مهمات أميركية وأوروبية ويابانية لاستكشاف القمر

تنافس دولي يتسم بالابتكار والتعاون

تضاريس سطح القمر تزيد صعوبة الهبوط عليه
تضاريس سطح القمر تزيد صعوبة الهبوط عليه
TT

مهمات أميركية وأوروبية ويابانية لاستكشاف القمر

تضاريس سطح القمر تزيد صعوبة الهبوط عليه
تضاريس سطح القمر تزيد صعوبة الهبوط عليه

بعد نصف قرن من ترك رواد رحلة «أبولو» آخر بصمات أقدامهم على غبار القمر، عاد القمر ليبرز من جديد كوجهة للطموح الجامح والهندسة الدقيقة.

ومع ذلك، تأتي هذه المرة مختلفة، فالمنافسة لا تقتصر على القوى العظمى التي تتسابق لرفع أعلامها على القمر، بل انضمت للمنافسة كذلك شركات خاصة، وشراكات متعددة الجنسيات، و«كشافة روبوتية»، كلها تسعى إلى سبر أغوار القمر وتمهيد الطريق لعودة البشر إليه مستقبلاً.

بعثات القمر البارزة

حتى الآن في عام 2025، أحرزت جهود استكشاف القمر تقدماً ملحوظاً، مع انطلاق عدة بعثات بارزة نحو القمر، أو بعثات هبطت عليه بالفعل، بعدما اجتاز كل منها الرحلة الطويلة عبر الفضاء، ثم مرحلة الهبوط الأشد تعقيداً على سطح القمر أو الدخول في مداره، بدرجات متفاوتة من النجاح. وتعكس هذه البعثات معاً ما يحمله السباق الفضائي الجديد من وعود وصعوبات - سباق يتسم بالابتكار والمنافسة والتعاون.

وبصفتي مهندساً في مجال الطيران والفضاء، متخصصاً في تقنيات التوجيه والملاحة والسيطرة، يثير اهتمامي العميق كيف أن كل مهمة - سواء نجحت أم فشلت - تسهم في إثراء المعرفة الجماعية للعلماء. وعلى وجه التحديد، تساعد هذه المهام المهندسين على تعلم كيفية التنقل في تعقيدات الفضاء، والعمل في بيئات قمرية معادية، والتقدم بثبات نحو وجود بشري مستدام على سطح القمر.

سفينة "بلو غوست 1"

مصاعب الهبوط على القمر

لماذا يُعد الهبوط على القمر بهذه الصعوبة؟ يظل استكشاف القمر أحد أكثر المجالات تطلباً من الناحية التقنية، على صعيد رحلات الفضاء الحديثة، فاختيار موقع الهبوط يتطلب موازنة معقدة بين الأهمية العلمية وسلامة التضاريس وتعرض الموقع لأشعة الشمس.

ويتسم القطب الجنوبي للقمر بجاذبية خاصة، لاحتمالية احتوائه على ماء في صورة جليد داخل الفوهات المظللة - وهي مورد بالغ الأهمية للبعثات المستقبلية. وقد تحتوي مواقع أخرى على أدلة حول النشاط البركاني في القمر أو التاريخ المبكر للنظام الشمسي.

ويجب حساب مسار كل مهمة بدقة شديدة، لضمان وصول المركبة وهبوطها في المكان والزمان المناسبين. ويأخذ المهندسون في اعتبارهم الموقع المتغير باستمرار للقمر في مداره حول الأرض، وتوقيت نوافذ الإطلاق، وقوى الجاذبية التي تؤثر على المركبة طوال رحلتها.

كما يحتاجون إلى تخطيط مسار المركبة بعناية، لتصل بزاوية وسرعة مناسبتين للهبوط الآمن، فحتى الأخطاء الصغيرة في الحسابات في المراحل المبكرة قد تؤدي إلى انحراف كبير في موقع الهبوط - أو فقدان فرصة الهبوط بالكامل.

وبمجرد الهبوط على السطح، يتعين على المركبات الهابطة أن تتحمل تقلبات شديدة في درجات الحرارة - من أكثر من 250 درجة فهرنهايت (121 درجة مئوية) في النهار إلى ما دون 208 فهرنهايت (-133 درجة مئوية) في الليل - بالإضافة إلى الغبار، والإشعاع، وتأخر الاتصالات مع الأرض. ويجب أن تعمل أنظمة الطاقة، والتحكم الحراري، وأرجل الهبوط، وروابط الاتصال في المركبة بشكل مثالي. وفي الوقت نفسه، يجب أن تتجنب هذه المركبات التضاريس الخطرة، وتعتمد على ضوء الشمس لتشغيل أجهزتها وإعادة شحن بطارياتها.

وتُفسر هذه التحديات سبب تحطم أو الفشل الجزئي الذي منيت به الكثير من المركبات، رغم التقدم الكبير في التكنولوجيا منذ عصر أبولو.

وتواجه الشركات التجارية نفس التحديات التقنية التي تواجهها الوكالات الحكومية، لكن غالباً بميزانيات أقل، وفرق أصغر، وأجهزة ومعدات أقل اعتماداً على إرث سابق. وعلى عكس المهمات الحكومية التي تستند إلى عقود من الخبرة والبنية التحتية المؤسسية، تخوض الكثير من الجهود التجارية لاستكشاف القمر هذه التحديات للمرة الأولى.

نجاحات وصعوبات برنامج «ناسا»

ما الهبوطات الناجحة والدروس الصعبة لبرنامج خدمات الحمولة القمرية التجارية؟ تعود عدة بعثات قمرية، أُطلقت هذا العام، إلى برنامج خدمات الحمولة القمرية التجارية، التابع لوكالة ناسا، والمعروف اختصاراً باسم (CLPS)، وهو مبادرة تتعاقد فيها «ناسا» مع شركات خاصة لنقل حمولة علمية وتكنولوجية إلى القمر، بهدف تسريع وتيرة جهود الاستكشاف، مع تقليل التكاليف وتشجيع الابتكار التجاري.

> انطلقت أول مهمة قمرية عام 2025، «بلو غوست 1» Blue Ghost 1، التابعة لشركة «فايرفلاي إيروسبيس» Firefly Aerospace، في يناير (كانون الثاني)، وهبطت بنجاح في أوائل مارس (آذار).

وتمكنت السفينة الفضائية من الصمود خلال النهار القمري القاسي، وأرسلت بيانات طيلة نحو أسبوعين، قبل أن تفقد الطاقة في أثناء الليل القمري المتجمد - وهو الحد التشغيلي المعتاد لمعظم المركبات القمرية غير المزودة بأنظمة تدفئة.

وقد أظهرت «بلو غوست 1» كيف يمكن للمركبات التجارية أن تتحمل مسؤولية الاضطلاع بأدوار حاسمة، ضمن برنامج «أرتميس» التابع لـ«ناسا»، الذي يهدف لإعادة إرسال رواد الفضاء إلى القمر في وقت لاحق من هذا العقد.

> أما ثاني عملية إطلاق ضمن برنامج خدمات الحمولة القمرية التجارية هذا العام، فكانت لمهمة «آي إم ـ 2» IM-2»، التابعة لشركة «إنتويتيف ماشينز» Intuitive Machines، والتي انطلقت في أواخر فبراير (شباط). واستهدفت العملية موقعاً علمياً مثيراً للاهتمام، قرب منطقة القطب الجنوبي للقمر.

> وهبطت السفينة «نوفا ـ سي» Nova-C، أُطلق عليها «أثينا» Athena، في السادس من مارس (آذار)، بالقرب من القطب الجنوبي، لكنها انقلبت في أثناء الهبوط. وبسبب هبوطها على جانبها داخل فوهة ذات تضاريس غير مستوية، لم تتمكن من نشر ألواحها الشمسية لتوليد الطاقة، مما أدى إلى إنهاء المهمة مبكراً.

ورغم أن انقلاب «أثينا» منعها من تنفيذ جميع التجارب العلمية المخطط لها، فإن البيانات التي أرسلتها لا تزال ذات قيمة، في فهم كيفية تفادي مثل هذه المصائر، في التضاريس الوعرة بالمناطق القطبية.

> وليس من الضروري أن تهبط كل البعثات القمرية، فقد أُطلقت سفينة «لونار تريلبليزر»، التابعة لـ«ناسا»، وهي عبارة عن قمر اصطناعي صغير، في فبراير (شباط)، مع «آي إن ـ 2». وكان الهدف منها أن تدور حول القمر، لرسم خريطة لتوزيع الماء الموجود في صورة جليد، خاصة في الفوهات المظللة قرب الأقطاب.

غير أنه بعد الإطلاق بوقت قصير، فقدت «ناسا» الاتصال بالمركبة. ويُرجّح المهندسون أن عطلاً في الطاقة قد أدى إلى نفاد بطارياتها. وتواصل «ناسا» جهود إعادة تنشيط منظومة الطاقة، على أمل أن تعيد الألواح الشمسية شحن البطاريات في شهري مايو (أيار) ويونيو (حزيران).

بعثات حالية ومستقبلية

> سفينة يابانية. في نفس يوم انطلاق «بلو غوست» في يناير (كانون الثاني) الماضي، كانت مهمة «هاكوتو ـ آر 2» Hakuto-R Mission 2 (رزيليانس Resilience)، التابعة لشركة «آي سبيس» ispace اليابانية، في طريقها إلى القمر، وقد دخلت مداره بنجاح.

ونفذت السفينة تحليقاً ناجحاً حول القمر في 15 فبراير (شباط)، ومن المتوقع أن تهبط في أوائل يونيو (حزيران) المقبل.

ورغم انطلاقها في التوقيت نفسه، سلكت «ريزيليانس» مساراً أطول من «بلو غوست»، لتوفير الطاقة. كما أتاح لها ذلك إجراء ملاحظات علمية إضافية، في أثناء الدوران حول القمر.وحال نجاح المهمة، ستكون بمثابة تقدم مهم لقطاع الفضاء التجاري الياباني، وستشكل عودة قوية لشركة «آي سبيس»، بعد تحطم مركبتها الأولى خلال الهبوط النهائي عام 2023.

> سفينة أوروبية. أما وكالة الفضاء الأوروبية، فتعتزم إطلاق «لونار باثفايندر»، Lunar Pathfinder قمر اصطناعي مخصص للاتصالات القمرية، لتسهيل تواصل البعثات المستقبلية، خاصة تلك التي تعمل على الجانب البعيد أو عند الأقطاب، مع الأرض.

> سفينة وعربة جوالة أميركية. ومن المتوقع أن يشهد ما تبقى من عام 2025 جدولاً مزدحماً بالبعثات القمرية. مثلاً، تخطط شركة «إنتويتيف ماشينز»، لإطلاق «آي إم ـ 3»، أواخر العام، لاختبار أدوات متطورة جديدة، وربما نقل تجارب علمية لوكالة «ناسا» إلى القمر.

> في الوقت ذاته، من المقرر أن تنقل مهمة «غريفين 1» Griffin Mission-1، التابعة لشركة «أستروبوتيك» عربة «ناسا» الجوالة «فايبر» VIPER إلى القطب الجنوبي للقمر، حيث ستقوم بالبحث المباشر أسفل الجليد تحت السطح. وتشير هذه البعثات مجتمعة إلى نهج دولي وتجاري متزايد، على صعيد تطوير علوم القمر واستكشافه.

ومع توجه أنظار العالم نحو القمر، فإن كل بعثة – سواء أحرزت نجاحاً أو منيت بإخفاق - تقرّب البشرية خطوة جديدة نحو عودة دائمة إلى أقرب «جيراننا السماويين».

* أستاذ مشارك في الهندسة الميكانيكية والفضائية في جامعة تينيسي. مجلة «فاست كومباني»

ـ خمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

كويكب ضخم يقترب من الأرض ويُرى بالعين المجرَّدة

يوميات الشرق بين الأرض والسماء... لقاء لا يتكرَّر كثيراً (شاترستوك)

كويكب ضخم يقترب من الأرض ويُرى بالعين المجرَّدة

الكويكب يُعرف باسم «99942 أبوفيس»، وهو جرم يُتوقّع أن «يمر بأمان» على مسافة 20 ألف ميل من الأرض عام 2029.

«الشرق الأوسط» (ميامي)
العالم مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق في الطريق إلى الأرض تختبر القلوب صبرها (ناسا)

13 دقيقة تحبس الأنفاس... عودة «أرتميس 2» من أطول رحلة حول القمر

في تلك اللحظة بالذات، يمكننا أن ندع العواطف تسيطر علينا ونبدأ الحديث عن النجاح...

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)

اكتشاف ثقبين أسودين على وشك الاندماج

رصد فريق بحثي من معهد ماكس بلانك لعلم الفلك الراديوي في ألمانيا، دليلاً مباشرا على وجود ثقبين أسودين فائقَي الكتلة في مجرة «​​ماركاريان 501» يدوران حول بعضهما.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات
TT

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

لطالما رغب المبرمج المصري عاصم صبري في نموذج ذكاء اصطناعي يُمثل ثقافته. لكن المشكلة تكمن في عدم عثوره على نموذج مثل هذا. ويقول صبري: «صناعة الذكاء الاصطناعي في مصر... غير موجودة». لذا قام ببناء نموذجه الخاص: «حورس»، نسبةً إلى إله السماء المصري القديم.

«حورس» على منصة «Hugging Face»

«حورس» للذكاء الاصطناعي

يقول صبري إن الهدف كان التوقف عن «الاعتماد على نماذج أخرى، مثل النماذج الأميركية أو الصينية»، والتوجه بدلاً من ذلك عن شكل النموذج الذي يُركز بشكل أكبر على الثقافة المصرية. ولجعل «حورس» يعمل، قام بتدريبه باستخدام وحدات معالجة الرسومات من «غوغل كولاب» Google Colab ومزودي خدمات سحابية آخرين، إلى جانب مجموعات بيانات مفتوحة المصدر. وقد حقق النموذج، الذي تم إصداره في أوائل أبريل (نيسان) الحالي، أكثر من 800 عملية تنزيل في أسبوعه الأول على منصة «Hugging Face».

انحصار لغوي

ويُعدّ صبري واحداً من بين عدد متزايد من المطورين الذين يسعون لتصحيح خللٍ مزمن في مجال الذكاء الاصطناعي. فالنماذج تتقن الإنجليزية، وإلى حدٍّ أقل، الصينية، لكنها أقل كفاءةً بكثير في معظم اللغات الأخرى. واللغات التي تُصنّف على أنها لغات أقلية، هي في الواقع لغات الأغلبية العالمية. ومع ذلك، وبفضل طريقة تدريب النماذج (على كميات هائلة من البيانات المُستخرجة من الإنترنت)، بالإضافة إلى اقتصاديات صناعة التكنولوجيا، تبقى الإنجليزية هي اللغة المهيمنة.

فجوة اللغات

في عام 2023، نشرت الباحثة علياء بهاتيا، بالتعاون مع زميل لها في مركز الديمقراطية والتكنولوجيا، دراسةً تُشير إلى أن اللغات غير القياسية «ضاعت في الترجمة» بسبب تأثيرات التنعيم والحوافز التجارية التي تُشكّل شركات التكنولوجيا الكبرى. ففي خضمّ التهافت على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، أعطت الشركات الأولوية لدعم اللغة الإنجليزية، ويعود ذلك جزئياً إلى محدودية بيانات التدريب، ولم تبذل جهداً يُذكر لسدّ هذه الفجوة.

لسنوات، عزّزت الاعتبارات الاقتصادية هذه المشكلة. فتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي مُكلف، ولا تملك الشركات حافزاً يُذكر لتطوير نماذج تدعم مجموعات لغوية أصغر حجماً دون عائد واضح.

نماذج محلية

وقد بدأ هذا الوضع بالتغيّر أخيراً، أدى صعود نماذج الذكاء الاصطناعي المحلية، بالتزامن مع تشديد شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى لحدود الرموز الرقمية، إلى فتح المجال أمام الشركات الصغيرة. يقول صبري: «قبل عامين، لم يكن الذكاء الاصطناعي بمثل هذه الكفاءة، ولم تكن نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر. أما الآن، فيمكننا بناء نماذجنا الخاصة من الصفر».

ومع ذلك، لا تزال هناك عقبات. وتشير بهاتيا إلى أن «بعض العوائق لا تزال قائمة فيما يتعلق بالحوسبة، والبنية التحتية، والتمويل»، وهو ما يمثل مجتمعاً «عائقاً كبيراً». ومع ذلك، فإن التقدم واضح.

من اميركا اللاتينية إلى آسيا

وما يتبلور ليس نظاماً بيئياً رسمياً بقدر ما هو شبكة عالمية غير رسمية من النماذج ذات التركيز المحلي: Apertus السويسرية، و Latam-GPT في أميركا اللاتينية، وN-ATLaS النيجيرية، و Sahabat-AI الإندونيسية، وSEA-LION السنغافورية، وGreenMind الفيتنامية، وOpenThaiGPT التايلاندية، وTeuken 7B الأوروبية. يقدم كل منها بديلاً للنماذج السائدة من «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«علي بابا».

جهود شعبية

لا تزال بعض الجهود شعبية، مثل جهود صبري. بينما تحظى جهود أخرى بدعم مؤسسي. وعلى سبيل المثال، يُعدّ مشروع «أبيرتوس» ثمرة تعاون بين جامعتين سويسريتين والمركز الوطني السويسري للحوسبة الفائقة، الذي ساهم بأكثر من 10 ملايين ساعة معالجة رسومية، أي ما يعادل عشرات الملايين من الدولارات في الحوسبة التجارية.

إلا أن معظم المشاريع تعمل على نطاق أصغر بكثير من ذلك. ومع ذلك، فإن القدرة على تدريب ونشر نماذج محلية بتكلفة منخفضة نسبياً تُغيّر قواعد اللعبة. فقد سجّلت نسخة مُحسّنة من برنامج «لاما 3.2» التابع لشركة «ميتا»، الذي تم تدريبه على 14,500 زوج من الأمثلة القانونية الهندية، ما يزيد قليلاً على 1000 عملية تنزيل منذ أوائل أبريل (نيسان). وهذا جانب مُتخصص، لكنه ذو أهمية. وكان من الصعب تبرير الاستثمار فيه اقتصادياً حتى وقت قريب.

توسيع السوق

يشير هذا الإقبال المبكر إلى وجود سوق أوسع من السوق السائد. كما أنه يطرح تساؤلاً أمام كبرى شركات الذكاء الاصطناعي. تقول بهاتيا: «ما تقدمه هذه البدائل هو دليل على إمكانية بناء أنظمة تمثل بشكل أفضل أغلبية المستخدمين واللغات في العالم، طالما أن شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى ترغب فعلاً في الاستفادة من هذه التجارب والتعلم منها».

* مجلة «فاست كومباني».


«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي

«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي
TT

«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي

«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي

لطالما قورن الذكاء الاصطناعي بالذكاء البشري، لكن هذه المقارنة قد لا تكون الأنسب؛ فما يُجيده الذكاء الاصطناعي حالياً يُمكن أن يُساعد في التنبؤ بالوظائف التي قد يحلّ محلّها.

تلميذ رياضيات متفوق

يمكنك أن تقول اليوم ما تريد عن إمكانية وصول الذكاء الاصطناعي يوماً ما إلى ذكاء الإنسان. على سبيل المثال أصبح الذكاء الاصطناعي بالفعل تلميذاً مُتفوقاً في الرياضيات؛ ففي الصيف الماضي، أجاب نظام ذكاء اصطناعي من تطوير «غوغل» و«أوبن إيه آي» إجابة صحيحة على خمسة من أصل ستة أسئلة مُعقدة في أولمبياد الرياضيات الدولي، وهي مُسابقة سنوية لأفضل طلاب المدارس الثانوية في العالم.

قصور وسذاجة

مع ذلك، قد يكون المنطق السليم للذكاء الاصطناعي ما زال قاصراً بعض الشيء؛ فبعد بضعة أشهر، لاحظ أنورادها ويرامان، مهندس برمجيات في سريلانكا، أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الرائدة تُعاني في الإجابة عن سؤالٍ بسيطٍ للغاية، قد يبدو مُضحكاً للبعض. فعندما أخبر عدداً من برامج الدردشة الآلية أنه بحاجة إلى أخذ سيارته بهدف تصليحها في ورشة تبعد 50 متراً فقط، وسألها إن كان عليه المشي أم القيادة، نصحته البرامج بالمشي!

«الذكاء المتذبذب»

إنّ الطريقة الغريبة التي يبدو بها الذكاء الاصطناعي عبقرياً في لحظة، وغبياً في أخرى، هي ما يُطلِق عليه الباحثون والمهندسون والاقتصاديون مصطلح «الذكاء المتذبذب» (jagged intelligence) (حرفياً «الذكاء المسنّن» أي غير الانسيابي - المحرِّر) . وهم يستخدمون هذا المصطلح لتفسير سبب تقدّم الذكاء الاصطناعي بسرعة في بعض المجالات، كالرياضيات وبرمجة الحاسوب، بينما لا يزال يُكافح لتحقيق تقدّم في مجالات أخرى.

قد يُساعد هذا المصطلح، الشائع الاستخدام بين مُطوّري الذكاء الاصطناعي ومُحلّلي آثاره، في إعادة صياغة النقاش الدائر حول ما إذا كانت هذه الأنظمة تُصبح بذكاء البشر، أو حتى أذكى منهم.

أفضل... وأقل ذكاء

ويرى الباحثون أن الذكاء الاصطناعي شيء مختلف تماماً؛ فهو أفضل بكثير من البشر في بعض المهام، وأقل ذكاءً بكثير في مهام أخرى. كما يُمكن أن يُساعد فهم نقاط القوة والضعف هذه الاقتصاديين على فهم أفضل لما يعنيه الذكاء الاصطناعي لمستقبل العمل؛ إذ وبينما يوجد سببٌ للقلق لدى المُبرمجين المبتدئين بشأن وظائفهم على سبيل المثال، فليس من الواضح - على الأقل في الوقت الراهن - كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي على أنواع العمل الأخرى.

لكن مُراقبة المجالات التي يبدأ فيها الذكاء الاصطناعي بتحقيق تحسينات سريعة قد تُساعد في التنبؤ بأنواع الوظائف التي ستتأثر بهذه التقنية.

وقال ويرامان: «يختلف أداء هذه الأنظمة، وليس من السهل التنبؤ بموعد عجزها عن أداء مهام يستطيع الإنسان القيام بها».

الدماغ البشري: ترابط المعارف وقدرات حل المشكلات

وقد صاغ مصطلح «الذكاء المتذبذب» أندريه كارباثي، أحد الباحثين المؤسسين لشركة «أوبن ايه آي»، والرئيس السابق لقسم تكنولوجيا القيادة الذاتية في شركة «تسلا»، وأحد أبرز المعلقين على صعود الذكاء الاصطناعي على وسائل التواصل الاجتماعي. وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي عام 2024: «بعض الأشياء تعمل بكفاءة عالية (وفقاً للمعايير البشرية)، بينما تفشل بعضها الآخر فشلاً ذريعاً (أيضاً وفقاً للمعايير البشرية)، وليس من السهل دائماً التمييز بينهما».

وكتب أن هذا يختلف عن الدماغ البشري، «حيث تترابط كثير من المعارف وقدرات حل المشكلات ترابطاً وثيقاً وتتحسن بشكل خطي معاً، من الولادة إلى البلوغ».

التأثير على الوظائف

منذ أن بدأت «أوبن أيه آي» في مجال الذكاء الاصطناعي. مع ازدهار قطاع التكنولوجيا في عام 2022، تذبذبت تصريحات المسؤولين التنفيذيين في شركات التكنولوجيا بين التحذير من أن ابتكاراتهم الجديدة قد يكون لها تأثير مدمّر على وظائف ذوي الياقات البيضاء، والتقليل من شأن تأثيرها طويل الأمد على التوظيف.

حتى الآن، وخارج قطاع التكنولوجيا، لا توجد سوى أدلّة متفرقة تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح سبباً في فقدان الوظائف. ولكن بالنظر إلى سرعة تطور هذه التكنولوجيا، يرى العديد من خبراء التكنولوجيا أن مسألة استبدال الذكاء الاصطناعي لأنواع أخرى من العاملين في وظائف ذوي الياقات البيضاء ليست مسألة «هل سيحدث ذلك؟»، بل «متى سيحدث؟».

قبل بضع سنوات فقط، كانت هذه الأنظمة لا تزال في بداياتها، تُظهر مهارات برمجية بدائية للغاية. يقول أليكس إيماس، الخبير الاقتصادي في كلية بوث للأعمال بجامعة شيكاغو: «لقد شهدت هذه الأنظمة تحسينات هائلة. في كل مرة يُطرَح فيها إصدار جديد رئيسي، يُفاجأ الناس بقدراته الهائلة». لكن التكنولوجيا التي تُضيف إلى ما يمكن للعاملين القيام به دون استبدالهم لها سوابق كثيرة، وهذا ما يتوقعه بعض باحثي الذكاء الاصطناعي والاقتصاديين.

أهمية العنصر البشري

منذ ستينات القرن الماضي، كانت الآلة الحاسبة الجيبية قادرة على الجمع والطرح والضرب بسرعة تفوق سرعة الإنسان بكثير. لكن هذا لم يكن يعني أن الآلة الحاسبة يمكن أن تحل محل المحاسب. أما الآن؛ فبإمكان أنظمة مثل «كلود» من أنثروبيك و«كودكس» من «أوبن إيه آي» كتابة برامج حاسوبية بسرعة أكبر بكثير أيضاً. لكنها لا تجيد فهم كيفية اندماج كل جزء من الرموز الكومبيوترية في تطبيق برمجي أكبر؛ فهي تحتاج إلى مساعدة بشرية في ذلك.

يقول الدكتور إيماس: «إذا كانت الوظيفة تتضمن مجموعة من المهام المختلفة - ومعظم الوظائف كذلك - فستتم أتمتة بعض المهام، بينما لن تُؤتمت أخرى. وفي هذه الحالة، قد يتوفر للعامل وقت أطول للقيام بأمور أهم».

في الشهر الماضي، أطلق فرانسوا شوليه، الباحث البارز في مجال الذكاء الاصطناعي، اختباراً رقمياً جديداً يُسمى «ARC-AGI 3»، ويطلب الاختبار حلولاً لمئات الألغاز الشبيهة بالألعاب دون تقديم أي تعليمات لحلها. يستطيع أي شخص عادي غير مُدرَّب حل جميع الألغاز، لكن أنظمة الذكاء الاصطناعي الرائدة تعجز عن إتقان أي منها، وفقاً لاختبارات أجراها شوليه.

يقول خبراء مثل شوليه إنه بمجرد أن يُدرك الناس أن الذكاء الاصطناعي ذكاء غير مُتطوّر، فإنهم يُطوّرون فهماً أفضل لكيفية تطوّر الذكاء الاصطناعي في السنوات المقبلة، وما قد يكون له من تأثير على سوق العمل. ويقول الدكتور إيماس: «سيعتمد هذا على المهام التي يُؤتمتها، وكيف ومتى».

حدود نتاجات الذكاء الاصطناعي

إن نظم الذكاء الاصطناعي، مثل «كلود» و«تشات جي بي تي» تتعلم مهاراتها، من خلال تحديد الأنماط في البيانات الرقمية، بما في ذلك مقالات ويكيبيديا، والأخبار، وبرامج الحاسوب، وغيرها من النصوص المُجمّعة من الإنترنت.. لكن هذا لا يكفي.

لا تُمثّل الإنترنت سوى جزء ضئيل من المعرفة البشرية، فهي تُسجّل ما يفعله الناس في العالم الرقمي، ولكنها تحتوي على معلومات قليلة نسبياً عمّا يحدث في العالم المادي.

لا تخطيط ولا أفكار جديدة

وهذا يعني أن هذه الأنظمة قادرة على كتابة رسائل البريد الإلكتروني، والإجابة عن الأسئلة، والتعليق على أي موضوع تقريباً، وتوليد رموز برمجية. ولكن نظراً لأن أنظمة الذكاء الاصطناعي تُعيد إنتاج الأنماط التي تجدها في البيانات الرقمية، فإنها لا تُجيد التخطيط المُسبق، أو توليد أفكار جديدة، أو التعامل مع مهام لم تُصادفها من قبل.

* لا يمتلك الذكاء الاصطناعي ذكاءً عاماً بل مجموعة واسعة من المهارات المختلفة*

يقول شوليه: «لا يمتلك الذكاء الاصطناعي ذكاءً عاماً، بل يمتلك مجموعة واسعة من المهارات المختلفة».

والآن، تُعلّم شركات مثل «أنثروبيك» و«أوبن ايه آي» هذه الأنظمة مهارات إضافية باستخدام تقنية تُسمى التعلّم المُعزّز. فمن خلال حلّ آلاف المسائل الرياضية، على سبيل المثال، يُمكنها تعلّم أيّ الطرق تُؤدي إلى الإجابة الصحيحة وأيّها لا تُؤدي إليها.

«نعم» في الرياضيات... «لا» في الكتابة الإبداعية

يُجدي هذا الأسلوب نفعاً في مجالاتٍ كالرياضيات وبرمجة الحاسوب، حيث تستطيع شركات الذكاء الاصطناعي تحديد السلوك الجيد والسيئ بوضوح؛ فإجابة المسألة الرياضية إما صحيحة أو خاطئة، وكذلك الأمر بالنسبة لبرنامج الحاسوب، فإما أن يجتاز اختبار الأداء أو يفشل.

لكن التعلم المعزز لا يُجدي نفعاً في مجالاتٍ كالكتابة الإبداعية أو الفلسفة أو حتى بعض العلوم، حيث يصعب التمييز بين الجيد والسيئ.

يقول جوشوا غانز، الخبير الاقتصادي في كلية روتمان للإدارة بجامعة تورنتو: «البرمجة - التي يُبدي الجميع حماساً لها حالياً - لا تُمثل كل ما يفعله الذكاء الاصطناعي. ففي البرمجة، يسهل استخدام حلقة التغذية الراجعة لتحديد ما يُجدي وما لا يُجدي».

تطور التكنولوجيا

أما بالنسبة للمستخدمين؛ فغالباً ما يصعب عليهم تحديد ما يُجيده الذكاء الاصطناعي وما لا يُجيده. وعندما يُدرك الناس تماماً نقاط قوة وضعف الأنظمة، تتغير التكنولوجيا.

قال الدكتور غانز: «إنّ عدم استقرار الذكاء الاصطناعي يعني أن المشكلات قد تنشأ من أي مكان. هناك ثغرات، ولا نعرف دائماً أين تكمن». لكن العامل الحاسم هو أن الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. فالعديد من نقاط الضعف التي أشار إليها الدكتور كارباثي وآخرون في عامي 2024 وبداية 2025 لم تعد موجودة. وستكتشف الشركات أوجه قصور أخرى وتعمل على إصلاحها أيضاً... لذا فان «ثغرات التكنولوجيا تتقلص»، كما قال الدكتور إيماس.

* خدمة «نيويورك تايمز».


منصة فضائية بأذرع آلية لتزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود

منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»
منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»
TT

منصة فضائية بأذرع آلية لتزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود

منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»
منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»

يبدو أن الجميع يطمح للسيطرة على الفضاء. ولكن المشكلة تتمثل في أنه وكلما زاد عدد الأقمار الاصطناعية التي تطلقها الجيوش وتعتمد عليها، ازدادت الحاجة إلى نظام رقابي فعَّال لحماية تلك الأقمار، كما كتبت لورين سي. ويليامز(*).

منصة دعم فضائية

وهنا يأتي دور نظام جديد لقمر اصطناعي مزود بذراع آلية قادرة على تزويد الأقمار بالوقود اللازم: منصة«ميدنايت» من شركة «إم دي إيه» MDA Midnight الكندية هذه، التي كُشف عنها النقاب في ندوة الفضاء في كولورادو هذا الأسبوع. وقالت هولي جونسون، نائبة رئيس قسم الروبوتات والعمليات الفضائية في الشركة، لموقع «ديفنس وان»: «يستطيع هذا القمر الاصطناعي المزوَّد بذراع آلية، الاقتراب من السفن الفضائية الأخرى لفحصها، ومراقبة محيطها، واستكشاف الأجسام المقتربة، والدفاع ضد التهديدات المحتملة عند الحاجة».

التزويد بالوقود بسلامة

وأضافت جونسون أن هذه المنصة تستطيع أيضاً تزويد الأقمار الاصطناعية الأخرى بالوقود باستخدام ذراعه مع الحفاظ على مسافة آمنة من القمر الاصطناعي الذي يحتاج إلى التزويد بالوقود، وضمان استمرارية عمله.

وتابعت: «يتصل الذراع بواجهة تزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود، بينما ستعوِّض الروبوتات معدلات الانحراف النسبي لهاتين المنصتين، لتأمين تزوبد القمر الاصطناعي بالوقود بسلاسة تامة».

10 آلاف قمر اصطناعي

وأضافت جونسون: «هناك مساعٍ حثيثة للحصول على مزيد من المعلومات حول الأجسام الموجودة في الفضاء - بما في ذلك ما يزيد عن 10 آلاف قمر اصطناعي - وما تقوم به، ومن يملكها، وأي تهديدات محتملة... ولكن الجزء المفقود من الوعي بالمجال الفضائي كان القدرة على اتخاذ أي إجراء حيال ذلك».

التنافس مع الصين

يأتي إطلاق هذا المنتج بعد أن أعرب الجنرال ستيفن وايتينغ قائد القيادة الفضائية الأميركية عن مخاوفه بشأن تجارب الصين الأخيرة في تزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود؛ كما شدَّد في الآونة الأخيرة على ضرورة القدرة على نقل الأقمار الاصطناعية.

وقال وايتينغ أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الشهر الماضي: «ما يقلقني هو أنه إذا طوَّروا هذه القدرة، فسيكون لديهم القدرة على المناورة لتحقيق التفوق كما فعلت الولايات المتحدة لعقود - براً وبحراً وجوَّاً - حيث استخدمنا المناورة لصالحنا». وأضاف: «نحن بحاجة إلى تطوير قدراتنا الخاصة في حرب المناورة لضمان قدرتنا على الاستفادة من المزايا التي طوَّرتها القوات المشتركة على مدى عقود في الفضاء، كما فعلنا في مجالات أخرى».

* مجلة «ديفنس وان»، خدمات «ترييون ميديا».