هل يمكن القضاء على داء السكري قريباً؟

التقنيات الحديثة واستراتيجيات العلاج المتقدمة تبشِّر بآفاق واعدة

هل يمكن القضاء على داء السكري قريباً؟
TT

هل يمكن القضاء على داء السكري قريباً؟

هل يمكن القضاء على داء السكري قريباً؟

يُعد داء السكري واحداً من أكثر الأمراض المزمنة انتشاراً في العالم، حيث يعاني منه ملايين الأشخاص ويشكل تحدياً صحياً عالمياً. وهذا المرض، الذي ينتج عن اضطراب في تنظيم مستويات السكر في الدم، يرافق المصابين به مدى الحياة ويؤثر على أنظمة الجسم المختلفة.

ومع التطورات العلمية المتسارعة، بدأ الأمل يلوح في الأفق بإمكانية القضاء عليه أو التخفيف من آثاره بشكل جذري، إذ شهدت العقود الأخيرة قفزات هائلة في مجال علاج السكري، شملت ابتكارات طبية متقدمة مثل العلاجات الدوائية الحديثة، والخلايا الجذعية، وتقنيات الهندسة الوراثية، بالإضافة إلى تطوير أجهزة ذكية كالبنكرياس الصناعي. ومع استمرار الأبحاث، يطرح السؤال نفسه: هل نحن قريبون من وداع السكري نهائياً؟ سنستعرض هنا أحدث التطورات العلمية والتحديات التي لا تزال تَحول دون تحقيق هذا الحلم الطبي.

فهم داء السكري

داء السكري هو اضطراب استقلابي يؤثر في كيفية تعامل الجسم مع الغلوكوز، وهو المصدر الرئيسي للطاقة في الخلايا. وهو يحدث عندما يصبح الجسم غير قادر على إنتاج أو استخدام الإنسولين بكفاءة، مما يؤدي إلى تراكم السكر في الدم بمستويات غير طبيعية. يمكن تصنيف المرض إلى نوعين رئيسيين:

- السكري من النوع الأول: يعد مرضاً مناعياً ذاتياً، حيث يقوم الجهاز المناعي بمهاجمة خلايا بيتا المسؤولة عن إنتاج الإنسولين في البنكرياس. ويؤدي ذلك إلى نقص حاد في الإنسولين، مما يوجب على المصابين به الاعتماد على حقن الإنسولين بشكل يومي لضبط مستويات السكر في الدم. وغالباً ما يُشخَّص هذا النوع في مرحلة الطفولة أو المراهقة، لكنه قد يصيب البالغين أيضاً.

- السكري من النوع الثاني: يحدث عندما تصبح خلايا الجسم مقاومة للإنسولين، مما يعني أنها لا تستطيع استخدامه بكفاءة لمعالجة الغلوكوز، واستجابةً لذلك يحاول البنكرياس إنتاج مزيد من الإنسولين، لكن بمرور الوقت قد لا يتمكن من مجاراة الطلب، مما يؤدي إلى ارتفاع مستويات السكر في الدم. ويُعد هذا النوع الأكثر شيوعاً، وغالباً ما يرتبط بنمط الحياة غير الصحي، مثل قلة النشاط البدني والسمنة والعوامل الوراثية.

التطورات في علاج داء السكري

العلاجات الدوائية الحديثة:

شهدت السنوات الأخيرة تطورات كبيرة في الأدوية المخصصة للسكري، التي تهدف إلى تحسين التحكم في مستويات السكر وتقليل المضاعفات المرتبطة به:

- مثبطات SGLT2: وفقاً لأبحاث الجمعية الأميركية للسكري (American Diabetes Association) لعام 2023 تعمل هذه الأدوية على تقليل إعادة امتصاص الغلوكوز في الكلى، مما يساعد على خفض مستويات السكر في الدم. إضافةً إلى ذلك، أظهرت الدراسات أن هذه الأدوية تقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب والكلى لدى مرضى السكري، مما يجعلها خياراً فعالاً ليس فقط لخفض نسبة السكر ولكن أيضاً لتحسين الصحة العامة للمريض. ويُنصح بها غالباً المرضى الذين يعانون من مخاطر مرتفعة لأمراض القلب والأوعية الدموية.

- نظائر GLP-1: هذه الأدوية تحاكي عمل هرمون GLP-1 الذي يساعد على تنظيم مستويات السكر في الدم من خلال تحفيز إفراز الإنسولين عند ارتفاع مستويات الغلوكوز. وبالإضافة إلى ذلك، تقلل هذه الأدوية من الشهية وتبطئ عملية إفراغ المعدة، مما يساهم في فقدان الوزن. ويُعد فقدان الوزن ميزة إضافية مهمة لهذه الفئة من الأدوية، حيث يرتبط الوزن الزائد بتفاقم مقاومة الإنسولين. وقد أظهرت الأبحاث الحديثة أن بعض نظائر GLP-1 تساعد أيضاً على تقليل خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، مما يجعلها خياراً علاجياً واعداً لمرضى السكري من النوع الثاني (Nature Medicine, 2022).

العلاج بالخلايا الجذعية:

يُعد العلاج بالخلايا الجذعية من أكثر المجالات تطوراً ووعوداً لعلاج السكري من النوع الأول، إذ يجري استخدام الخلايا الجذعية لتجديد خلايا بيتا المنتجة للإنسولين في البنكرياس. وتعتمد هذه التقنية على زراعة خلايا جذعية مبرمجة لإنتاج الإنسولين تلقائياً، مما قد يؤدي إلى استعادة قدرة الجسم الطبيعية على تنظيم مستويات السكر في الدم دون الحاجة إلى حقن الإنسولين المستمرة.

وتشير الأبحاث الحديثة (مجلة الخلايا الجذعية Cell Stem Cell, 2023)، إلى نجاح بعض التجارب السريرية في زراعة هذه الخلايا داخل أجسام المرضى، حيث أظهرت النتائج الأولية قدرة هذه الخلايا على إنتاج الإنسولين بشكل طبيعي والاستجابة لمستويات الغلوكوز في الدم. ورغم هذه التطورات، فإن هناك تحديات كبيرة يجب التغلب عليها، مثل منع رفض الجهاز المناعي هذه الخلايا المزروعة، والتأكد من استمرار وظيفتها لفترات طويلة دون الحاجة إلى عمليات زراعة متكررة.

إضافةً إلى ذلك، يتم استكشاف طرق لحماية هذه الخلايا من الهجمات المناعية باستخدام تقنية الهندسة الوراثية، إذ يتم تعديل الخلايا الجذعية جينياً لجعلها أقل عرضة للهجوم المناعي، مما يزيد من فاعليتها على المدى الطويل. وهناك أيضاً تجارب لاستخدام مواد حيوية لحماية الخلايا داخل كبسولات دقيقة تمنع الجهاز المناعي من مهاجمتها، مع السماح لها بإنتاج الإنسولين بحرية.

وعلى الرغم من أن العلاج بالخلايا الجذعية لا يزال في مراحله التجريبية، فإن التقدم المستمر في هذا المجال يجعل من الممكن تحقيق علاج مستدام للسكري من النوع الأول في المستقبل القريب.

العلاج بالهندسة الوراثية

تقنيات الهندسة الوراثية:

تعد الهندسة الوراثية من أكثر المجالات الواعدة في علاج السكري، حيث توفر تقنيات مثل «CRISPR» إمكانات هائلة في تحرير الجينات وتصحيح الطفرات الوراثية التي تسبب المرض. في تجارب أُجريت على الحيوانات، نجحت هذه التقنية في استعادة الوظائف الطبيعية لخلايا البنكرياس، ما قد يسمح في المستقبل بالقضاء على المرض نهائياً لدى البشر.

علاوة على ذلك، يتم استكشاف تطبيقات الهندسة الوراثية لزيادة إنتاج الإنسولين وتحسين حساسية الخلايا له، مما يتيح إمكانية علاج السكري من النوع الثاني أيضاً. ويركز بعض الأبحاث على إعادة برمجة خلايا غير منتجة للإنسولين، مثل الخلايا الكبدية، لجعلها قادرة على إنتاج الإنسولين عند الحاجة، مما يوفر بديلاً للخلايا التالفة في البنكرياس.

التحدي الرئيسي في هذه التقنية يكمن في التأكد من دقتها وسلامتها قبل استخدامها على نطاق واسع بين البشر. ولا تزال الأبحاث مستمرة لتحديد مدى فاعلية هذه التعديلات الجينية وتأثيرها على المدى الطويل، ولكن النتائج الأولية تبشر بإمكانية تحقيق علاج جذري للسكري في المستقبل القريب (Science Translational Medicine, 2023).

رسم تخيلي لبنكرياس يرتبط الكترونيا بالجسم البشري

البنكرياس الصناعي:

يُعد البنكرياس الصناعي من الابتكارات الحديثة التي تساعد على التحكم التلقائي في مستويات السكر عن طريق مستشعرات متقدمة تقيس مستويات الغلوكوز باستمرار وترسل إشارات إلى مضخات الإنسولين لضبط الجرعة المناسبة دون تدخل المريض. ويتيح هذا النظام الذكي محاكاة وظائف البنكرياس الطبيعي، مما يساعد المرضى على الحفاظ على استقرار مستويات السكر في الدم على مدار اليوم دون الحاجة إلى متابعة مستمرة.

وهناك نوعان رئيسيان من أنظمة البنكرياس الصناعي:

- النظام الهجين المغلق: يحتاج المريض إلى ضبط بعض الإعدادات يدوياً، لكنه يتيح تحكماً شبه تلقائي في مستويات الإنسولين.

- النظام المغلق بالكامل: يعمل تلقائياً بشكل كامل دون أي تدخل يدوي، مما يمنح المرضى راحة أكبر وتحكماً أكثر دقة في مستويات الغلوكوز.

ومن المزايا الأساسية للبنكرياس الصناعي:

- تحسين التحكم في مستويات السكر: يقلل من نوبات ارتفاع أو انخفاض السكر الحاد، مما يحسن جودة الحياة.

- تقليل الحاجة إلى حقن الإنسولين اليومية: يساعد على استبدال الحاجة إلى جرعات متكررة من الإنسولين.

- تحسين جودة النوم: يساعد على تنظيم مستويات السكر في أثناء الليل، مما يقلل من مخاطر الاستيقاظ بسبب ارتفاع أو انخفاض السكر.

- تقليل خطر المضاعفات: مثل أمراض القلب والأعصاب والكلية، نظراً للحفاظ على مستويات السكر ضمن النطاق الطبيعي لفترات أطول.

وفقاً لمجلة «نيو إنغلاند الطبية»، (New England Journal of Medicine, 2023)، حصل بعض أجهزة البنكرياس الصناعي بالفعل على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) للاستخدام السريري، مثل MiniMed 780G وControl-IQ، مما يفتح المجال أمام تحسين نوعية حياة مرضى السكري بشكل كبير. ومع ذلك، لا يزال هناك بعض التحديات، مثل تكلفة هذه الأجهزة، وصعوبة الوصول إليها في بعض البلدان، والحاجة إلى تحسين تقنيات الاستشعار لضمان دقة البيانات.

علاجات دوائية حديثة وتوظيف الخلايا الجذعية والهندسة الوراثية والبنكرياس الصناعي

التطورات المستقبلية

زراعة الأعضاء المصغرة: بدأ العلماء بتطوير أعضاء مصغرة تعتمد على الخلايا الجذعية، مثل جزر لانغرهانز الصناعية، التي يمكن زراعتها داخل جسم المريض لتنتج الإنسولين عند الحاجة دون الحاجة إلى تناول أدوية مثبطة للمناعة.

العلاج المناعي: يستهدف العلاج المناعي تعديل استجابة الجهاز المناعي لمنع مهاجمة خلايا البنكرياس المنتجة للإنسولين، وقد أظهرت التجارب السريرية بعض النجاح في وقف تقدم السكري من النوع الأول في مراحله المبكرة.

الأدوية التجديدية: تشمل هذه الأدوية محفزات تجديد خلايا بيتا، التي تهدف إلى إعادة تنشيط إنتاج الإنسولين لدى المرضى الذين فقدوا هذه القدرة.

وبعد، فهل يمكن القضاء على داء السكري نهائياً؟ يُجمع العلماء على أنه رغم التقدم الهائل في الأبحاث والعلاجات، لا يزال هناك عدد من التحديات التي يجب تجاوزها:

- الحاجة إلى تجارب سريرية واسعة النطاق لضمان سلامة وفاعلية العلاجات الجديدة.

- التكلفة العالية للعلاجات المتقدمة مثل العلاج بالخلايا الجذعية والهندسة الوراثية، مما قد يجعلها غير متاحة للجميع.

- التفاوت في استجابة المرضى، حيث قد لا يكون بعض العلاجات فعالاً لجميع المرضى بسبب الاختلافات الوراثية والعوامل البيئية.

وفي ظل التطورات السريعة في مجالات العلاجات الدوائية، والخلايا الجذعية، والهندسة الوراثية، أصبح الأمل في القضاء على داء السكري أقرب من أي وقت مضى. ومع استمرار الأبحاث قد نشهد في المستقبل حلولاً فعالة تضع حداً لهذا المرض المزمن. ومع ذلك، تبقى الوقاية وإدارة المرض بأساليب تقليدية ضرورية حتى يتم التوصل إلى علاج نهائي وفعال يمكن أن يغيِّر حياة الملايين حول العالم.

* استشاري طب المجتمع


مقالات ذات صلة

كيف تخفّض الدهون الثلاثية؟ احذر هذه المشروبات أولاً

صحتك الاستهلاك المرتفع للمشروبات المحلّاة بالسكر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بزيادة مقاومة الأنسولين (بيكسلز)

كيف تخفّض الدهون الثلاثية؟ احذر هذه المشروبات أولاً

عند الحديث عن صحة القلب والأوعية الدموية، غالباً ما يتركز الاهتمام على الكوليسترول بأنواعه المختلفة، إلا أن الدهون الثلاثية لا تقل أهمية عنه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الأوريغانو قد يساعد في جعل الأوعية الدموية أكثر استرخاءً وانفتاحاً (بيكسلز)

هل يساعد الأوريغانو في خفض ضغط الدم؟

يُعدّ الأوريغانو (الزعتر البري) من أبرز هذه الأعشاب التي حظيت باهتمام بحثي متنامٍ؛ إذ تشير دراسات أولية إلى أنه قد يلعب دوراً في المساعدة على خفض ضغط الدم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الشمندر من الخضراوات الجذرية الغنية بالنترات الطبيعية (بيكسلز)

كيف تحسّن تدفق الدم؟ 7 أطعمة فعّالة

تُعدّ الدورة الدموية من الركائز الأساسية للحفاظ على وظائف الجسم الحيوية؛ إذ يعمل الدم كشبكة نقل متكاملة أشبه بطريق سريع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك زيت الزيتون يُضفي لمعاناً وكثافةً ونعومةً وقوةً على الشعر (بِكساباي)

زيت الزيتون للشعر: اكتشفي الفوائد المذهلة

قد يُساعد زيت الزيتون في الحفاظ على رطوبة الشعر وتقويته. وقد يكون أكثر ملاءمةً لأنواع معينة من الشعر، كالشعر الكثيف.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك مع تقدم العمر تحدث تحولات تدريجية في كفاءة جهاز المناعة (بيكسلز)

ماذا يحدث لجهاز المناعة مع التقدم في العمر؟

مع مرور السنوات، يلاحظ كثيرون أن نزلات البرد تستمر فترة أطول، وأن التعافي من الأمراض أو حتى الجروح لم يعد بالسرعة نفسها كما في السابق.

«الشرق الأوسط» (لندن)

كيف تخفّض الدهون الثلاثية؟ احذر هذه المشروبات أولاً

الاستهلاك المرتفع للمشروبات المحلّاة بالسكر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بزيادة مقاومة الأنسولين (بيكسلز)
الاستهلاك المرتفع للمشروبات المحلّاة بالسكر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بزيادة مقاومة الأنسولين (بيكسلز)
TT

كيف تخفّض الدهون الثلاثية؟ احذر هذه المشروبات أولاً

الاستهلاك المرتفع للمشروبات المحلّاة بالسكر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بزيادة مقاومة الأنسولين (بيكسلز)
الاستهلاك المرتفع للمشروبات المحلّاة بالسكر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بزيادة مقاومة الأنسولين (بيكسلز)

عند الحديث عن صحة القلب والأوعية الدموية، غالباً ما يتركز الاهتمام على الكوليسترول بأنواعه المختلفة، إلا أن الدهون الثلاثية لا تقل أهمية عنه، بل تُعد أحد المؤشرات الحيوية الأساسية المرتبطة بصحة القلب. فالدهون الثلاثية هي نوع من الدهون الموجودة في الدم، يستخدمها الجسم مصدراً للطاقة. لكن ارتفاع مستوياتها بشكل غير طبيعي قد يشكل خطراً صحياً، إذ يرتبط بزيادة احتمالية الإصابة بأمراض القلب، نتيجة تراكم جزيئات صغيرة غنية بالكوليسترول داخل جدران الشرايين، مما قد يؤدي إلى تحفيز الالتهاب والمساهمة في تكوّن لويحات تسد الشرايين مع مرور الوقت.

وعلى الرغم من أن تقليل تناول الدهون قد يبدو الخيار الأول المنطقي، فإن الأبحاث تشير إلى أن أحد أبرز العوامل المؤثرة في ارتفاع الدهون الثلاثية هو استهلاك المشروبات المحلّاة بالسكر، مثل المشروبات الغازية، والشاي المحلى، والقهوة المضاف إليها شراب سكري، ومشروبات الطاقة. وقد وجدت الدراسات أن العلاقة بين هذه المشروبات وارتفاع الدهون الثلاثية قوية لدرجة أن الأشخاص الذين يستهلكون ما يقارب 355 مل فقط يومياً منها يكونون أكثر عرضة بنسبة تصل إلى 48 في المائة لارتفاع مستويات الدهون الثلاثية، وفقاً لموقع «إيتينغ ويل».

رفع سريع في السكر والأنسولين في الدم

تُظهر الأبحاث أن الاستهلاك المرتفع للمشروبات المحلّاة بالسكر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بزيادة مقاومة الأنسولين. وعلى الرغم من أن المشكلة تبدو في ظاهرها مرتبطة بسكر الدم فقط، فإن تأثيرها يمتد ليشمل الدهون الثلاثية أيضاً. ويعود ذلك إلى أن هذه المشروبات، رغم غناها بالسكر، تفتقر إلى الدهون أو البروتين أو الألياف التي تعمل عادة على إبطاء عملية الهضم وامتصاص الجلوكوز. ونتيجة لذلك، يتم امتصاص السكر بسرعة كبيرة في مجرى الدم، مما يؤدي إلى ارتفاع حاد في مستويات السكر والأنسولين.

ومع تكرار هذا النمط الغذائي، قد تتطور حالة مقاومة الأنسولين، وهو ما يؤدي إلى تغيّرات في طريقة استقلاب الدهون داخل الجسم، بحيث ترتفع مستويات الدهون الثلاثية، وتنخفض مستويات الكوليسترول الجيد (HDL)، في حين تزداد جزيئات الكوليسترول الضار (LDL) الصغيرة والكثيفة، وهي عوامل مجتمعة تُهيّئ بيئة مناسبة للإصابة بأمراض القلب.

إمداد الجسم بكميات من السكر تفوق قدرته على الاستخدام

ورغم أن الدهون الثلاثية تُصنَّف ضمن الدهون، فإن مصدرها الأساسي غالباً ما يكون فائض الكربوهيدرات والسكريات المضافة في النظام الغذائي. ولتوضيح ذلك، تحتوي علبة كولا واحدة بحجم 355 مل (12 أونصة) على نحو 37 غراماً من السكر النقي، وهي كمية تفوق قدرة الجسم على استيعابها دفعة واحدة، خصوصاً عند تناولها مع مصادر أخرى من الكربوهيدرات أو السكريات المضافة خلال وجبة واحدة أو كوجبة خفيفة.

وفي هذا السياق، توضح أخصائية التغذية المعتمدة ميليسا جاغر، أن الجسم يقوم أولاً بتخزين السكر الزائد على شكل جليكوجين داخل الكبد والعضلات، ولكن عندما تمتلئ هذه المخازن، يبدأ الكبد بتحويل الفائض من السكر إلى أحماض دهنية. ثم ترتبط هذه الأحماض الدهنية بجزيئات أخرى لتكوين الدهون الثلاثية، التي يتم إطلاقها لاحقاً في مجرى الدم.

زيادة دهون البطن وتأثيرها على الدهون الثلاثية

تُعد الدهون الحشوية، وهي الدهون العميقة المتراكمة في منطقة البطن، من أكثر أنواع الدهون خطورة على الصحة. ويعود ذلك إلى طبيعتها الأيضية المختلفة، إذ تقوم بإطلاق الدهون مباشرة إلى مجرى الدم بشكل أسرع مقارنة بالدهون المخزّنة تحت الجلد في مناطق مثل الوركين أو الفخذين، التي تُطلق الدهون ببطء أكبر.

هذا الاختلاف يجعل الدهون الحشوية عاملاً خطراً مهماً، إذ ترتبط بزيادة احتمالية الإصابة باضطرابات أيضية متعددة، من بينها ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية. وتشير الأبحاث إلى أن الإفراط في استهلاك السكريات المضافة قد يكون أحد العوامل الرئيسية في تراكم هذه الدهون. فعلى سبيل المثال، وجدت إحدى الدراسات أن الأشخاص الذين يستهلكون كميات كبيرة من السكريات المضافة، سواء من المشروبات المحلاة أو مصادر أخرى، تزداد لديهم احتمالية الإصابة بالسمنة البطنية بنسبة 27 في المائة، كما ترتفع احتمالية الإصابة بالسمنة العامة بنسبة 28 في المائة.

سهولة الإفراط في استهلاك المشروبات السكرية

تُعد المشروبات المحلاة بالسكر المصدر الأكبر للسكريات المضافة في النظام الغذائي، خصوصاً في بعض الدول. وتشير الإحصاءات إلى أن نحو 50 في المائة من البالغين في الولايات المتحدة يستهلكون مشروباً سكرياً واحداً على الأقل يومياً، حيث يحتوي كل مشروب في المتوسط على نحو 145 سعرة حرارية، وهي كمية قد تتراكم تدريجياً لتؤدي إلى فائض كبير في السعرات الحرارية مع مرور الوقت.

وتوضح اختصاصية التغذية ماندي تايلر، أن الإفراط في استهلاك السعرات الحرارية من هذه المشروبات أمر شائع، لأن مذاقها المنعش يجعل شربها سهلاً، لكنها في المقابل لا تمنح شعوراً بالشبع. وتضيف أن الفرق واضح عند المقارنة بين تناول قطعة كعك أو شرب كوب من الشاي المُحلى، إذ إن استهلاك السكر في صورة سائلة يكون أسرع وأسهل بكثير، مما يزيد من احتمالية الإفراط دون إدراك كمية السكر المستهلكة.


هل يساعد الأوريغانو في خفض ضغط الدم؟

الأوريغانو قد يساعد في جعل الأوعية الدموية أكثر استرخاءً وانفتاحاً (بيكسلز)
الأوريغانو قد يساعد في جعل الأوعية الدموية أكثر استرخاءً وانفتاحاً (بيكسلز)
TT

هل يساعد الأوريغانو في خفض ضغط الدم؟

الأوريغانو قد يساعد في جعل الأوعية الدموية أكثر استرخاءً وانفتاحاً (بيكسلز)
الأوريغانو قد يساعد في جعل الأوعية الدموية أكثر استرخاءً وانفتاحاً (بيكسلز)

في ظل تزايد الاهتمام بالحلول الطبيعية الداعمة لصحة القلب والأوعية الدموية، تبرز الأعشاب الطبية كخيار واعد يمكن أن يكمّل نمط الحياة الصحي. ويُعدّ الأوريغانو (الزعتر البري) من أبرز هذه الأعشاب التي حظيت باهتمام بحثي متنامٍ؛ إذ تشير دراسات أولية إلى أنه قد يلعب دوراً في المساعدة على خفض ضغط الدم والحفاظ على مستوياته ضمن النطاق الصحي. ويُعزى ذلك إلى تركيبته الغنية بالمركبات الفعّالة ذات الخصائص المضادة للأكسدة، إضافة إلى قدرته المحتملة على إرخاء الأوعية الدموية وتحسين تدفق الدم، وفقاً لما أورده موقع «فيري ويل هيلث».

1. مضادات الأكسدة ومكافحة الإجهاد التأكسدي والالتهاب

تشير بعض الدراسات إلى أن الأوريغانو يحتوي على مركبين رئيسيين، هما الكارفاكرول والثيمول، اللذان قد يمتلكان تأثيرات مضادة للأكسدة في بعض الحالات، مما يُسهم في تقليل الإجهاد التأكسدي. ومع ذلك، لا تزال هذه النتائج بحاجة إلى مزيد من الدراسات لتأكيدها بشكل قاطع.

ويُعتقد أن الإجهاد التأكسدي والالتهاب يلعبان دوراً مهماً في إلحاق الضرر بخلايا الأوعية الدموية والجهاز العصبي، مما يؤدي إلى اختلال وظائفها، وهو ما قد يُسهم في ارتفاع ضغط الدم. وقد أظهرت دراسات أُجريت على الإنسان والحيوان أن الأوريغانو يمكن أن يُقلل من مؤشرات الإجهاد التأكسدي. ورغم أن هذه النتائج تبدو واعدة، فإن فهم التأثير المباشر على ضغط الدم لا يزال يتطلب المزيد من الأبحاث السريرية الموثوقة على البشر.

2. المساهمة في إرخاء الأوعية الدموية

يُعدّ تضيق الأوعية الدموية وتصلّبها من العوامل الأساسية التي تؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم. وتشير بعض الأدلة إلى أن تناول الأوريغانو قد يساعد في جعل الأوعية الدموية أكثر استرخاءً وانفتاحاً، وذلك بفضل مركب الكارفاكرول.

ويعمل هذا المركب كمُوسّع للأوعية الدموية؛ إذ يساعد على فتحها وتحسين تدفق الدم من القلب إلى مختلف أنحاء الجسم، مما يُسهم في دعم استقرار ضغط الدم ضمن المعدلات الطبيعية.

3. المساهمة في خفض الكوليسترول الضار

يمكن للمركبات الفعّالة في الأوريغانو، التي تُسهم في مكافحة الإجهاد التأكسدي والالتهاب، أن تدعم صحة القلب من خلال المساعدة في خفض مستويات الكوليسترول الضار. ويؤدي تراكم هذا النوع من الكوليسترول مع مرور الوقت إلى تكوّن لويحات دهنية داخل الشرايين، مما يسبب تضييقها ويُضعف تدفق الدم.

ويُعرف هذا التراكم باسم تصلّب الشرايين، وهو حالة ترتبط بعدة عوامل خطر، من أبرزها:

- التدخين

- الإصابة بأمراض مزمنة مثل السمنة أو داء السكري

- قلة النشاط البدني

- اتباع نظام غذائي غني بالدهون المشبعة

4. تقليل دخول الكالسيوم إلى الخلايا وتعزيز مرونة الأوعية

يمكن أن يؤدي تدفق الكالسيوم بسرعة إلى داخل خلايا العضلات الملساء في جدران الأوعية الدموية إلى انقباضها، مما يعيق تدفق الدم ويزيد من مقاومة الأوعية الدموية. وتُعدّ مقاومة الأوعية من العوامل المؤثرة في ضغط الدم؛ إذ تتأثر بسُمك الدم وحجم الأوعية وطولها.

وقد أظهرت بعض النتائج أن الأوريغانو قد يساعد في تقليل تدفق الكالسيوم إلى هذه الخلايا، مما يُسهم في إرخاء الأوعية الدموية وتعزيز مرونتها، وهو ما ينعكس إيجاباً على صحة الجهاز الدوري بشكل عام.


كيف تحسّن تدفق الدم؟ 7 أطعمة فعّالة

الشمندر من الخضراوات الجذرية الغنية بالنترات الطبيعية (بيكسلز)
الشمندر من الخضراوات الجذرية الغنية بالنترات الطبيعية (بيكسلز)
TT

كيف تحسّن تدفق الدم؟ 7 أطعمة فعّالة

الشمندر من الخضراوات الجذرية الغنية بالنترات الطبيعية (بيكسلز)
الشمندر من الخضراوات الجذرية الغنية بالنترات الطبيعية (بيكسلز)

تُعدّ الدورة الدموية من الركائز الأساسية للحفاظ على وظائف الجسم الحيوية؛ إذ يعمل الدم كشبكة نقل متكاملة أشبه بطريق سريع، يمدّ مختلف الأعضاء والأنسجة بالأكسجين والعناصر الغذائية الضرورية، بدءاً من الدماغ والقلب وصولاً إلى العضلات والجلد. وعندما تسير هذه العملية بكفاءة، ينعكس ذلك إيجاباً على الصحة العامة والنشاط اليومي. وفي المقابل، فإن أي خلل في تدفق الدم قد يؤدي إلى مشكلات صحية متعددة، تتراوح بين الشعور بالتعب وصولاً إلى أمراض أكثر خطورة.

ومن بين الوسائل الفعّالة لدعم الدورة الدموية، يبرز اتباع نظام غذائي متوازن كخيار أساسي يمكن أن يُحدث فرقاً ملموساً. وإلى جانب ممارسة النشاط البدني بانتظام، والحفاظ على ترطيب الجسم، وضبط الوزن، والابتعاد عن التدخين، هناك مجموعة من الأطعمة التي أظهرت قدرتها على تعزيز تدفق الدم وتحسين صحة الأوعية الدموية، وفقاً لما أورده موقع «ويب ميد». وفيما يلي أبرز هذه الأطعمة:

الفلفل الحار (الكايين)

لا يقتصر دور الفلفل الحار بلونه الأحمر الزاهي على إضفاء نكهة مميزة على الأطعمة، بل يمتد تأثيره ليشمل دعم صحة الأوعية الدموية. ويعود ذلك إلى احتوائه على مركب الكابسيسين، الذي يساعد على تحسين مرونة الشرايين وإرخاء عضلات الأوعية الدموية، ما يُسهّل تدفق الدم داخلها. كما ينعكس هذا التأثير إيجاباً على مستويات ضغط الدم.

الشمندر (البنجر)

يُعدّ الشمندر من الخضراوات الجذرية الغنية بالنترات الطبيعية، التي يحوّلها الجسم إلى أكسيد النيتريك، وهو مركب يلعب دوراً مهماً في توسيع الأوعية الدموية وتحسين تدفق الدم إلى الأعضاء والأنسجة. وقد أظهرت الدراسات أن تناول عصير الشمندر يمكن أن يسهم في خفض ضغط الدم الانقباضي، وهو الرقم الأول في قراءة ضغط الدم.

التوت

يتميّز التوت بكونه مصدراً غنياً بمضادات الأكسدة، وعلى رأسها مركب الأنثوسيانين، المسؤول عن لونه الأحمر والأرجواني الداكن. ويساهم هذا المركب في حماية جدران الشرايين من التلف والحد من تصلّبها، كما يحفّز إنتاج أكسيد النيتريك، مما يساعد على تحسين تدفق الدم وخفض ضغط الدم.

الأسماك الدهنية

تُعدّ الأسماك الدهنية مثل السلمون والماكريل والتراوت من أفضل المصادر الغذائية لأحماض أوميغا 3 الدهنية، التي أثبتت الدراسات دورها المهم في تعزيز صحة القلب والدورة الدموية. فهذه الأحماض لا تساعد فقط على خفض ضغط الدم في حالات الراحة، بل تساهم أيضاً في الحفاظ على نظافة الشرايين وتقليل خطر انسدادها.

الرمان

تحتوي حبات الرمان الصغيرة والعصيرية على تركيز عالٍ من مضادات الأكسدة والنترات، وهي عناصر تسهم في توسيع الأوعية الدموية وتحسين تدفق الدم. ويؤدي ذلك إلى زيادة وصول الأكسجين والعناصر الغذائية إلى العضلات والأنسجة المختلفة. كما قد ينعكس هذا التحسّن في تدفق الدم إيجاباً على الأداء البدني، خاصة لدى الأشخاص النشطين.

الثوم

يُعرف الثوم بفوائده الصحية المتعددة، ومن بينها دعمه لصحة الدورة الدموية. فهو يحتوي على مركب كبريتي يُعرف باسم الأليسين، يساعد على استرخاء الأوعية الدموية وتحسين تدفق الدم. وتشير الأبحاث إلى أن تناول الثوم بانتظام قد يقلل من الجهد الذي يبذله القلب لضخ الدم، مما يساهم في خفض ضغط الدم وتعزيز كفاءة الجهاز الدوري.

العنب

إلى جانب مذاقه الحلو، يُسهم العنب في دعم صحة الأوعية الدموية وتحسين تدفق الدم. فقد أظهرت الدراسات أن مضادات الأكسدة الموجودة فيه تساعد الأوعية الدموية على الاسترخاء والعمل بكفاءة أعلى. كما يساهم العنب في تقليل الالتهابات وبعض المركبات التي قد تزيد من لزوجة الدم، وهو ما قد يعيق انسيابه بشكل طبيعي داخل الأوعية.