محمود البريكان... أسطورة الغائب الشعري

رحلة البحث عن شعره واستحضاره من جديد

محمود البريكان... أسطورة الغائب الشعري
TT

محمود البريكان... أسطورة الغائب الشعري

محمود البريكان... أسطورة الغائب الشعري

شكَّل الشاعر محمود البريكان ظاهرة كبيرة في الشعرية العراقية والعربية، اتسمت بجودة شعره وباحتجابه وزهده في الحضور والنشر، فنادراً ما تجد شاعراً زاهداً في حضور المهرجانات أو الدعوات والسفر وطباعة الدواوين واللقاءات التلفزيونية، والكثير الكثير من عوامل النجومية والشهرة التي يطمح أغلب الشعراء لها، إلا أن البريكان زهد بكل ذلك. ولكنه في الوقت نفسه، بقي ساهراً وحارساً على القصيدة العربية الحديثة، يتأملها ويراجع فيها، يضيف لها مزاجاً مختلفاً عن معظم الرواد، فينفر بها بعيداً عن غنائية جيله، ورومانسيتهم، يغذِّي قصيدته بمرجعيات ثقافية كبرى، ربما تعدى شعراء مجايلين له بخطوات عديدة، حيث الثقافة العربية والأجنبية تدخل بقوة في نسيج القصيدة البريكانية، تلك التي تحولت بفضل صاحبها المحتجب إلى ما يشبه الأسطورة، حيث تنسج الحكايات والقصص الغريبة عن شاعر عراقي اسمه محمود البريكان يراه شعراء البصرة بعدد محدود جداً. لم يكن متاحاً للجميع، لذلك تحول إلى أسطورة الغائب الشعري، الذي نتسقط حكاياته وأسراره، حتى قيل لنا إن قصائده أيام الحرب العراقية - الإيرانية كانت مودَعة في مصرف الرافدين فرع البصرة، وهي حكاية غريبة لم نتثبت من صحتها، ولكن البريكان تحول مثل كرة الثلج إلى حكايات وأساطير، حتى موته كان يشبه الأسطورة حين تنبأ به في أحد نصوصه:

على الباب نقر خفيف

على الباب نقر بصوت خفيف ولكن شديد الوضوح

يعاود ليلاً. أراقبه. أتوقعه ليلة بعد ليلة

أصيخ إليه بإيقاعه المتماثل

يعلو قليلاً قليلاً

ويخفت

أفتح بابي

وليس هناك أحد

مَن الطارق المتخفِّي؟ ترى؟

شبح عائد من ظلام المقابر؟

ضحية ماضٍ مضى وحياة خَلَتْ

أتت تطلب الثأر؟

روح على الأفق هائمة أرهقتها جريمتها

أقبلت تنشد الصفح والمغفرة؟

رسول من الغيب يحمل لي دعوة غامضة

ومهراً لأجل الرحيل

وهذا الغياب المتعمَّد من البريكان نظر إليه نقّاد وباحثون منهم الدكتور حيدر سعيد، حيث سمّاه «شهوة الغياب»، فمثلما أن للحضور شهوة، كذلك فإن للغياب شهوةً تمنح الغائب هالة عظيمة، وهذا ما كان عليه محمود البريكان الذي ربما كان يشعر بالمرارة حين لم يجد اسمه في قائمة الشعراء الرواد، وهو الذي ينظر إلى نفسه وإلى تجربته على أنه متقدم على تجربة الرواد فنياً.

وحين ننظر إلى نتاج البريكان الشعري، ففي الواقع لا يوجد عمل شعري يجمع كل شعره، فقد كان محتجباً عن النشر والظهور، ما عدا بعض الملفات والقصائد التي كانت تُنشر له، وبالأخص ملف مجلة «الأقلام» 1993 وملف 1998، فضلاً عن عمل نشره عبد الرحمن طهمازي دراسة ومختارات ضمت 12 قصيدة فقط «سيادة الفراغ: محمود البريكان» 1989، وآخر نشره باسم المرعبي «متاهة الفراشة» 2003 ضم 70 قصيدة، لذلك بقي شعر البريكان حلماً يراود جميع مريدي الشعر الحديث فضلاً عن أن حضور شعر ه الآن هو استحضار له من جديد، قد ينافس على الريادة، من حيث الأسلوب والموضوعات، لا من حيث التاريخ والبداية.

قصة هذه الأعمال الشعرية بدأت حين كلَّفني الناقد والمترجم الدكتور حسن ناظم وزير الثقافة والسياحة والآثار السابق، مديراً عاماً لدار الشؤون الثقافية، حيث بدأنا بسلسلة في غاية الأهمية بدأناها بالأعمال الكاملة للجواهري، ومن ثم استمرّت القائمة لتشمل عدداً كبيراً من الرواد العراقيين في ميادين الشعر والقصة والفكر والمعرفة، وهنا التمع البريكان في ذاكرتي مرة ثانية، وبدأت اتصل بأصدقائي من شعراء البصرة، وأسأل عن شعر البريكان، أين ذهب؟ وهل هناك جهة تحتفظ بشعره؟ وأسئلة عديدة بدأت أطلقها في وجوه أصدقائي شعراء البصرة، وبعض القريبين من محمود البريكان، وقتها تكفل الصديق الشاعر علي نوير بمتابعة الأمر، وقد دلَّني على أخي البريكان، وهو عبدالله البريكان الذي يقيم في المملكة العربية السعودية، وأعطاني صفحته في «فيسبوك»، فدخلت على الخاص، وسلمت عليه، وعرَّفته بنفسي، فردَّ التحية باقتضاب، ثم قلت له إنني أريد أن أطبع أعمال البريكان الشعرية، فلم يردّ عليَّ، تركته أياماً، وعُدتُ إليه، فلم يرد عليَّ، ثم عُدتُ إليه ولكن من دون جواب، حتى سمعت بعد اقل من شهر بوفاته، ساعتها علمت صعوبة وضعه الصحي أيام كنت أسأله عن شعر أخيه البريكان. كانت لحظة مخيبة، فقد ضاع الخيط الذي يوصلنا إلى شعر البريكان، ومرت سنتان تقريباً أو أقل بقليل، حتى عاد الصديق علي نوير ليخبرني بأن ابن عم البريكان قاسم البريكان المقيم أيضاً في الرياض، قد تحصل على كل شعر البريكان، حيث سلَّمته زوجة عبد الله الأمانة التي كانت مع زوجها. اطمأن قلبي أنَّ شعر البريكان بخير وعافية ما دام موجوداً بأيادٍ أمينة، وبدأنا بجولة مفاوضات مع قاسم الشمري، عن طريق علي نوير للقائه، ولكن مرت أكثر من سنة دون أن نوفَّق للقاء، حتى حان موعد برنامج «المعلّقة» الذي كنت أصوّره في مدينة الرياض، وبدأت أتواصل من السيد قاسم الشمري الذي زارني يوم 5 - 2 - 2024 في مقر إقامتي في الفندق في الرياض، وكان شخصاً أميناً على تراث ابن عمه، فشكرته باسم المثقفين العراقيين، حيث حافظ على هذا الإرث العظيم، وسلَّمني لحظتها حقيبة تزن عشرة كيلوغرامات، وإذا بها أشعار محمود البريكان. شعرت بسعادة غامرة تلفّني في الرياض، بقيت فيها ثملاً حيث عدت إلى البصرة بعد يومين، مشاركاً في المربد الشعري ومعي أشعار البريكان التي كانت أشبه بالتميمة التي يبحث الناس عنها.

عدت بعد ذلك إلى بغداد، ومباشرةً قمت بتشكيل لجنة من أساتذة متخصصين وشعراء قريبين من البريكان نفسه، حيث كانت اللجنة مكوَّنة من ماجد السامرائي، وعلي نوير، وطالب عبد العزيز، والدكتورة سهير أبو جلود، وعارف الساعدي. اللجنة اجتمعت أكثر من أربعة اجتماعات، وعملت بحرص ومعاينة شديدة لشعر البريكان، حيث كانت الأشعار التي جلبتها معي كلها بخط يد البريكان، وهناك خطوط وأسطر غير واضحة تماماً، فبدأنا بجولة تنضيد الأشعار، ومن ثم مطابقتها ومراجعتها وتصحيحها، كأن العملية عملية تحقيق نص تراثي لصعوبته، ولكن أخيراً استوى العمل على عوده، وخرج بحلَّة تليق بشعر البريكان وبمرحلة غيابه وانتظار الكل لشعره.

الغريب أني أهديت نسخة من ديوان البريكان بمجلدين لأحد الشعراء الأصدقاء، وكان يتطلع بحب لقراءة شعره، لكن بعد يومين التقيت صديقاً لي، وإذا به غير متفاعل مع شعر البريكان، قائلاً إن لغته غير شعرية وعوالمه مختلفة عن جيل الرواد، وإن الأفكار التي يطرحها في شعره ممكن أن تُطرح في مقالة فكرية أو فلسفية، وهذا الشاعر الصديق ليس جاهلاً أو قارئاً سطحياً، فكيف تُقنعه بأن للبريكان لغة خاصة مختلفة عن كل الشعراء العراقيين وأن الميوعة والرومانسية واللغة الندِّية أبعد ما تكون عن تجربته الشعرية، كما يقول حسن ناظم في كتابه «الشعرية المفقودة» 2020: «من هنا تكون تأملات البريكان في الوجود منطلقاً لتأسيس حرية، حرية خاصة به، تتملص من اشتراطات الآيديولوجيا؛ سائدةً وغير سائدة، ومن شَرَك اللحظة الراهنة بكل ثقلها ومعطياتها المهمة للشاعر مع ذلك، وأخيراً من أعباء التراث الشعري؛ قديمه وحديثه، هذا التملص والروغان فرض على أشعار البريكان لغةً خاصة، لغة كان عليه أن يكتشفها ويطوّعها لأغراضه، وأن يجرّب وفاءها بمراميه في قصائد متنوعة ومتعددة، لغة (ليست شعرية) تتوخى كتابة قصيدة حقيقية... إن هذا التفكير في اكتشاف لغة تلائم التأمل الأنطولوجي شعراً هو بمثابة مسار آخر في تجديد الشعر العربي يوازي المسار الذي اختطه السياب ونازك وبلند الحيدري، مسار لم يُكتب له الانتشار ولا كان له تأثير بين الشعراء العرب...». وقد لا يتفق مع هذه الآراء عدد غير قليل من المتذوقين والنقاد، من الذين يبحثون عن اللغة المائية أو الصورة الشعرية الصادمة التي يحفظها الناس ويتناقلونها، ولكن هنا في تجربة البريكان علينا أن نتوقف متأملين هذه التجربة الوجودية التي طوَّع لها الشعر، الشعر فقط؛ لتتجلى أسئلة وقلقاً ومراجعة للتاريخ ونصوصه في «الطوفان» و«البدوي الذي لم يرَ وجهه أحد» وبعشرات النصوص الأخرى التي تنبئ عن مرجعية تراثية قلقة تختزن وتستبطن السؤال والحيرة والقلق وليس الإجابة. لذلك فالذين يبحثون عن إجابات مطمئنة لن يجدوا ضالَّتهم في شعر البريكان، لأن شعره يذهب بك إلى الشوارع التي لا نهاية لها وإلى بيوت لا عناوين لها. من يبحث عن القلق والارتباك سيجده هنا، ومن يبحث عن الراحة والطمأنينة سيجده عند غيره من الشعراء. وهذه كلها وجهات نظر لا نفضّل من خلالها البريكان على شعراء جيله، بقدر ما نصف بعضاً من تجربته الغامضة وغير المقروءة بشكل جيد، لهذا فطباعة أعماله الشعرية، كما قلنا، هي لحظة استحضار جديدة للبريكان عراقياً وعربياً.

هناك عشرات المباحث والموضوعات التي يحتملها شعر البريكان والتي لم تأخذ طريقها للدرس والبحث العلمي، ففي النية عقد مؤتمر يتم بالشراكة بين اتحاد الأدباء والكتاب في العراق وبين جامعة البصرة، يتضمن بحوثاً وشهادات عن البريكان وتجربته الشعرية، فضلاً عن حفل إشهار لإطلاق الأعمال الشعرية في موطن ولادته البصرة، لنحتفل به من جديد بين أهله ومحبيه وعشاق شعره، وهي لحظة لاستعادة تجربة مهمة من تجارب الشعر العربي الحديث.


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.