«أزهار من بئر زاهر الغافري»... حوارات «ناقصة» في الشعر

تعكس مرايا طفولته وعشقه للسفر والأمكنة

«أزهار من بئر زاهر الغافري»... حوارات «ناقصة» في الشعر
TT

«أزهار من بئر زاهر الغافري»... حوارات «ناقصة» في الشعر

«أزهار من بئر زاهر الغافري»... حوارات «ناقصة» في الشعر

يضم كتاب «أزهار من بئر زاهر الغافري» حوارات مطولة وشاملة مع الشاعر العماني الذي رحل عن عالمنا في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أجراها معه الشاعر والصحافي اللبناني إسكندر حبش، تتناول بشكل بانورامي آراء الغافري في الشعر والثقافة، فضلاً عن تجربته الحياتية وترحاله واغترابه الدائمين بين المغرب وبغداد وباريس ونيويورك ولندن والسويد، ليصبح شاعر القلق واللاطمأنينة، الذي ترك بصمة في شعر الحداثة بسلطنة عمان والخليج.

ويشير حبش في تقديمه للكتاب الصادر ضمن سلسلة «كتاب نزوى» إلى أن «ثمة ما هو محزن في هذا العمل، لأنه يصدر اليوم بعيداً عن زاهر الذي غادرنا وترك هذا النص بين أيدينا منذ أن بدأنا العمل عليه في بداية عام 2023»، معتبراً أن ما يضمه من حوارات هي ناقصة بالضرورة، لأن الشاعر لم يقل كل ما عنده ولأنه أيضاً لم يستطع أن يلقي النظرة الأخيرة على ما دونه، وإن كان أوكل هذه المهمة الأخيرة إلى شريكة حياته الفنانة التشكيلية أثمار عباس التي رغبت في أن تصدر هذه الكلمات بمثابة تحية لذكراه.

أسطورة المكان الأول

يستعيد زاهر مكان الميلاد الأول في «الجزيرة الخضراء» حيث ولد في زنجبار كبقعة تشبه الحلم من ناحية الغابة والماء والمراكب والصيادين والنوارس، هو مكان الأم والجد والجدة من جهة الأم، وهو في الوقت نفسه مكان اللعب وتسلق الأشجار وشرب مياه الآبار وتناول لذيذ الفواكه. تجلى هذا المكان في مجموعته «أزهار في البئر»، وبقي المكان معه حتى الخامسة أو السادسة من عمره، لتبدأ بعد ذلك رحلته الكبرى عبر المحيط الهندي التي استغرقت شهراً أو أكثر عبر سفينة، قبل أن يصل إلى مسقط.

ويعتبر الغافري أن القرى الريفية الجبلية في عمان هي مكانه الأول أيضاً، حيث أصبحت أسطورة المكان أكثر سطوعاً، ابتداء من هيئة معلم القرآن وانتهاء بالملابس الملونة للصبايا العمانيات، بالإضافة إلى نمط العيش المختلف كلياً عن «الجزيرة الخضراء»، فهنا سمع لأول مرة عن «الأموات المسحورين» الذين يتجولون فوق أعالي الجبال.

وبرأي الغافري، أن الشاعر لا يمكن أن يتخلى عن طفولته، فهي إحساس بالشفافية وطريقة نظر إلى العالم بعين مختلفة. هذا ما يجعل من الاثنين؛ الطفولة والشعر، متلازمين.

وفيما يتعلق بفكرة «المشروع الشعري»، يقول إن مشروعه هو إنجاز نصوص وقصائد تكون قريبة أو وثيقة الصلة بالمبتكرات والتحولات التي يقوم بها شعرياً، بمعنى آخر هو لا يكتب قصائد متفرقة لا يجمعها شيء، يكتب بعفوية ورهافة بحيث لا تبعد قصيدته عن الأخرى بمسافات ضوئية. يكتب عن الحب والغياب والموت والحنين والسفر والترحال والمدن والأمكنة، كل هذا يدخل في إطار لغة يريدها أن تكون حية كما يعيشها، كل مجموعة شعرية تختلف عن الأخرى، لكن بينها خيط رفيع يربط القصائد بعضها ببعض.

التجربة العراقية

بدأ الغافري الكتابة في عمان بنصوص تقليدية، لم يبدأ الكتابة الحديثة إلا بعد ذهابه إلى بغداد التي كانت آنذاك، أواخر الستينات وبداية السبعينات، مركزاً مهماً خصوصاً في الشعر. وكانت النقاشات في المقاهي أو الحانات على أشدها. بعد قراءات متعددة في الشعر والقصة والرواية والفلسفة، نشر نصوصاً في مجلة «ألف باء» الأسبوعية، التي كان على رأسها الشاعر فاضل العزاوي، والكاتب الروائي جمعة اللامي.

كان مجايلوه فيما يسمى بجيل السبعينات، كمصطلح إجرائي، أمثال كمال سبتي وخزعل الماجدي وهاشم شفيق وشاكر لعيبي وخالد المعالي، وحينها فكّر في نشر أول مجموعة شعرية له، ثم بعد ذلك ألغى المشروع من جذوره. كانت تجربة العراق هي الأكثر تأثيراً، ليس على صعيد الكتابة الجديدة فقط، وإنما على حياته أيضاً. في العراق وجد نفسه حراً بعيداً عن الإكراهات العائلية والقبلية، كان كمن يسبح في نهر جديد وفي أمكنة جديدة ومختلفة حتى على صعيد اللغة المحكية لأنه أصبح يتحدث المحكية العراقية إلى درجة أنسته المحكية العمانية، إذ بعد مضي 10 سنوات عندما عاد إلى عمان كان أصدقاؤه يطلقون عليه «زاهر العراقي».

يقول: «كان خروجي من عُمان في اتجاه بغداد أشبه بفداء الأم لابنها، لو لم تمت أمي في مرحلة مبكرة لما خرجت من عُمان ولما عرفت المصير الذي كان ينتظرني. أخذني أبي إلى دبي في نهاية عام 1967 حيث كان يقيم أخي الأكبر البكر، في ذلك الوقت كانت دبي واحة مطلة على البحر والصحراء. مكثت عند أخي عدة شهور، وكانت لأخي علاقات واسعة في مصر والعراق ولبنان وفلسطين، فدبّر لي منحة دراسية كان يقدمها العراق للطلبة العرب من ليبيا واليمن وعمان والجزائر».

من باريس إلى نيويورك

يشير زاهر إلى أنه نادراً ما يكتب نصاً شعرياً دفعة واحدة، فهو يكتب في الليل أو ساعات الفجر الأولى وعندما يقتنع بالنص يتركه لمدة أسبوع تقريباً ثم يعود إليه. وهنا يقوم بالتعديل: «أضيف إليه صورة شعرية أو مقطعاً وأحذف أيضاً وعندما يكتمل النص أتركه أيضاً وأعود إليه لاحقاً، فإذا اقتنعت به نهائياً أتركه في الورق كما هو دون تبديل. طبعاً هذا الأمر بحاجة إلى مراسٍ أو قلْ ممارسة مستمرة».

ويشير إلى أن ديوان «هذيان نابليون» مثلاً أخذ منه عاماً كاملاً، وهو عبارة عن قصيدة طويلة تشكل كتاباً وصدرت عن دار «خطوط وظلال» في الأردن. على أي حال تأتي الكتابة وتختمر وفق المزاج الرائق والحالة النفسية أو عندما تحس أن في داخلك بئراً من اللهب، على حد تعبيره.

طفولة الشاعر طريقة نظر إلى العالم بعين مختلفة

وحول إقامته في باريس، يوضح أن ذلك كان في عام 1977، حيث إن النظام العراقي البعثي في ذلك الوقت لم يسمح له بدخول الجامعة، فما كان منه بعد تهديد مباشر لشخصه، سوى أن حجز طائرة إلى باريس وكان الجواز العماني وقتها يملك صلاحية الدخول إلى فرنسا من دون تأشيرة. لم يمكث في باريس وقتها كثيراً، ولكن عاد إليها بعد سنة، ليس في باريس وحدها، ولكن في مدن فرنسية أخرى. واستمرت إقامته في باريس منذ عام 1983 لـ3 سنوات، خلال هذه الفترة تعرف على شعراء وكتّاب، بدءاً من السوريالي عبد القادر الجنابي، وليس انتهاء بكاظم جهاد. وقتها كانت باريس «مغرية ومثيرة»، سكن في شقة قرب قوس النصر، وكانت الحياة «رخية»، خصوصاً أن باريس تشتهر بالمقاهي والمطاعم والحانات والسينما والمسرح. كان قد تخرج في قسم الفلسفة في المغرب في عام 1982، وأفادته فرنسا حينها، حيث نشر كراساً شعرياً في عام 1984 بعنوان «أظلاف بيضاء». قام عبد القادر الجنابي بتعريفه إلى فنان فرنسي هو جاك بنوا، الذي قال عنه عراب السورياليين أندريه بروتون: «لقد حقّق جاك بنوا وصية المركيز دو ساد لأنه رسمه».

وحول ملابسات إقامته في نيويورك ما يقرب من 10 سنوات، يقول إن الأمر بدا وكأنه «حلم يقظة». كان جالساً في مقهى أمام المحيط الأطلسي في طنجة حيث يلتقي البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي. كان ذلك في عام 1987، وحدث أن أتت نسمة كأنها تحاول أن ترشده إلى مكان أو بالأحرى إلى مكانين نيويورك أو نيو أورليانز. ولأن له صديقاً في نيويورك فقد فضّلها وودّع المغرب ومدينة طنجة وسافر إلى مسقط ليمكث أسبوعين ثم ركب طائرة وفي جيبه 200 دولار فقط. «كانت رحلة ليلية وطويلة، وصلت في العاشرة صباحاً وأخذت سيارة أجرة إلى بيت صديقي العماني الذي رحّب به بحفاوة ثم قال لي: استرح لديّ درس في الجامعة القريبة من هنا وسأعود».يحكي زاهر بقية ما حدث قائلاً: «كنت أعرف أن البيت يقع في جادة أمستردام المحاذي لشارع بروداوي. فتحت لي نيويورك ذراعيها، هنا المكتبات، المسارح، السينما، الموسيقى، الأوبرا، موسيقى الجاز والبلوز، الغاليرهات الفنية والمتاحف، متحف الفن الحديث، متحف المتروبوليتان، متحف غوغنهام. سوهو التي تعج بالحانات والمطاعم والفنانين. إنه أمر مذهل. لم أرَ الجرائم التي يتم التحدث عنها كثيراً سوى مرتين، على مدى 10 سنوات. هكذا أحسست أن نيويورك على وفاق معي حياتياً وثقافياً، هناك أمكنة ومدن تشعرك بوجودها كثيفاً ومليئاً، ونيويورك واحدة من هذه المدن».


مقالات ذات صلة

يوميات الشرق ارتفعت العصا في يد هاروت فازليان فبدا كأنّ الصمت نفسه يستعدّ ليقول شيئاً (الجامعة الأميركية)

هاروت فازليان «في بحر الحبّ»: الموسيقى والشِّعر يُعيدان تشكيل الإنسان

بين صوت رفعت طربيه ونَفَس هاروت فازليان، وبين الشّعراء والملحّنين الذين مرّوا، ترك «في بحر الحبّ» للروح حقّها في أن تُصاب، ثم تتعافى، ثم تتّسع.

فاطمة عبد الله (بيروت)
صحتك وصلات الشعر الشائعة الاستخدام قد تصيب النساء بأمراض خطيرة (أ.ب)

احترسي... وصلات الشعر قد تصيبك بالسرطان واضطرابات الهرمونات

كشفت دراسة علمية حديثة عن وجود عشرات المواد الكيميائية السامة في منتجات وصلات الشعر (الإكستنشن) شائعة الاستخدام، بعضها مرتبط بالسرطان واضطرابات الهرمونات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
ثقافة وفنون دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمود البريكان... شعرية الاغتراب

محمود البريكان... شعرية الاغتراب

تجربة الشاعر محمود البريكان، بوصفه أحد شعراء الحداثة العراقيين، المجايلين للشاعر بدر شاكر السياب، منذ خمسينات القرن الماضي، تجربة شعرية متفردة إلى حدٍ كبير.

فاضل ثامر

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».