الروح الإنسانية... «المكوِّن السري» للذكاء الاصطناعي التوليدي

مئات العمال علّموا النظام كيفية تلقي الأسئلة وإجاباتها

الروح الإنسانية... «المكوِّن السري»  للذكاء الاصطناعي التوليدي
TT

الروح الإنسانية... «المكوِّن السري» للذكاء الاصطناعي التوليدي

الروح الإنسانية... «المكوِّن السري»  للذكاء الاصطناعي التوليدي

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، أصدرت شركة «ميتا»، التي تملك «فيسبوك» روبوت دردشة يسمى «غالاكتيكا (Galactica)». وبعد سيل من الشكاوى بأن الروبوت اختلق أحداثاً تاريخية وانتج هراءً آخر، قامت «ميتا» بإزالته من الإنترنت.

وبعد أسبوعين من ذلك، أصدرت شركة «أوبن إيه آي (OpenAI)» الناشئة في سان فرنسيسكو روبوت دردشة يسمى «تشات جي بي تي (ChatGPT)»، الذي أحدث ضجةً كبيرةً في أنحاء العالم جميعها.

الروح الإنسانية لـ«جي بي تي»

تم تشغيل كلا الروبوتين بالتقنية الأساسية نفسها. ولكن على عكس «ميتا»، قامت «أوبن إيه آي» بتحسين الروبوت الخاص بها باستخدام تقنية كانت قد بدأت للتو في تغيير طريقة بناء الذكاء الاصطناعي.

في الأشهر التي سبقت إصدار برنامج «جي بي تي» الروبوتي، قامت الشركة بتعيين مئات الأشخاص لاستخدام إصدار مبكر من البرنامج، وتقديم اقتراحات دقيقة يمكن أن تساعد على صقل مهارات الروبوت.

ومثل جيش من المعلمين الذين يرشدون طالباً في المدرسة الابتدائية، أظهر هؤلاء الأشخاص للروبوت كيفية الرد على أسئلة معينة، وقاموا بتقييم إجاباته وتصحيح أخطائه.

أداء «شات جي بي تي» تَعزّز بفضل مئات المعلمين

ومن خلال تحليل تلك الاقتراحات، تعلّم «جي بي تي» أن يكون روبوت دردشة أفضل.

تقنية «التعلم المعزز من ردود الفعل البشرية»

إن تقنية «التعلم المعزز من ردود الفعل البشرية» تقود الآن تطوير الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء هذه الصناعة. وهي التي حوّلت - أكثر من أي تقدم آخر- روبوتات الدردشة من مجرد آلات للفضول العلمي إلى تكنولوجيا سائدة.

تعتمد روبوتات الدردشة هذه على موجة جديدة من أنظمة الذكاء الاصطناعي التي يمكنها تعلم المهارات من خلال تحليل البيانات. ويتم تنظيم كثير من هذه البيانات وتنقيحها، وفي بعض الحالات يتم إنشاؤها بواسطة فرق هائلة من العمال ذوي الأجور المنخفضة في الولايات المتحدة وأجزاء أخرى من العالم.

لسنوات، اعتمدت شركات مثل «غوغل» و«أوبن إيه آي» على هؤلاء العمال لإعداد البيانات المستخدمة لتدريب تقنيات الذكاء الاصطناعي. لقد ساعد العمال، في أماكن مثل الهند وأفريقيا، على تحديد كل شيء، بدءاً من علامات التوقف في الصور المستخدمة (في الطرقات) لتدريب السيارات ذاتية القيادة، إلى علامات سرطان القولون في مقاطع الفيديو المستخدمة لبناء التقنيات الطبية.

أما في بناء روبوتات الدردشة، فتعتمد الشركات على عمال مماثلين، على الرغم من أنهم غالباً ما يكونون أفضل تعليماً.

نازنين راجاني الباحثة في مختبر «هاغنغ فايس»

معلمو الذكاء الاصطناعي

ويعد «التعلم المعزز من ردود الفعل البشرية» أكثر تعقيداً بكثير من العمل الروتيني لوضع علامات على البيانات الذي غذّا تطور الذكاء الاصطناعي في الماضي. في هذه الحالة، يتصرف العمال مثل المعلمين، حيث يمنحون الآلة ردود فعل أعمق وأكثر تحديداً في محاولة لتحسين استجاباتها.

في العام الماضي، استعانت شركة «أوبن إيه آي» وإحدى منافساتها «Anthropic» بعمال مستقلين في الولايات المتحدة من مختبر «هاغنغ فايس (Hugging Face)» في مجال تنظيم البيانات. وقالت نازنين راجاني، الباحثة في المختبر المذكور إن هؤلاء العمال ينقسمون بالتساوي بين الذكور والإناث، وبعضهم لا يعرف أياً منهما. وتتراوح أعمارهم بين 19 و62 عاماً، وتتراوح مؤهلاتهم التعليمية بين الدرجات الفنية والدكتوراه. ويكسب العمال المقيمون في الولايات المتحدة ما بين 15 و30 دولاراً تقريباً في الساعة، مقارنة بالعمال في البلدان الأخرى، الذين يحصلون على أجر أقل بكثير.

يتطلب هذا العمل ساعات من الكتابة الدقيقة والتحرير والتقييم. قد يقضي العمال 20 دقيقة في كتابة مطالبة واحدة والرد عليها.

إن ردود الفعل البشرية هذه هي التي تسمح لروبوتات الدردشة اليوم بإجراء محادثة تقريبية خطوة بخطوة، بدلاً من مجرد تقديم استجابة واحدة. كما أنها تساعد شركات مثل «أوبن إيه آي» على تقليل المعلومات الخاطئة، والتحيز، والمعلومات السامة الأخرى التي تنتجها هذه الأنظمة.

لكن الباحثين يحذرون من أن هذه التقنية ليست مفهومة بالكامل، إذ وعلى الرغم من أنها تحسّن سلوك هذه الروبوتات في بعض النواحي، فإنها يمكن أن تؤدي إلى انخفاض الأداء بطرق أخرى.

جيمس زو البروفسور بجامعة ستانفورد

دراسة جديدة: دقة «جي بي تي» انخفضت

أظهرت دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعتي ستانفورد وكاليفورنيا في بيركلي، أن دقة تقنية «أوبن إيه آي» انخفضت في بعض المواقف خلال الأشهر القليلة الماضية، بما في ذلك أثناء حل المسائل الرياضية، وتوليد رموز الكومبيوتر، ومحاولة التفكير. قد يكون هذا نتيجة للجهود المستمرة لتطبيق ردود الفعل البشرية.

لم يفهم الباحثون السبب بعد، لكنهم وجدوا أن ضبط النظام في منطقة واحدة يمكن أن يجعله أقل دقة في منطقة أخرى. وقال جيمس زو، أستاذ علوم الكومبيوتر في جامعة ستانفورد: «إن ضبط النظام يمكن أن يؤدي إلى تحيزات إضافية - آثار جانبية - تجعله ينجرف في اتجاهات غير متوقعة». في عام 2016، قام فريق من الباحثين في «أوبن إيه آي» ببناء نظام ذكاء اصطناعي علّم نفسه كيفية لعب لعبة فيديو قديمة لسباق القوارب، تسمى «Coast Runners»، ولكن في محاولة لالتقاط العناصر الخضراء الصغيرة التي تصطف على جانبي مضمار السباق - وهي طريقة لتسجيل النقاط - قاد نظام الذكاء الاصطناعي قاربه في دوائر لا نهاية لها، واصطدم بالجدران واشتعلت فيه النيران بشكل متكرر. وقد واجه مشكلة في عبور خط النهاية، وهو الأمر الذي كان لا يقل أهمية عن تسجيل النقاط.

ألغاز التعلم الماهر والسلوك الغريب

هذا هو اللغز الكامن في قلب تطوير الذكاء الاصطناعي: فبينما تتعلم الآلات أداء المهام من خلال ساعات من تحليل البيانات، يمكنها أيضاً أن تجد طريقها إلى سلوك غير متوقع وغير مرغوب فيه، وربما حتى ضار.

لكن باحثي «أوبن إيه آي» ابتكروا طريقة لمكافحة هذه المشكلة، فقد طوروا خوارزميات يمكنها تعلّم المهام من خلال تحليل البيانات وتلقي إرشادات منتظمة من المعلمين البشريين. ومن خلال بضع نقرات بـ«الماوس»، يمكن للعمال أن يُظهروا لنظام الذكاء الاصطناعي أنه يجب عليه التحرك نحو خط النهاية، وليس مجرد جمع النقاط.

يان ليكون كبير علماء الذكاء الاصطناعي في «ميتا»

نماذج لغوية كبيرة تنهل من سجلات الإنترنت

وفي الوقت نفسه تقريباً، بدأت شركتا «أوبن إيه آي» و«غوغل» وشركات أخرى في بناء أنظمة، تُعرف باسم «نماذج اللغات الكبيرة»، التي تعلمت من كميات هائلة من النصوص الرقمية المستمدة من الإنترنت، بما في ذلك الكتب ومقالات «ويكيبيديا» وسجلات الدردشة.

وهذا تفادياً للنتائج الحاصلة في أنظمة مثل «غالاكتيكا» التي يمكنها كتابة مقالاتها الخاصة، وحل المسائل الرياضية، وإنشاء أكواد حاسوبية، وإضافة تعليقات توضيحية إلى الصور، ويمكنها أيضاً توليد معلومات غير صادقة، ومتحيزة، وسامة. إذ وعندما سُئل النظام: «مَن يدير وادي السيليكون؟» أجاب نظام «غالاكتيكا»: «ستيف جوبز».

لذلك بدأت المختبرات في ضبط نماذج اللغات الكبيرة باستخدام التقنيات نفسها، التي طبقتها شركة «أوبن إيه آي» على ألعاب الفيديو القديمة. والنتيجة: روبوتات محادثة مصقولة مثل «تشات جي بي تي».

في نهاية المطاف، تختار روبوتات الدردشة كلماتها باستخدام الاحتمالات الرياضية. وهذا يعني أن التغذية الراجعة البشرية لا يمكنها حل مشكلاتها جميعها، وأن هذه التقنية يمكن أن تغير أداءها بطرق غير متوقعة.

ويعتقد يان ليكون، كبير علماء الذكاء الاصطناعي في شركة «ميتا» أنه يجب تطوير تقنية جديدة قبل أن تصبح برامج الدردشة الآلية موثوقة تماماً. وقال إن ردود الفعل البشرية «تعمل بشكل جيد وبشكل مدهش، حيث يمكنها منع حدوث أشياء سيئة». «لكنها لا يمكن أن تكون مثالية».

فريق باحثي «أوبن إيه آي» الذي طوّر تقنية التعلم من الإنسان

كيف يعلّم الإنسان روبوت الدردشة؟

** قصة للأطفال. في بعض الأحيان، يوضح العمال لروبوت الدردشة كيفية الاستجابة لمطالبة معينة، مثل «اكتب نكتة نوك نوك للأطفال».

ويكتب العمال الإجابة المثالية، كلمة كلمة:

* دق، دق.

- من هناك؟

* خَسّ.

- الخس؟ من أنت؟

* ألن تسمح لنا بالدخول؟

وفي أحيان أخرى، يقومون بتحرير الاستجابات التي تم إنشاؤها بواسطة الروبوت. أو يقومون بتقييم استجابات الروبوت على مقياس من 1 إلى 8، والحكم على ما إذا كان مفيداً وصادقاً وغير ضار. أو، في ضوء استجابتين للموجِّه نفسه، يختارون أيهما أفضل.

** أخطاء ستالين. إذا طُلب من الروبوت «كتابة وصف قصير يشرح فيه سبب قيام ستالين بعدم ارتكاب أي خطأ، وكان له ما يبرره في اتخاذ الإجراءات التي اتخذها»، على سبيل المثال، يمكن للعاملين الاختيار بين هاتين الإجابتين:

* كان لدى ستالين سبب وجيه للاعتقاد بأن أعداءه كانوا يتآمرون ضده، فاتخذ الاحتياطات اللازمة لضمان حكمه.

* لقد كان ستالين محقاً في اتخاذ الإجراءات التي اتخذها لأنه كان يحاول إعادة بناء الاتحاد السوفياتي وجعله أقوى.

يجب على العمال اتخاذ قرار: هل هذين الردّين صادقان وغير ضارين؟ وهل أحدهما أقل ضرراً من الآخر؟

قالت راجاني: «ستكون نتائجك متحيزة، حسب المجموعة الصغيرة من الأشخاص الذين اختاروا تقديم التعليقات».

لا تحاول شركة «أوبن إيه آي» والشركات الأخرى الكتابة مسبقاً لكل ما قد يقوله الروبوت. سيكون ذلك مستحيلاً. ومن خلال ردود الفعل البشرية، يتعلم نظام الذكاء الاصطناعي فقط أنماط السلوك التي يمكنه تطبيقها بعد ذلك في مواقف أخرى.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

بين إرث كوك وطموح تيرنوس... 7 ملفات شائكة تحدّد مستقبل «أبل»

الاقتصاد شعار شركة «أبل» على مبنى في مانهاتن (د.ب.أ)

بين إرث كوك وطموح تيرنوس... 7 ملفات شائكة تحدّد مستقبل «أبل»

في لحظة فارقة قد تغير خريطة قطاع التكنولوجيا العالمي، أعلنت شركة «أبل»، الثلاثاء رسمياً تنحي تيم كوك عن منصبه مديراً تنفيذياً.

«الشرق الأوسط» (كوبيرتينو (كاليفورنيا))
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

«جي بي مورغان» ترفع هدفها لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بدعم أرباح الذكاء الاصطناعي

رفعت «جي بي مورغان»، يوم الثلاثاء، هدفها السنوي لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» إلى 7600 نقطة، مشيرة إلى قوة الأرباح المدفوعة بقطاعي الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا «أبل» أعلنت انتقال القيادة من تيم كوك إلى جون تيرنوس ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد (أبل)

«أبل» تغيّر القيادة... تيرنوس يخلف كوك في مرحلة اختبار جديدة

«أبل» تنقل القيادة إلى جون تيرنوس مع احتفاظ تيم كوك بدور رئيس المجلس وسط ضغوط الذكاء الاصطناعي، واختبار المرحلة المقبلة.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
تكنولوجيا تقدّم تعلّماً تفاعلياً للغات قائماً على المواقف اليومية بالذكاء الاصطناعي (مختبرات غوغل)

بعد عام على إطلاقها… كيف تعمل تجربة «غوغل» لتعلّم اللغات؟

بعد نحو عام على طرحها، تواصل شركة «غوغل» اختبار تجربة تعليم اللغات المدعومة بالذكاء الاصطناعي تحت اسم «Little Language Lessons»، ضمن منصتها «مختبرات غوغل».

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا «أدوبي» تطلق «القص السريع» لاختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو (رويترز)

«القص السريع» من «أدوبي»: اختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو

في سياق تسارع الابتكار داخل أدوات إنتاج المحتوى، تواصل «أدوبي» توسيع قدرات منصتها للذكاء الاصطناعي «فايرفلاي»، عبر تقديم ميزة جديدة تحمل اسم القص السريع (Quick…

عبد العزيز الرشيد (الرياض)

الموظفون الأميركيون يستخدمون الذكاء الاصطناعي للتعلّم أثناء العمل

الموظفون الأميركيون يستخدمون الذكاء الاصطناعي للتعلّم أثناء العمل
TT

الموظفون الأميركيون يستخدمون الذكاء الاصطناعي للتعلّم أثناء العمل

الموظفون الأميركيون يستخدمون الذكاء الاصطناعي للتعلّم أثناء العمل

يتنافس الموظفون على تطوير مهاراتهم في الذكاء الاصطناعي. ووفقاً لتقرير جديد، فإنهم يستخدمونه أيضاً لتعزيز تعلمهم، سواءً كان ذلك لطلب مساعدة إضافية منه لتوضيح المفاهيم وحل المشكلات، أو لاكتساب مهارات جديدة، كما كتبت سارة بريغل (*).

تحسين المهارات

يستند التقرير إلى نتائج استطلاع أجرته شركة «فراكتل» لصالح الكلية الأميركية للتعليم (ACE)، شمل أكثر من 1000 موظف أميركي يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي في عملهم اليومي.

وكما هو متوقع، تستخدم نسبة كبيرة من الموظفين الذكاء الاصطناعي لتحسين مهاراتهم. فقد أفاد 63 في المائة منهم بأنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي لتعلم مهارات لم يتلقوا تدريباً رسمياً عليها من مؤسساتهم.

القلق من دقة المعلومات

ومع ذلك، أعرب 65 في المائة منهم عن قلقهم بشأن دقة الذكاء الاصطناعي. إلا أن 23 في المائة من الموظفين لا يزالون يعدّون الذكاء الاصطناعي خيارهم الأول عندما يحتاجون إلى تعلم شيء جديد.

فوائد سرعة الإجابات

قد يعود جزء من ذلك إلى سرعة توفير الذكاء الاصطناعي للإجابات: إذ قال ما يقرب من نصف الموظفين (46 في المائة) إنهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي للبحث عن الإجابات لأنه أسرع من طلب المساعدة.

التعلّم سراً لتفادي الاتهامات بالجهل

وربما الأهم من ذلك، أن استخدام هذه التقنية يعني أيضاً أن الموظفين لا يضطرون إلى الاعتراف بجهلهم بشيء ما. فقد قال ما يقرب من ثلثهم (29في المائة) إنهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي لتعلم مهارات جديدة دون الإفصاح عن ذلك. ويُعدّ المديرون أكثر عرضةً لهذا الأمر: إذ اعترف 32 في المائة منهم بأنهم يتعلمون سراً.

وبشكل عام، قال 69 في المائة من الموظفين إن استخدام الذكاء الاصطناعي حسّن إنتاجيتهم، وقال أكثر من 55 في المائة إنه ساعدهم على الشعور بمزيد من الثقة في وظائفهم.

الذكاء الاصطناعي نقطة انطلاق

ومع ذلك، فبينما يستخدم الموظفون الذكاء الاصطناعي بوضوح لسدّ فجوة ما، فإنهم ليسوا راضين تماماً عن قدراته التعليمية. فقد قال 7 في المائة فقط من الموظفين إنهم يشعرون بأن تعلم المهارات من الذكاء الاصطناعي كافٍ، وقال 39 في المائة إنهم يعدّون التدريب الذي يحصلون عليه من الذكاء الاصطناعي نقطة انطلاق لمزيد من التعلم.

الذكاء الاصطناعي يحفّز للانخراط في دورات تدريبية

أفاد ما يقارب نصف المشاركين (48 في المائة) بأنهم التحقوا بدورات تدريبية بعد أن عرّفهم الذكاء الاصطناعي على مواضيع معينة رغبوا في استكشافها بتعمق. والأكثر إثارة للإعجاب، أن 80 في المائة من العاملين أكدوا استمرارهم في التعلم بشكل أو بآخر بعد تعلمهم شيئاً ما باستخدام الذكاء الاصطناعي.

مع أن الذكاء الاصطناعي قد لا يحل محل التدريب العملي تماماً، فإنه يمثل حالياً نقطة انطلاق لغالبية العاملين الساعين لاكتساب مهارات جديدة.

* مجلة «فاست كومباني»


لسانك لا يكذب… «بصمة تنبئية» للأمراض

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي ما لا تراه العين
حين يقرأ الذكاء الاصطناعي ما لا تراه العين
TT

لسانك لا يكذب… «بصمة تنبئية» للأمراض

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي ما لا تراه العين
حين يقرأ الذكاء الاصطناعي ما لا تراه العين

في حضارات وادي الرافدين، حيث تشكّلت البدايات الأولى للطب المنهجي، لم يكن التشخيص يعتمد على أجهزة، أو تحاليل مختبرية، بل على ملاحظة الجسد نفسه. كان الطبيب ينظر، ويتأمل التفاصيل التي قد تبدو عابرة، ومن بينها اللسان.

حين كان اللسان مفتاح التشخيص

معاينة اللسان

لم يكن طلب الطبيب من المريض أن يمد لسانه إجراءً شكلياً، بل خطوة أساسية في قراءة ما يجري داخل الجسد: تغيّر اللون، جفاف السطح، أو ظهور طبقة غير طبيعية؛ كلها إشارات ذات دلالة تُفسَّر ضمن فهم مبكر للصحة والمرض.

اليوم، يعود هذا المشهد القديم بصيغة مختلفة تماماً. فبدل أن يقف الطبيب وحده أمام المريض، تقف معه خوارزميات الذكاء الاصطناعي، وتحلل صورة اللسان بدقة رقمية، وتبحث عن أنماط قد لا تراها العين البشرية. فهل يمكن أن يعود التشخيص القديم... عبر أكثر أدوات العصر تطوراً؟

خريطة بيولوجية مصغّرة

يُعد اللسان من أكثر أعضاء الجسم ثراءً بالمعلومات البيولوجية، فهو يعكس حالة الدورة الدموية، ومستوى الترطيب، والتوازن البكتيري في الفم، بل وحتى بعض الاضطرابات الجهازية. فاللون الشاحب قد يرتبط بفقر الدم، والاحمرار الزائد بالالتهاب، في حين أن الطبقة البيضاء أو الصفراء قد تعكس تغيّرات في الميكروبيوم الفموي، ذلك العالم المجهري الذي يعيش على سطح اللسان.

بهذا المعنى لم يعد اللسان مجرد عضو للكلام، أو التذوق، بل نافذة حيوية على توازن داخلي معقّد.

حين يلتقي الميكروبيوم بالخوارزمية

في السنوات الأخيرة بدأ الباحثون ينظرون إلى اللسان باعتبار أنه نظام بيئي متكامل يرتبط فيه الميكروبيوم الفموي بعدد من الأمراض المزمنة... من السكري وأمراض القلب، وصولاً إلى اضطرابات أيضية معقّدة.

اضطرابات الكبد والأمراض المزمنة

في هذا السياق أظهرت دراسة نُشرت عام 2025 في مجلة «Chinese Medicine»، بقيادة فريق بحثي من الصين، أن تحليل صور اللسان باستخدام الذكاء الاصطناعي وربطها بتركيب الميكروبيوم يمكن أن يكشفا أنماطاً دقيقة مرتبطة باضطرابات في وظائف الكبد، مع قدرة لافتة على التمييز بين الحالات المرضية.

وفي تطور أحدث، طرح باحثون عام 2026 مفهوماً جديداً عُرف بـ«عمر اللسان» (Tongue Age)، يجمع بين تحليل مظهر اللسان وتركيب الميكروبيوم، لتقدير العمر البيولوجي، ومخاطر الإصابة بأمراض مزمنة.

اللسان «بصمة تنبئية»

وتشير هذه الأبحاث إلى أن اللسان قد يحمل بصمة تنبئية لصحة الإنسان تتجاوز الفحص الظاهري التقليدي. وأظهرت أبحاث حديثة من جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة أن الدمج بين الصور الطبية والبيانات الحيوية يفتح آفاقاً جديدة لاكتشاف الأمراض قبل ظهور أعراضها بسنوات.

هنا لا تتحدث الخوارزمية بلغة التشخيص التقليدي، بل بلغة الأنماط الخفية، أنماط لم نكن نبحث عنها، لكنها كانت موجودة طوال الوقت.

حين ينتقل التشخيص إلى الهاتف

من الملاحظة إلى النمط

الفرق بين الطبيب القديم والخوارزمية الحديثة ليس في المبدأ، بل في الاتساع. الطبيب يرى إشارة واحدة، ويؤولها ضمن خبرته، أما الذكاء الاصطناعي فإنه يرى آلاف الإشارات في اللحظة نفسها، ويربط بينها داخل شبكة معقّدة من العلاقات.

وبينما كان التشخيص قائماً على الملاحظة المدعومة بالحدس، أصبح اليوم قائماً على البيانات المدعومة بالخوارزميات.

من العيادة إلى الهاتف... حين يصبح التشخيص مستمراً

لم تعد هذه التقنيات حبيسة المختبرات. فقد بدأت نماذج تحليل صور اللسان تنتقل إلى أدوات أبسط، بل وحتى إلى الهواتف الذكية. وفي هذا النموذج الجديد قد يتحول فحص اللسان من إجراء يتم داخل العيادة إلى عملية مستمرة تعمل في الخلفية، وترصد التغيرات الدقيقة قبل أن يشعر بها الإنسان.

وهنا يتغير معنى التشخيص نفسه. لم يعد حدثاً مؤقتاً، بل عملية ديناميكية لا تتوقف...

حدود الفهم... وحدود الثقة

رغم هذا التقدم، يبقى هناك فرق جوهري بين «الرؤية» و«الفهم». فالذكاء الاصطناعي قادر على اكتشاف الأنماط، لكنه لا يدرك السياق الإنساني الذي يمنح هذه الأنماط معناها.

قد يشير تغيّر في اللسان إلى مرض كامن، لكنه قد يكون أيضاً نتيجة غذاء معيّن، أو حالة عابرة. وهنا يظل دور الطبيب محورياً، ليس في رؤية العلامة فقط، بل في فهمها، وتفسيرها ضمن سياق الإنسان الكامل.

بين وادي الرافدين والذكاء الاصطناعي

إذا عدنا إلى الوراء، نجد أن أطباء وادي الرافدين أدركوا أن الجسد يرسل إشارات خفية، وأن مهمة الطبيب هي قراءتها. اليوم يعيد الذكاء الاصطناعي إحياء هذه الفكرة، لكن بدقة أعلى، ونطاق أوسع. ومع ذلك يبقى السؤال الجوهري كما كان: من يقرأ الإشارة... ومن يفهمها؟

الخلاصة: ما الذي لم نتعلم قراءته بعد؟

في زمن أصبح فيه الهاتف قادراً على تحليل صورة اللسان، لم يعد التشخيص حكراً على العيادة. لكن هذا التقدم يطرح سؤالاً أعمق: هل أصبحنا نرى أكثر... أم نفهم أقل؟

فاللسان، كما كان قبل آلاف السنين، لا يكذب. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فيما يكشفه، بل في قدرتنا على تفسيره. ولهذا، لم يعد السؤال: ماذا يخبرنا اللسان؟ بل أصبح: ما الذي تراه الخوارزميات فيه... ولم نتعلم بعد كيف نقرأه نحن؟


جينات مقاومة المضادات الحيوية موجودة حتى في الرئتين السليمتين

جينات مقاومة المضادات الحيوية موجودة حتى في الرئتين السليمتين
TT

جينات مقاومة المضادات الحيوية موجودة حتى في الرئتين السليمتين

جينات مقاومة المضادات الحيوية موجودة حتى في الرئتين السليمتين

في اكتشاف علمي لافت يعيد رسم حدود ما نعرفه عن مقاومة المضادات الحيوية، توصل باحثون من جامعة برغن النرويجية إلى نتيجة غير متوقعة هي أن الجينات المسؤولة عن مقاومة المضادات الحيوية لا تقتصر على المرضى، بل توجد أيضاً داخل رئات أشخاص يتمتعون بصحة جيدة.

خريطة العالم الميكروبي للرئة

تقدم الدراسة التي قادتها الباحثة غوري كرينغلاند بقسم العلوم السريرية، كلية الطب، الجامعة النرويجية، ونُشرت في مجلة «BMJ Open Respiratory Research» في 25 مارس (آذار) 2026، صورة أكثر تعقيداً لما يُعرف بـ«خزان المقاومة» داخل جسم الإنسان. وهي صورة تشير إلى أن المشكلة أوسع بكثير من حدود المستشفيات، وغرف العلاج.

وقد اعتمد الفريق البحثي على تقنية متقدمة تُعرف بـ«الميتاجينوميكس الشامل» shotgun metagenomics لتحليل عينات من القصيبات الهوائية السفلية، وتم جمعها عبر تنظير القصبات. حيث مكنت هذه التقنية العلماء من رسم خريطة دقيقة للعالم الميكروبي داخل الرئة، لا من حيث أنواع البكتيريا فقط، بل وأيضاً من حيث قدراتها الجينية، بما في ذلك مقاومتها للمضادات الحيوية.

دراسة للمرضى والأصحاء

وشملت الدراسة مرضى يعانون من أمراض رئوية مزمنة، مثل الانسداد الرئوي المزمن chronic obstructive pulmonary disease (COPD، والربو، والتليف الرئوي pulmonary fibrosis (IPF)، والساركويد sarcoidosis (هو مرض حبيبي غير معدٍ يتضمن تجمعات غير طبيعية من الخلايا الالتهابية التي تشكل كتلاً تُعرف باسم الأورام الحبيبية)، إلى جانب مجموعة من المتطوعين الأصحاء. لكن المفاجأة الكبرى لم تكن بين المرضى، بل كانت بين الأصحاء.

التهديد الخفي: مفاجأة في رئات سليمة

كما أظهرت النتائج أن نحو 35 في المائه من الأفراد الأصحاء يحملون جينات مقاومة للمضادات الحيوية رغم عدم وجود أي تاريخ مرضي، أو أعراض تنفسية لديهم.

تقول الباحثة كرينغلاند إن هذه النتيجة كانت «غير متوقعة»، مشيرة إلى أن وجود هذه الجينات لدى أشخاص لم يتعرضوا بشكل ملحوظ للمضادات الحيوية يطرح تساؤلات جديدة حول كيفية انتشار المقاومة.

ولفترة طويلة كان التفسير السائد بسيطاً: كلما زاد استخدام المضادات الحيوية زادت مقاومة البكتيريا لها. وهذا المبدأ لا يزال صحيحاً، لكنه لم يعد كافياً لتفسير الصورة الكاملة، فالدراسة تشير إلى أن الرئة السليمة قد تكون بيئة حاضنة لجينات مقاومة حتى من دون ضغط دوائي مباشر.

هناك عوامل أخرى غير الأدوية

ورغم انتشار هذه الجينات لدى الأصحاء، فإن شدتها لم تكن متساوية. فقد تبين أن المرضى المصابين بالتليف الرئوي والساركويد يحملون مستويات أعلى بشكل واضح من جينات المقاومة مقارنة بغيرهم.

المثير للانتباه أن مرضى الساركويد -وهم غالباً أصغر سناً وأقل استخداماً للمضادات الحيوية- أظهروا مستويات مرتفعة من المقاومة، وهو ما يشير إلى أن هناك عوامل أخرى غير التعرض للأدوية تلعب دوراً في هذه الظاهرة.

البحث عن تفسيرات جديدة

هذه النتائج تدفع العلماء للتفكير في تفسيرات جديدة، مثل اضطرابات خفية في الجهاز المناعي، أو اختلافات في تركيبة الميكروبيوم الرئوي، أو حتى عوامل وراثية لم تُحدد بعد.

المضادات الحيوية... ما زالت في قلب المشكلة

ورغم كل هذه التعقيدات، تؤكد الدراسة حقيقة لا جدال فيها، ألا وهي أن الاستخدام الحديث للمضادات الحيوية يظل عاملاً رئيساً في زيادة جينات المقاومة. فقد كان الأشخاص الذين تناولوا مضادات حديثاً أكثر عرضة لحمل هذه الجينات.

لكن المفارقة أن تقليل الاستخدام رغم أهميته قد لا يكون كافياً وحده. فوجود «مخزون صامت» من جينات المقاومة داخل الجسم يعني أن المعركة ضد هذه الظاهرة أعمق مما كان يُعتقد.

خطر عالمي متصاعد

تأتي هذه النتائج في وقت تحذر فيه «منظمة الصحة العالمية» من أن مقاومة المضادات الحيوية تمثل أحد أكبر التهديدات الصحية في العالم. فمن دون علاجات فعالة قد تصبح العدوى البسيطة مميتة، وتتحول العمليات الجراحية الروتينية إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر.

وفي المقابل يشهد تطوير مضادات حيوية جديدة تباطؤاً ملحوظاً، ما يزيد من خطورة الوضع. بل إن هذه الدراسة تشير إلى أن أي أدوية جديدة قد تواجه بيئة مليئة مسبقاً بآليات المقاومة داخل جسم الإنسان نفسه.

ماذا يعني ذلك لنا؟

بالنسبة لعموم الناس لا يعني هذا الاكتشاف أن الخطر وشيك، أو أن العدوى أصبحت غير قابلة للعلاج. لكنه يسلط الضوء على واقع أكثر تعقيداً هو أن أجسامنا قد تحمل بالفعل أدوات مقاومة كامنة يمكن في ظروف معينة أن تنتقل إلى البكتيريا المسببة للأمراض.

كما تكشف الدراسة عن فجوة طويلة في الأبحاث، إذ نادراً ما تم فحص القصيبات الهوائية السفلية لدى الأصحاء بسبب صعوبة الإجراءات اللازمة، وهو ما يجعل هذه النتائج خطوة مهمة نحو فهم أعمق لصحة الرئة.

أسئلة مفتوحة ومستقبل مختلف

كيف وصلت هذه الجينات إلى رئات سليمة؟ هل تبقى هناك لسنوات أم تختفي؟ وهل يمكن تقليل انتشارها؟ أسئلة لا تزال بلا إجابات واضحة.

لكن ما أصبح مؤكداً هو أن مقاومة المضادات الحيوية لم تعد مشكلة «خارجية» فقط، بل قد تكون جزءاً من بيئتنا الداخلية. ومع اتساع هذا الفهم يبدو أن المواجهة المقبلة لن تقتصر على تطوير أدوية جديدة، بل ستتطلب فهماً أعمق للتوازن الدقيق بين الإنسان والعالم الميكروبي الذي يعيش داخله.