن الاستخدام الحديث للمضادات الحيوية يظل عاملاً رئيساً في زيادة جينات المقاومة. فقد كان الأشخاص الذين تناولوا مضادات حديثاً أكثر عرضة لحمل هذه الجينات.

لكن المفارقة أن تقليل الاستخدام رغم أهميته قد لا يكون كافياً وحده. فوجود «مخزون صامت» من جينات المقاومة داخل الجسم يعني أن المعركة ضد هذه الظاهرة أعمق مما كان يُعتقد.

خطر عالمي متصاعد

تأتي هذه النتائج في وقت تحذر فيه «منظمة الصحة العالمية» من أن مقاومة المضادات الحيوية تمثل أحد أكبر التهديدات الصحية في العالم. فمن دون علاجات فعالة قد تصبح العدوى البسيطة مميتة، وتتحول العمليات الجراحية الروتينية إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر.

وفي المقابل يشهد تطوير مضادات حيوية جديدة تباطؤاً ملحوظاً، ما يزيد من خطورة الوضع. بل إن هذه الدراسة تشير إلى أن أي أدوية جديدة قد تواجه بيئة مليئة مسبقاً بآليات المقاومة داخل جسم الإنسان نفسه.

ماذا يعني ذلك لنا؟

بالنسبة لعموم الناس لا يعني هذا الاكتشاف أن الخطر وشيك، أو أن العدوى أصبحت غير قابلة للعلاج. لكنه يسلط الضوء على واقع أكثر تعقيداً هو أن أجسامنا قد تحمل بالفعل أدوات مقاومة كامنة يمكن في ظروف معينة أن تنتقل إلى البكتيريا المسببة للأمراض.

كما تكشف الدراسة عن فجوة طويلة في الأبحاث، إذ نادراً ما تم فحص القصيبات الهوائية السفلية لدى الأصحاء بسبب صعوبة الإجراءات اللازمة، وهو ما يجعل هذه النتائج خطوة مهمة نحو فهم أعمق لصحة الرئة.

أسئلة مفتوحة ومستقبل مختلف

كيف وصلت هذه الجينات إلى رئات سليمة؟ هل تبقى هناك لسنوات أم تختفي؟ وهل يمكن تقليل انتشارها؟ أسئلة لا تزال بلا إجابات واضحة.

لكن ما أصبح مؤكداً هو أن مقاومة المضادات الحيوية لم تعد مشكلة «خارجية» فقط، بل قد تكون جزءاً من بيئتنا الداخلية. ومع اتساع هذا الفهم يبدو أن المواجهة المقبلة لن تقتصر على تطوير أدوية جديدة، بل ستتطلب فهماً أعمق للتوازن الدقيق بين الإنسان والعالم الميكروبي الذي يعيش داخله.