عمر بن أبي ربيعة شاعر الأنوثة الهاربة والعبث المأساوي

علاقاته المتعددة وبوحه العاطفي لا يضعانه في خانة «الإباحية»

عمر بن أبي ربيعة شاعر الأنوثة الهاربة والعبث المأساوي
TT

عمر بن أبي ربيعة شاعر الأنوثة الهاربة والعبث المأساوي

عمر بن أبي ربيعة شاعر الأنوثة الهاربة والعبث المأساوي

قلّ أن ارتبط اسم شاعر عربي عبر العصور بالمرأة والحب، كما هو حال عمر بن أبي ربيعة. لا بل إن هذا الاسم بالذات استطاع أن يكتسب صفات وترجيعات لها وقع السحر في الوجدان العربي الجمعي، وأن يصبح رمزاً بالغ الفرادة لكل ما يتصل بفوران الروح والرغبات الحسية والاحتفاء بالحياة. ومع أن الافتتان بالجمال الأنثوي كان سمة مشتركة بين كثير من الشعراء الذين سبقوه، إلا أن عمر وحده هو الذي احتفظ من دون الآخرين بلقب شاعر الحب والغزل، ولم يستطع أحد مجاراته في ذلك، سوى نزار قباني في العصر الحديث.

عمر بن ربيعة في صورة متخيلة

وإذا كانت الظواهر الإبداعية لا تدين بنشوئها للصدف المجردة، بل هي ثمرة تقاطع خلَّاق بين الموهبة الفردية والشرط الاجتماعي والتاريخي، فإن من حق المتابع المتأمل أن يتساءل: لماذا عمَر بالذات؟ ولماذا تكونت ظاهرته في تلك الحقبة الزمنية، وفي حواضر الحجاز دون سواها من الأماكن؟

والواقع أن انتماء عمر إلى بني مخزوم، وهم بعض أكثر بيوتات قريش ثراءً ومَنَعَةً وكرماً، يعكس الرفاهية والدلال اللذين حكما حياة الشاعر وجعلاه ممتلئاً بنشوة العيش. وينقل الأصفهاني عن عبد الله، والد عمر، أنه كان الأكثر ثراءً في قومه، وأنه بعد إسلامه كان يكسو الكعبة من أمواله الخاصة مرة كل سنتين.وفي حين خلّف انتقال مركز الخلافة إلى الشام، جرحاً لا يندمل في نفوس الحجازيين الذين تم تهميشهم وإخراجهم من المعادلة السياسية، فقد واجه عمر هذا التهميش بانصرافه إلى العشق والحب، مجسداً اندفاعة جيل الشبان من أرستقراطيي قريش نحو افتراع الحياة والعبّ من ملذاتها المختلفة. وإذا كان زهو الشاعر بنفسه جزءاً لا يتجزأ من طباع بني مخزوم وتكوينهم النفسي الجماعي، فقد أسهمت وسامته البالغة في شعوره بالزهو، ورفعت منسوب نرجسيته إلى حدوده القصوى، بحيث بات يرى العالم بأسره انعكاساً لصورته في المرآة.

ويكفي أن نعود إلى ديوان عمر لكي نعثر على عشرات الشواهد الدالة على خيلائه. فحبيبته لا تملك حين تتعثر في المشي، سوى مناداته باسمه لكي تستعيد التوازن:

وإذا ما عثرت في مرْطِها

نهضت باسمي وقالت: يا عمر

والنساء اللواتي تناهى إليهن صيته عاشقاً مفرطاً في الوسامة، يتدافعن لرؤيته من خلف نوافذ بيوتهن:

وكنَّ إذا أبصرنني أو سمعن بي

سعيْن فرقّعنَ الكِوى بالمحاجرِ

وقد يكون إلباس عمر لنفسه لبوس الفاتح المظفَّر الذي يغزو بلا هوادة قلوب معجباته الكثيرات، نوعاً من المحاكاة الرمزية لسطوة السلطة السياسية التي لم يملك الشاعر، ولا الجماعة الحجازية القدرة على مواجهتها بالسلاح، فاختار أن يواجه جبروتها الفحولي، عبر فحولة موازية تتوسل لتحقيق أهدافها سلطة اللغة وسحرها المغوي.

كما يتمثل الطابع الإشكالي لتجربة الشاعر في اختلاف النقاد حول العلاقة بين شعره وسلوكه. ففي حين يُنسب إلى صديقه ابن أبي عتيق قوله: «ما عُصي الله عز وجلّ بشعرٍ أكثر مما عُصي بشعر ابن أبي ربيعة»، وإلى هشام بن عروة قوله: «لا ترووا لفتياتكم شعر عمر بن أبي ربيعة حتى لا يتورطوا في الزنا تورطاً»، لم يتردد الشاعر نفسه في تأجيج البلبلة المثارة حول ذلك، بحيث كان يعترف بالشيء ونقيضه في آن. فإذ سأله سُمرة الحميري، وقد التقاه شيخاً في الطواف: «أكلُّ ما قلته في شعرك فعلته؟»، أجابه عمر قائلاً: «نعم، وأستغفر الله». في حين أنه صرح في شيخوخته: بـ«أنه لم يكشف ثوبه عن حرامٍ قط». فضلاً عن إشارته إلى أن ولعه بالنساء لم يعدُ كونه مطاردة عن بُعد للجمال المطلق:

إني امرؤ مولعٌ بالحسْن أتبعه

لا حظَّ لي فيه إلا لذة النظرِ

أما نعت عمر من النقاد بالشاعر الإباحي، فهو لا يجد سنداً له في قصائده ومقطوعاته، حيث لا مكان في معجمه الشعري للبذاءة والفحش والتهتك. فرغم شغف عمر الحسي والشهواني بالمرأة، فإن هذا الشغف ظل في الإطار الضيق الذي التزم به العذريون في قصائدهم، ولم يتعدَّ حدود العناق والضم واللثم.

كما تتجلى منطقة التشابك النفسي والفني بين عمر وبين العذريين، في الكثير من النصوص التي تُنسب إلى الطرفين معاً، كالأبيات التي قالها في معشوقته الرباب، وتُنسب في الوقت ذاته إلى كثيّر عزّة، ومنها:

أفقْ قد أفاق العاشقون وفارقوا

الهوى واستمرّت بالرحيل المرائرُ

وهبْها كشيء لم يكنْ أو كنازحٍ

به الدار أو من غيّبتهُ المقابرُ

إلا أن تقاطع الرؤيتين إلى المرأة والحب، يبدو أكثر وضوحاً في تجربتَي عمر وجميل بثينة، بحيث تحيل نصوصهما إلى المكابدات ذاتها والألم إياه. وقد يتعدى التشابه بين الطرفين حدود الكتابة على البحر ذاته والقافية إياها، ليتشاركا المضامين والمعاني، حيث كل منهما مطارَد ومهدَّد بالقتل. فإذ يقول جميل:

أحِلماً؟ فقبل اليوم كان أوانه

أم أخشى؟ فقبل اليوم أوعدتُ بالقتلِ

يقول عمر في المقابل:

جرى ناصحٌ بالودّ بيني وبينها

فقرّبني يوم الخضاب إلى قتلي

ومع ذلك فإن تجربة عمر لا تقل في عمقها الأخير مأساوية عن تجربة جميل ورفاقه العذريين. فإذا كان جرح الثاني وليد حرمانه من بثينة، وافتقاره إلى حضورها الباعث على السكينة، فإن جرح الأول أبعد غوراً وأصعب التئاماً، لأن المنادى في حالة جميل يقتصر على امرأة واحدة هي بثينة، أما المنادى لدى عمر فلا يقتصر على «نُعم» وحدها، بل يتعدى النساء الأربعين اللواتي ذكرهنّ في شعره، ليطول كل نساء الكوكب.

ورغم ما أصابه في مغامراته النسائية من نجاحات، فقد كانت لدى عمر ما يشبه عقدة النقص العاطفي وعدم الشعور بالامتلاء، التي سُميت بعد قرون «عقدة الدون جوان»، (ومن المفارقات الغريبة أن يكون لعمر ولد اسمه جوان!). ولذا كان يكفي الشاعر المحبوب من عشرات النساء أن ترفضه امرأة واحدة، لكي تُفقده اعتباره لنفسه، فيشعر بأنه فاشل ومهزوم، ويجدّ في طلبها بأي ثمن. فهو لم يضطر إلى الزواج من كلثم المخزومية إلا لأنها رفضت بإصرار أن تلتقيه إلا تحت سقف الزواج الشرعي. وهو لم يتعلق بالثريا كل ذلك التعلق إلا لأنها، رغم حبها له، لم تستسغ عبثه المفرط وتعدد علاقاته. وحين تزوجت من سواه بدا شعره فيها مشوباً بكثير من الحسرات. وهذا ما حدث له أيضاً مع فاطمة الأشعث، التي خطبها في موسم الحج، فرضيت شرط أن يتبعها إلى وطنها العراق، وحين فعل أوصدت بابها في وجهه.

وككل مولع بالنساء، كانت مأساة عمر أن جسده أقل بكثير من ظمأ روحه، وذراعيه أقصر بكثير من رغباته، وقدميه لا تكفيان لبلوغ الأنوثة الأبدية التي ظل سرابها يلمع في أقاصي العالم. وقد يكون أبلغ ختام لهذه المقالة، هي الصورة التي رسمها لنفسه، ضلِّيل النساء وشريدهنّ الأبديّ، حين قال:

رأت رجلاً إما إذا الشمس عارضتْ

فيضحى وإما بالعشيّ فيخصرُ

أخا سفرٍ جوّاب أرضٍ تقاذفتْ

به فلواتٌ فهو أشعثُ أغبرُ


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.