حملات متبادلة بين نتنياهو ورئيس «الشاباك» المُقال

المحكمة العليا تجمّد قرار الحكومة الإسرائيلية إقالة رئيس جهاز الأمن الداخلي

رئيس جهاز الشاباك رونين بار خلال مشاركته في احتفال بوزارة الدفاع بتل أبيب يوم 16 يناير 2023 (إ.ب.أ)
رئيس جهاز الشاباك رونين بار خلال مشاركته في احتفال بوزارة الدفاع بتل أبيب يوم 16 يناير 2023 (إ.ب.أ)
TT

حملات متبادلة بين نتنياهو ورئيس «الشاباك» المُقال

رئيس جهاز الشاباك رونين بار خلال مشاركته في احتفال بوزارة الدفاع بتل أبيب يوم 16 يناير 2023 (إ.ب.أ)
رئيس جهاز الشاباك رونين بار خلال مشاركته في احتفال بوزارة الدفاع بتل أبيب يوم 16 يناير 2023 (إ.ب.أ)

أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية، اليوم (الجمعة)، قراراً احترازياً جمّدت من خلاله قرار الحكومة الإسرائيلية، إقالة رئيس الشاباك (جهاز الأمن الداخلي)، رونين بار، وذلك خلال نظرها في عدة دعاوى رفعتها جمعيات وأحزاب المعارضة. وقررت المحكمة البت في هذه الدعاوى في غضون 3 أسابيع. وأمرت الحكومة بأن تقدم رداً خطياً على الدعوى حتى موعد لا يتجاوز يوم الاثنين المقبل. وجاء تجميد قرار الإقالة وسط تبادل اتهامات علنية بين نتنياهو وبار.

وكشفت مصادر سياسية أن رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، الذي كان يتوقع مثل هذا القرار، أبلغ وزراءه، في جلسة الحكومة التي قررت إقالة رونين بار، بأنه يفكر في عدم الانصياع للمحكمة، وتساءل أمامهم: «هل يعتقد أحد أننا سنستمر بالعمل (مع رئيس الشاباك) من دون ثقة بسبب أمر محكمة؟ هذا لا يمكن أن يحصل. هذا لن يحصل». وقد حذّرت مصادر سياسية وقضائية في تل أبيب من احتمال أن يكون نتنياهو يخطط لتفجير أزمة دستورية. وقال مصدر كبير في حكومته، إنه يستفيد جداً من الأزمة الحالية، إذ إن الجمهور بات منقسماً على نفسه، وتتنامى في صفوفه مشاعر عدم الثقة بالجهاز القضائي.

وقد استغل وزراء في الحكومة هذه القضية لتأجيج الكراهية للجهاز القضائي. فكتب وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، في منصة «إكس»، أن «قضاة المحكمة العليا لن يديروا الحرب، ولن يقرروا من يكون قادتها». وقال وزير الاتصالات من حزب الليكود، شلومو كرعي، إنه لا صلاحية قانونية لقاضية المحكمة العليا بالتدخل في قرار إقالة بار، وإن «هذه صلاحية الحكومة وحدها فقط. وقرار القضاةِ لا أساس له. انتهت القصة. والسيادة للشعب».

وكانت الحكومة قد التأمت منذ التاسعة من مساء الخميس، وحتى الثانية فجراً، واتخذت قراراً بالإجماع، لإقالة رونين بار من رئاسة «الشاباك». وقد رشح عنها أن نتنياهو كان ينوي تحديد موعد الإقالة بعد شهر، أو عند تعيين رئيس آخر مكانه، لكنه في ضوء تصرف بار، الذي تغيّب عن الجلسة وأرسل كتاباً إلى نتنياهو، نُشر في وسائل الإعلام، بدا كلائحة اتهام جديدة ضد رئيس الوزراء، اقترح أن يحدد 28 الحالي موعداً لإنهاء عمله. لكنه خرج للتشاور، وعاد ليقترح أن تدخل الإقالة حيز التنفيذ في موعد يبدأ في 28 وينتهي في 10 أبريل (نيسان) كأقصى حد، على أن يتم اختيار بديل عنه خلال هذه الفترة.

جانب من الاحتجاجات ضد إقالة رونين بار أمام مقر الكنيست بالقدس يوم الخميس (أ.ب)

وقد حرص آلاف المتظاهرين على أن يُسمع صوتهم في جلسة الحكومة، فاعتدت الشرطة على عدد منهم لغرض تفريقها بالقوة. وحاول بعض المتظاهرين اختراق الحواجز، لاقتحام مقر الحكومة، إلا أن الشرطة تصدّت لهم بالقوة، مستخدمةً خراطيم المياه العادمة لرشّهم بمياه ملوّثة وكريهة الرائحة في محاولة لتفريقهم، كما اعتدت على عدد منهم بالأيدي واعتقلت آخرين. وأظهرت مشاهد مصوّرة من موقع الاحتجاج أحد أفراد الشرطة، وهو يدفع متظاهرين ويُسقطهم أرضاً، من بينهم رئيس حزب «الديمقراطيين»، يائير غولان، الذي كان ذات مرة نائباً لرئيس أركان الجيش، ومرشحاً لرئاسة الأركان. كما وثّق مقطع آخر قيام ضابط شرطة بمصادرة مكبّر صوت من إحدى المتظاهرات، حتى لا يصل صوت المتظاهرين إلى أسماع الوزراء ورئيسهم.

وكانت المظاهرات في القدس تواصلت الخميس، لليوم الثاني على التوالي، مطالبة بوضع قضية الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين لدى «حماس» على رأس الأولويات، ورافضة استمرار الحرب على غزة، ومعترضة على محاولات إقالة رئيس «الشاباك»، بار، والمستشارة القضائية، غالي بهراف-ميارا. وأدان رئيس المعارضة الإسرائيلية، يائير لبيد، في بيان، «سلوك الشرطة والاعتداء على يائير غولان». وقال: «لا يمكن أن يتعرض نائب رئيس الأركان السابق ورئيس حزب معارض للأذى أثناء تظاهره من أجل الديمقراطية الإسرائيلية».

لائحة اتهام

وقال مكتب نتنياهو، في بيان، إن «الحكومة وافقت بالإجماع على اقتراح رئيس الحكومة، نتنياهو، بإنهاء ولاية رئيس الشاباك، بار». وامتنع بار عن حضور الجلسة، ووجه رسالة إلى نتنياهو والحكومة، وحرص على نشرها في وسائل الإعلام خلال الجلسة. وبدت كأنها لائحة اتهام لنتنياهو. وجاء فيها أنه قرر عدم حضور الجلسة، لأنه لا يجدها ملائمة للردّ الجوهريّ على الادعاءات ضده، والزعم بأنه لا توجد ثقة به من رئيس الحكومة. وقال: «هذا بحث يتطلب عملية منظمة، تتضمّن تقديم الوثائق ذات الصلة، وليس عملية تبدو مُدبّرة ونتائجها محددة مسبقاً». وقال بار إن هذا الاجتماع عُقد على عجل وهرولة، خلافاً لكل قاعدة قانونيّة أساسيّة، تتعلق بالحقّ في جلسة استماع، وخلافاً لموقف المستشارة القضائية للحكومة.

وتطرّق بار إلى أسباب إقالته، متحدثاً عن «ادعاءات لا أساس لها، تُبنى على مصالح شخصّية، وتمنع كشف الحقيقة؛ سواءً فيما يتعلق بالأحداث التي أدت إلى (هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول)، أو بالحوادث الخطيرة التي يحقق فيها الشاباك حالياً (تتعلق بشبهات تورط عدد من مساعدي نتنياهو الكبار بتلقي رشى واعتقال عدد منهم)». وأضاف: «بصفتي شخصاً، خدم أمن الدولة لأكثر من 35 عاماً، وأُكن احتراماً كبيراً لمؤسساتها، ولسيادة القانون، أودّ أن أوضح منذ البداية، أن قراري بعدم حضور اجتماع الحكومة، ينبع فقط من فهمي أن هذا النقاش، لا يتوافق مع أحكام القانون، والقواعد المتعلقة بإنهاء خدمة أي موظف، ناهيك بمن يشغل منصباً رفيعاً، وبخاصة منصب رئيس الشاباك».

رونين بار في مقبرة هرتزل العسكرية بالقدس يوم 13 مايو 2024 (إ.ب.أ)

ولمّح بار إلى التحقيقات التي أمر بها في «الشاباك» ضد مسؤولين كبار بمكتب نتنياهو من المتورطين فيما يُطلق عليه في إسرائيل فضيحة تلقي الرشى، فقال: «الادعاءات بعدم الثقة منذ 7 أكتوبر، لا أساس لها من الصحة، وليست أكثر من غطاء لدوافع مختلفة تماماً، وأجنبية، وغير صالحة أساساً، تهدف إلى تعطيل قدرة جهاز الشاباك على أداء دوره في الدولة، وفقاً للقانون ولصالح مواطني إسرائيل، وليس في إطار الإجراء المتعلق بالرغبة في إنهاء ولايتي، والذي آمل في أن يتم بشكل قانونيّ». وقال: «إقالة رئيس الجهاز في هذا الوقت، يشكل خطراً مباشراً على أمن دولة إسرائيل».

ورد بار في رسالته الطويلة، على تلميح نتنياهو إلى أن من أسباب إقالته التحقيق الذي أجراه «الشاباك» حول إخفاقات 7 أكتوبر، والتي اعترف بها بالتقصير، ولكنه أشار أيضاً إلى تقصير الحكومة التي رفضت تحمل المسؤولية، وتعيق التحقيق الجدي في الإخفاقات التي أعرب فيها عن تأييده لمطلب إقامة لجنة تحقيق رسمية مستقلة ذات صلاحيات.

وكشف رئيس «الشاباك» أن من بين أسباب غضب نتنياهو عليه؛ موقفه وموقف رئيس الموساد في المفاوضات مع «حماس». وقال إن «عزل رئيس الموساد، وإبعادي عن قيادة المفاوضات، قد أضرّ بالفريق (المفاوض)، ولم يُسهم إطلاقاً في إطلاق سراح الرهائن. ويوحي بأن رئيس الحكومة كان يرغب في إجراء مفاوضات لا تفضي إلى اتفاق لإطلاق الرهائن. وبالتالي فإنّ ادعاء رئيس الحكومة في هذا السياق، لا أساس له من الصحة. سأُكرّر وأُؤكّد التزامي الشخصيّ، والتزام الجهاز، ببذل كل ما في وسعنا لإعادة الرهائن، أحياءً وأمواتاً، إلى إسرائيل، خصوصاً في هذه الفرصة السانحة».

متظاهرون يطالبون بإطلاق الأسرى في غزة خلال احتجاج أمام مقر بنيامين نتنياهو في القدس يوم الجمعة (رويترز)

وذكر بار أن إسرائيل «تمرّ بمرحلة صعبة، ومعقّدة بشكل خاصّ، وهناك 59 رهينة لا يزالون في قلب قطاع غزة، و(حماس) لم تُهزم بعد، ونحن في خضمّ حرب متعددة الجبهات، واليد الإيرانية متغلغلة عميقاً في الداخل (في إسرائيل). ولكل من يتولى منصباً عاماً، تقع عليه مسؤولية هائلة، ومن المدهش في هذا الوضع، أن تسعى الحكومة إلى اتخاذ خطوات، تؤدي نتائجها إلى إضعافها، داخليّاً، وضدّ أعدائها».

وأصدر مكتب نتنياهو بياناً حادّاً يُعدّ الأشدّ لهجة، منذ الاتهامات بينهما، رداً على رسالة بار، قال فيه، إن «الحكومة الإسرائيلية، التي تتولى مسؤولية جهاز الأمن العام (الشاباك)، فقدت الثقة في رونين بار، الذي لا يزال متمسّكاً بمقعده، بينما يستغل عائلات المحتجزين، ويستغلّ منصبه سياسيّاً، بشكل غير لائق؛ لفبركة تحقيقات عقيمة، ولا أساس لها من الصحة. إن فرصة التقاعد بشرف، قد أتيحت لبار، بعد فشله الذريع في 7 أكتوبر، وكذلك لرئيس الأركان المنتهية ولايته (هرتسي هليفي). لكنه كان يخشى الإجابة عن سؤال واحد: لماذا بعد أن علمتَ بهجوم (حماس) قبل ساعات من وقوعه، لم تفعل شيئاً ولم تتصل برئيس الحكومة، وهو أمر كان من شأنه أن يمنع الكارثة؟».

بنيامين نتنياهو مع وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير في الكنيست بالقدس يوم 19 مارس الحالي (رويترز)

وفي أعقاب قرار الحكومة، قدم رؤساء أحزاب المعارضة وجمعيات حقوقية تعنى بطهارة الحكم، عدة التماسات إلى المحكمة العليا مطالبة بإلغاء قرار الحكومة. وشارك في الدعاوى كل من أحزاب: «ييش عتيد» و«المعسكر الرسمي» و«يسرائيل بيتينو» و«الديمقراطيين»، وكذلك الحركة من أجل جودة الحكم، والحركة من أجل طهارة القيم، وغيرها. وقالت إن قرار إقالة رئيس الشاباك «اتخذ في ظل تناقض مصالح شديد من جانب رئيس الحكومة، واستناداً إلى اعتبارات غير موضوعية متعلقة بتحقيقات الشاباك في مكتبه، وبموقف الشاباك الذي بموجبه المستوى السياسي يتحمل مسؤولية عن كارثة 7 أكتوبر».


مقالات ذات صلة

إسرائيل تستنسخ نموذج غزة في لبنان... «خط أصفر» جنوباً يعزل عشرات القرى

المشرق العربي جندي إسرائيلي بجوار العلم الإسرائيلي قرب الحاجز الأمني ​​بين إسرائيل ولبنان بالقرب من أفيفيم شمال إسرائيل (إ.ب.أ) p-circle

إسرائيل تستنسخ نموذج غزة في لبنان... «خط أصفر» جنوباً يعزل عشرات القرى

في تطور قد يعكس توجهاً إسرائيلياً لتكريس واقع ميداني جديد على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، أعلنت تل أبيب عزمها فرض ما تسميه «الخط الأصفر» في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب في الوسط وعلى يمينه الرئيس اللبناني جوزيف عون وعلى يساره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب) p-circle

نتنياهو «مصدوم» من منشور ترمب بشأن لبنان... وتل أبيب تطلب توضيحات

طلبت إسرائيل من البيت الأبيض تقديم توضيحات بشأن منشور للرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي قال فيه إن إسرائيل «ممنوعة» من تنفيذ غارات جوية في لبنان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً.

محمد محمود (القاهرة)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)

نتنياهو: جيشنا سيبقى في جنوب لبنان ضمن منطقة أمنية بعمق 10 كم

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن وقف إطلاق النار مع لبنان يمثل فرصة لـ«سلام تاريخي»، مشدداً على مطلبه بنزع سلاح «حزب الله» كشرط مسبق لأي اتفاق.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء مغادرته البيت الأبيض متوجهاً إلى قاعدة «أندروز» الجوية المشتركة في العاصمة واشنطن 11 أبريل 2026 (رويترز)

ترمب يعلن اتفاقاً لـ«هدنة 10 أيام» بين إسرائيل ولبنان

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أن إسرائيل ولبنان اتفقا على وقف إطلاق النار لمدة 10 أيام، يبدأ الساعة 5 مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة اليوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

هل يمكن نقل مخزون اليورانيوم الإيراني إلى دولة ثالثة؟

صورة التقطها قمر اصطناعي يوم 17 يونيو 2025 تُظهر مبنى مُدمّراً في موقع نطنز النووي بإيران (بلانيت لابز - رويترز)
صورة التقطها قمر اصطناعي يوم 17 يونيو 2025 تُظهر مبنى مُدمّراً في موقع نطنز النووي بإيران (بلانيت لابز - رويترز)
TT

هل يمكن نقل مخزون اليورانيوم الإيراني إلى دولة ثالثة؟

صورة التقطها قمر اصطناعي يوم 17 يونيو 2025 تُظهر مبنى مُدمّراً في موقع نطنز النووي بإيران (بلانيت لابز - رويترز)
صورة التقطها قمر اصطناعي يوم 17 يونيو 2025 تُظهر مبنى مُدمّراً في موقع نطنز النووي بإيران (بلانيت لابز - رويترز)

لا يمكن وضع حد دائم للحرب على إيران إلا باتفاق حول برنامجها النووي، وتالياً حول مصير مخزونها من اليورانيوم، الذي يلف الغموض مكانه والدرجة الدقيقة لتخصيبه.

والسؤال: هل يمكن نقل هذا المخزون إلى دولة ثالثة، وتخفيف تخصيبه إلى درجات غير ضارة؟

فيما يأتي بعض النقاط الأساسية.

ماذا عن مخزون اليورانيوم الإيراني؟

صدرت آخر معلومات الوكالة الدولية للطاقة الذرية قبيل اندلاع حرب يونيو (حزيران) 2025 التي استمرت اثني عشر يوماً.

وأفاد مفتشو الهيئة الأممية بأن إيران كانت تملك يومها 441 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، ما يجعله قريباً من نسبة 90 في المائة التي تتيح صنع قنبلة نووية، فضلاً عن 180 كلغ تبلغ نسبة تخصيبها 20 في المائة، وأكثر من 6 آلاف كلغ مخصّبة بنسبة 5 في المائة. وكان مخزون 60 في المائة موزعاً بين مواقع فوردو ونطنز وأصفهان.

ومنذ الضربات الإسرائيلية-الأميركية في يونيو 2025 ثم هذا العام، يلفّ الغموض ما آل إليه هذا المخزون في ظل عدم قيام الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعمليات تفتيش. فهل لا يزال مطموراً، كما تؤكد طهران، أم أن قسماً منه نُقل أو دُمّر؟

وثمة تساؤل آخر تطرحه مصادر غربية عدة: هل تمكنت إيران من إقامة مواقع سرية قبل حرب 2025، خصوصاً أن بعض المفتشين منعوا من زيارة مواقع محددة قبل يونيو 2025؟

ترى مصادر دبلوماسية أوروبية أنه لا بد من أن تعاود الوكالة الذرية عملها لتبديد هذا الغموض، علماً أن هذا الأمر شرط ضروري مسبق لأي تفاوض، وخصوصاً أن قاعدة البيانات الاستخباراتية الأميركية والإسرائيلية تشير إلى 1200 كلغ من اليورانيوم المخصب بنسبة 20 في المائة، بعيداً من 180 كلغ أشارت إليها الهيئة الأممية قبل اندلاع الحربين.

وذكّرت الباحثة إلوييز فاييه من مركز «إيفري» الفرنسي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن «لا استخدام مدنياً لليورانيوم المخصب فوق 20 في المائة»، فاستخدامه لأغراض مدنية على غرار محطات توليد الكهرباء يتطلب نسبة تراوح بين 4 و5 في المائة.

لهذا السبب، يشتبه الأوروبيون والأميركيون والإسرائيليون منذ أمد بعيد بسعي الإيرانيين لحيازة السلاح النووي، الأمر الذي واظبت طهران على نفيه، مدافعة عن حقها في التخصيب للاستخدام المدني.

خيار نقل اليورانيوم

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، أن الإيرانيين وافقوا على تسليم واشنطن «الغبار النووي»، في إشارة إلى مخزون اليورانيوم، متحدثاً عن «فرص جيدة جداً لنتوصل إلى اتفاق». وفي حال تحقق ذلك بين واشنطن وطهران، فقد يكون أحد الخيارات إخراج كامل اليورانيوم العالي التخصيب من إيران أو قسم منه.

وقالت فاييه: «سجلت سابقة في 2015 حين نقل قسم من اليورانيوم العالي التخصيب إلى روسيا»، في إشارة إلى ما تضمنه اتفاق دولي سابق شكل إطاراً للبرنامج النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة) ورفضه دونالد ترمب بشدة في 2018.

وتداركت: «لكن ذلك لا يمت بصلة إلى مستوى التخصيب الراهن. وسيكون الأمر أكثر تعقيداً كون العلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا اليوم تختلف عما كانت عليه عام 2015، إضافة إلى أن المخزون الإيراني بات أكبر بكثير».

أبدت روسيا استعدادها للمبادرة إلى هذه الخطوة. وصرح المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الأسبوع الماضي، بأن «الرئيس (فلاديمير) بوتين عرض هذا الاقتراح»، لافتاً إلى أن «العرض لا يزال سارياً ولكن أي تحرك لم يتم في ضوئه».

خيار خفض نسبة التخصيب

قال مصدر دبلوماسي إيراني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لقد اقترحنا خفض نسبة التخصيب داخل البلاد»، من دون أن يحدد تفاصيل ذلك.

والسؤال ما إذا كانت هذه العملية ستتم بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية أم تحت أنظار خبراء أميركيين. وتعتبر باريس أن من إيجابيات القيام بهذه العملية بإشراف الوكالة الذرية أنها ستحيي عمل مفتشيها وتعاود إضفاء طابع من الشفافية على العملية برمتها.

ومن شأن خفض نسبة التخصيب إلى ما دون 5 في المائة أن يحدّ إلى حد بعيد خطر التخصيب لأهداف عسكرية.

لكن إيلوييز فاييه لاحظت أنه لا يوجد تفاهم حول تفاصيل تنفيذ ذلك ودرجة الخفض المطلوبة، مضيفة: «الأمر كله يظل رهناً بموافقة أميركية على السماح لإيران بأن تخصّب على أراضيها».

تجاوز «الخط الأحمر»

كذلك، لا بدّ من تجاوز الخط الأحمر الذي رسمته كل من واشنطن وطهران. فالأولى تصر على تراجع كامل عن التخصيب، والثانية ترفض ذلك بشدة.

في رأي الأوروبيين أنه مهما كان الخيار الذي سيعمل عليه الأميركيون والإيرانيون، فلن يشكل سوى نقطة بداية لمفاوضات طويلة بهدف تحديد وسيلة لفرض قيود شديدة وطويلة الأمد على البرنامج النووي الإيراني. فرغم الانتكاسة المؤكدة التي أصيب بها البرنامج الإيراني، يتفق الخبراء على أن المعرفة العلمية لا تزال قائمة وإن كانت جزئية.

وفي هذا السياق، أوردت فاييه: «يبقى إجبار إيران على التخلي عن برنامجها النووي أمراً مستحيلاً، انطلاقاً مما راكمته من معارف وأقامته من منشآت. ولكن يمكن مراقبته ووضع سقف له». وتلك كانت بالضبط الغاية من الاتفاق الذي وقِّعَ عام 2015، بعد مفاوضات كثيفة استمرت نحو عامين.


واشنطن تدرس الإفراج عن 20 مليار دولار من أموال إيران المجمدة مقابل تسليم اليورانيوم

مجمع نطنز النووي في إيران بتاريخ 7 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ب)
مجمع نطنز النووي في إيران بتاريخ 7 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ب)
TT

واشنطن تدرس الإفراج عن 20 مليار دولار من أموال إيران المجمدة مقابل تسليم اليورانيوم

مجمع نطنز النووي في إيران بتاريخ 7 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ب)
مجمع نطنز النووي في إيران بتاريخ 7 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ب)

كشف موقع «أكسيوس» الإخباري الأميركي، اليوم (السبت)، عن إجراء مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بشأن خطة من ثلاث صفحات لإنهاء الحرب بين الجانبين.

ونقل «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين اثنين، ومصدرين آخرين مطلعين على المباحثات، القول إن هناك عنصراً من الخطة يخضع للمناقشة حالياً يتعلق بإفراج الولايات المتحدة عن 20 مليار دولار من أرصدة إيران المجمدة، مقابل تسليم طهران مخزونها من اليورانيوم المخصب.

ومنذ الضربات الإسرائيلية-الأميركية في يونيو (حزيران) 2025 ثم هذا العام، يلفّ الغموض ما آل إليه هذا المخزون في ظل عدم قيام الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعمليات تفتيش.


وزير خارجية تركيا يتهم إسرائيل بالسعي «لاحتلال مزيد من الأراضي»

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يلقي كلمة خلال حفل افتتاح منتدى أنطاليا للدبلوماسية (رويترز)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يلقي كلمة خلال حفل افتتاح منتدى أنطاليا للدبلوماسية (رويترز)
TT

وزير خارجية تركيا يتهم إسرائيل بالسعي «لاحتلال مزيد من الأراضي»

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يلقي كلمة خلال حفل افتتاح منتدى أنطاليا للدبلوماسية (رويترز)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يلقي كلمة خلال حفل افتتاح منتدى أنطاليا للدبلوماسية (رويترز)

اتهم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إسرائيل اليوم (السبت) باستغلال الحرب في الشرق الأوسط ذريعة «لاحتلال مزيد من الأراضي».

وقال فيدان خلال منتدى دبلوماسي في أنطاليا بجنوب تركيا: «إسرائيل لا تسعى إلى ضمان أمنها، بل تريد مزيداً من الأراضي. وتستخدم حكومة (بنيامين) نتنياهو الأمن ذريعة لاحتلال مزيد من الأراضي»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

واعتبر وزير الخارجية التركي أن إسرائيل، بالإضافة إلى الأراضي الفلسطينية التي تحتلها (في قطاع غزة، والضفة الغربية، والقدس الشرقية)، باتت تسعى إلى بسط سيطرتها على أراضٍ تابعة للبنان، وسوريا.

وأضاف فيدان: «هذا احتلال، وتوسع مستمر... يجب أن يتوقف»، مؤكداً أن «إسرائيل زرعت في أذهان العالم وهماً من خلال إظهار أنها تسعى فقط لحفظ أمنها».