جبرا إبراهيم جبرا... استدعاءُ البئر الأولى نموذجاً

كان الشتات المعرفي الفلسطيني واسعاً إلى شتى البقاع

جبرا إبراهيم جبرا
جبرا إبراهيم جبرا
TT

جبرا إبراهيم جبرا... استدعاءُ البئر الأولى نموذجاً

جبرا إبراهيم جبرا
جبرا إبراهيم جبرا

عندما قدّم تزفتان تورودوف مجموعة مقالاته الستينية في القرن الماضي، بعنوان «شعرية النثر» (1974)، لاقى كتابه صدى حسناً، لا لأنه يقع في ميدان شهد انتعاشاً حينذاك بحكم ذيوع الاهتمام الألسني والبنائي، ولكن لأنه يستجيب أيضاً إلى محركات النص النثري ودوافعه، في حراك من السكون إلى الاضطراب ومن ثم الانفراج. تُرى هل مثل هذه الفعالية تنطبق على الشعر؟ والسيرة الذاتية؟ وكيف يكون الانفراج عندما تنفتح السيرة الذاتية على فوهة الفقدان والضياع وتدفع في مغامرة تالية تتوخى الخلاص؟

كان لا بد من استكمال سيرة جبرا إبراهيم جبرا التي نشرها عام 1986، وفي ذروة نتاجه الروائي وحضوره في «الحداثة العليا»، تلك التي ميّزت جيلاً في الكتابة العالمية من أمثال إليوت، وجيمس جويس، وييتس وفوكنر، والتي انشدَّ إليها جبرا في تجاربه الشعرية والفنية والروائية ابتداءً من «صيادون في شارع ضيق» ومن ثم «البحث عن وليد مسعود»، كان «المترجم المبدع» في شخصية جبرا قد قاده إلى ترجمة بعض أعمال هؤلاء، وفوكنر تحديداً، علاوة على أعمال شكسبير.

وعندما استكمل «البئر الأولى»، جاءت التكملة بمثابة احتفاء بـ«شارع الأميرات» (1994)، ومصاهرة عائلة العسكري وزواجه من «لميعة العسكري» زميلته حينئذ في كلية الآداب ببغداد. وأرّخت «شارع الأميرات» لحياة جبرا في بغداد، وانتمائه إلى الحركة الفنية وروادها الأوائل، من أمثال جواد سليم ونزيهة سليم ونزار سليم، وشاكر حسن السعيد، وحافظ الدروبي، والشيخلي، وفايق حسن. كان جبرا سعيداً بدوره داخل تلك الحركة الفنية وبحضوره الأدبي. وبعد أن صَعُبَ البقاء في كلية الآداب، استضافته «شركة نفط العراق» البريطانية محرراً لمجلة «العاملون في النفط». تجنَّب جبرا ذِكْر تلك الوظيفة، على الرغم من أنه نشر لمجموعة من الشباب القصائد والقصص التي تتعالى على الواقعيات بأنواعها، لا سيما «الاشتراكية منها».

وبعد تأميم نفط العراق، في مطالع سبعينات القرن الماضي، كان لا بد لجبرا من الاستعانة بوزارة الثقافة والإعلام. لكنه لم ينقطع عن نشاطه الفني والأدبي، واستمر في إعلاء «الحداثة العليا»، كما يظهر في روايته المشتركة مع عبد الرحمن منيف «عالم بلا خرائط». كانت الرواية تمريناً في إعلاء الفن واستقلالية الأدب كنشاط ذهني. ولهذا تجيء «البئر الأولى» كاستدعاء لـ«بيت لحم» التي نشأ وترعرع فيها داخل عائلة تعاني الشقاء والبؤس والسعي الحثيث للبقاء. ولكن ليس هذا ما يبرر العودة إلى جبرا و«البئر الأولى». لقد لامه العديدون على ما يعدُّونه نوعاً من التعالي على قضيته، شأن مجموعة من بني وطنه، كالشاعر والدارس توفيق صايغ الذي وضعه «مؤتمر حرية الثقافة» على رأس إدارة مجلة «حوار»، التي موَّلتها المخابرات المركزية، بالإضافة إلى عشرات المجلات الأخرى في أنحاء العالم. لكن نقاده أهملوا الأساس المتين في «شعرية» نثر «البئر الأولى»؛ فهي، من الجانب الفكري، تستكمل مقالته الفريدة: «المنفي الفلسطيني بصفته كاتباً»، التي ظهرت بالإنجليزية سنة 1979. وينبغي أن تحظى المقالة بالاهتمام لعدة أسباب، منها ما ذكره عن «عبثية» عالم اليوم؛ إذ يقول بمرارة: «إن كتبك وأفكارك ورؤاك، جميعها محض مؤشرات عبثية لعالم تسود فيه القواعد العبثية. الزم يقينك، وتلذذ به إن استطعت حينما تجهل كيف سيأتيك رغيفك التالي». لكن هذا الشعور بسعة العالم لم يدفع جبرا إلى القنوط، بل قاده في ذلك المقال إلى وضع اليد على ما يُراد: سرقة الأرض وهدم البنية المعرفية التي كانت تتنامى بشكل مميز في فلسطين. كان الشتات المعرفي الفلسطيني واسعاً، وانتشروا حاملين معارفهم إلى شتى البقاع. كان إدوارد سعيد وإبراهيم أبو لغد وعلي كمال، وسلمى الخضراء الجيوسي، وعشرات أمثالهم، يغطون الساحة؛ ليس في العالم العربي وحده، ولكن في أميركا وأوروبا وأميركا اللاتينية. تعوزهم الثروة التي مكَّنت شتاتاً موازياً من امتلاك ساحة السياسة والحرب والمراهنة على حتمية نفوذها في إدارة عالم اليوم. لكن توطئة جبرا في مقالته هذه كانت بمثابة تعبيد لجادة العودة إلى الطفولة، حيث تمسك تضاريس بيت لحم والطريق إلى القدس وأحياء القدس وضواحيها بمخيلة الراوي طفلاً.

وتلتقي هذه التضاريس بوعي مبكر بالوطن، كما جاءت به المدرسة الثانوية في بيت لحم... كان هذا الوعي بالوطن والانتماء العربي والطقس المسيحي السائد في كنائس المدن الفلسطينية بمثابة خريطة يصعب طمسها، على الرغم من جهود الرأسمال الشريك ورعاته في أوروبا وأميركا من إيجاد حضور آخر يتمرس بشتى السبل ليمحو ما كان ويكون.

كانت رواية «أرابيسك» لأنطون شماس قد ظهرت أصلاً سنة 1986 بالعبرية أولاً، ثم ظهرت بالإنجليزية سنة 1988. و«أرابيسك»، كما يقول شماس، خوض متشابك للذاكرة في ماضٍ وحاضر، حيث تتأسس بعض نماذج أشجار النسب في داخلٍ يزداد ضغطاً وصعوبة تحت وطأة حضور غريب آخر. لكنها تستدعي «البئر الأولى» هنا، لأنها توازيه من حيث سلالة النسب والانتماء البيولوجي، بينما تتأسس «البئر الأولى» في جغرافية المكان، وهي الجغرافية التي تطل بقوة في: «لماذا تركت الحصان وحيداً؟» لمحمود درويش. وبينما تتآخى رواية شماس مع «مارسيل بروست» في «البحث عن الزمن الضائع»، وهي تتجاوز خطية السرد، كان جبرا يتيح لذاكرة الطفولة أن ترسم ملامحها محفورة في كل شبر وصخرة وشجرة.

يقول جبرا في التمهيد وفي تفسير اختياره لـ«البئر الأولى عنواناً»: «البئر في الحياة إنما هي تلك البئر الأولية التي لم يكن العيش من دونها ممكناً. فيها تتجمع التجارب، كما تتجمع المياه، لتكون الملاذ أيام العطش» فـ«(البئر الأولى) هي بئر الطفولة». ولهذا تشتغل عين الطفل - الراوي كالكاميرا، تلتقط صوراً متتالية تعززها انطباعات حسية وذهنية أخرى، كما يفعل إزاء الطقوس الكنسية في بلاد الكنائس. ولا أعتقد أن السير الذاتية العربية أو غيرها، ولا الروايات، قد حفلت بمشهدية طقوس الكنيسة كما هو الأمر في «البئر الأولى».

وإذا كانت روايته «السفينة» التي ظهرت سنة 1969 تناجي رواية حليم بركات «عودة الطائر إلى البحر» التي صدرت أيضاً في 1967، فإن الاتكاء على واغنر، واستخدامه الفريد لأسطورة الطائر الذي يسمح له بالعودة إلى اليابسة فقط للبحث عمن يحب، ليعود بالخيبة كل حين، لم يعد ممكناً، كما تقول مقالة جبرا. كان جبرا يأمل العودة إذا ما تيسر أمر الحبيبة، الأرض في هذه الحالة، لكنه وبعد أن قضى 9 أشهر في بغداد ظن بعدها أن العودة ممكنة. يقول: «كيف لي أن أعرف أن فترة الـ9 أشهر ستمتد مدى الحياة؟». ليس هذا تساؤلاً بلاغياً، لأن جبرا أدرك في تلك اللحظة أنه وأمثاله يعيشون شتاتاً مزدوجاً من التشريد والتهجير والحظر الذهني، هذا ما يطلبه منه الناشر الألماني في ميونيخ؛ أن يكتب عن كل أمر، شريطة ألاّ يتناول الغاصب. يقول جبرا: «هذا يشبه المطالبة بأن تقوم بدور هاملت (من دون أمير الدنمارك)». ويضيف في التوطئة لـ«البئر الأولى»: «إن ما أكتبه شخصي بحت وطفولي بحت. ومقتربي يتركز على الذات؛ إذ يتزايد انتباهها، ويتصاعد، ويعمق إدراكها وحسها، ولا تنتهي بالضرورة حيرتها». هذه الرؤية المتشابكة هي التي جاءت بسيرة فريدة بين السير الذاتية. وإذا ما تمت قراءة ذلك بمعية «السفينة»، أي روايته، وبين مقالته سنة 1979. ندرك أن الطفل الذي ظن أن العودة طبيعية أدرك عمق القضية، وعرف أنه وأمثاله «باعة جائلون للمعرفة».

لربما يتساءل القارئ عن سبب ظهور هذه السيرة الذاتية سنة 1986: كانت الحرب العراقية - الإيرانية تأتي على الأخضر واليابس، وتربك التفكير والحياة، وتضعك أمام النهاية؛ حيث تكتظ الشوارع باللافتات السود. ويصبح التساؤل في البقاء والغياب حاضراً: ولا بد من الكتابة.

قلت مرة إن جبرا لم يهجر «الحداثة العليا» لغاية تلك اللحظة، لحظة استدعاء السيرة الذاتية. وجاء عمله أكثر تضاريسية مما فعله جيمز جويس في «صورة فنان في شبابه»، وجعل من بيت لحم «دبلن» أخرى، ولكن بكثافة تضاريسية عالية، ومهَّد لأحياء القدس وشوارعها وكنائسها كما لم يفعل غيره. قدم جبرا للفن السردي العربي والعالمي غنى كنسياً من الطقوس التي شارك فيها أو تابعها عن كثب بعين طفل ماضٍ على طريق السرد والرسم والترجمة.

وإذ تنفتح عينا الطفل وذاكرته على مرأى الاستقرار النسبي الذي أتاح التقاط التضاريس والأماكن، فإن الاضطراب رافق الرحلة إلى القدس، وتفجير «فندق داود» وما تبعه من أفعال قادت إلى الشتات الإجباري، فـ«الانفراج» الذي اعتبره تودوروف حلقة أخيرة في حركية النثر لم يتأتَّ إلا بصورة أخرى، هي الابتكار، أو تفريغ ما كان ويكون فناً يفتح باب التساؤل والفعل على مصراعيه.

* أستاذ الدراسات العربية والمقارنة في جامعة كولومبيا - نيويورك


مقالات ذات صلة

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».