فرنسا بعد معارك أكتوبر: الأوروبيون هُمّشوا... والفلسطينيون سيدفعون ثمناً لاحقاً

«الشرق الأوسط» نقّبت في الأرشيف الرسمي لباريس

رئيس الاتحاد السوفياتي ليونيد بريجنيف (يسار) يلتقي الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون في الكرملين يوم 22 مايو 1972 (غيتي)
رئيس الاتحاد السوفياتي ليونيد بريجنيف (يسار) يلتقي الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون في الكرملين يوم 22 مايو 1972 (غيتي)
TT

فرنسا بعد معارك أكتوبر: الأوروبيون هُمّشوا... والفلسطينيون سيدفعون ثمناً لاحقاً

رئيس الاتحاد السوفياتي ليونيد بريجنيف (يسار) يلتقي الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون في الكرملين يوم 22 مايو 1972 (غيتي)
رئيس الاتحاد السوفياتي ليونيد بريجنيف (يسار) يلتقي الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون في الكرملين يوم 22 مايو 1972 (غيتي)

على الرغم من أن القانون الفرنسي ينص على فتح الأرشيف بعد فترة لا تتجاوز الثلاثين عاماً، فإن البحث في الأرشيف الوطني الفرنسي عما دار في المراسلات الدبلوماسية العسكرية بين سفراء في العواصم المعنية وبين الإدارة المركزية في باريس خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 لم يكن بالأمر السهل.

فمن جهة، ينقسم الأرشيف قسمين: دبلوماسي وعسكري، وصعوبة الجزء الأول أن الفترة التاريخية المعنية (أكتوبر/تشرين الأول 1973) ليست مؤرشفة إلكترونياً، وبالتالي يتعين البحث في آلاف الوثائق عن المعلومة التي تلقي ضوءاً جديداً على الحرب، غير أن المفاجأة التي تنتظر الباحث أنه حتى في إطار الأرشيف المفتوح ثمة جزء منه «غير متاح للمراجعة»؛ وهو ما يرجعه مسؤولون إلى «حساسية» بعض الوثائق التي لا يفرج عنها قبل مرور سبعين عاماً وربما أكثر من ذلك، واختصار المدة مرهون بالموافقة على طلب رسمي مُعلل قد يٌقبَل أو يُرفَض.

ووفق ما تبين لـ«الشرق الأوسط»، فإن كل ما يتناول الجوانب العسكرية والدفاعية «الحساسة»، مثل المبيعات العسكرية الفرنسية، وتقييمات المخابرات أو ما يمس شخصيات ما زالت حية ومتحفظاً عليها، فضلاً عن أن الأرشيف الخاص بوزارة الدفاع والجيش يرتع في قلعة «فانسان» الواقعة على مدخل العاصمة الشرقي، والوصول إليه يتطلب إذناً خاصاً من وزارة الدفاع، ورغم تقديم طلب بهذا المعنى، فإن الموافقة لم تأت.

ورغم الصعوبات، فإن «الشرق الأوسط» تمكنت من الوصول إلى مئات الوثائق التي تكشف جانباً مهماً من السياسة والمواقف الفرنسية والتي تُلقي ضوءاً كاشفاً على اهتمامات باريس.

كان جورج بومبيدو رئيساً للجمهورية الفرنسية، وبيار ميسمير رئيساً للحكومة، وميشال جوبير وزيراً للخارجية، عندما اندلعت المعارك، ومنذ 19 يونيو (حزيران) 1973، قرع جوبير نواقيس الخطر مُحذراً من حرب قادمة في كلمة له مدوية أمام النواب، حيث نبّه من «توافر الشروط كافة التي ستفضي إلى مأساة كبرى إذا ما استمر الوضع (في الشرق الأوسط) على حاله».

الرئيس الفرنسي السابق جورج بومبيدو ورئيس حكومته بيار ميسمير بباريس في أكتوبر 1973 (غيتي)

ويُظهر الأرشيف الفرنسي المتاح كماً هائلاً من المعلومات والتحليلات والتواصل مع عواصم العالم، وعلى رأسها واشنطن وموسكو، والمواكبة اليومية لتطورات الحرب منذ اندلاعها في السادس من أكتوبر 1973 وحتى توقف إطلاق النار وما بعده.

يتحدث تقرير سري بتاريخ 20 أكتوبر عن «وصول مجموعة من الضباط والجنود الجزائريين إلى جنوب لبنان من سوريا للقيام بعمليات عسكرية إلى جانب الفلسطينيين لإشغال القوات الإسرائيلية ولتخفيف الضغط عن الجبهة السورية».

لكن اللافت أيضاً «مضمون تقرير وصل إلى الخارجية الفرنسية، ومن مصادر لم تكشف هويتها عن اقتراح قدمه الزعيم الكردي مسعود بارزاني إلى الرئيس العراقي آنذاك (أحمد حسن البكر) بإرسال 2000 مقاتل كردي إلى الجبهة السورية». بيد أن هذا الاقتراح بقي حبراً على ورق ولم يتم الأخذ به.

تقييم النتائج

يسلط تقرير سري صادر عن الأمانة العامة لوزارة الدفاع الفرنسية، في 23 أكتوبر مع بدء انتهاء الأعمال القتالية، الضوء على «الخلاصات» الأولى التي يمكن رصدها من الحرب، وأولاها أن العرب (مصر وسوريا) هما «من اتخذتا المبادرة وتغلبتا على عقدة النقص ونجحتا في السنوات التي سبقت من التحضير لعمليات منسقة، وحافظتا على مسار انطلاق العمليات العسكرية. أما بالنسبة إلى إسرائيل، فإن التحليل أشار إلى أربع نقاط، أولها أن القوات العسكرية الموجودة على الخطوط الأولى في الجبهتين استطاعت، إلى حد ما، امتصاص الضربة الأولى. كما نجحت إسرائيل في تعبئة قوات الاحتياط المدربة تدريباً جيداً خلال ثلاثة أيام، وعملت بقوة من أجل استعادة المبادرة كما أفلحت في نقل ثقل قواتها سريعاً من جبهة الجولان إلى سيناء».

صورة تقرير سري فرنسي في 23 أكتوبر 1973 يتناول تقييم النتائج الأولية للحرب (الشرق الأوسط)

ويشير التقرير إلى أنه «لم يكن بوسع أي من الطرفين أن يقوم بعمليات واسعة النطاق إلا في فترة زمنية محدودة «بسبب الاستهلاك السريع للأسلحة الحديثة» وصعوبة استبداله في وقت قياسي، فضلاً عن النقص في العسكريين ذوي المؤهلات العالية كالطيارين وقادة الدبابات... والخلاصة اللاحقة تفيد بأن أياً من الطرفين ما كان مؤهلاً لهذه الحرب من غير مشاركة الدولتين الكبريين (الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي) وأن وقف الحرب كان أيضاً بين أيديهما»، وفق التقييم الفرنسي.

واختم التقييم بأن «الخاسرين طرفان: الفلسطينيون لأنهم سيدفعون ثمن الترتيبات اللاحقة، والأوروبيون الذين أبقوا على الهامش وعانوا من الصدمة البترولية الأولى».

مخاوف باريسية

في برقية تحمل الرقم 1664/1668موجهة من السفير الفرنسي في القاهرة إلى الإدارة المركزية بتاريخ 24 أكتوبر، عقب التصويت على القرار 338 في مجلس الأمن الدولي الذي وضع حداً للحرب الذي تم التفاهم حوله بين واشنطن وموسكو، عبّر الأخير عن القلق من أن «يعمد والروس والأميركيون، باستناد كل جانب إلى (زبائنه)، إلى تحويل الشرق الأوسط منطقة مطلقة لتقاسم النفوذ بينهما» واستبعاد أوروبا.

وجاء في البرقية، أن مصر، عندما أطلقت الأعمال القتالية، «كانت تعي أنها غير قادرة بقواتها العسكرية وحدها على تحرير أراضيها، وأنها كانت تسعى إلى دفع الدولتين إلى الاهتمام بالشرق الأوسط بعد الخيبة التي أصابتها من غياب الاهتمام بنزاع عمره 25 عاماً إبان القمة التي عُقدت (بين نيكسون وبريجنيف) في شهر أبريل (نيسان)».

رئيس الاتحاد السوفياتي ليونيد بريجنيف (يسار) يلتقي الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون في الكرملين يوم 22 مايو 1972 (غيتي)

وتضيف البرقية، أن «دعوة الدول الكبرى للحلول محل الأطراف المعنية يعني التخلي طوعاً عن الاستقلال الحقيقي». وخلاصة البرقية، أن ما حصل قد تم على حساب الأوروبيين «حيث لم يتم التشاور معنا في موضوع وقف إطلاق النار؛ ولذا علينا أن نقوم بكل ما هو ممكن حتى نكون جزءاً من مفاوضات (السلام) من خلال التأكيد على أن شيئاً يمكن أن يتم خارج الأمم المتحدة ومن غير تدخل مجلس الأمن».

هذا التخوف من التهميش يُعدّ إحدى علامات الديبلوماسية الفرنسية، حيث إن باريس سعت دوماً ليكون لها دور في منطقة تعدّ جوارها القريب. ففي تقرير بتاريخ 9 أكتوبر عن الاجتماع الذي ضم في باريس الرئيسين الفرنسي بومبيدو والإيطالي ألدو مورو، جاء أن الأول عبّر عن شيء من الخيبة في أن تكون الأمور محصورة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي من غير أن ينسى إسرائيل التي قال عنها: إنها «لا تتراجع حتى في حال ممارسة الضغوط عليها». وليس سراً أن علاقة الرئيس الفرنسي بإسرائيل كانت بالغة السوء؛ كون أن بومبيدو واصل سياسة الجنرال ديغول الذي فرض حظراً صارماً على مبيعات الأسلحة لإسرائيل بعد مهاجمتها مطار بيروت الدولي في عام 1968.

ما سبق غيض من فيض، والإحاطة بكل ما يتضمنه الأرشيف الفرنسي من معلومات وتحليلات تتناول الجوانب السياسية والديبلوماسية والعسكرية يحتاج إلى مؤلفات. لكن، رغم ذلك، وفي ما خص فرنسا تحديداً، ثمة كثير من النقاط ما زالت طي الكتمان وهي محفوظة، حتى اليوم، بعيداً عن أعين الصحافة والباحثين. بيد أن الاطلاع على الأرشيف بالغ الإفادة؛ لأنه يبين ما يحصل في اجتماعات الغرف المغلقة، حيث تقال الأمور بصراحة متناهية بعيداً عن التصريحات العلنية التي تخفي أكثر مما تكشف.


مقالات ذات صلة

مصر: جدل «التداعيات الاقتصادية» لا ينحسر مع مؤشرات التهدئة بالمنطقة

شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري خلال اجتماع مع وزير المالية لبحث نتائج اجتماعه مع صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

مصر: جدل «التداعيات الاقتصادية» لا ينحسر مع مؤشرات التهدئة بالمنطقة

لا يزال جدل «التداعيات الاقتصادية» للحرب الإيرانية على مصر، مستمراً في مصر، رغم مؤشرات التهدئة في المنطقة أخيراً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من اجتماع سابق داخل حزب «الوفد» المصري (حزب الوفد)

خلاف بين أحزاب مصرية على أسبقية تعديلات «قوانين الأسرة»

منذ أن وجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكومة بإدخال تعديلات على القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية، نشطت أحزاب للتعبير عن رؤيتها بشأن هوية القوانين الجديدة

عصام فضل (القاهرة)
شمال افريقيا وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان يبحثون مسار المفاوضات الأميركية-الإيرانية (الخارجية المصرية)

لقاءات مصرية مكثفة في أنطاليا لمواجهة تداعيات حرب إيران

لقاءات مصرية مكثفة تعقد على هامش أعمال منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية وإنجاح مسار المفاوضات بين واشنطن وإيران.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أثناء لقائه الرئيس الصومالي على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي (الخارجية المصرية)

مصر تؤكد التزامها بدعم الصومال سياسياً وعسكرياً وأمنياً

أكدت مصر مواصلة دعم الصومال في مختلف المجالات السياسية والعسكرية والأمنية والإنسانية، وذلك في ضوء العلاقات القوية بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا  جانب من تطوير ميناء سفاجا بالبحر الأحمر في مصر (وزارة النقل المصرية)

توترات «هرمز» تدعم الربط عبر موانئ السعودية ومصر

تدعم توترات الملاحة في مضيق هرمز الربط التجاري بين موانئ السعودية ومصر بما يوفر منفذاً جديداً لسلاسل الإمداد بين دول مجلس التعاون الخليجي وأوروبا

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

مقتل جندي إسرائيلي في جنوب لبنان

جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
TT

مقتل جندي إسرائيلي في جنوب لبنان

جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم (الأحد)، مقتل أحد جنوده خلال اشتباكات في جنوب لبنان، حيث دخل وقف إطلاق النار المؤقت حيز التنفيذ هذا الأسبوع.

وأفاد بيان للجيش عن مقتل «ليدور بورات، البالغ 31 عاما، من أشدود، وهو جندي في الكتيبة 7106، اللواء 769، خلال اشتباكات في جنوب لبنان»، دون تقديم مزيد من التفاصيل.

وبحسب إحصاء لوكالة الصحافة الفرنسية استنادا إلى بيانات عسكرية، ارتفع إجمالي عدد قتلى الجيش الإسرائيلي في الحرب الدائرة منذ ستة أسابيع بين إسرائيل و«حزب الله» إلى 15.

وهذه هي المرة الثانية التي يعلن فيها الجيش عن مقتل أحد جنوده في جنوب لبنان منذ بدء الهدنة التي أعلنتها الولايات المتحدة لمدة عشرة أيام الجمعة، في إطار جهود أوسع لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط بشكل دائم.

وكانت جولة القتال الأخيرة في لبنان قد بدأت في 2 مارس (آذار) عندما شن «حزب الله، المدعوم من طهران، هجمات صاروخية على إسرائيل ردا على مقتل المرشد في إيران علي خامنئي خلال الموجة الأولى من الضربات الإسرائيلية الأميركية.

وردت إسرائيل بشن ضربات قالت إنها تستهدف «حزب الله» في بيروت والمناطق الجنوبية من البلاد حيث أطلقت أيضا عملية برية.


إغلاق «هرمز» مجدداً يعقّد المفاوضات


مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
TT

إغلاق «هرمز» مجدداً يعقّد المفاوضات


مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)

أعادت إيران، السبت، إغلاق مضيق هرمز بعد ساعات من فتحه بصورة محدودة، مطالبة بإنهاء الحصار الأميركي على موانئها، في خطوة زادت المفاوضات الجارية تعقيداً، وأعادت التوتر إلى الممر البحري الحيوي.

وجاء القرار بعدما أكدت واشنطن أن إعادة فتح المضيق لا تعني رفع الحصار البحري. وقال الجيش الأميركي إن 23 سفينة امتثلت لأوامره بالعودة إلى إيران منذ بدء تنفيذ الحصار البحري. وجاءت التطورات في حين كان يسود ترقب بشأن تحديد جولة ثالثة من المحادثات، بوساطة إسلام آباد.

ومع إغلاق المضيق، أطلق قاربان لبحرية «الحرس الثوري» النار على ناقلة شمال شرقي عُمان من دون تحذير لاسلكي، في حين نقلت «رويترز» عن ثلاثة مصادر في الأمن البحري والشحن أن سفينتين تجاريتين على الأقل تعرضتا لإطلاق نار أثناء محاولة العبور. وقالت الهيئة إن الناقلة وطاقمها بخير، في حين استدعت الهند سفير طهران بعد تعرض سفينة تحمل شحنة نفط خام لهجوم.

وفي واشنطن، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن المحادثات مع إيران «تسير على نحو جيد جداً»، لكنه اتهم طهران بمحاولة إعادة إغلاق المضيق، مضيفاً: «لا يمكنهم ابتزازنا». ولوّح بعدم تمديد الهدنة التي تنتهي الأربعاء إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق طويل الأمد، مؤكداً استمرار الحصار، في حين أفادت «وول ستريت جورنال» بأن الجيش الأميركي يستعد للصعود على متن ناقلات مرتبطة بإيران، والاستيلاء على سفن تجارية في المياه الدولية، مع استعداد الجانبين لاحتمال استئناف القتال.

وفي طهران، لوّح محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، برفض تمديد الهدنة، قائلاً: إما أن يمنحونا حقوقنا على طاولة المفاوضات أو ندخل ساحة المعركة.

وقال قائد عمليات هيئة الأركان علي عبداللهي إن «هرمز» عاد إلى «الوضع السابق» تحت رقابة مشددة، في حين أن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف اتهم ترمب بطرح «ادعاءات كاذبة».

وأفاد مجلس الأمن القومي بأن طهران تراجع مقترحات نقلها قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، الذي أنهى مساء الجمعة زيارة إلى طهران استغرقت ثلاثة أيام.


«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
TT

«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

دخل مجلس الأمن القومي الإيراني على خط السجال الداخلي المتصاعد بشأن إدارة المفاوضات مع الولايات المتحدة، بعد موجة انتقادات طالت وزير الخارجية عباس عراقجي واتهامات للجهات الرسمية بالغموض وسوء إدارة المعلومات، خصوصاً بعد إعلانه فتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة.

وجاء تدخل المجلس في محاولة لتوضيح مسار محادثات إسلام آباد، وشروط الهدنة المؤقتة، وآلية فتح المضيق، في وقت كانت فيه منابر مقربة من «الحرس الثوري» تصعّد هجومها على وزارة الخارجية، وتطالب بتفسير ما جرى للرأي العام، بينما توزعت المواقف داخل مؤسسات الحكم بين الدعوة إلى الانضباط الإعلامي، والمطالبة بتشدد أكبر، والتشكيك في جدوى التفاوض نفسه.

وفي بيان مطول، قالت الأمانة العامة لمجلس الأمن القومي إن الرسائل والطلبات الأميركية لوقف إطلاق النار وبدء التفاوض بدأت منذ اليوم العاشر للحرب، بعد ما وصفته بـ«فشل الأعداء المعتدين» في الميدان العسكري.

وأضافت الأمانة العامة التي يترأسها القيادي في «الحرس الثوري»، محمد باقر ذو القدر، أن الجمهورية الإسلامية قبلت إجراء مفاوضات إسلام آباد في اليوم الأربعين للحرب، بعد إعلان رسمي من الرئيس الأميركي قبول الخطة الإيرانية المكونة من عشرة بنود إطاراً لمفاوضات إنهاء الحرب.

وأوضح البيان أن المحادثات استمرت 21 ساعة متواصلة، وأن الوفد الإيراني طرح مطالب الشعب الإيراني «بجدية وبروح مبادرة» رغم انعدام الثقة العميق بواشنطن، لكن الطرف المقابل عاد، بحسب البيان، وطرح مطالب جديدة ومبالغاً فيها خلال التفاوض، ما أدى إلى انتهاء الجولة من دون نتيجة محددة وتأجيل استئنافها إلى وقت لاحق.

وأوضح البيان أيضاً أن مقترحات أميركية جديدة طُرحت في الأيام الأخيرة عبر الوسيط الباكستاني، وأنها قيد المراجعة حالياً من دون أن تقدم رداً بعد. وشدد على أن الوفد الإيراني «لن يقدم أي تنازل أو تراجع» فيما وصفته بـ«المعركة السياسية» لتثبيت ما تحقق ميدانياً.

عاصم منير يتحدث إلى قاليباف على هامش لقائهما في مقر الوزارة الخارجية بطهران اليوم (البرلمان الإيراني)

كما أكد أن من الشروط الأساسية لقبول وقف إطلاق النار المؤقت وقف العمليات في جميع الجبهات، بما فيها لبنان. وقال إن إصرار طهران أفضى إلى وقف إطلاق نار في لبنان، على أن يُفتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة ومشروطة حتى نهاية فترة الهدنة لعبور السفن التجارية فقط، وليس السفن الحربية أو غير العسكرية التابعة لـ«دول معادية»، وذلك تحت إشراف القوات المسلحة الإيرانية وبموجب مسارات محددة.

وأضاف أن اعتماد «القواعد الأميركية» في الخليج على الإمدادات عبر مضيق هرمز يمثل تهديداً للأمن القومي الإيراني، وأن طهران ستواصل فرض الرقابة والسيطرة على الملاحة حتى انتهاء الحرب بالكامل وتحقيق سلام مستدام في المنطقة. وأوضح أن تنظيم حركة العبور يتم عبر الحصول على معلومات كاملة عن السفن، وإصدار تصاريح وفق القواعد الإيرانية المعلنة، وفرض رسوم تتعلق بالأمن والسلامة وحماية البيئة. كما شدد على أن استمرار ما وصفه بمحاولات «العدو» لعرقلة الملاحة أو فرض حصار بحري سيُعد خرقاً لوقف إطلاق النار، وسيؤدي إلى منع أي فتح مشروط أو محدود للمضيق.

وينتهي بيان المجلس بدعوة تحض الإيرانيين على الحفاظ على اليقظة والتماسك الوطني، مع التأكيد على ضرورة نجاح المسار الدبلوماسي إلى جانب تثبيت نتائج الميدان.

وجاء هذا التوضيح بعدما صعّدت وكالتا «فارس» و«تسنيم»، التابعتان لـ«الحرس الثوري»، لهجتهما تجاه طريقة إدارة الملف. ودعت «فارس» المسؤولين إلى تفسير «الصمت» حيال التطورات الأخيرة، واعتبرت أن المجتمع الإيراني دخل في «هالة من الارتباك»، متسائلة: إذا كانت مصلحة البلاد تقتضي عدم نشر تفاصيل المفاوضات أو التطورات الأخيرة، فلماذا لا يُشرح للشعب سبب هذا النهج وضرورة تجنب الشفافية؟

أما «تسنيم» فذهبت أبعد في انتقادها، ووصفت تغريدة عراقجي بشأن المضيق بأنها «سيئة وناقصة» وتمثل «سوء تقدير كاملاً في إيصال المعلومات»، معتبرة أنها نُشرت من دون شروح كافية، وأثارت غموضاً واسعاً بشأن شروط العبور وآلياته وأدت إلى موجة انتقادات كان يمكن تفاديها.

وطالبت «تسنيم» وزارة الخارجية بإعادة النظر في طريقة إدارتها لهذا الملف، بل دعت إلى تدخل مجلس الأمن القومي لوضع آلية أكثر تماسكاً لضبط الرسائل الصادرة عن المؤسسات الرسمية، بما فيها الخارجية.

وقالت الوكالة إن ما ينشره المسؤولون على منصة «إكس»، حتى إن كان موجهاً إلى الخارج أو مكتوباً بالإنجليزية، ينعكس أيضاً على الداخل الإيراني، وإن أي رسالة تثير القلق أو الإحباط تُعد إخلالاً بالتماسك الداخلي.

وفي الساعات الأولى من نشر تغريدة عراقجي، سارعت «فارس» و«تسنيم» إلى نشر معلومات على لسان مصدر مطلع قريب من الأمن القومي بشأن تفاصيل الشروط المرتبطة بإعادة الفتح المؤقت للمضيق، مؤكدتين أن استمرار الحصار البحري سيُعد انتهاكاً لوقف إطلاق النار، وأن العبور يقتصر على السفن التجارية غير المرتبطة بدول معادية، وفق مسارات محددة وتنسيق مع القوات الإيرانية.

وسرعان ما امتدت ردود الفعل إلى شخصيات إعلامية وسياسية مقربة من «الحرس الثوري». فكتب نظام موسوي، المدير المسؤول السابق لصحيفة «جوان»، أن ثقة الناس بالمسؤولين المفاوضين «لا تعني تجاهل الرأي العام»، موجهاً رسالة مباشرة إلى المسؤولين: «قولوا شيئاً».

وذهب نشطاء آخرون، من بينهم علي قلهكي، إلى انتقاد ما وصفوه بـ«الوضع الإعلامي المتردي»، خصوصاً بعد تعارض مضمون تغريدة عراقجي مع توضيحات لاحقة صدرت عن مصدر عسكري عبر التلفزيون الإيراني.

وفي الاتجاه نفسه، دعا حسن عباسي، المنظّر الاستراتيجي المقرب من «الحرس الثوري»، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي أكبر ذو القدر، إلى تعيين متحدث «قدير ومتاح دائماً» للمجلس، مطالباً بإنهاء ما وصفه بـ«فتنة الإشاعات والغموض والحيرة» في أذهان الرأي العام.

وامتد السجال أيضاً إلى شخصيات برلمانية ومحلية. فقال النائب مرتضى محمودي إنه «لولا ظروف الحرب» لكان قد جرى استجواب عراقجي بسبب تغريدته، متهماً وزير الخارجية بأنه لعب مراراً دوراً مهدئاً لأسواق النفط والطاقة العالمية بتصريحات «غريبة وغير مناسبة» في لحظات حساسة.

وزير الخارجية عباس عراقجي خلال لقاء قاليباف ومنير في طهران اليوم (البرلمان الإيراني)

وقال عمدة طهران، المحافظ المتشدد علي رضا زاكاني، إن طاولة المفاوضات كان يفترض أن تكون امتداداً ومكملاً للميدان، وإن أي قرار أساسي يجب أن يظل منسجماً مع توجيهات المرشد الإيراني وبموافقته. كما اعتبر أن أي صحة في الرواية الأميركية بشأن استمرار الحصار تعني أن وقف إطلاق النار نُقض وأن إيران لا تزال «في وسط الحرب».

وفي المعسكر الأكثر تشدداً، صعّد عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، محمود نبويان، هجومه على مسار التفاوض، وقال إن المفاوضات مع الولايات المتحدة «لن تصل إلى نتيجة»، وإن إيران ستواصل الحرب حتى «الهزيمة الكاملة لترمب ونتنياهو». وأضاف أن مسؤولية السيطرة على مضيق هرمز تعود حصراً إلى بحرية «الحرس الثوري»، ولا يحق لأي جهة أخرى التدخل.

وكشف نبويان عن قرار داخل لجنة الأمن القومي يقضي بمنع عبور السفن العسكرية الأميركية من المضيق، ومنع سفن الدول التي «تمنح قواعد للعدو» من المرور أيضاً.

كما قال وزير الاقتصاد السابق، إحسان خاندوزي، إن المرور عبر مضيق هرمز يجب أن يكون فقط للدول غير المتخاصمة وبشرط تحصيل رسوم، محذراً من أن تُسوّق الولايات المتحدة رفع الحصار البحري كأنه امتياز لإيران، ومشدداً على أن باب الحوار يجب أن يُغلق ما دام الحصار قائماً.

في المقابل، صدرت دعوات إلى قدر من الانضباط الإعلامي من داخل الجهاز التنفيذي. فقد قال علي أحمدنيا، رئيس دائرة الإعلام الحكومي، إن ما وصفه بـ«العمليات النفسية وصناعة الإنجازات عبر التغريدات» يتطلب الحذر، مؤكداً ضرورة الحفاظ على الوحدة وعدم خدمة «مخطط العدو» من دون قصد.

وأضاف أن فريق الدبلوماسية يعمل في إطار استراتيجية «العزة والمصلحة والحكمة» للدفاع عن حقوق إيران في الإعلام وعلى طاولة المفاوضات. وقال وزير الثقافة السابق، محمد مهدي إسماعيلي، إن الاستراتيجية الأميركية في المفاوضات تقوم على «أخذ كل شيء من دون تقديم أي مقابل».

فيما دخلت مؤسسات أخرى على الخط، من بينها السلطة القضائية التي طالب رئيسها، غلام حسين محسني إجئي، بملاحقة الولايات المتحدة وإسرائيل قضائياً ودفعهما تعويضات عن الحرب.

تأتي هذه الخلافات في وقت تشير فيه تقديرات استخباراتية أميركية وغربية إلى أن الحرب الأميركية - الإسرائيلية أضعفت آلية صنع القرار داخل إيران، بعد مقتل عدد من كبار القادة وتضرر منظومة القيادة والسيطرة.

ووفق هذه التقديرات، باتت قنوات التواصل بين مراكز القرار أكثر تعقيداً، فيما يواجه المسؤولون صعوبات في التنسيق وعقد الاجتماعات، وسط مخاوف من الاستهداف.

كما تعزز نفوذ التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري» على حساب مؤسسات أخرى، في ظل غموض يحيط بحدود سلطة المرشد الجديد مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علناً منذ توليه المنصب، فيما تعتقد أجهزة استخبارات أميركية وإسرائيلية أنه أصيب خلال الحرب.

ويرى مسؤولون أن هذا المشهد انعكس على أداء المفاوضين، الذين يعملون في بيئة تتسم بتعدد مراكز القرار وتباين الرسائل، ما يزيد صعوبة بلورة موقف تفاوضي موحد أو تقديم تنازلات واضحة.