الحارث النبهان: يثير حماستي أن أترجم لمؤلفين يجهلهم القارئ العربي

ترجم روايتين للمجري «كراسناهوركاي» قبل حصوله على نوبل

الحارث النبهان
الحارث النبهان
TT

الحارث النبهان: يثير حماستي أن أترجم لمؤلفين يجهلهم القارئ العربي

الحارث النبهان
الحارث النبهان

برغم أنه خريج جامعة دمشق، تخصص الهندسية الميكانيكية، فإن المترجم السوري الحارث النبهان صنع اسمه، وحقق شغفه من خلال عشرات المؤلفات التي نقلها إلى العربية بأسلوب مشوق وعناوين لافتة. يقيم حالياً ببلغاريا، وتتركز أعماله حول روايات مهمة لأدباء غير متداولين بقوة على الساحة العربية مثل النرويجي كارل أوفه كناوسغارد صاحب سداسية «كفاحي» والآيرلندي ديفيد بارك مؤلف «ارتحال في أرض غريبة».

تردد اسم النبهان مؤخراً، حين اكتشف الجميع أنه مترجم الروايتين الوحيدتين المتاحتين بالعربية لأحدث الأدباء الحائزين على جائزة «نوبل»، لازلو كراسناهوركاي، وهما «كآبة المقاومة» و«تانغو الخراب». هنا... حوار معه حول الترجمة والمشكلات التي تصادفه في الكثير من النصوص.

كيف كان شعورك حين وجدت أن الكاتب المجري لازلو كراسناهوركاي فاز بـ«نوبل» بعد مرور سنوات طويلة على ترجمتك لروايتيه الوحيدتين المتاحتين بالعربية: «كآبة المقاومة» و«تانغو الخراب»؟

- بالتأكيد، سرّني هذا الفوز كثيراً لأن كراسناهوركاي متميز فعلاً؛ من حيث أسلوبه المسهب المتلاحق، وجمله الطويلة وأجوائه الفلسفية التي تضفي على الشخصيات والأشياء والطبيعة والعلاقات بين الناس مسحة ثقيلة من الكآبة والإحساس باللاجدوى، فضلاً عن براعته في استدراج القارئ إلى هذا الجو حتى يحس بالعالم يضيق من حوله.

> ألم تتخوف من أن الكاتب غير معروف وقتها؟

- الحقيقة أنني لم أكن متشجعاً في البداية ليس لأن الكاتب غير معروف عندنا فحسب، بل أيضاً لأن الترجمة كانت عملاً مرهقاً بالفعل. كانت البداية مع «تانغو الخراب»، الذي هو نص أبطأ إيقاعاً و«أثقل على النفس» من العمل الثاني «كآبة المقاومة»، لكني لم ألبث أن تلمست تفوق هذا الكاتب وتميزه فمضيت في المشروع بقدر أكبر من الثقة.

> ألم يساورك القلق من أن الروايتين تغرقان في أجواء كابوسية وتنضحان بالتشاؤم والرؤى السوداوية، وهو ما قد يبدو محبطاً للقارئ العربي؟

- صحيح أن الروايتين ناضحتان بالسوداوية والتشاؤم، وصحيح أن فيهما ما يقارب الكوابيس، لكن هذا لا يعني أنهما غير مناسبتين أو أنهما محبطتان للقارئ سواء أكان عربياً أم غير عربي، وإلا ماذا عن كافكا وأعماله كلها؟ كل ما في الأمر أن هذا النوع من الكتابات ليس محبذاً للجميع، ولا يقدر كل قارئ على مواكبته. هذا أمر طبيعي.

> ما الذي شدَّك إلى العالم الأدبي لهذا الكاتب غير المعروف عربياً؟

- يثير حماستي أن أترجم لمؤلفين لا يزالون غير معروفين للقارئ العربي، فهذا يشبه استطلاع أرض مجهولة وفيه نوع مغرٍ من «الريادة»، ومن الإبحار في مياه لا تزال بكراً. وقد كان من بين الكُتاب الذين «استطلعتهم» قامات عظيمة جداً أذكر منهم النرويجي كارل أوفه كناوسغارد صاحب سداسية «كفاحي»، التي يضاهي النقاد بينها وبين «البحث عن الزمن المفقود» للفرنسي مارسيل بروست. لم أترجم من «كفاحي» إلا أربعة أجزاء صدرت عن دار التنوير، ولا يزال الجزءان الخامس والسادس في انتظار ناشرٍ يتصدى لهما.

هناك أيضا الآيرلندي ديفيد بارك صاحب الرواية الهائلة، وإن تكن صغيرة الحجم «ارتحال في أرض غريبة» التي صدرت مؤخراً عن دار «سدرة» في دولة الإمارات، وأنا أعتبره كاتباً لا يزال مظلوماً ولم يحظَ بعد بما يستحق من مجد وتكريم، وأتمنى أن تسنح لي فرصة لترجمة أعمال أخرى له.

> كيف تعاملت مع مشكلة أن الجُمل طويلة للغاية لدى لازلو كراسناهوركاي، حتى إن جملة واحدة قد تأخذ صفحة ونصف؟

- كانت هذه مشكلة بالفعل وذلك لسببين اثنين: الأول هو صعوبة الأمر، فكيف لي أن أكتب كلاماً يكون مفهوماً للقارئ من غير أن أستخدم فواصل ونقاطاً وما إلى ذلك من علامات الترقيم؟ وأما السبب الثاني فهو الخشية من جور «المحرر» لدى دار النشر فهو المسؤول عن «مقروئية» الكتاب، التي هي أمر في غاية الأهمية بالنسبة إلى أي ناشر، وذلك خاصة عندما يغامر بأن يقدم إلى القارئ كاتباً لا يزال غير معروف عنده.

والفكرة هنا أنه إن وجد القارئ صعوبة كبيرة في قراءة واحد من كتب كافكا مثلاً فلن يلوم الناشر، ولن يلوم الكاتب ولا المترجم، بل سيلوم نفسه لأن كافكا اسم كبير معروف جداً. لكن عندما يتناول كتاب كراسناهوركاي، ذلك الكاتب الذي كان لا يزال مجهولاً، فسوف تصدمه غرابة أسلوبه، وصعوبة تفكيك جمله بالغة الطول، وسوف يعيد الكتاب إلى مكانه من غير أن يشتريه.

بالتالي كان عليَ أن أبتكر طرقاً أو «حيلاً» من أجل تجزئة الجمل الطويلة جداً مع الإبقاء على نوع من الترابط المحسوس بينها. أعلم أن في هذا قدراً من «خيانة» النص، لكن الترجمة كلها تنطوي دائماً على بعض من هذه الخيانة، وهذه ضريبة لا بد من احتمالها.

> كيف بدأت علاقتك بالترجمة من الأساس؟

- بدأت علاقتي بالترجمة منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، لكني لم أحترفها إلا سنة 2005، ثم اقتصرت على ترجمة الكتب، لا سيما الروايات منذ 2013. وربما تنبغي الإشارة هنا إلى أن دراستي الجامعية بكلية الهندسة لا علاقة لها بالترجمة من قريب أو بعيد. لكني كنت قارئاً نهماً منذ صغري باللغة العربية. وقد شملت اهتماماتي دائرة واسعة من الموضوعات الأدبية، نثراً وشعراً، والعلمية والتاريخية، ومن أعمال كتّاب اللغة العربية العظام، من قدامى ومعاصرين، كالجاحظ وابن المقفع والمعري وعبد الحميد الكاتب وطه حسين، الذي أراه أهم من كتب بالعربية في العصر الحديث، فكراً ولغةً، وعباس محمود العقاد، وعبد الرحمن بدوي، وغيرهم.

كان لهذه القراءات أثر كبير من حيث صوغ ذائقتي اللغوية وتمتعي بقدر لا بأس به من المرونة أو القدرة على «التلوّن» الأسلوبي بما يناسب النص الذي أعمل على ترجمته. فعلى سبيل المثال، كانت لغتي من حيث المفردات ومن حيث الأسلوب في كتاب «السيرة الذاتية لجون ستيوارت مِل» مختلفة جداً عن لغتي في ترجمة أعمال أندريه دو بوتون.

> إلى أي حد أثرت هجرتك إلى الغرب على مشروعك في الترجمة، وهل ساهمت في توسيع أفق الرؤية والاختيار لديك؟

- لا أعلم كيف أجيب عن هذا السؤال، والحقيقة أنني أحار عندما يواجهني سؤال عن «مشروعي» في الترجمة. لا يستطيع المترجم أن يكون صاحب مشروع في الترجمة إلا إذا كان ناشراً أيضاً، أو ثمة «تحالف» بينه وبين ناشر متمكن. لا أهمية أبداً، ولا جدوى، لأن يقرر المترجم اتخاذ «خط» بعينه في عمله لأن المسألة الجوهرية هنا هي أن تصل أعماله إلى القارئ. وهذه مهمة الناشر.

جلّ ما أستطيعه هو أن أقبل عملاً يُعرض عليّ أو أن أرفضه. وقد تسنح لي أحياناً فرصة اقتراح كتاب أو أكثر، لكن قرار تبني مشروع ترجمة أي كتاب يظل مرتبطاً بعوامل كثيرة تتعلق بالسوق لا يستطيع المترجم تقديرها ولا يستطيع أن يكون مسؤولاً عنها. إن توفر لي ناشر يقبل أن أقترح عليه مشروعاً يشتمل على عدد كبير من الكتب تمثل بجملتها «خطّاً» ذا معالم واضحة، ويمتد العمل عليها فترة طويلة، خمس سنوات مثلاً، أو عشر سنين، فيتبنى ذلك المشروع بحيث أكون متفرغاً له وحده فهذه غاية المنى.

لكن في غياب خيارات من هذا النوع يظل عملي جارياً على مبدأ «من كل بستان زهرة»، ويظل جهدي منصباً على محاولة تقديم أفضل الممكن من بين ما هو متاح. وأما عن أثر الهجرة على عملي فلست أظنه كبيراً مع أن اتساع نظرة المرء إلى العالم يظل أمراً لا مراء فيه.

مشكلات الترجمة في العالم العربي هي نفسها مشكلات القراءة والنشر

> على أي أساس تختار أن تترجم كتاباً وتستبعد آخر؟ لا سيما أن ترجماتك لا تقتصر على اللون الأدبي، وإنما تمتد لتشمل الفلسفة والتنمية البشرية وعلم النفس؟

- أفضل دائماً ترجمة الرواية، لا لشيء إلا لأنني أرى نفسي أجيدها أكثر من غيرها. أي أنني أكون «مرتاحاً» أكثر فتكون الرواية نفسها مرتاحة مثلي. صحيح أن التنوع أمر إيجابي محمود، لكنه لا ينم عن توجه مقصود من جانبي، فأنا أختار من بين ما هو معروض عليّ.

> يلاحظ البعض أن الكتب المصنفة ضمن «الأكثر مبيعاً» تثير اهتمامك، هل هذا صحيح وهل تهتم بمؤشرات السوق التجارية؟

- لا تهمني مؤشرات السوق ولا أتابع حجم مبيعات هذا الكتاب أو ذاك، لكن الكتب «الأكثر مبيعاً» تتصدر اهتمامات الناشرين أكثر الأحيان.

> كيف ترى مشكلات الترجمة في العالم العربي من موقعك في بلغاريا؟

- مشكلات الترجمة في العالم العربي هي نفسها مشكلات القراءة والنشر، نحن قوم لا نحب القراءة... هذا هو الأمر، للأسف. في بلغاريا عدد السكان أقل من سبعة ملايين، ومع ذلك يتراوح عدد النسخ المطبوعة من الكتاب المترجم بين ألف وألفي نسخة. أما في العالم العربي، فيكون الكتاب الذي يبيع ألف نسخة خلال 3 سنين «كتاباً ناجحاً» بالنسبة إلى الناشر. المسألة مسألة سوق، أولاً وأخيراً.

> أخيراً، يمازحك البعض بالقول إن نجم كرة القدم العالمية محمد صلاح ساهم في شهرتك حين نشر غلاف كتاب «فن اللامبالاة» عبر حسابه الرسمي... كيف ترى تفاعل المشاهير مع مؤلفاتك ومع الكتب عموماً؟- لا أعلم شيئاً عن تفاعل المشاهير فأنا لا أتابع أخبارهم، وهذا تقصير مني. وأما ظهور كتاب «فن اللامبالاة» في حساب محمد صلاح، فقد كان ذا أثر كبير جداً على مبيعات الكتاب، وفي جعل اسمي معروفاً أكثر بين القراء. كان أثر صورة صلاح حقيقة وليس مزاحاً، شكراً لأسطورة الكرة؛ وليت المشاهير جميعاً «يعطفون» على الثقافة والكتب، ولو قليلاً.


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.