طهران تحت النار... وترمب يرفع سقف الحرب

أكثر من 3400 ضربة داخل إيران... «الحرس الثوري» هدد بتوسيع الهجمات ويلوح بـ«جاهزية» لحرب 6 أشهر

أعمدة النيران والدخان تتصاعد أمس من منشأة لتخزين النفط تعرضت للقصف في جنوب طهران (أ.ب)
أعمدة النيران والدخان تتصاعد أمس من منشأة لتخزين النفط تعرضت للقصف في جنوب طهران (أ.ب)
TT

طهران تحت النار... وترمب يرفع سقف الحرب

أعمدة النيران والدخان تتصاعد أمس من منشأة لتخزين النفط تعرضت للقصف في جنوب طهران (أ.ب)
أعمدة النيران والدخان تتصاعد أمس من منشأة لتخزين النفط تعرضت للقصف في جنوب طهران (أ.ب)

مع اتساع القصف الأميركي - الإسرائيلي على إيران في تاسع أيام الحرب، خيّم الدخان على سماء طهران بعد ضرب مستودعات الوقود، فيما توعّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بمواصلة الحرب حتى انهيار القيادة والجيش الإيرانيين، بينما صعّد «الحرس الثوري» هجماته الصاروخية والمسيّرة وهدد بتوسيع المواجهة في المنطقة.

وتلقت طهران، فجر الأحد، يوماً جديداً وهي غارقة في سحب سوداء ودخان كثيف بعد غارات ليلية استهدفت منشآت تخزين الوقود، بينما أظهرت مقاطع مصورة أعمدة لهب برتقالية أضاءت السماء، قبل أن يغطي الدخان الخانق أجزاء واسعة من العاصمة. وكانت المرة الأولى التي يتم فيها استهداف منشأة صناعية منذ اندلاع الحرب.

وقال «الحرس الثوري» إنه سيزيد بشكل ملحوظ من قدراته العملياتية مع حلول الاثنين، وذلك عبر رفع حجم عملياته بالطائرات المسيّرة بنسبة تصل إلى 20 في المائة، ومضاعفة استخدام الصواريخ فائقة الثقل والاستراتيجية بنسبة 100 في المائة.

وهدّدت عمليات هيئة الأركان المسلحة الإيرانية، باستهداف منشآت نفطية في المنطقة إذا واصلت إسرائيل قصف بنى تحتية للطاقة في إيران، وذلك غداة قصف واسع على مستودعات نفط.

وأطلقت إيران وابلاً جديداً من الصواريخ باتجاه إسرائيل. ودوّت صفارات الإنذار في شمال إسرائيل وجنوبها ووسطها صباح الأحد تحذيراً من صواريخ أطلقت من إيران.

في المقابل، قال الجيش الإسرائيلي إن أنظمة الدفاع الجوي تم تفعيلها لاعتراض الصواريخ القادمة، في حين دوت صفارات الإنذار في وسط إسرائيل، بما في ذلك تل أبيب وأجزاء من القدس، للتحذير من الصواريخ التي ضربت لاحقاً.

بموازاة ذلك، وسعت إسرائيل نطاق قصفها لإيران خلال الليل وحتى منتصف نهار الأحد، مستهدفة البنية التحتية العسكرية ومستودعات وقود قرب طهران، فيما بدا مرحلة جديدة من الحرب. وقال مصدر إسرائيلي إن الوقود المستهدف كان يُستخدم في تصنيع وتطوير الأسلحة وتشغيل قواعد عسكرية إيرانية.

ومع حلول الظلام، أعلن الجيش الإسرائيلي شن جولة ثانية من الغارات الجوية على إيران. ولم يقتصر القصف على العاصمة؛ إذ أفادت وسائل إعلام إيرانية بسماع دوي انفجارات في قاعدة عسكرية بمدينة بروجرد، المحاطة بجبال زاغروس وفي مدينة إيلام غرب البلاد، كما تحدثت تقارير عن هجمات على نقاط خارج مدينة يزد، في وقت أعلن الجيش الإسرائيلي بدء موجة إضافية من الضربات في أنحاء إيران.

رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير يترأس أجتماعاً لقائد الجيش الأحد (وزارة الدفاع الإسرائيلية)

أتى ذلك بعد إعلان الجيش الإسرائيلي أنه ضرب أكثر من 3400 هدف داخل إيران. وأفاد، الأحد، بأنه «دمّر» مقر وكالة الفضاء الإيرانية التابعة لـ«الحرس الثوري». وأضاف أن الموقع كان يُستخدم من قبل «الحرس الثوري» لتعزيز «أنشطة إرهابية ومراقبة دولة إسرائيل وسكانها».

وأشار الجيش إلى أن الأهداف شملت أيضاً مركز قيادة الأمن الداخلي لـ«الحرس الثوري»، وعدداً من مخازن الذخيرة، ومجمعاً تابعاً لقواته البرية، إضافة إلى قاعدة لوحدات جهاز «الباسيج» الذراع التعبوية التابعة لـ«الحرس».

وفي السياق نفسه، قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف مقاتلات إيرانية من طراز «إف-14» في مطار أصفهان، وإن الضربات طالت أيضاً مجمعات عسكرية وأنظمة رصد ودفاع جوي.

وأضاف أن هذه الضربة جاءت بعد تدمير 16 طائرة تابعة لـ«فيلق القدس» في مطار مهرآباد بطهران قبل يومين، مؤكداً أنه سيواصل استهداف أنظمة النظام الإيراني في أنحاء إيران وتوسيع التفوق الجوي الإسرائيلي، فضلاً عن ملاحقة كل خليفة محتمل لخامنئي.

من جانبها، قالت وسائل إعلام إيرانية إن هجوماً صاروخياً استهدف أصفهان وشهرضا ونجف آباد، ما أسفر عن سقوط أكثر من 20 قتيلاً وأكثر من 50 جريحاً. كما استهدفت هجمات نقاطاً في جنوب قم.

وقالت واشنطن إن عدد الضربات الأميركية بلغ 3 آلاف.

ترمب يرفع السقف

وفي واشنطن، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه غير مهتم بالتفاوض مع إيران لإنهاء الصراع، في وقت دفع فيه القتال أسعار الطاقة إلى الارتفاع وأضر بالأعمال التجارية وعرقل حركة السفر عالمياً، ملوحاً بتشديد الضربات أكثر.

وقال ترمب على متن الطائرة الرئاسية إن الحرب قد تنتهي من دون بقاء قيادة أو جيش فعّال في إيران، مضيفاً: «في مرحلة ما، لا أعتقد أنه سيبقى أحد ليقول: نحن نستسلم». كما تحدث عن «خطة منظمة» تتضمن «مفاجآت».

وأضاف في بيان مصور أن لدى الولايات المتحدة «أهدافاً كثيرة أخرى»، مشيراً إلى أن الخطة ترمي إلى زعزعة استقرار النظام وإحداث تغيير. وبرر العملية العسكرية الأميركية بالقول إن طهران تشكل تهديداً وشيكاً للولايات المتحدة، وتقترب جداً من امتلاك سلاح نووي.

وفي موازاة ذلك، قال موقع «أكسيوس» إن الولايات المتحدة وإسرائيل ناقشتا إرسال قوات خاصة إلى إيران لتأمين أو الاستيلاء على مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب في مرحلة لاحقة من الحرب، حسب أربعة مصادر مطلعة على المناقشات.

ورداً على سؤال حول احتمال إرسال قوات برية لتأمين المواقع النووية، قال ترمب إن ذلك يمكن القيام به «في وقت لاحق». كما قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض إن إرسال قوات إلى إيران ليس ضمن البرنامج الحالي، لكن الرئيس يدرس جميع الخيارات.

الاستخفاف بلاريجاني

واستخف ترمب بتهديدات أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، قائلاً في مقابلة هاتفية مع شبكة «سي بي إس نيوز» مساء السبت: «لا أعرف عمّا يتحدث ولا أعرف من يكون. لا يهمني الأمر إطلاقاً»، معتبراً أنه «قد هُزم بالفعل».

وأضاف أن القادة الإيرانيين «ضعفاء ويتراجع نفوذهم في المنطقة»، مؤكداً أن الضربات الأميركية ستستمر وأنه ما زال يطالب إيران بـ«الاستسلام غير المشروط». كما قال إن طهران «استسلمت لجيرانها في الشرق الأوسط» بسبب الضغط العسكري الأميركي.

قاذفة أميركية من نوع «بي-1» بقاعدة فيرفورد في بريطانيا الأحد (أ.ب)

وتابع ترمب أن لاريجاني «كان ينوي السيطرة على الشرق الأوسط، لكنه تراجع واستسلم لكل تلك الدول بسببي»، مضيفاً أن الصواريخ الإيرانية كانت موجهة منذ زمن بعيد إلى دول المنطقة، وأن هذا الأمر كان مخططاً له قبل بدء الحرب.

وعلى نطاق أوسع، عبّر ترمب عن ثقته بالحملة العسكرية، قائلاً إن الولايات المتحدة نجحت في إضعاف الجيش الإيراني والنظام، وإن الصواريخ والطائرات المسيّرة والمصانع والبحرية وسلاح الجو والقيادة «دُمّرت» أو «انتهت»، وفق تعبيره.

الأكراد والقوات البرية

وفي سياق متصل، قال ترمب إنه لا يريد إشراك الأكراد في الحرب، وقال للصحافيين على متن «إير فورس وان»: «لا نريد أن نجعل الحرب أكثر تعقيداً مما هي عليه بالفعل»، مضيفاً أنه لا يريد أن يرى الأكراد يُقتلون أو يُصابون.

وأضاف أن علاقات الولايات المتحدة بالأكراد جيدة، وأنهم مستعدون للدخول، «لكنني أخبرتهم أننا لا نريدهم أن يدخلوا». وجاء ذلك بعد تقارير تحدثت الخميس عن قوله إنه سيكون «مؤيداً بالكامل» لهجوم يشنه مقاتلون أكراد إيرانيون. وكان البيت الأبيض قد نفى سابقاً تقريراً يفيد بأن ترمب يدرس تسليح الأكراد.

تهديد إيراني وتحذير «سنتكوم»

في طهران، قال لاريجاني للتلفزيون الإيراني، في وقت متأخر السبت، إن إيران مصممة على مواصلة الرد، وإن الولايات المتحدة «يجب أن تدفع الثمن». وأضاف عبر التلفزيون الرسمي: «يجب أن يعلم الأميركيون أننا لن نتركهم يفلتون من العقاب. شعبنا معنا، وقيادتنا متحدة».

وتابع أنه لا يوجد أي انقسام داخل إيران في قتال الولايات المتحدة وإسرائيل، داعياً المسؤولين إلى الوحدة. وقال إن طهران لا ترحب بالحرب، لكن ينبغي معاقبة المعتدين، وزعم أن الهجمات كانت تهدف إلى تفكيك إيران لكنها أخفقت، وقال في السياق نفسه إن «هدف العدو كان إحداث صدمة داخل إيران تمهيداً لتقسيمها، لكن حساباته أخطأت»، مضيفاً أن الأميركيين «لا يعرفون منطقة غرب آسيا، وظنوا أنهم يستطيعون تكرار ما فعلوه في فنزويلا داخل إيران».

وأضاف أن «محاولة تحريض بعض القوميات داخل إيران لم تنجح، قائلاً إن الأكراد يعرفون ما فعلته الولايات المتحدة بالأكراد في سوريا». وسأل: «قالوا إن القادة أرسلوا رسائل للاستسلام، فكيف ما زالت الصواريخ والقوات في الشوارع؟».

وفي الوقت نفسه، هاجم لاريجاني تهديد ترمب بالتدخل في اختيار المرشد الجديد، معتبراً ذلك دليلاً على «تخلفه»، وقال إن تهديدات الرئيس الأميركي باستهداف المدنيين تمثل «ذروة الخبث العسكري» بعد فشلهم في ساحة المعركة.

وأضاف أن استهداف القواعد الأميركية في المنطقة «سيبقى سياسة ثابتة، وأن على ترمب أن يعترف بأنه أخطأ وانخدع بإسرائيل»، نافياً وجود خلافات داخلية في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، وأن الإيرانيين يقفون صفاً واحداً رغم أوجه القصور.

منشور لاريجاني في منصة «إكس» الذي تحدث فيه عن أسر جنود أميركيين وهو ما نفاه الجيش الأميركي

وفي ملف مضيق هرمز، قال لاريجاني: «نحن لم نغلق مضيق هرمز، لكنه أُغلق بسبب الحرب»، مضيفاً أن لا أحد يستطيع العبور عملياً. كما قال إن تداعيات التصعيد لن تقتصر على إيران وحدها إذا استمرت الحرب.

وأعلن لاريجاني عبر منصة «إكس» أن «اغتيال قائدنا وقتل أبناء شعبنا ليس أمراً بسيطاً، ولن نترك ترمب وشأنه حتى نرد بالمثل». كما قال إنه تلقى تقارير عن وقوع عدد من الجنود الأميركيين في الأسر في بعض الدول.

لكن القيادة المركزية الأميركية نفت احتجاز إيران أي رهائن أو أسرى من الجيش الأميركي. وقال المتحدث باسم «سنتكوم»، تيم هوكينز، إن النظام الإيراني «يبذل قصارى جهده لنشر الأكاذيب والتضليل»، واعتبر حديث لاريجاني مثالاً واضحاً على ذلك.

وأصدرت القيادة المركزية الأميركية تحذيراً أمنياً للمدنيين في إيران، قائلة إن القوات الإيرانية تستخدم مناطق مدنية مكتظة في دزفول وأصفهان وشيراز لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، ما يعرض المدنيين للخطر ويجعل تلك المواقع أهدافاً مشروعة بموجب القانون الدولي.

وأضافت «سنتكوم» أن إيران أطلقت منذ 28 فبراير (شباط) مئات الصواريخ الباليستية وآلاف الطائرات المسيّرة الهجومية أحادية الاتجاه، غير أن معدلات الإطلاق تراجعت بعد ضرب القدرات العسكرية الإيرانية. كما دعت المدنيين إلى البقاء في منازلهم لتقليل المخاطر.

وقال الأدميرال براد كوبر إن النظام الإيراني «يتجاهل بشكل صارخ حياة المدنيين» من خلال مهاجمة شركاء الخليج وتعريض شعبه للخطر. كما أكد الجيش الأميركي أنه يتخذ كل الاحتياطات الممكنة لتقليل الأضرار، لكنه لا يضمن سلامة المدنيين قرب المنشآت العسكرية الإيرانية.

صواريخ انشطارية

وفي الجبهة المقابلة، أعلن متحدث باسم عمليات الأركان الإيرانية إطلاق صواريخ انشطارية متقدمة من طراز «قدر» و«عماد» برؤوس حربية بين 700 كيلوغرام وطن، إلى جانب صواريخ «خيبرشكن»، التي قيل إنها حققت أعلى معدل إصابة في الموجات السابقة.

ويحمل صاروخ «قدر» رأساً حربياً متعدد الرؤوس يضم بين 10 و20 رأساً حربياً. كما يعد صاروخ «خيبرشكن» ذا رؤوس حربية فائقة الثقل من جيل يسبق صاروخ «فتاح» الفرط صوتي، ويعمل بالوقود الصلب، ويُطلق بزاوية مائلة، ويبلغ مداه 1450 كيلومتراً مع قدرة على المناورة حتى لحظة الإصابة.

وقالت العمليات الإيرانية إن حجم وعمق هجمات القوات المسلحة الإيرانية سيتوسع خلال الساعات والأيام المقبلة، رداً على ما وصفه بـ«الاعتداءات الوحشية» الأميركية والإسرائيلية.

وقال المتحدث باسم «الحرس» علي محمد نائيني في مقابلة متلفزة، السبت، إن الحرب الحالية «أوسع نطاقاً وأكثر تنوعاً من حيث الجغرافيا والأهداف» مقارنة بحرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران)، موضحاً أن 60 في المائة من القوة النارية الصاروخية والمسيّرة وُجهت إلى القواعد والمصالح الأميركية، و40 في المائة نحو إسرائيل.

إلى ذلك، قال المتحدث باسم «الحرس الثوري» إن إيران تمتلك القدرة على مواصلة حرب عالية الشدة لمدة لا تقل عن ستة أشهر، وإن على العدو أن ينتظر «ضربات أكثر إيلاماً ودقة» في الأيام المقبلة باستخدام صواريخ متطورة بعيدة المدى.

وأضاف أن ترسانة إيران من الصواريخ الباليستية والكروز والطائرات المسيّرة والزوارق الهجومية مهيأة لحرب واسعة وطويلة الأمد. كما أعلن استهداف 17 قطعة بحرية تابعة للولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما، و200 قاعدة أميركية وإسرائيلية بصواريخ باليستية.

وأعلن «الحرس الثوري» أيضاً استهداف مصفاة حيفا رداً على الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على منشآت الوقود قرب طهران، كما تحدث عن شن هجمات على أهداف أميركية وإسرائيلية، بما في ذلك مواقع في حيفا ومنطقة المارينا في دبي، إلى جانب إصابة قاعدة أميركية في البحرين.

ومن جهة أخرى، قال العميد نائيني إن منظومة الدفاع الجوي الإيرانية أسقطت 80 طائرة مسيّرة متقدمة، بينها ثلاث طائرات أميركية من طراز «كيو إم9»، و74 طائرة إسرائيلية من طرازات «هيرميس 900» و«هيرميس 450» و«هيرون»، مع الاستيلاء على طائرة «هيرميس 900» سليمة.

كما أعلن «الحرس» إسقاط طائرة استطلاع من طراز «أوربيتر4» في أجواء أصفهان، وإسقاط طائرة «هيرميس 900» أخرى في أجواء غرب البلاد بواسطة أنظمة دفاع جوي متطورة تابعة له وتحت إشراف شبكة الدفاع الجوي الموحدة.

بزشكيان يتراجع

في خضم الجدل الداخلي، قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن تصريحات الاعتذار التي أدلى بها للدول المجاورة أسيء فهمها، وإن العدو «حرّف كلامه» سعياً إلى زرع الفتنة بين إيران وجيرانها في الخليج.

وقال بزشكيان: «كان لدى العدو تصورات ساذجة عن أقوالي. العدو يريد أن نكون نحن والدول المجاورة في حالة حرب، ويسعى إلى إثارة الخلاف بيننا وبين الدول الأخرى». وأكد أن طهران مضطرة للرد على أي هجوم.

وأضاف أن «أي استخدام لأراضي دولة أخرى لشن هجوم أو اعتداء على إيران سيقابل برد»، موضحاً أن هذا الرد «لا يعني أننا في خلاف أو نزاع مع تلك الدولة، ولا أننا نريد إزعاج شعبها»، بل إن إيران ترد فقط على الهجمات التي تتعرض لها.

وكان بزشكيان قد اعتذر، السبت، للدول المجاورة عن الهجمات على المنشآت الأميركية في أراضيها، قائلاً إن طهران ستتوقف عن استهداف دول الخليج الأخرى ما لم تتعرض لهجوم أولاً. غير أن هذه التصريحات أثارت انتقادات حادة من غلاة المحافظين.

وفي أعقاب ذلك، شدد مكتب بزشكيان على أن الجيش الإيراني سيرد بقوة على أي هجمات تنطلق من قواعد أميركية في الشرق الأوسط. كما قال بزشكيان إن مطلب ترمب بالاستسلام غير المشروط «حلم»، وإن إيران لن تنحني بسهولة أمام الترهيب أو العدوان.

في الأثناء، زار بزشكيان عدداً من المستشفيات والمراكز الطبية التي تعالج المصابين في الحرب، واطلع على البروتوكولات العلاجية والحالة الصحية للمصابين.

في هذا السياق، قال عضو مجلس القيادة علي رضا أعرافي إن أي دولة تريد تجنب التعرض لهجمات إيرانية عليها منع الولايات المتحدة وإسرائيل من استخدام أراضيها لشن هجمات على إيران، مؤكداً أن الحرب والرد على الاعتداءات يجب أن يكونا في صدارة الأولويات.

وأضاف أعرافي أن الدفاع عن إيران «واجب وطني وثوري وإسلامي»، ودعا جميع القوى السياسية والنخب ووسائل الإعلام إلى أداء دورها في «هذه المعركة التاريخية»، مؤكداً أن دعم الشعب والأجهزة الرسمية يشكل عاملاً أساسياً في تعزيز قوة إيران.

من جهته، كتب النائب نصر الله بجمانفر على منصة «إكس» أن إيران «أهل للمفاوضة»، لكن «ليس في مسقط أو جنيف»، بل هذه المرة ستكون طاولة المفاوضات «في مضيق هرمز»، على حد تعبيره.

في هذه الأثناء، قال سفير إيران لدى الأمم المتحدة، أمير سعيد إيرواني، إن الهجمات الأميركية والإسرائيلية أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 1332 مدنياً إيرانياً وإصابة الآلاف، بينما قال وزير الصحة الإيراني إن عدد القتلى تجاوز 1200 والإصابات عشرة آلاف مدني.

عمال الإنقاذ جثة أحد الضحايا بعد غارة على مبنى في ميدان إنقلاب(الثورة) في طهران (أ.ف.ب)

وأضافت وزارة الصحة الإيرانية أن 200 طفل ونحو 200 امرأة بين قتلى الحرب، وأن أكثر من ألف آخرين أصيبوا، بينهم قرابة 400 امرأة. كما قالت جمعية الهلال الأحمر الإيراني إن الهجمات ألحقت أضراراً بنحو عشرة آلاف مبنى مدني في أنحاء البلاد.

أما رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف فقال إن أسعار النفط ستواصل الارتفاع ما دامت الحرب مستمرة، مضيفاً: «إذا استمرت الحرب على هذا النحو، فلن يكون هناك طريق لبيع النفط ولا قدرة على إنتاجه»، محذراً من اتساع الخسائر إلى المنطقة والعالم.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تعلن قتل أفراد «خلية إرهابية» بجنوب لبنان رغم وقف النار

المشرق العربي عربات تابعة للجيش الإسرائيلي على الجانب اللبناني من الحدود كما تظهر من الجليل الأعلى (إ.ب.أ) p-circle

إسرائيل تعلن قتل أفراد «خلية إرهابية» بجنوب لبنان رغم وقف النار

أعلن الجيش الإسرائيلي، السبت، أن سلاح الجو قتل أفراد «خلية إرهابية» في جنوب لبنان، رغم وقف إطلاق النار الساري مع «حزب الله». وقال الجيش، في بيان، إن سلاح الجو…

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري خلال اجتماع مع وزير المالية لبحث نتائج اجتماعه مع صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

مصر: جدل «التداعيات الاقتصادية» لا ينحسر مع مؤشرات التهدئة بالمنطقة

لا يزال جدل «التداعيات الاقتصادية» للحرب الإيرانية على مصر، مستمراً في مصر، رغم مؤشرات التهدئة في المنطقة أخيراً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شؤون إقليمية ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب) p-circle

تقرير: الجيش الأميركي يستعد لمداهمة سفن مرتبطة بإيران

ذكرت ​صحيفة «وول ستريت جورنال»، السبت، ‌نقلاً ‌عن ​مسؤولين ‌⁠قولهم ​إن الجيش ⁠الأميركي يستعد لمداهمة ‌ناقلات ​نفط ‌مرتبطة بإيران، والسيطرة ‌على سفن تجارية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)

تحليل إخباري هرمز بين حصارَين... حرب ترمب الاقتصادية أو عودة إيران إلى الحافة

مع عودة التوتر إلى مضيق هرمز، بدا المشهد خلال الساعات الأخيرة أقرب إلى هدنة معلقة فوق فوهة بركان، وفق ما يرى مراقبون.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع في منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (الرئاسة التركية)

تركيا تسعى لتعزيز مكانتها كممر للطاقة بالتعاون مع سوريا

تعتقد تركيا أن توزيع الطاقة، الذي يتم عبر مضيق هرمز أو قناة السويس، قد يصل إلى نقطة تحصل فيها على حصة أكبر

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

تقرير: الجيش الأميركي يستعد لمداهمة سفن مرتبطة بإيران

ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

تقرير: الجيش الأميركي يستعد لمداهمة سفن مرتبطة بإيران

ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)

ذكرت ​صحيفة «وول ستريت جورنال»، السبت، ‌نقلاً ‌عن ​مسؤولين ‌أميركيين ⁠قولهم ​إن الجيش ⁠الأميركي يستعد خلال الأيام ⁠المقبلة ‌لمداهمة ‌ناقلات ​نفط ‌مرتبطة بإيران، والسيطرة ‌على سفن تجارية ‌في المياه الدولية.

ووفق الصحيفة الأميركية، يستهدف الجيش بذلك توسيع نطاق حملته البحرية ضد إيران لتشمل مناطق خارج الشرق الأوسط.

وتأتي هذه الخطوة في ظل استمرار الجيش الإيراني في تشديد قبضته على مضيق هرمز، حيث هاجم «الحرس الثوري» الإيراني عدة سفن تجارية، السبت، في المضيق، معلناً أن الممر المائي الحيوي يخضع «لسيطرة إيرانية مشددة».

وقد دفعت هذه التطورات شركات الشحن إلى حالة من الارتباك بعد يوم من تصريح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بأن المضيق مفتوح بالكامل أمام حركة الملاحة التجارية، وهو إعلان رحّب به الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ويهدف قرار إدارة ترمب بتصعيد الضغط الاقتصادي على طهران إلى إجبار النظام الإيراني على إعادة فتح المضيق، وتقديم تنازلات بشأن البرنامج النووي الإيراني، الذي يعد محور المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.

ونقلت وكالة أنباء «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، قوله، السبت، إن إيران تستخدم السيطرة على مضيق هرمز أداةَ ضغط سياسية في مواجهة العقوبات الدولية.

بدوره، قال الرئيس الأميركي إنه لن يسمح بتحرك إيران لإغلاق المضيق بوضعه تحت الضغط، بعد أن أعادت طهران إغلاق الممر المائي بعد رفض ترمب إزالة الحصار الذي فرضه على الموانئ الإيرانية.

ووفقاً للقيادة المركزية الأميركية، فقد أعادت الولايات المتحدة بالفعل 23 سفينة حاولت مغادرة الموانئ الإيرانية في إطار الحصار البحري.

وسيُمكّن توسيع نطاق هذه الحملة الولايات المتحدة من السيطرة على السفن المرتبطة بإيران حول العالم، بما في ذلك السفن التي تحمل النفط الإيراني والتي تبحر بالفعل خارج الخليج وبحر العرب، وتلك التي تحمل أسلحة قد تدعم النظام الإيراني، وفق «وول ستريت جورنال».


هرمز بين حصارَين... حرب ترمب الاقتصادية أو عودة إيران إلى الحافة

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)
TT

هرمز بين حصارَين... حرب ترمب الاقتصادية أو عودة إيران إلى الحافة

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)

مع عودة التوتر إلى مضيق هرمز، بدا المشهد خلال الساعات الأخيرة أقرب إلى هدنة معلقة فوق فوهة بركان، وفق ما يرى مراقبون؛ ففي أقل من يوم، انتقل الخطاب من حديث عن فتح المضيق واستئناف المرور، إلى إعلان إيراني جديد بأن هرمز «عاد إلى وضعه السابق»، وأنه بات تحت «الإدارة والسيطرة الصارمة» للقوات المسلحة الإيرانية، فيما تمسك الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن الحصار البحري على الموانئ الإيرانية سيظل «سارياً بالكامل» إلى حين التوصل إلى اتفاق شامل.

هذا التناقض لا يعكس فقط حرب روايات بين واشنطن وطهران، بل يكشف أيضاً عن أن الطرفين يحاولان التفاوض من موقع الضغط الأقصى، من دون أن يكون أي منهما مستعداً فعلاً لتحمل كلفة العودة الكاملة إلى الحرب. ويرى مراقبون أن جوهر المرحلة الراهنة لم يعد فقط: مَن يسيطر على هرمز؟ بل: من يستطيع الصمود اقتصادياً وسياسياً أكثر في اختبار الوقت؟

تصريحات متضاربة

ومع عودة إيران إلى إغلاق المضيق عملياً، تجدد التراشق الإعلامي بين واشنطن وطهران. وبعدما قال ترمب إن إيران وافقت على ألا تستخدم المضيق «سلاحاً» مجدداً، وإن جولة جديدة من المحادثات قد تُعقد قريباً، سارعت طهران إلى نفي وجود «اتفاق جديد»، ووصفت الرواية الأميركية بأنها «ضجيج» و«أكاذيب».

كما أفادت «رويترز» بأن القوات الأميركية أعادت 23 سفينة كانت متجهة إلى إيران، في مؤشر على أن واشنطن لا تتعامل مع مسألة الهدنة باعتبارها عودة إلى الوضع الطبيعي، بل باعتبارها فرصة لتكثيف الضغط البحري.

هذه الفجوة بين الإعلانين الأميركي والإيراني تعني أن المضيق قد يكون «مفتوحاً» بالمعنى الدعائي، لكنه ما زال «مقيداً» عملياً بسبب المرور المحدود، والرقابة الإيرانية، وأخطار الألغام والزوارق، فضلاً عن رسائل متبادلة تجعل شركات الشحن والتأمين تتصرف على أساس أن البيئة لا تزال شديدة المخاطر.

من يتحمل الضغط أكثر؟

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث ورئيس الأركان المشتركة الجنرال دان كين وقائد «سينتكوم» الجنرال شارلز كوبر خلال مؤتمر في البنتاغون (رويترز)

ويرى مراقبون أن رهان ترمب واضح: إذا كانت الحرب العسكرية لم تُجبر إيران على فتح هرمز والتنازل سريعاً، فإن «الحرب الاقتصادية عبر الحصار البحري» قد تفعل ذلك.

ويشيرون إلى أن هذا الرهان ليس مضموناً؛ فمن جهة، فهو يضرب أهم مصدر دخل خارجي لطهران، أي صادرات النفط، ويضغط أيضاً على الواردات الحيوية والمواد الوسيطة اللازمة للصناعة والإعمار. ومن جهة أخرى، لدى إيران خبرة طويلة في التكيف مع العقوبات، وشبكات تهريب، وأسواق ظل، ولديها مشترٍ رئيسي هو الصين، ما يجعل قدرتها على «العيش في الأزمة» أعلى من قدرة خصوم كثيرين على تحمل فوضى إقليمية مفتوحة.

لذلك، تبدو لعبة «من يتراجع أولاً» معقدة؛ لأن واشنطن تعتقد أن الزمن صار ضد إيران، بينما طهران تراهن على أن خصومها والأسواق العالمية ودول الخليج، سيتعبون أولاً من كلفة الاختناق المزمن.

ويلفت دبلوماسيون إلى أن بعض التقديرات تشير إلى أن الضرر لم يعد رمزياً. وذكرت «نيويورك تايمز» أن النفط ما زال يمثل أكثر من 40 في المائة من عائدات التصدير الإيرانية، وأن الصين اشترت 90 في المائة من النفط الإيراني في عام 2024، فيما قُدرت مشترياتها في 2025 بنحو 31.5 مليار دولار، أي ما يعادل 45 في المائة من موازنة الحكومة الإيرانية.

وإذا صحت هذه الأرقام، فإن أي تعطيل ممتد للتدفقات البحرية يضع النظام أمام مشكلة سيولة وعجز مالي حقيقية، لا مجرد ضيق مؤقت، خصوصاً بعد عرض روسيا استعدادها لتعويض الصين عن النقص الإيراني.

ومع ذلك، يظل هذا الضغط أقل حسماً مما يفترضه البيت الأبيض؛ لأن هدف طهران في ظروف الحرب ليس تعظيم الإيرادات بل الإبقاء على الحد الأدنى الذي يسمح للاقتصاد بأن «يعرج» ولا ينهار.

أثر الحصار البحري

ناقلة نفط راسية قرب جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)

وبحسب تقارير أميركية، فإن الحصار البحري الحالي يضرب الاقتصاد الإيراني على ثلاث طبقات: الأولى هي طبقة الإيرادات النفطية المباشرة؛ إذ نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن محللين، أن إيران قد تصل خلال أسبوعين أو ثلاثة إلى ما يسمى «امتلاء الخزانات»، أي نفاد القدرة التخزينية على اليابسة، ما يضطرها إلى خفض الإنتاج أو إغلاق آبار النفط، وهي خطوة عادة ما تُحدث أضراراً طويلة الأجل لبعض الحقول.

كما تذكر الصحيفة أن تكلفة الحصار قد تبلغ نحو 435 مليون دولار يومياً، منها 276 مليوناً خسائر صادرات، معظمها نفط وبتروكيماويات. وإذا استمر هذا المستوى من النزف الاقتصادي، فإن الخسارة الشهرية تصبح بمليارات الدولارات، لا سيما في اقتصاد أنهكته الحرب أصلاً.

أما الطبقة الثانية، فهي طبقة الإنتاج الصناعي وسلاسل الإمداد؛ فالقصف الأميركي - الإسرائيلي ألحق أضراراً بمصانع وشبكات نقل، ومنشآت كهرباء، ومجمعات بتروكيماوية، ومراكز لإنتاج الصلب.

وفي هذا السياق، لم يعد الحصار مجرد وسيلة لوقف التصدير، بل صار أداة لتعميق الاختناق الداخلي عبر تعطيل استيراد المواد والقطع اللازمة لإعادة تشغيل ما تبقى من الاقتصاد. وهنا تتضح المفارقة؛ لأنه حتى القطاعات التي نجت من القصف قد تُصاب بالشلل إذا تعذر عليها استيراد المدخلات.

أما الطبقة الثالثة فهي الخسارة الكلية المركبة: أي كلفة إعادة الإعمار، وفقدان الوظائف، وانقطاع الإنترنت، وتآكل الثقة. ويتحدث الإعلام الإيراني عن تقدير أولي لإعادة الإعمار عند 270 مليار دولار، وتذّكر تقديرات بخطر يتهدد ما يصل إلى 12 مليون وظيفة، كما تشير إلى خسائر بنحو 1.8 مليار دولار جراء انقطاع الإنترنت خلال 48 يوماً.

وهذه أرقام يجب التعامل معها بحذر؛ لأن بعضها تقديري وبعضها صادر عن جهات غير رسمية، لكنها في مجموعها ترسم صورة لاقتصاد لا يعاني من ضربة واحدة، بل من صدمات متراكبة: حرب، وحصار، واختناق لوجيستي، وعطب رقمي.

الحصار وآلية «سناب باك»

نائب وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زاده يتحدث للصحافيين على هامش مؤتمر أنطاليا في تركيا (رويترز)

مع فرض واشنطن حصارها البحري، طرحت نقطة قانونية تتعلق بمدى توافقه مع عودة العقوبات الدولية على إيران بموجب آلية «سناب باك».

فمن الناحية السياسية، تحاول واشنطن الإيحاء بأن تلك الآلية تمنحها مظلة أوسع لملاحقة التجارة الإيرانية. لكن من الناحية القانونية البحتة، يجب التفريق بين أمرين: إعادة فرض قيود أممية على إيران، وامتلاك تفويض صريح من مجلس الأمن لفرض حصار بحري شامل ووقف السفن في البحر باسم المجتمع الدولي.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية بوضوح في 1 أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إن إجراءاتها جاءت دعماً لـ«العودة في 27 سبتمبر (أيلول) 2025» إلى العقوبات الأممية المرفوعة سابقاً، وهذا يعني أن التاريخ الرسمي لإعادة الفرض كان 27 سبتمبر لا أكتوبر، وإن كانت إجراءات التنفيذ الأميركية اللاحقة قد تتابعت في أكتوبر.

لكن عودة العقوبات لا تعني تلقائياً، وفق القانون الدولي، أن أي دولة تستطيع منفردة فرض حصار بحري شامل على نحو مماثل لتفويضات مجلس الأمن السابقة في أزمات أخرى.

فالأدبيات القانونية التي يعرضها الصليب الأحمر الدولي تشير إلى أن إجراءات الاعتراض البحري ذات الأساس الأقوى في مرحلة ما بعد الحرب الباردة كانت عادة ترتكز إلى قرارات صريحة من مجلس الأمن، بينما يبقى قانون الحصار البحري نفسه جزءاً من مجال عرفي معقد وغير مقنن بالكامل في معاهدة جامعة.

وفي المقابل، تنص اتفاقية قانون البحار على أن السفن والطائرات تتمتع بحق «المرور العابر» في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، وهو مبدأ يصعب التوفيق بينه وبين فكرة خنق المرور أو إخضاعه لإرادة دولة مشاطئة أو قوة بحرية منفردة من دون سند دولي صريح. لذلك يمكن القول إن «سناب باك» تقوّي البيئة العقابية ضد إيران، لكنها لا تحسم وحدها مشروعية الحصار البحري الأميركي بالشكل الواسع المعلن، ولا يمنح إيران في المقابل حق تقييد المرور في هرمز باعتباره ورقة سيادية مطلقة.

الخلاصة أن الطرفين عالقان في معادلة استنزاف متبادل: ترمب يريد انتزاع تنازل نووي وملاحي من دون العودة إلى حرب مكلفة، وإيران تريد منع تحويل الهدنة إلى استسلام اقتصادي مغلف بالتفاوض.

لكن التطورات الأحدث تشير إلى أن كليهما لم ينجح بعدُ في فرض روايته الكاملة: واشنطن لم تحصل على فتح طبيعي وآمن لمضيق هرمز، وطهران لم تكسر الحصار أو تفرض اعترافاً عملياً بسيطرتها على شروط المرور.

وبينهما، تقف الأسواق وشركات الشحن أمام واقع واحد: لا حرب شاملة، ولا سلام ملاحياً فعلياً. وفي مثل هذا الوضع، يرى مراقبون أن تمديد الهدنة يصبح ممكناً لأن البديل خطير، لكنه يبقى تمديداً هشاً ما دام كل طرف يرى في الوقت نفسه وسيلة ضغط لا مساحة تسوية.


تركيا تسعى لتعزيز مكانتها كممر للطاقة بالتعاون مع سوريا

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع في منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع في منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (الرئاسة التركية)
TT

تركيا تسعى لتعزيز مكانتها كممر للطاقة بالتعاون مع سوريا

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع في منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع في منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (الرئاسة التركية)

رأت تركيا أن هناك فرصة سانحة لتعزيز مركزها كممر للطاقة بالتعاون مع سوريا، بعد المشاكل التي ظهرت نتيجة إغلاق مضيق هرمز بسبب الحرب بين إيران وأميركا وإسرائيل.

وقال السفير التركي في دمشق، نوح يلماظ، إن تركيا وسوريا أمام «فرصة استراتيجية» في سوق الطاقة مع ظهور المشكلات التي بدأت في مضيق هرمز عقب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وأضاف أن توزيع الطاقة، الذي يتم عبر مضيق هرمز أو قناة السويس، قد يصل إلى نقطة يمنح فيها تركيا حصة أكبر، وأن أزمة الطاقة التي برزت مؤخراً، بسبب إغلاق مضيق هرمز، قد تدفع تدفق الطاقة نحو الخطوط البرية التي تمر من تركيا في الشمال، أو نحو الوصول المباشر إلى البحر المتوسط، أو إلى خطوط بديلة تمتد من العراق إلى سوريا.

فرصة سانحة وعوائق

وتابع يلماظ، خلال جلسة في إطار «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» في جنوب تركيا، السبت، أن «هذا يمثل في الواقع فرصة مهمة لكل من تركيا وسوريا»، عادّاً أن أقصر الطرق وأكثرها أماناً واستقراراً أماناً وأقلها تكلفة حالياً هي تركيا.

السفير التركي في دمشق نوح يلماظ خلال جلسة في منتدى أنطاليا (إعلام تركي)

ولفت إلى أن البديل الثاني نتيجة المشكلات في الخليج هو خط سوريا - العراق، وأن بعض الظروف المناسبة لهذا المسار بدأت تتشكل تدريجياً، وأنه يتطلب استقراراً سياسياً وأمنياً في سوريا يسمح باستثمارات بمليارات الدولارات.

وأوضح أن التحركات الإسرائيلية المزعزعة للاستقرار و«الأنشطة الإرهابية» تشكل عوائق أمام ذلك، وأنه يمكن لسوريا أن تصبح فاعلاً مهماً، لكن وصولها إلى هذه المرحلة سيستغرق وقتاً، ربما لا يقل عن 10 سنوات؛ لأن ذلك يتطلب استقراراً سياسياً، ثم استثمارات، وتشكيل تحالفات.

كما ذكر يلماظ أن تطوير التجارة بين تركيا وسوريا، بما يشمل الجمارك والمعابر الحدودية والاعتراف المتبادل بالوثائق الرسمية، هي عملية تستغرق وقتاً، مشيراً إلى أن المفاوضات حول بعض السلع والرسوم الجمركية تُدار بما يخدم مصالح الطرفين.

ورأى أنه مع إصلاح الطرق، ومعالجة المشكلات المادية، وإزالة مشكلات النقل، فإن التجارة بين تركيا وسوريا ستصل على الأرجح إلى أعلى مستوياتها.

مساعٍ لشراكة استراتيجية

وبدأت تركيا وسوريا في الفترة الأخيرة تحركاً باتجاه تحقيق شراكة استراتيجية تغطي جميع مجالات العلاقات بين البلدين، ودعم مرحلة إعادة الإعمار، وتحقيق الاستقرار بعد 14 عاماً من الحرب الداخلية.

وعقدت، خلال الفترة الأخيرة، سلسلة من الاجتماعات بهدف دفع التعاون بين البلدين الجارين في مختلف المجالات، حيث عقد المنتدى التركي - السوري للاستثمار في إسطنبول، في 7 أبريل (نيسان) الحالي، بمشاركة وزير التجارة التركي، عمر بولاط، ووزير الاقتصاد والصناعة السوري، محمد نضال الشعار، وتم مناقشة تعزيز التعاون في مجالات النقل والطاقة والاستثمار والتجارة والجمارك.

وزير التجارة التركي عمر بولاط متحدثاً خلال منتدى الاستثمار التركي - السوري في إسطنبول في 7 أبريل (من حسابه في إكس)

وقال بولاط، خلال المنتدي، إن تجارة الترانزيت أصبحت ممكنة الآن من خلال سوريا إلى الشرق الأوسط ودول الخليج، بعد انقطاع دام 10 سنوات.

كما وقَّع وزير النقل والبنية التحتية التركي، عبد القادر أورال أوغلو، مع نظيريه الأردني نضال قطامين والسوري يعرب بدر، في عمّان، في اليوم ذاته، اتفاقية تعاون ثلاثية في مجال النقل، بهدف تعزيز التكامل الإقليمي وتطوير البنية التحتية للنقل، وسط ظروف استثنائية تشهدها المنطقة بفعل حرب إيران وتداعياتها على سلاسل التوريد والتجارة.

انفتاح على التعاون

وقال الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال إحدى جلسات منتدى أنطاليا الدبلوماسي، الجمعة، إن سوريا اتخذت نهجاً لإعادة الإعمار. إن العلاقات التاريخية والجغرافية مع تركيا تُسهم في تعزيز فرص الاستثمار، لافتاً إلى أن نظام الأسد تسبب في عزلة إقليمية، وأن تحرير سوريا يُمثل فرصة لإعادة بناء هذه العلاقات، خصوصاً مع تركيا التي دعمت الشعب السوري خلال السنوات الماضية.

جانب من مباحثات إردوغان والشرع على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (الرئاسة التركية)

وأضاف الشرع، الذي أجرى مباحثات شاملة حول العلاقات بين البلدين مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان على هامش المنتدى، أن هناك جهوداً حثيثة لإنشاء منطقة حرة سورية - تركية في إدلب؛ حيث يجري العمل على نقل بعض الصناعات وتطوير مشروعات مشتركة، وستكون هذه المنطقة نقطة وصل استراتيجية بين إدلب ومناطق أخرى، مثل حلب ودمشق، ما يُسهل عمليات التجارة والنقل.

وقال إردوغان إن أجواء الصراع في المنطقة تُعد أكبر عائق أمام السلام والاستقرار الذي يستحقه الشعب السوري، بعدما تعرّض له من ظلم على مدى ما يقرب من 14 عاماً.

وأضاف أن إعادة نهوض سوريا تتطلب دعماً بناءً ومستمراً من الفاعلين الدوليين، وأن تركيا قدّمت، وتواصل تقديم، كل ما بوسعها من دعم لأشقائها السوريين، على أساس الوحدة الوطنية وسلامة أراضي البلاد.