محمد جبعيتي: وجدت في الطهو فعل مقاومة

الروائي الفلسطيني حصل أخيراً على جائزة «كتارا» للرواية العربية

 محمد جبعيتي
محمد جبعيتي
TT

محمد جبعيتي: وجدت في الطهو فعل مقاومة

 محمد جبعيتي
محمد جبعيتي

عبر مشروعه الروائي، يواصل الكاتب الفلسطيني محمد جبعيتي اكتشاف مساحات جديدة في الفضاء اليومي، المعيش، وهو يخوض تجربته السردية بانحياز واضح إلى التجريب والتأمل الفلسفي. تنهل أعماله من الذاكرة الفلسطينية ومن سرديات الاحتلال والمقاومة، لكنها في جوهرها تحتفي بالحياة ذاتها كفعل مضاد للموت والخراب.

حاز جبعيتي مؤخراً جائزة «كتارا للرواية العربية» عن عمله «الطاهي الذي التهم قلبه» الصادر عن منشورات المتوسط (ميلانو)، بعد أن قدّم للقارئ عدداً من الأعمال، منها: «غاسل صحون يقرأ شوبنهاور»، و«رجل واحد لأكثر من موت»، و«المهزلة - وجوه رام الله الغريبة»، و«عالم 9»، و«لا بريد إلى غزة».

في هذا الحوار، يتحدث عن روايته الفائزة بالجائزة، ورؤيته للرواية الفلسطينية المعاصرة:

> تبدو رواية «الطاهي الذي التهم قلبه» نسيجاً تتداخل فيه مشاهد الاحتلال الإسرائيلي ورهافة الحواس والروائح، وكأنها تجعل من الإحساس فعل مقاومة في ذاته، كيف تأسس لديك هذا العالم؟

- لم أنطلق من رغبة في قول الأشياء الكبيرة، وإنما من تفاصيل شخصية وذكريات صغيرة تستبطن المعنى. الاحتلال آلة جبّارة لمحو الذاكرة ومحاربة الإحساس بالحياة. من هنا انبثق سؤالي: ماذا يعني الطعام في حياة شعبٍ يعيش تحت القهر؟ وجدت في الطهي فعل مقاومة، فالإحساس يصبح ذاكرة، والذاكرة تتحوّل إلى صمود. أردت أن أكتب عن إنسان يصرّ على الحياة، حتى وإن وجد نفسه محاصراً بالفقد والغياب.

> في الرواية، يخترع البطل قاموساً شمّياً خاصاً به، يضع فيه روائح جدته في المقدمة، كيف طوّرت من الروائح عالماً موازياً لفهم السردية الفلسطينية؟

- الرائحة في الرواية تتجاوز كونها عنصراً حسّياً فقط، حتى إنها باتت لغة موازية للسرد، تحمل ما تعجز اللغة المنطوقة عن قوله. حين يخترع البطل قاموسه الشمّي، فهو يحاول أن يستعيد ذاكرته من خلال الحواس، لا الكلمات. رائحة الجدة تمثّل الذاكرة الأولى التي لم تُلوَّث بالاحتلال والنسيان. سعيت في الرواية لأن تكون الروائح خيطاً يربط الفرد بالجماعة، والماضي بالحاضر.

> البطل يصف فقدانه القدرة على ممارسة مهنة الطهي بأنه «فقد أجمل جزء من حياته»، هل كنت تكتب عن العجز كجوهر لتجربة الإنسان الفلسطيني؟

- العجز في الرواية تجلٍّ لفقدان المعنى تحت وطأة الاحتلال. حين يفقد البطل قدرته على ممارسة مهنة الطهي، فهذا يفقده أيضاً وسيلته في التواصل مع العالم، ومع ذاكرته، ومع ذاته. كتبت عن العجز بوصفه تجربة إنسانية تتجاوز الفلسطيني لتلامس جوهر الوجود نفسه: كيف نصمد حين تُسلب منّا أدوات الحياة؟ في سياق الاحتلال، يصبح العجز مرآة لمدى عمق ما يُسلب من الإنسان. ومع ذلك، يظل في داخله توقٌ خفيّ للحياة وتحقيق أحلامه.

> هل تأثرت بالكاتب الألماني باتريك زوسكند وروايته الأشهر «العطر» في روايتك، خصوصاً في حضور الرائحة كمفاتيح للمعرفة والهُوية؟

- لا يمكن إنكار أن رواية «العطر» تركت أثراً فيّ، كما تركت في أجيال من الكتّاب، لكنها لم تكن مرجعاً مباشراً بقدر ما كانت مثالاً على إمكانية تحويل الحاسّة إلى أداة سردية. في روايتي، الرائحة ليست بحثاً عن المعرفة، وإنما عودة إلى الجذور، وحفاظ على هويةٍ مهددة بالطمس. إذا كان زوسكند جعل الرائحة مدخلاً إلى الهوس بالقتل، فقد جعلتها أنا طريقاً إلى الذاكرة والحياة.

> في «غاسل صحون يقرأ شوبنهاور» يبدو البطل وهو يتراوح بين اليوميات والخيال في حالة بحث نهمة عن حكاية. حدثنا عن مفارقات البطل ولماذا شوبنهاور تحديداً؟

- بطل «غاسل صحون يقرأ شوبنهاور» يعيش في مفارقة دائمة بين البساطة الظاهرة والعُمق. إنه عامل يوميّ يبحث عن المعنى وسط رتابة الحياة، فيغدو غسل الصحون فعلَ تأمل، والمطبخ مساحة للفلسفة. شوبنهاور بالنسبة له صوت الإنسان الذي رأى في الألم جوهر الوجود. حاولت في هذا النص أن أهبط بالفكر والفلسفة إلى أكثر الأماكن هامشية.

> بطل «لا بريد إلى غزة» في المقابل يعلو بأحلامه، ويجد نفسه محكوماً بمصير العمل كحفّار للقبور، من أين تستمد ملامح أبطالك؟

- أبطال رواياتي يولدون من تقاطع الذاتي بالجمعي، ومن تفاصيل الحياة اليومية الفلسطينية. بطل «لا بريد إلى غزة» يعلو بأحلامه، إلا أنه يصطدم بواقعٍ قاسٍ يفرضه الاحتلال، فيصبح عمله حفّار قبور رمزاً للموت المستمر الذي يحيط به. أستلهم ملامح شخصياتي من وجوه الناس العاديين وحركاتهم وأحلامهم الصغيرة التي تتشبث بالحياة رغم كل شيء. في فلسطين، يتحوّل الصمود إلى فعل إنساني يومي، حتى في أحلك اللحظات.

> المخزون التراثي دائماً ركيزة أساسية في الرواية الفلسطينية، هل تشغلك فكرة تقديم أبطالك بعيداً عن الصورة النمطية المطروحة عن البطل الفلسطيني؟

- يشغلني تقديم شخصيات فلسطينية تنبض بالحياة والإنسانية قبل أي شعور بالبطولة أو التضحية. أرغب في إظهار أبعاد الفلسطيني الكاملة: ضحكه وحزنه، أحلامه وخيباته، بعيداً عن الصور النمطية التقليدية. إن المخزون التراثي خيط يربط الماضي بالحاضر، لكنه ليس أداة لتجميل الواقع، وإنما نافذة لفهم التجربة الإنسانية الفلسطينية. يواجه أبطالي الحياة بما فيها من عبث وأمل، ليكونوا صادقين قبل أن يكونوا رموزاً. بهذا، يتحول العمل الروائي إلى مساحة للتأمل والاعتراف بالتعقيد الإنساني.

> تبرز الرواية الفلسطينية بشكل متنامٍ على قوائم الجوائز العربية... كيف تفسّر هذا الحضور؟

- الحضور المتزايد للرواية الفلسطينية على قوائم الجوائز العربية يعكس اهتمام القرّاء والنقاد بالعمق الإنساني والتجربة الخاصة التي تحملها، وليس فقط بالبعد السياسي. هناك انفتاح متنامٍ على الرؤى الجمالية، إذ بدأ النقد العربي يقدّر التجريب السردي والتنوع الأسلوبي والقدرة على الجمع بين الحكاية الفردية والجماعية. الرواية الفلسطينية اليوم تُقرأ بوصفها مساحة للتأمل في الإنسان والحياة، بعيداً عن مجرد التعاطف مع الضحية. هذا الاهتمام يعزز الثقة في قدرة الأدب على تقديم صوت نابض بالحياة، متجاوزاً الصور النمطية.

> بماذا يلهمك تتويجك أخيراً بجائزة «كتارا»، وهل أنت بصدد العمل على رواية جديدة في الوقت الراهن؟

- تتويجي بجائزة كتارا مصدر فخر شخصي، لكنه أيضاً مسؤولية كبيرة تجاه الأدب الفلسطيني. تؤكد الجائزة أن التجربة الفلسطينية قادرة على الوصول بعيداً عن الحدود السياسية، وأن صدى أصواتنا الأدبية حاضر عالمياً. أعمل حالياً على مشروع روائي جديد، أحاول من خلاله استكشاف أبعاد جديدة للحياة اليومية الفلسطينية، مع الاستمرار في اللعب بالزمن والذاكرة والحواس. الكتابة بالنسبة إليّ دائماً رحلة للتجريب والتأمل، وفرصة لإعادة صياغة العالم من منظور إنساني.


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.