عائشة المحمود: التحدي الأكبر هو الخروج من «البوتقة الآمنة»

الكاتبة والمسؤولة ترى أن الثقافة الكويتية لم تتراجع

عائشة المحمود
عائشة المحمود
TT

عائشة المحمود: التحدي الأكبر هو الخروج من «البوتقة الآمنة»

عائشة المحمود
عائشة المحمود

تجمع الكاتبة الكويتية عائشة المحمود بين الحقل الإبداعي؛ فهي روائية وقاصة لديها كثير من الأعمال الأدبية، وبين عملها مسؤولةً عن تطوير القطاع الثقافي في الكويت؛ كونها الأمينة العامة المساعدة لقطاع الثقافة في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

صدر لها في أدب الرحلات: «في حضرة السيد فوجي سان: مشاهدات سائحة في اليابان» و«هوامش على خارطة السفر». وفي القصة القصيرة: «آخر إنذار»، و«عابرون»، كما صدرت لها روايتان، هما: «وطن مزورْ: يوميات البن والحناء» (2018)، و«عباءة غنيمة» (2022). هنا حوار معها:

> تحدثتم في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب مؤخراً عن تفعيل «الاستراتيجية الثقافية» في الكويت... ما هي ملامح هذه الاستراتيجية؟

- من الملامح الأساسية لاستراتيجية المجلس الوطني (للثقافة والفنون والآداب في الكويت)، ترسيخ الهوية الثقافية الجامعة للكافة، ففي مجتمع يزدحم بالهويات الثقافية المتنوعة والمتداخلة لا بد أن تتولى المؤسسات الثقافية مهمة دمج هذه الثقافات مع بعضها بعضاً لإنتاج هوية ثقافية جامعة لكل أطياف المجتمع، وتكون مهمة المؤسسة الثقافية العناية بهذه الهوية الجامعة كما تحرص على حضورها؛ كونها المظلة الثقافية التي يتفيأ في ظلها الجميع على اعتبار أنه جزء من هذه الثقافة كما أنه ينتمي إليها، وبالتالي فإن دور المجلس ووفق الاستراتيجية المعدة سلفاً هو تعزيز هذا الشعور لدى الجميع مع الحرص على قبول التنوع الثقافي في المجتمع دون إلغاء للآخر.

> من خلال دورك في إدارة المشهد الثقافي، كيف يمكن ترسيخ دور الثقافة في الكويت وإعادة حضورها السابق؟

- دعني أختلف معك قليلاً. فلا تزال الثقافة الكويتية حاضرة في المستويات كافة وبكل مكوناتها الإبداعية التي لا يمكن إغفالها أو تجاهلها، فأنا أرفض فكرة أن الثقافة الكويتية تراجعت، فمن الإنصاف أن نعي أن هناك ازدحاماً وصخباً في المشهد الثقافي الحالي، حيث نشأت مؤسسات ثقافية حكومية أو أهلية، كما ساهمت وسائل التواصل الرقمية الحديثة بهذا الانفتاح والتنوع في المشهد الثقافي، حيث صرنا نشاهد مبادرات للأفراد في المساهمة في المشهد الثقافي، إلا أن الرهان عندنا نحن في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ينصبّ على المادة الثقافية المقدمة للجمهور، حيث كنا ولا نزال نبحث عن القيمة الحقيقية التي تنفع الإنسان ونقدمها له امتثالاُ لقوله تعالى «فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ».

> كثيرون من الكويت وخارجها يتحسرون على الزمن الثقافي والفني الجميل في الكويت، هل تشاركونهم الرأي؟

- أعود للتأكيد؛ الكويت لم تتراجع عن مكانتها الثقافية، والحسرة لا أظنها بمحلها، فالمتابع المنصف لمخرجات الساحة الثقافية الكويتية سيجد أن المشهد الثقافي بكل أنواعه لا يزال حاضراً، وذلك يمكن قياسه من خلال الحركة النشطة للطباعة كما أن هناك زيادةً في عدد دور النشر وزيادة في الإصدارات، كما يمكن قياس نشاط المشهد الثقافي من خلال معارض الكتب والأنشطة الثقافية المصاحبة لها، ولا يمكن أن نغفل عن الحركة الفنية بشقيها في التلفاز أو على المسرح، حيث إنها لا تزال متعافية ونشطة، وأظن أن مردّ ذلك الشعور بالتراجع يرجع لحالة الزحام في المشهد الثقافي العربي وحتى العالمي؛ الأمر الذي فرض وجود منافسة على صدارة المشهد الثقافي، زحام فرضته معطيات العالم المعاصر وانفتاح قنوات التواصل والاتصال وآليات الوصول للجمهور، وهو أمر صحي ومطلوب.

> تحدثتِ عن المبادرات الثقافية لتحقيق أهداف «الخطة العربية للتنمية المستدامة 2030»، وذكرتِ أن من بينها «حماية التراث الثقافي الكويتي من الاندثار»، والاستمرار في إصدار سلسلة «عالم المعرفة» و«إبداعات عالمية» و«الثقافة العالمية» و«مجلة العربي»، بصفتها منصاتٍ لنشر التراث والمعرفة... هل يعني أن هذه المطبوعات ستعود للإصدار (ورقياً) ومن دون تقليص لعدد النسخ؟

- تُعدّ الإصدارات الثقافية الممثلة بالسلاسل الخمس التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، بجوار الأيقونة الثقافية الأبرز؛ «مجلة العربي»، من المشاريع الثقافية الراسخة التي لم تتراجع أو تتوقف منذ خمسين عاماً وأكثر، والتزام دولة الكويت بهذا المشروع الثقافي الكبير لا يزال قائماً ومتواصلاً بمفرداته كافة، والإصدارات لا تزال مستمرة في الإطلالة على قرائها بشكلها الورقي، إلا أنّ التوقف الذي حصل هو توقف طارئ؛ وذلك لظروف إدارية بحتة، علماً بأن جميع الإصدارات لا تزال تصدر بصيغتها الإلكترونية وستعاود منظومة الإصدارات مسيرتها المعتادة، أما بشأن تخفيض الإعداد الورقية فهي ترجع لكوننا نسعى لرقمنة الإصدارات بما يتماشى مع متطلبات الحياة الراهنة وبما يتسق مع الإصدارات العالمية المماثلة.

التجربة الثقافية

> كيف أثّرت تجربتك الأدبية على رؤيتك للعمل الثقافي المؤسسي؟

- أنا أنتمي للحالة الثقافية وللكتابة على وجه الخصوص، تلك اللذة الأثيرية الطاغية التي تتلبسني كحالة من الانبجاس الأبدي، ولا يمكنني أن أنكر أنها حتماً تؤثر بشكل ما على عملي المؤسسي، إلا أنه تأثير ذو وجه جمالي مكثف، فبحكم اهتمامي أستطيع الاطلاع على المشهد الثقافي بكل أبعاده، فهذا السؤال في وجهه السافر ينكأ جرحاً كامناً في النفس، أو لعله ليس كامناً بالقدر الكافي، بل على العكس من ذلك هو واضح وخادش أكثر مما ينبغي، فأن تكون مشتغلاً بالأدب وجزء من تلك العملية التي تستولد نصاً إبداعياً ما من رحم الفرح أو الغرابة أو الألم في الغالب، وفي الوقت ذاته أن تكون ضالعاً أساسياً في عملية رسم الخريطة الثقافية إلى حد بعيد، لهو أمر شاق؛ فمحاولة التفريق بين كونك كاتباً تنتمي إلى الفعل الثقافي وتتبناه وبين أنك محدد لمسارات تلك العملية شيء شاق للغاية.

ولعل أصعب ما في الأمر هو محاولة التقاط تلك الشعرة الضئيلة الفاصلة بين زيح وآخر، شعرة واهنة ورقيقة إلى حد يصعب عليك أحياناً رؤيتها إلا أنك مجبر على أن تراعيها، أن تجتهد لموازنة كفة الانحيازات لكي لا تميل معاييرك نحو مقاربة عالمك الخاص التي لا بد أن تكون في كثير من المواقع مستحقة ولازمة، لكنك وللضرورات الأخلاقية كثيراً ما تنأى بنفسك عن دائرة الضوء والبريق لصالح الآخرين أيما كانت رتبة إبداعهم؛ وذلك التزاماً منك بناصية الحياد، وفي الأمر معاناة كبرى.

> لكن، ألا يسهم اشتغال المثقف بإدارة المشهد الثقافي في تطويره وتعزيزه؟

- ابن الحالة الثقافية هو الأقدر على تفكيكها وتشخيص أمراضها ومعالجتها، وعلى فهم طواياها والاستدلال على دروبها المقفرة أو المزدحمة؛ لذا أرى في الأمر تلازماً منصفاً لصالح المشهد الثقافي بكل أبعاده.

> هل هناك فجوة بين المؤسسات الثقافية والشباب؟ هل أصبحت شبكات التواصل منافساً لمؤسسات الثقافة؟

- الفجوة بين المؤسسات الثقافية والشباب تحدٍ حقيقي لا يمكن إنكاره، ربما يرجع لتقليدية الوسائط الثقافية التي تنتهجها المؤسسات؛ الأمر الذي استدركته المؤسسات الثقافية مؤخراً فسعت لتطوير الرؤية الثقافية والحرص على منحها بعداً معاصراً، لتصبح أداة رئيسية في إدارة المشهد الثقافي وفي تطويع مفرداته العصية.

> لديك عدد من الأعمال الروائية، كما أن لديك سجلاً أدبياً متميزاً في القصة القصيرة وأدب الرحلات، أين تجدين نفسكِ بين هذه الفنون الأدبية؟

- يصعب أن أضع نفسي في حالة أدبية معينة، فأنا منتمية إلى الحالة الإبداعية بكل أطيافها بل منغمسة في أعماقها، ربما أجد نفسي أكثر إشراقاً على صعيد الكتابة الروائية لما تحمله من فضاء إبداعي متسع، لكنني للحقيقة أنا أقتفي أثر البريق، وأتحسس مواضع الدهشة وأيما حملتني غيمة الإبداع أمطر فتنبت قصة قصيرة، ومرة تزهر رواية، وفي بعض الأحيان تنمو شجرة أدب رحلات، وربما في بُعد رخيم مرئي تتلقفني يدّ الشعر من علو فأكتب قصيدة... فمن يدري؟

الفجوة بين المؤسسات الثقافية والشباب تحدٍ حقيقي لا يمكن إنكاره

> في الروايتين الصادرتين لك: «وطن مزورْ: يوميات البن والحناء» (2018)، و«عباءة غنيمة» (2022)، ثمة هاجس ملح يربط بينهما، وهو سؤال الهوية، في الرواية الأولى البحث عن هوية الوطن (المكان)، والأخرى البحث عن هوية الزمان... كيف يرصد الروائي قلق الهوية، وكيف يسعى لمعالجته؟

- كل واحد منا يبحث في داخله عن إجابة لسؤال ما؛ لذا كان سؤال الهوية مكاناً أم زماناً هاجساً يجتاح رأسي، يرغمني على الانسياق وراءه، والروائي يعمل بشكل الأساسي على تسليط الضوء الكاشف على عوار النفس ونزوعها البشرية القاتمة، ولا يُطلب منه أن يمتلك إجابات جازمة عن تساؤلات الهوية أو سواها، عليه فقط أن يلقي بحجر التساؤل، أما دوائر الإجابة فهي مسؤولية القارئ.

التحدي الحقيقي لأي كاتب هو أن يخرج من بوتقته الآمنة، أن يخترق عوالم وعواصم وأقاليم جديدة في الوقت الذي يبقي يده على لجام السرد في منطقة يحفظ أبعاد خرائطها جيداً؛ لأن الخروج نحو فُسَحٍ مكانية أكثر اتساعاً يكون مغوياً في أحيان كثيرة؛ ما يوقع الكاتب في شرك الخديعة الواهية للكتابة، وهذا ما أتحاشاه دائماً؛ لذا فهي مخاطرة على طرافتها وخفتها إلا أنها في بُعد من أبعادها شاقة وشائكة.

في أعمالي القادمة أظن أن سؤال الهوية سيبقى حاضراً كأحجية تعصى على الإجابة، لكنني بدلاً من الانطلاق نحو الخارج المستشرس، أسعى إلى الحفر في الداخل الإنساني، في النبش عن الأحاسيس التي تخامرني وتتفجر ينابيع سائلة من الأسئلة التي لا إجابات لها.

> كتبتِ في أدب الرحلات: «في حضرة السيد فوجي سان: مشاهدات سائحة في اليابان» و«هوامش على خارطة السفر»... كيف ترين هذا النوع من الفنّ الذي يوشك على الانقراض في الثقافة العربية؟

- هو فنٌّ يوشك على الانقراض ربما في معناه التقليدي ككتابة حول الرحلات، لكنني واقعياً أرى أنه لم ينقرض إنما تغيرت أدواته؛ ففي السابق كانت الكلمة الأقدر على إيصال العالم إلى القارئ، حل محلها الصورة والمشهد والكاميرا، صار التدوين مرئياً حياً وحيوياً لا جامداً، إلا أنني ما زلت أنحاز للكلمة؛ لأنها تحفز المخيلة تجعل من القارئ جزءاً أصيلاً من الحالة لا راصداً بعيداً لها.

> كيف تنظرين إلى تجربة المرأة الكويتية في الحياة الثقافية؟- تجربة المرأة الكويتية على الصعيد الثقافي ليست جديدة، حضور المرأة المثقفة بصفتها عنصراً في الحالة الإبداعية كان ولا يزال حاضراً ومؤثراً، ربما ما اتسع هو طيف المشاركة في العمل المؤسسي للمرأة صار الحضور أكثر تأثيراً، ربما لأن جيلاً جديداً من النساء المبدعات صار جزءاً أصيلاً من تلك المؤسسات؛ ما منح ذلك الحضور أثراً فارقاً.


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.