هجوم 7 أكتوبر: الشرارة التي هزَّت معادلات الردع الإيرانية

«مطرقة منتصف الليل» أظهرت ضعف طهران أمام الضربات الاستباقية

TT

هجوم 7 أكتوبر: الشرارة التي هزَّت معادلات الردع الإيرانية

لوحة دعائية مستوحاة من الأساطير الفارسية تُصوّر رجلاً يصارع تنيناً بألوان العَلم الأميركي وقد كُتب عليها «أنشد اسم إيران التي تقتل الأعداء» وذلك في ساحة انقلاب (الثورة) وسط طهران (إ.ب.أ)
لوحة دعائية مستوحاة من الأساطير الفارسية تُصوّر رجلاً يصارع تنيناً بألوان العَلم الأميركي وقد كُتب عليها «أنشد اسم إيران التي تقتل الأعداء» وذلك في ساحة انقلاب (الثورة) وسط طهران (إ.ب.أ)

مثّل هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) نقطة تحول فارقة في مشهد الأمن الإقليمي؛ فلم تقتصر تداعياته على الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، بل امتدت لتطال جوهر معادلات الردع الإيرانية.

لم يكن ردع إيران كتلة صلبة؛ فقد تشعبت معادلاته لعقود بين رهانٍ على وكلاء يخوضون «حرب الظل» مع إسرائيل، وبرنامجٍ عسكري متنامٍ ارتكز إلى الصواريخ الباليستية التي أثارت هواجس الغرب من اقتراب طهران من العتبة النووية. غير أن تداعيات الحرب التي أعقبت هجوم السابع من أكتوبر أزاحت الستار عن هشاشة غير متوقعة ونقاط ضعف بنيوية في تلك المنظومة، بعدما ارتطمت بوقائع ميدانية وتحولات جيواستراتيجية مفصلية قلبت الموازين.

كسر قواعد حرب الظلّ

منذ بداية الألفية الجديدة، نسجت طهران شبكة من الوكلاء والحلفاء الإقليميين، مثل «حزب الله» في لبنان وفصائل عراقية وحركة «أنصار الله» الحوثية في اليمن، لتؤمّن لنفسها عمقاً استراتيجياً يمكّنها من تهديد خصومها دون مواجهة مباشرة.

في الواقع، ألغت تداعيات هجوم السابع من أكتوبر هامش المناورة الذي أتاح لطهران، لسنوات طويلة، التحكم في إيقاع التصعيد مع إسرائيل، وأجبرتها على الانخراط في مواجهة مباشرة انطلقت من أراضيها نفسها.

هكذا انتقل الصراع الإيراني من «حرب الظل» إلى معادلة «وحدة الساحات»، ومن استراتيجية الإنكار والردع غير المعلن إلى مرحلة الحرب العلنية والردع المصرح به.

أعلام إيرانية ترفرف بينما تتصاعد النيران والدخان من هجوم إسرائيلي على مستودع شاران للنفط (رويترز)

دخلت الجماعات المسلحة التي تربطها صلات وثيقة مع طهران الحرب واحدة تلو الأخرى، في الأسابيع الأولى. ورغم تحاشي الأخيرة الانخراط المباشر وإظهار القدرة على إنكار التدخل في قرارات تلك الجماعات، لكنها دخلت تدريجياً على خط الحرب في غزة.

وفي مقابلة حديثة، قال مسؤول العمليات الخارجية في «الحرس الثوري» إسماعيل بقائي إنه سافر في يوم بدء العلميات إلى بيروت، حيث وجد أمين عام «حزب الله» اللبناني حسن نصر الله عاكفاً على التخطيط للمراحل التالية بعد الهجوم، حسب روايته.

مع تركيز النيران الإسرائيلية على خط إمداد «الحرس الثوري» في سوريا، وصلت المواجهة مع الخط الأول من الردع الإيراني ذروتها عندما قصفت إسرائيل اجتماعاً لكبار قادة «الحرس الثوري» في سوريا ولبنان بمقر القنصلية الإيرانية في دمشق. وعلى أثرها تبادلت إيران وإسرائيل لأول مرة النيران مباشرة في شهر أبريل (نيسان) العام الماضي. هدأ التوتر الإيراني - الإسرائيلي لنحو ثلاثة أشهر بعد تحطم مروحية الرئيس السابق إبراهيم رئيسي، وما فرضه التطور من انتخابات رئاسية مبكرة في إيران وانتخاب مسعود بزشيكان المدعوم من الإصلاحيين.

عاد التوتر الإيراني – الإسرائيلي إلى ذروته مجدداً في اليوم الأول لتسلم بزشكيان مهامه، عقب اغتيال رئيس حركة «حماس» إسماعيل هنية، لتتبدد سريعاً إشارات الانفتاح التي حاولت طهران تمريرها إلى الغرب عبر انتخاب رئيس إصلاحي، مع تزايد التوقعات حينها بعودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للبيت الأبيض. وتمكنت الحكومة الوليدة من كبح الرد الإيراني وتأجيله خلال الشهرين الأولين من تسلّمها السلطة التنفيذية، غير أن حسابات التهدئة لم تصمد طويلاً.

صورة مركبة للرئيس الأميركي وللمرشد الإيراني (أ.ف.ب)

قُوضت سياسة «التريث» الإيرانية تحت وطأة الضغوط الميدانية وتكثيف الضربات الإسرائيلية في ساحات نفوذها، ولا سيما استهداف «حزب الله» وأمينه العام حسن نصر الله، إضافةً إلى مقتل عباس نيلفروشان، ثاني أبرز القادة العسكريين الإيرانيين الذين يقتلون خارج البلاد في الحرب.

في مطلع أكتوبر الماضي، شنت طهران هجوماً ثانياً على إسرائيل انطلاقاً من أراضيها، قبل أيام من حلول الذكرى الأولى لـ«طوفان الأقصى». وبعد ثلاثة أسابيع، ردّت إسرائيل بسلسلة ضربات استهدفت منشآتٍ حسّاسة مرتبطة بالبرنامج الصاروخي الإيراني، وأدت إلى تدمير كامل لمنظومة الدفاع الجوي من طراز «إس - 300» إضافةً إلى أنظمة رادار ودفاعات جوية أخرى.

ورغم إصرار طهران على إنكار حجم الخسائر التي خلفها الهجوم الإسرائيلي الثاني، فإن الضربات أثارت جدلاً واسعاً داخل إيران حول إمكان ذهاب إسرائيل أبعد من ذلك، واحتمال استهدافها البنية التحتية الاستراتيجية، ولا سيّما البرنامج النووي، فضلاً عن التساؤل عن أوراق الردع المتبقية لدى طهران لمواجهة أي هجمات جديدة.

تغيّر الحسابات الإسرائيلية والأميركية

بعد تبادل الضربتين مع إسرائيل، أدت التلميحات الإيرانية إلى احتمال تغيير مسار البرنامج النووي، والتوجه إلى إنتاج أسلحة الدمار الشامل، إلى تسخين القلق الدولي من برنامج طهران، خصوصاً في ظل تعثر التعاون المتكرر من خمس سنوات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ومع عودته إلى البيت الأبيض، سارع الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إطلاق نسخة ثانية من سياسة «الضغوط القصوى» التي تبناها في ولايته الأولى؛ بهدف دفع إيران إلى اتفاقٍ شامل يعالج ملفها النووي وأنشطتها الإقليمية ويقيد برنامج الصواريخ الباليستية. وحينها أمر المرشد الإيراني علي خامنئي بمواصلة تطوير البرنامج الصاروخي، دون السقف المحدد لمدى الصواريخ ألفي كيلومتر.

قوات أمن إسرائيلية وفرق إنقاذ بموقع غارة إيرانية استهدفت تل أبيب في إسرائيل 22 يونيو الماضي (أ.ف.ب)

وقد بعث ترمب رسالةً مباشرة إلى خامنئي، وردت طهران عبر وسطاء، لتُفضي عملية تبادل الرسائل إلى خمس جولات تفاوض غير مباشر، في ظل مهلة حددها ترمب لطهران من أجل إبرام اتفاق لا تتجاوز شهرين. ولوح ترمب بخيار عسكري تكون إسرائيل جزءاً منه.

وأصرت واشنطن على وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني، وخصوصاً تجريد طهران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة القريبة من العتبة النووية، الذي باتت طهران تستخدمه ورقةَ ردعٍ ضد القوى الغربية، وهو الموضوع الذي أثاره وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في شهادة أمام الكونغرس.

بموازاة تعثر المسار الدبلوماسي بسبب رفض طهران الشرط الأميركي بوقف برنامج التخصيب، أصدرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قراراً أدان طهران بعدم الامتثال لمعاهدة حظر الانتشار؛ الأمر الذي فتح الباب أمام إحالة ملفها لمجلس الأمن.

لكن إسرائيل لم تكن تنتظر هذا المسار لعرقلة الطموحات النووية الإيرانية، بل باغتت إيران بهجوم قاسٍ في 13 يونيو (حزيران) أدى إلى مقتل قادة الصف الأول من هيئة الأركان المسلحة وكبار قادة «الحرس الثوري»، بما في ذلك الفريق الذي شكل النواة الأساسية لتطوير برنامج الصواريخ والطائرات المسيَّرة، إضافة إلى علماء ومسؤولين في البرنامج النووي، وكادت تقتل كبار المسؤولين الإيرانيين عندما استهدفت اجتماع المجلس الأعلى للأمن القومي.

جاء الهجوم الإسرائيلي بعد أشهر من عجز طهران عن تعويض ما خسرته من منظومات الدفاع الجوي والرادار، مع سيطرة واضحة لإسرائيل على أجواء إيران. ولكن السيطرة الإسرائيلية الجوية لم تكن تامة؛ إذ لجأت طهران إلى الترسانة الصاروخية الباليستية للرد على الهجمات. في الواقع كانت الصواريخ الباليستية، ورقة الردع الوحيدة بيد طهران في الحرب الأخيرة، في ظل خروج الوكلاء مثل «حزب الله» من المعادلات الميدانية.

حصيلة، الحرب الـ12 يوماً، أثارت تساؤلات جدية حول قدرات الردع الإيرانية، رغم السردية الرسمية التي تصر على أن البلاد خرجت أكثر «اقتدار وتماسكاً» سياسياً وعسكرياً، وأن قوتها الصاروخية أحدثت أضراراً «استراتيجية» للبنية التحتية الإسرائيلية؛ ما أجبر تل أبيب على قبول وقف إطلاق النار «من موقع الضعف».

القاذفة الشبح «بي 2 سبيريت» التابعة لسلاح الجو الأميركي بعد عودتها من الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية (رويترز)

لكن الضربات الإسرائيلية التي انضمت إليها الولايات المتحدة باستهداف المنشآت النووية الإيرانية في عملية «مطرقة منتصف الليل»، أحدثت شرخاً في منظومة الردع الإيرانية، فمن جهة أظهرت إخفاق طهران في تطوير دفاعاتها الجوية وزيادة قدرات الرد السريع لمواجهة الضربات الاستباقية، والأهم من ذلك، دخلت دورة تخصيب اليورانيوم الإيراني حالة من الجمود، مع إصرار الولايات المتحدة على إنهائها بالكامل.

دخل البرنامج النووي حالة من الغموض، بعد الحرب. ترفض طهران وصول المفتشين الدوليين منذ ذلك الحين رغم الضغوط الغربية التي انتهت بإعادة العقوبات الأممية على طهران. الحفاظ على الغموض النووي، يشكل عنصراً رادعاً؛ إذ إنه قد يرفع تكلفة أي هجوم محتمل ضد إيران، في ظل الدعوات الداخلية في إيران للانسحاب من معاهدة حظر الانتشار.

ترميم الردع

لا يزال البرنامج الصاروخي يحتل الصدارة في معادلات الردع الإيرانية. كشف مسؤولون إيرانيون كبار عن أن طهران تعرضت لضغوط غربية مؤخراً لتقليص نطاق مدى صواريخها إلى نحو 400 كيلومتر. وقد لمح مسؤول عسكري إيراني إلى إمكانية رفع مدى الصواريخ الباليستية إلى أكثر من ألفي كيلومتر.

وكانت طهران قد أرسلت إشارات عدة من اهتمامها بتطوير صواريخ عابرة للقارات تحت غطاء برنامجها للصواريخ الفضائية. وهدَّد أكثر من قيادي في «الحرس الثوري» الدول الأوروبية، من أنها باتت في نطاق الصواريخ الإيرانية.

تظل درجة متانة القدرات الصناعية للصواريخ الباليستية في إيران موضع تساؤل، في ضوء الضربات الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت أغلب القواعد الصاروخية المعروفة؛ ما اضطر «الحرس الثوري» إلى تعديل نمط الإطلاق والانتقال إلى استخدام منصّات متنقلة. ورغم أن الجهات المرتبطة بالبرنامج الصاروخي قد تواصل نشاطها، فإن «الحرس الثوري» في حاجة إلى فترة قد تمتد لسنوات لاستعادة جاهزيته، خصوصاً بعد خسارته كوادر محورية في وحدات تطوير الصواريخ والطائرات المسيَّرة.

ومن شأن إعادة العقوبات الأممية، بموجب آلية العودة السريعة «سناب باك» وتشديد الحظر على السلاح الإيراني وكذلك الآثار الاقتصادية للعقوبات، أن تزيد من معاناة طهران في ترميم دفاعاتها المتضررة.

إلى جانب العوامل الرئيسية الثلاثة في قدرات الردع الإيرانية التقليدية، تعول طهران على الصراع الذي تخوضه عبر الفضاء السيبراني، والذكاء الاصطناعي بوصفها مكونات مستقبلية للردع.

تصاعد الدخان بعد هجوم إسرائيلي استهدف مبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية في طهران 16 يونيو (رويترز)

يسود في طهران شعور بأن ميزان القوى الإقليمي بدأ يميل لصالحها، مدفوعاً بتنامي الانتقادات الإقليمية والدولية لاستمرار الحرب الإسرائيلية في غزة. ويمثل توسيع إيران لتحالفاتها الإقليمية والدولية عنصراً أساسياً في بنية ردعها الاستراتيجي؛ إذ يوفر دعماً سياسياً وتكنولوجياً، ويزيد العمق اللوجيستي، ويسهم في تقليص العزلة المفروضة عليها، بينما ترفع هذه الشراكات تكلفة أي هجوم محتمل، بما يعزز مفهوم الردع الشامل متعدد المسارات.

تبدو عودة معادلة الردع الإيرانية إلى وضعها السابق لما قبل أكتوبر 2023 أمراً غير محتمل؛ فالتنافس المتصاعد بين طهران وتل أبيب يعيد رسم خطوط الاشتباك، ويجعل خيارات التصعيد أو التسوية رهينة التوازنات الإقليمية والدولية. ويمكن استشراف ثلاثة مسارات رئيسية: ترميم الردع بالوكالة، أو سباق تسلح وتصعيد مباشر، أو ضغوط دولية تفضي إلى اتفاق نووي – صاروخي جديد.


مقالات ذات صلة

هل أجرت «حماس» مراجعات لهجوم 7 أكتوبر؟

تحليل إخباري أرشيفية لزعيم «حماس» في غزة يحيى السنوار وإلى جواره إسماعيل هنية في عام 2017 (رويترز)

هل أجرت «حماس» مراجعات لهجوم 7 أكتوبر؟

في «حماس» ثمة اعتقاد بأن انتقاد هجوم 7 أكتوبر هو «حالة فردية» ولا يمثل إجماعاً داخلها، ما يفتح سؤالاً حول ما إذا كانت الحركة أجرت أي مراجعات أو تقبل بأي معارضة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية صورة مجمعة لرسالة منسوبة لقائد «حماس» الراحل يحيى السنوار نشرها مركز تراث الاستخبارات الإسرائيلي

«لنُخرج صوراً مرعبة»... إسرائيل تنشر رسالة منسوبة للسنوار عن تحضيرات 7 أكتوبر

نشر مركز تراث الاستخبارات ومكافحة الإرهاب في تل أبيب، الاثنين، رسالة ادعى أنها كُتبت بخط قائد «حماس» الراحل، يحيى السنوار.

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص لافتة على طريق «مطار بيروت الدولي» تروج للسياحة في لبنان (أ.ب)

خاص لبنان بعد 7 أكتوبر... موازين قوى جديدة لترميم العلاقة مع العالم

يكاد يُجمع الدبلوماسيون الدوليون في لبنان على أن تغييراً كبيراً حصل فيه منذ 7 أكتوبر 2023.

نذير رضا (بيروت)
خاص عناصر من سلاح الجو الأردني يسقطون رزم المساعدات من طائرة نقل فوق غزة (رويترز)

خاص بين الإغاثة والدبلوماسية... الأردن يطوي عامين من القفز فوق الجمر

منذ بداية الحرب، سعى الأردن لتقديم جهود الإغاثة الإنسانية العاجلة والضرورية للمدنيين في غزة، وصعَّد لهجته الدبلوماسية، محذراً من المساس بالوضع في الضفة والقدس.

محمد الرواشدة (عمَّان)
خاص شخص يحمل العلمين المصري والفلسطيني على شاحنة تحمل مساعدات إنسانية بالقرب من معبر رفح (رويترز)

خاص مصر و«حرب غزة»… موازنة تعقيدات الداخل والخارج

بينما تعيش غزة على وقع القصف، واصلت القاهرة تحركاتها السياسية والدبلوماسية لمنع ما تعتبره «خطراً وجودياً»، وهو تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، وتصفية القضية.

فتحية الدخاخني (القاهرة)

هل يمكن نقل مخزون اليورانيوم الإيراني إلى دولة ثالثة؟

صورة التقطها قمر اصطناعي يوم 17 يونيو 2025 تُظهر مبنى مُدمّراً في موقع نطنز النووي بإيران (بلانيت لابز - رويترز)
صورة التقطها قمر اصطناعي يوم 17 يونيو 2025 تُظهر مبنى مُدمّراً في موقع نطنز النووي بإيران (بلانيت لابز - رويترز)
TT

هل يمكن نقل مخزون اليورانيوم الإيراني إلى دولة ثالثة؟

صورة التقطها قمر اصطناعي يوم 17 يونيو 2025 تُظهر مبنى مُدمّراً في موقع نطنز النووي بإيران (بلانيت لابز - رويترز)
صورة التقطها قمر اصطناعي يوم 17 يونيو 2025 تُظهر مبنى مُدمّراً في موقع نطنز النووي بإيران (بلانيت لابز - رويترز)

لا يمكن وضع حد دائم للحرب على إيران إلا باتفاق حول برنامجها النووي، وتالياً حول مصير مخزونها من اليورانيوم، الذي يلف الغموض مكانه والدرجة الدقيقة لتخصيبه.

والسؤال: هل يمكن نقل هذا المخزون إلى دولة ثالثة، وتخفيف تخصيبه إلى درجات غير ضارة؟

فيما يأتي بعض النقاط الأساسية.

ماذا عن مخزون اليورانيوم الإيراني؟

صدرت آخر معلومات الوكالة الدولية للطاقة الذرية قبيل اندلاع حرب يونيو (حزيران) 2025 التي استمرت اثني عشر يوماً.

وأفاد مفتشو الهيئة الأممية بأن إيران كانت تملك يومها 441 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، ما يجعله قريباً من نسبة 90 في المائة التي تتيح صنع قنبلة نووية، فضلاً عن 180 كلغ تبلغ نسبة تخصيبها 20 في المائة، وأكثر من 6 آلاف كلغ مخصّبة بنسبة 5 في المائة. وكان مخزون 60 في المائة موزعاً بين مواقع فوردو ونطنز وأصفهان.

ومنذ الضربات الإسرائيلية-الأميركية في يونيو 2025 ثم هذا العام، يلفّ الغموض ما آل إليه هذا المخزون في ظل عدم قيام الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعمليات تفتيش. فهل لا يزال مطموراً، كما تؤكد طهران، أم أن قسماً منه نُقل أو دُمّر؟

وثمة تساؤل آخر تطرحه مصادر غربية عدة: هل تمكنت إيران من إقامة مواقع سرية قبل حرب 2025، خصوصاً أن بعض المفتشين منعوا من زيارة مواقع محددة قبل يونيو 2025؟

ترى مصادر دبلوماسية أوروبية أنه لا بد من أن تعاود الوكالة الذرية عملها لتبديد هذا الغموض، علماً أن هذا الأمر شرط ضروري مسبق لأي تفاوض، وخصوصاً أن قاعدة البيانات الاستخباراتية الأميركية والإسرائيلية تشير إلى 1200 كلغ من اليورانيوم المخصب بنسبة 20 في المائة، بعيداً من 180 كلغ أشارت إليها الهيئة الأممية قبل اندلاع الحربين.

وذكّرت الباحثة إلوييز فاييه من مركز «إيفري» الفرنسي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن «لا استخدام مدنياً لليورانيوم المخصب فوق 20 في المائة»، فاستخدامه لأغراض مدنية على غرار محطات توليد الكهرباء يتطلب نسبة تراوح بين 4 و5 في المائة.

لهذا السبب، يشتبه الأوروبيون والأميركيون والإسرائيليون منذ أمد بعيد بسعي الإيرانيين لحيازة السلاح النووي، الأمر الذي واظبت طهران على نفيه، مدافعة عن حقها في التخصيب للاستخدام المدني.

خيار نقل اليورانيوم

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، أن الإيرانيين وافقوا على تسليم واشنطن «الغبار النووي»، في إشارة إلى مخزون اليورانيوم، متحدثاً عن «فرص جيدة جداً لنتوصل إلى اتفاق». وفي حال تحقق ذلك بين واشنطن وطهران، فقد يكون أحد الخيارات إخراج كامل اليورانيوم العالي التخصيب من إيران أو قسم منه.

وقالت فاييه: «سجلت سابقة في 2015 حين نقل قسم من اليورانيوم العالي التخصيب إلى روسيا»، في إشارة إلى ما تضمنه اتفاق دولي سابق شكل إطاراً للبرنامج النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة) ورفضه دونالد ترمب بشدة في 2018.

وتداركت: «لكن ذلك لا يمت بصلة إلى مستوى التخصيب الراهن. وسيكون الأمر أكثر تعقيداً كون العلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا اليوم تختلف عما كانت عليه عام 2015، إضافة إلى أن المخزون الإيراني بات أكبر بكثير».

أبدت روسيا استعدادها للمبادرة إلى هذه الخطوة. وصرح المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الأسبوع الماضي، بأن «الرئيس (فلاديمير) بوتين عرض هذا الاقتراح»، لافتاً إلى أن «العرض لا يزال سارياً ولكن أي تحرك لم يتم في ضوئه».

خيار خفض نسبة التخصيب

قال مصدر دبلوماسي إيراني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لقد اقترحنا خفض نسبة التخصيب داخل البلاد»، من دون أن يحدد تفاصيل ذلك.

والسؤال ما إذا كانت هذه العملية ستتم بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية أم تحت أنظار خبراء أميركيين. وتعتبر باريس أن من إيجابيات القيام بهذه العملية بإشراف الوكالة الذرية أنها ستحيي عمل مفتشيها وتعاود إضفاء طابع من الشفافية على العملية برمتها.

ومن شأن خفض نسبة التخصيب إلى ما دون 5 في المائة أن يحدّ إلى حد بعيد خطر التخصيب لأهداف عسكرية.

لكن إيلوييز فاييه لاحظت أنه لا يوجد تفاهم حول تفاصيل تنفيذ ذلك ودرجة الخفض المطلوبة، مضيفة: «الأمر كله يظل رهناً بموافقة أميركية على السماح لإيران بأن تخصّب على أراضيها».

تجاوز «الخط الأحمر»

كذلك، لا بدّ من تجاوز الخط الأحمر الذي رسمته كل من واشنطن وطهران. فالأولى تصر على تراجع كامل عن التخصيب، والثانية ترفض ذلك بشدة.

في رأي الأوروبيين أنه مهما كان الخيار الذي سيعمل عليه الأميركيون والإيرانيون، فلن يشكل سوى نقطة بداية لمفاوضات طويلة بهدف تحديد وسيلة لفرض قيود شديدة وطويلة الأمد على البرنامج النووي الإيراني. فرغم الانتكاسة المؤكدة التي أصيب بها البرنامج الإيراني، يتفق الخبراء على أن المعرفة العلمية لا تزال قائمة وإن كانت جزئية.

وفي هذا السياق، أوردت فاييه: «يبقى إجبار إيران على التخلي عن برنامجها النووي أمراً مستحيلاً، انطلاقاً مما راكمته من معارف وأقامته من منشآت. ولكن يمكن مراقبته ووضع سقف له». وتلك كانت بالضبط الغاية من الاتفاق الذي وقِّعَ عام 2015، بعد مفاوضات كثيفة استمرت نحو عامين.


واشنطن تدرس الإفراج عن 20 مليار دولار من أموال إيران المجمدة مقابل تسليم اليورانيوم

مجمع نطنز النووي في إيران بتاريخ 7 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ب)
مجمع نطنز النووي في إيران بتاريخ 7 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ب)
TT

واشنطن تدرس الإفراج عن 20 مليار دولار من أموال إيران المجمدة مقابل تسليم اليورانيوم

مجمع نطنز النووي في إيران بتاريخ 7 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ب)
مجمع نطنز النووي في إيران بتاريخ 7 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ب)

كشف موقع «أكسيوس» الإخباري الأميركي، اليوم (السبت)، عن إجراء مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بشأن خطة من ثلاث صفحات لإنهاء الحرب بين الجانبين.

ونقل «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين اثنين، ومصدرين آخرين مطلعين على المباحثات، القول إن هناك عنصراً من الخطة يخضع للمناقشة حالياً يتعلق بإفراج الولايات المتحدة عن 20 مليار دولار من أرصدة إيران المجمدة، مقابل تسليم طهران مخزونها من اليورانيوم المخصب.

ومنذ الضربات الإسرائيلية-الأميركية في يونيو (حزيران) 2025 ثم هذا العام، يلفّ الغموض ما آل إليه هذا المخزون في ظل عدم قيام الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعمليات تفتيش.


وزير خارجية تركيا يتهم إسرائيل بالسعي «لاحتلال مزيد من الأراضي»

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يلقي كلمة خلال حفل افتتاح منتدى أنطاليا للدبلوماسية (رويترز)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يلقي كلمة خلال حفل افتتاح منتدى أنطاليا للدبلوماسية (رويترز)
TT

وزير خارجية تركيا يتهم إسرائيل بالسعي «لاحتلال مزيد من الأراضي»

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يلقي كلمة خلال حفل افتتاح منتدى أنطاليا للدبلوماسية (رويترز)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يلقي كلمة خلال حفل افتتاح منتدى أنطاليا للدبلوماسية (رويترز)

اتهم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إسرائيل اليوم (السبت) باستغلال الحرب في الشرق الأوسط ذريعة «لاحتلال مزيد من الأراضي».

وقال فيدان خلال منتدى دبلوماسي في أنطاليا بجنوب تركيا: «إسرائيل لا تسعى إلى ضمان أمنها، بل تريد مزيداً من الأراضي. وتستخدم حكومة (بنيامين) نتنياهو الأمن ذريعة لاحتلال مزيد من الأراضي»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

واعتبر وزير الخارجية التركي أن إسرائيل، بالإضافة إلى الأراضي الفلسطينية التي تحتلها (في قطاع غزة، والضفة الغربية، والقدس الشرقية)، باتت تسعى إلى بسط سيطرتها على أراضٍ تابعة للبنان، وسوريا.

وأضاف فيدان: «هذا احتلال، وتوسع مستمر... يجب أن يتوقف»، مؤكداً أن «إسرائيل زرعت في أذهان العالم وهماً من خلال إظهار أنها تسعى فقط لحفظ أمنها».