«كتاب الغرفة»... سيرة شعرية تصالح المتناقضات

عقل العويط يتخفف من كل قيدٍ إلا الرغبة في البوح

«كتاب الغرفة»... سيرة شعرية تصالح المتناقضات
TT

«كتاب الغرفة»... سيرة شعرية تصالح المتناقضات

«كتاب الغرفة»... سيرة شعرية تصالح المتناقضات

ليس معنياً الشاعر عقل العويط في «كتاب الغرفة» الذي صدر له حديثاً عن «دار نوفل» في بيروت، لا بالتسميات ولا بالأنواع الأدبية. هو يكتب نصاً يشبهه. «سرد مفتوح»، تتداخل فيه الأزمنة والشخصيات والذكريات التي يستدعي واحدها الآخر، ويبقى المحور هو الغرفة التي قد تصبح البيت برمته، أو الرحم الدافئ لشاعر اختار أن يتعاطى مع العالم على طريقته: «لا أبحث عن المال، ولا الشهرة، ولا العلاقات الاجتماعية، ولا المجاملات، ولا مآدب الأكل، ولا الشراب، ولا الترف، ولا الجاه، ولا المقامات الزائلة... أنا هنا مَلك غنيٌّ، فمن مثلي؟!». ذلك لأن كاتبنا في غرفته التي اختارها مقاماً، يعيش حالة من الانخطاف، أو استبدال بكل ما هو خارجي كونه الذاتي الذي يستكمل حضوره بالقراءة والكتابة والتفكّر. «بمقدوري أن أُمضي أياماً متتالية بلياليها في هذه الغرفة، دون أن أشعر بالرغبة في مغادرتها إلا لسدّ جوع وعطش». خيار العزلة وجوديٌّ، من فضائله حماية الذات، وإشعال جذوة النبش في حناياها، حيث صحبة الكتب والحبر والورق وأصدقاء القلب، تحمي من مصادقة الانتهازيين والمرائين وماسحي الجوخ ومقبّلي الأحذية، والمرتشين وبائعي الضمير. «أنظر إلى هذا العالم الخارجي المقيت وأبصق».

السرير الأيقونة

من محطة شراء السرير الحديدي القديم الذي سيتحول إلى أيقونة الغرفة ومحورها تبدأ الرحلة، التي ظنها الكاتب، بضع صفحات، فإذا بها تتناسل، في انسكاب للتذكارات، يجعلك تشعر بأن الحواجز هُدمت، والموانع انكسرت، وحان وقت الحقيقة، لأن تتجلى كما هي.

نثر شعري، أو شعري نثري لا فرق، يمر بك في طرابلس حين كان في المدرسة الثانوية، ثم الانتقال إلى بيروت للالتحاق بكلية التربية حيث كانت فورة استثنائية وحركة تشكل الوعي المجتمعي والسياسي. ثم بدء التفتح على الحياة في منزل الشقيقة الكبرى بعد زواجها، ومشاركة وليدها غرفته وتربيته، والمغامرات الشبابية الأولى في اكتشاف الجسد، وإطلاق العنان للهوى، قبل أن تصاب الشقيقة بمرض عضال وتفارق الحياة، ويغيب السند.

يخبرنا الكاتب بأن ديوان «مقام السروة»، كان مرافقة شعرية لموت شقيقته يوماً بيوم ولحظة بلحظة، «معرّياً الموت نفسه من رائحته العفنة، مضيفاً عليه ما يجعل الحياة باللغة بديلاً عن الحياة».

الانتقال إلى غرفة في شارع الحمرا عند جدة أحد الأصدقاء هي المحطة الوسطية التي سننتقل بعدها إلى الشقة المشتراة أو الغرفة الأساس، وموطن كل الكتابات اللاحقة لكاتبنا في صحيفة «النهار» من مقالات ونصوص وأبحاث، بعد إقامة خمس سنوات في قبرص مع وكالة الصحافة الفرنسية.

في هذا البيت الجديد سيكتب العويط كلّ نتاجه: «افتحي الأيام لأختفي وراءها»، و«سراح القتيل»، و«إنجيل شخصي»، و«وثيقة ولادة»، و«سكايبينغ»، وما لم ينشره بعد، وكذلك «كتاب الغرفة الأخير» الذي بين أيدينا؛ هذا المؤلّف الذي به يتوِّج الشاعر آخر كتاباته في هذا المكان الذي سكنه سنوات طوال مطلّاً على البحر، في يسوع الملك شمال بيروت. فترة خصبة يزيدها أهمية كتابه البوحيّ هذا، كأنما هو عصارة تلك الإقامة التأملية، وماهيتها، وشجونها، وجنوحها. فأنت تقرأ خلاصة مرحلة، وماؤها الزلال، ورحيقها.

القبض على الزمن

لهذا فإن «كتاب الغرفة» بالنسبة إلى مؤلفه يشبه سجلاً توثيقياً وجدانياً، لمرحلة يريد أن يقبض عليها، قبل أن تتسرب من بين أصابعه، وتتلاشى. وهو أيضاً فسحة للتعبير عن السخط، كما للاعتراف بالشغف والتعبير عن الامتنان، للغة العربية التي هي أداة القول والجمال، والتجلي في الكتابة عن صوت فيروز الـ«بركة» والـ«منارة»، حيث خصص له صفحات من العشق وردّ للجميل. وثمة عودة إلى العائلة الحاضنة الدافئة التي تتحول إلى حصن، والكتب بما تمثله من امتداد لفلسفات أصحابها ورؤاهم، ثم الموسيقى ومفعولها السحري. مكونات الغرفة الجمالية من كتب ولوحات وأسطوانات ووثائق، تجعلها عالماً متكاملاً، يحقق المتعة والاستغناء، إذ بهما يكتمل العيش؛ «فمَن تسكنه الأشياء لا يحتاج في الضرورة إلى البقاء الملموس في الأشياء، لكي تظل تسكنه الأشياء».

جدران الغرفة مرايا الذات وانعكاساتها، حيث يأتي السرد كفيض متلاحق، كأنما سُكب مرة واحدة: بوح، واعترافات، وجرأة، وذهاب إلى الأقصى، وفي الغضب والفرح، وتشريح الذات، ونقد الآخر، والغرق في الحب واكتشاف الأبوّة.

غرف الأدباء

فالغرفة ليست منقطعة عن العالم، بل هي الحبل السُّرِّي الذي يسهّل فهم هذا الغائب، وهي أيضاً تحيل إلى غرف أدباء مشاهير، مثل: فرجينيا وولف، وكوليت، وإرنست همنغواي، ومحمد الماغوط، ومحمود درويش، وآخرين. لكنها غرفة عقل العويط الخاصة التي لا تشبه غرفاً أخرى، فهو جمعها قطعة بعد أخرى، لتأتي على مذاقه، إذ إن أهم ما فيها خصوصيتها وذاتيتها، وفرادتها، حيث تصلح لأن تتحول إلى نص، له عمق وجودي، ولغة متحررة من قيودها، وعربية تليق بها.

فالعويط في تعاطيه مع العربية، يعبّر عن حب يرتفع إلى مستوى الشراكة، لا؛ بل الذوبان. «عشت وحيداً، هذا صحيح للغاية. لكنني أقيم في اللغة العربية. هي بالأحرى تقيم فيّ؛ فكيف أكون وحيداً؟!». فهي لغته التي يكتب بها ويفكر ويقرأ ويتبتل، مما يتيح له وهو يذوب في حناياها أن يضع نفسه «في مصافِّ العشاق الزاهدين المتواضعين» الذين لا يحبون الاستعراض.

عشق نحت الكلمات

حب اللغة جاءه من خاله الشاعر، الذي كان يصطحبه مراهقاً إلى السينما، يجول به في صالات الشمال اللبناني الجبلية؛ من حدث الجبة إلى حصرون وبشري. الخال هو قارئ تجاربه الكتابية الأولى، وهو الذي علَّمه العَروض والأوزان، وتقطيع الشعر. وهو أيضاً حلقة في سلسلة عائلية كان لها فضل التكوين المتوازن، الحامي من العواصف التالية.

ينتهي الكتاب بتحضيرات الانتقال إلى غرفة أو بيت جديد في بيروت، بعد أن كتب النص الوداعي في الغرفة الأساس التي هي محور النص ومداره. وتتحول الإقامة في العاصمة، إلى اختبار جديد به ينتهي السرد، لكنه يفتح أفقاً على تساؤلات شتى. فالكاتب لم يغادر بيروت يوماً، لأنه كان يأتيها ويعيشها ويلازمها بشكل شبه يومي، لكنه الآن سيصبح مقيماً فيها ومتورطاً في تفاصيلها. فالغرفة انتقلت إلى هنا. و«في المكان الغريب هذا، أسأل ذاتي: هل سأتمكن أنا هو، هذا الشخص المائل الآن وراء الزجاج، الراغب بقوة هائلة في تأسيس علاقات شعرية وروائية وفلسفية مع عالمي الجديد... هل سأتمكن من كتابة ذاتي المنقولة إلى مكاني الغريب الذي هنا؟».

مونولوج شعري

النص يشبه مونولوجاً شعرياً، ومراجعة ذاتية لعمر انقضى، ومحاولة استكشاف ملامح مرحلة مقبلة، اختار لها الكاتب شروطها وجغرافيتها، بعد أن امتلك شجاعة نقل مملكته الخاصة بكتبها ودفاترها وذكرياتها إلى مكان جديد، يحتاج إلى بناء ألفة ومودة. هكذا تغلَق الصفحات على تساؤلات حول ما ستكونه الحياة البيروتية، في مدينة «ما بقي منها هو مقبرة ذكريات... محفوظة في الطبقات الجريحة والخلاقة» من حياته السابقة.

أما الوحدة التي هي خيار الكاتب، في مختلف الأمكنة التي انتقل إليها، وجعلته غنياً بذاته، فهي خيار وجودي بحيث يبقى الآخر «زائراً غير مقيم». هذا لا يتعارض مع الصلات العشقية، والصداقات الحميمة، والعلاقات المخلصة. فالوحدة هي التي تجعل الفرادة ممكنة، والتجربة مختلفة. والمُقام في الغرفة أو البيت ليس عزلة بالمعنى المؤلم بل هو متعة ما دام بصحبة أشياء المتحف الخاص الذي جمع فيه صاحبه ما كان يحلم بالإقامة معه من أعمال فنية، تضخ في صاحبها دفق الحياة. «صرت أنا نفسي امتداداً لهذه المكتبة التي تمدني بالشغف والأمل، وتجعلني من سكان المطلق».

مصالحة ما لا يُصالَح

المتناقضات جزء أساسي من السيرة، لا؛ بل ثمة سعي دائمٍ إلى مصالحة المتباينات، بحيث تصبح جزءاً من طبيعة السيرة نفسها. «يجتمع في ما لا يجتمع اليأس والأمل، الجدار والحلم، الهشاشة والقوة، الهزيمة والفوز».

سيرة عقل العويط، تبدو للوهلة الأولى حكاية شعرية لشخصية هشة سريعة العطب، فيها خروج على التقليديّ والمعتاد، لكن الميزان الشخصي يعود ويجد بوصلته بفضل الحصانة الروحية المتأتية من بيت العائلة والوالدين اللذين صنعا معاً بالخبز والزيتون والرضا والأنفة، عالماً لا يشبه في معاييره الأخلاقية والقيمية الزمن الراهن.

سيرة شعرية تأملية، تمزج بين التوثيق الذاتي والتفسير الفلسفي مما يجعلها نصاً حراً متخففاً من كل قيد إلا الرغبة في البوح.


مقالات ذات صلة

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».