الغذامي: أعيش في «بيت من نساء» ولا أحملُ ضغينة لأدونيس

تحدث خلال لقاء بمهرجان «القرين الثقافي» بالكويت عن مسيرته الفكرية والثقافية

الدكتور عبد الله الغذامي خلال جلسة الحوار مع ألطاف المطيري ضمن فعاليات مهرجان القرين (كونا)
الدكتور عبد الله الغذامي خلال جلسة الحوار مع ألطاف المطيري ضمن فعاليات مهرجان القرين (كونا)
TT

الغذامي: أعيش في «بيت من نساء» ولا أحملُ ضغينة لأدونيس

الدكتور عبد الله الغذامي خلال جلسة الحوار مع ألطاف المطيري ضمن فعاليات مهرجان القرين (كونا)
الدكتور عبد الله الغذامي خلال جلسة الحوار مع ألطاف المطيري ضمن فعاليات مهرجان القرين (كونا)

تحدث المفكر السعودي الدكتور عبد الله الغذامي، خلال جلسة حوارية بمهرجان «القرين الثقافي» في الكويت، عن مسيرته في عالم النقد والأدب وبداياته في التعمق والبحث العلمي والأدبي.

وشهدت الجلسة التي أقيمت بالتعاون مع «مركز منار الثقافي»، وأدارتها ألطاف المطيري، استعراضاً للسيرة الفكرية والثقافية للناقد السعودي المعروف بإسهاماته المميزة التي أثرت الحقل الثقافي العربي لعقود، متطرقاً إلى علاقته بالمرأة، والتحولات الفكرية والثقافية التي مرّ بها، وخلافه مع الشاعر السوري أدونيس، والمواجهات مع «تيار الصحوة».

«بيت من نساء»

الغذامي، الذي اختُير ليكون «شخصية الدورة الـ30» من المهرجان، قال في استعراضه للتحولات الفكرية، إن مسيرته في ريعان الشباب تأثرت بمنهج الشكّ، لكنه وجد طريقه عبر الوجدان، مشيراً إلى تأثير رواية «دعاء الكروان» في تعزيز إيمانه، وهي الرواية التي كتبها عميد الأدب العربي طه حسين، ونشرت عام 1934، تمرّ عبر الأنثى، وتنتصر للمرأة ضد سلطة القهر الاجتماعي التي تفرض عليها وتضطهدها.

يضيف أن صوت بطلة الرواية «آمنة» وهي تناجي الكروان بما يسميه طه حسين «دعاء الكروان» كان ملاذه من رحلة الشكّ، فـ«اكتشفت أن القيمة الوجدانية كعلاج أسمى من القيمة العلمية»، «فأنا مدين للحظات البكاء في أن أجد طريقي إلى الله»، وهو الطريق الذي لم يرسمه المهندسون، فهو طريق وجداني.

وتحدث المفكر السعودي عن علاقته بالمرأة، قائلاً: «أعيش في بيت من نساء»، مستذكراً تأثير زوجته وبناته. ويرى أن المرأة ليست مجرد موضوع للنقاش أو التحليل إنما هي جزء أساسي من الثقافة، سواء كاتبة أو قارئة، مشجعاً على الاعتراف بدورها الفاعل في تشكيل الفكر والأدب بعيداً عن الصور النمطية التقليدية.

تحدث الدكتور عبد الله الغذامي حول تجربته الكتابية في الدفاع عن قضية المرأة (الشرق الأوسط)

وعن تجربته الكتابية في الدفاع عن قضية المرأة، استذكر كتابه «الكتابة ضد الكتابة» الذي استعرض فيه بالتشريح نصوصاً لثلاثة شعراء سعوديين هم محمد حسين سرحان، وغازي القصيبي، ومحمد جبر الحربي، في تناولهم موضوع المرأة، مخصصاً فصلاً في استعراض ردود الشعراء على قراءته لنصوصهم.

وفي هذا الكتاب يستعرض الغذامي صورة المرأة في التراث العربيّ، منها قولهم: «البنت مالها إلا الستر أو القبر»، مستحضراً الصورة التي وجدها لدى الرحالة ابن بطوطة في رحلته للهند، واصفاً «إحراق المرأة بعد زوجها - بأنه - أمر مندوب عندهم»، فمن «أحرقت نفسها بعد زوجها أحرز أهل بيتها شرفاً بذلك ونُسبوا إلى الوفاء».

كما يورِد معارضة الثعالبي في كتابه «ثمار القلوب»، قول أحدهم في ذمّ النساء: «إن النساء شياطينُ خلقن لنا/ فكلّنا يتقي شرّ الشياطين». وقول الثعالبي معارضاً: «إن النساء رياحينٌ خلقن لنا/ وكلنا يشتهي شمّ الرياحين» ويعلق المفكر السعودي: «وليس الأخير بأحسن من الأوّل؛ فالاثنان جعلاها متاعاً ومادّة ولسن مخلوقات بوجودٍ ذاتيّ خاصّ»!

وكذلك كتابه «المرأة واللغة» الصادر عن «المركز الثقافي العربي، بيروت / الدار البيضاء» 1996، الذي يرى فيه أن المرأة تعرضت للوأد المادي والوأد المعنوي معاً، كما تناول فيه قضايا المرأة العربية من منظور نقدي محللاً الصور النمطية التي رسختها الثقافة الذكورية في الأدب العربي، منتقداً الأنماط اللغوية التي ترسخ الهيمنة الذكورية، قائلاً إن اللغة ذاتها تستخدم وسيلةً لإقصاء المرأة أو حصرها في أدوار تقليدية.

وفي هذا الكتاب يستعرض الغذامي رأي ابن جني عن التذكير والتأنيث في اللغة، وقوله: «إن تذكير المؤنث واسع جداً لأنه رد إلى الأصل»، معتبراً هذا الرأي «سلباً صريحاً لحق المرأة الطبيعي في التأنيث، وتقليلاً من صفة جوهرية على اعتبار أنها ليست كائناً وذاتاً فاعلة وإنما مجموعة من الدلائل والصفات».

استعرضت الجلسة الحوارية السيرة الفكرية والثقافية للناقد السعودي (الشرق الأوسط)

وكتاب المفكر السعودي الآخر: «ثقافة الوهم، مقاربات عن المرأة واللغة والجسد»، «المركز الثقافي العربي، بيروت/ الدار البيضاء» 1998، وهو يمثّل الجزء الثاني من كتاب «المرأة واللغة»، فالجزء الأول ركّز على علاقة المرأة باللغة كمنجز تعبيري بواسطة الحكي أو الكتابة، وفي هذا الكتاب، يقف المؤلف على الحكايات المأثورة التي تتعامل مع المؤنث وتجعل التأنيث مركز الحبكة.

في هذا الكتاب يتناول الغذامي ما يسميه «ثقافة الوهم»، وذلك «حينما تجرّ الثقافة إلى تصورات تنغرس في الذهن وتتحول إلى معتقد، أو صورة نمطية ثابتة»، وهو ما يسميه بـ«الجبروت الرمزي».

من أجل المرأة غادر «النقد الأدبي» إلى «النقد الثقافي»

المفكر السعودي قال خلال الندوة إن المرأة هي صاحبة الدور لمغادرته النقد الأدبي إلى النقد الثقافي، التي تمكن من صياغتها كنظرية في عام 2000، داعياً لكسر هذه الصور النمطية، وإعادة قراءة النصوص من منظور نسوي يبرز دور المرأة كفرد مستقل ومؤثر، ومبيناً أن النقد النسوي لا يمكن عزله عن النقد الثقافي، لأن القضايا النسوية مرتبطة بالأنساق الثقافية التي تشكل بنية المجتمع.

لا ضغينة مع أدونيس

تحدّث الغذامي عن خلافه مع أدونيس، قائلاً إن الشاعر السوري «غضب حين صدر كتابي (النقد الثقافي)، وأعطى تصريحات قاسية، بعد أن استفزه وصف (الحداثي الرجعي)، وقول الغذامي أن أدونيس يمثّل الحداثة الرجعية».

وبرأي المفكر السعودي، فقد «بدأ أدونيس في اعتراضه على الكتاب هادئاً، ثم أخذ يتصاعد نقده تدريجياً حتى صار أسيراً لتصريحاته»، ويضيف: «تقابلنا في أبوظبي، وتعمدت أن أواجهه، فقابلني باحترام، وقلت له إنني وضعتك مع أبي تمام والمتنبي ونزار قباني في دراسة واحدة، فأبدى ارتياحه، وهذا دليل أنه لم يقرأ الكتاب».

الدكتور عبد الله الغذامي يتحدث خلال جلسة الحوار المفتوح (الشرق الأوسط)

ثم في زيارة أدونيس للرياض خلال مارس (آذار) 2023، عرضت «هيئة الأدب» أن تُجرى مناظرة بينه والغذامي، لكنّ الأول تراجع عن موافقته بعد أن أبداها مسبقاً.

وكانت أول مرة يكتب الغذامي عن أدونيس عام 1997 في مجلة «فصول» بطلب من الدكتور جابر عصفور: «ما بعد الأدونيسية»، وقال: «خلافي مع أدونيس ثقافي، ولا أحمل ضغينة له».

وتطرق المفكر السعودي خلال الجلسة إلى عدد من كتبه، وأوضح أنه قدم في كتابه «الخطيئة والتكفير من البنيوية إلى التشريحية» رؤيته النقدية التي جمعت بين البنيوية والتفكيك، وركّز على تحليل النصوص الأدبية العربية وفق آليات منهجية جديدة، مشيراً أيضاً إلى كتابه «النقد الثقافي... قراءة في الأنساق الثقافية العربية» الذي ناقش فيه الأنساق المالية في الثقافة العربية، وكيف تؤثر على تشكيل النصوص والقيم المجتمعية.

وأفاد بأنه تناول في كتاب «الثقافة التلفزيونية.. سقوط النخبة وبروز الشعبي» التحول الثقافي الذي أحدثته وسائل الإعلام الحديثة، خصوصاً التلفزيون، مستعرضاً كيفية إسهام الثقافة التلفزيونية في بروز الثقافة الشعبية على حساب الثقافة النخبوية.

شخصية العام

واختار «القرين الثقافي» هذا العام الدكتور الغذامي، شخصية المهرجان، وقالت عائشة المحمود، الأمين العام المساعد لقطاع الثقافة بـ«المجلس الوطني الكويتي للثقافة والفنون والآداب»، إن الاحتفاء به جاء لكونه «شخصية علمية نقدية تنويرية عربية مرموقة»، و«حمل مهمة التنوير النقدي منذ منتصف الثمانينات الميلادية من القرن العشرين مستهلاً إياها بكتابه (الخطيئة والتكفير)، إذ يواصل منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم طروحاته العلمية والنقدية والفلسفية التي أحدثت نقلة نوعية في الخطاب النقدي العربي، وأسهمت أبحاثه في نقل وتوطين مناهج النقد الأدبي الحديث ترجمةً وتطبيقاً، وفتحت مجالات رحبة في قيادة الطرح النقدي العربي الأكاديمي».

جانب من الجلسة الحوارية للدكتور عبد الله الغذامي (الشرق الأوسط)

الغذامي الذي ولد في السعودية عام 1946 يعدُّ أحد أبرز النقاد والمفكرين العرب، وحصل على درجة الدكتوراه في الأدب من جامعة إكستر في المملكة المتحدة. ومنذ ذلك الحين قدم إسهامات كبيرة في مجالات النقد الأدبي، والفكر الثقافي، والتحليل السيميائي.

وتميّز بتبنيه منهجيات نقدية حديثة، من بينها النقد الثقافي، إذ قدم أطروحات عميقة حول العلاقة بين النصوص والأنساق الثقافية. ومن أشهر أعماله كتاب «النقد الثقافي... قراءة في الأنساق الثقافية العربية» الذي شكل نقلةً نوعيةً في فهم التقاليد الثقافية والاجتماعية في العالم العربي، كما كان له دور ريادي في تقديم النقد النسوي، إذ ناقش قضايا المرأة في الأدب العربي، وأثر التقاليد على تشكيل صور المرأة في النصوص الأدبية.

وأصدر المفكر السعودي مؤلفات عديدة أصبحت مرجعاً في الدراسات النقدية، بينها «الخطيئة والتكفير من البنيوية إلى التشريحية» و«الثقافة التلفزيونية» و«سقوط النخبة وبروز الشعبي» و«الكتابة ضد الكتابة». وإلى جانب مؤلفاته، شارك في مئات الندوات والمؤتمرات الثقافية على المستويين المحلي والدولي، مما جعله رمزاً للحوار الثقافي، وقدّم إنتاجاً علمياً غنياً ومتنوعاً أثرى به الساحة النقدية والفكرية العربية، يشمل كتباً وأبحاثاً تناولت مختلف قضايا الأدب والنقد الثقافي، والفكر المعاصر، والنسق الثقافي.

وتناول موضوع الحداثة بشكل واسع وعميق، واعتُبر من أبرز المفكرين العرب الذين ساهموا في تفكيك هذا المفهوم، وتحليل تطوراته في السياق العربي، خصوصاً في السعودية، وقدم رؤية نقدية تربط بين الحداثة كظاهرة فكرية وثقافية، وبيَّن التحولات الاجتماعية والسياسية التي أثرت في تبنيها أو مقاومتها. ومن أبرز أعماله التي تناولت هذا الموضوع كتاب «حكاية الحداثة في السعودية» الذي يعد وثيقة نقدية وتحليلية فريدة حول صراع الحداثة في المجتمعات المحافظة.

وعمل الدكتور الغذامي أستاذاً للأدب والنقد الحديث بجامعة الملك سعود في الرياض، وأشرف على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه التي تناولت موضوعات النقد الحديث، وقدّم محاضرات ومداخلات في مؤتمرات أدبية وثقافية حول العالم. ومن مساهماته الإعلامية كتابة مقالات دورية في صحف عربية بارزة تناولت قضايا ثقافية وفكرية معاصرة، وكان لإنتاجه العلمي أثر كبير في تطور النقد الأدبي والثقافي العربي. وقد ساهم في نقل النقد من التحليل الأدبي والبحث إلى دراسة الثقافة ما أطلق عليه «النقد الثقافي».

الدكتور عبد الله الغذامي اختير ليكون «شخصية الدورة الـ30» من المهرجان (الشرق الأوسط)

ويعدُّ من أوائل المفكرين العرب الذين أولوا اهتماماً عميقاً بالنقد النسوي، إذ قدم أطروحات متميزة ساهمت في إعادة النظر في علاقة المرأة بالخطاب الأدبي والثقافي في العالم العربي. ولا يقتصر ذلك على الدفاع عن حقوق المرأة، بل يتعداه إلى تحليل جذور التحيزات الثقافية واللغوية التي تكرس الصورة النمطية للمرأة في الأدب والمجتمع.


مقالات ذات صلة

غياب السينما المصرية عن مهرجان «كان» يثير تساؤلات

يوميات الشرق ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)

غياب السينما المصرية عن مهرجان «كان» يثير تساؤلات

تغيب السينما المصرية عن مهرجان «كان» السينمائي في دورته الـ79 بعدما اعتادت الوجود بأفلام في المسابقات الموازية.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق بطلة فيلم «هجرة» السعودي تتسلم جوائزه (مهرجان مالمو)

فيلمان من السعودية ومصر يتقاسمان جوائز «مالمو للسينما العربية»

تقاسم الفيلمان المصري «كولونيا» والسعودي «هجرة» صدارة جوائز الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية»، بعدما حصدا 5 جوائز في حفل الختام.

أحمد عدلي (مالمو (السويد))
يوميات الشرق مشهد من فيلم «أحضان وقضبان» (إدارة المهرجان)

«الأصوات السويدية»... أفلام جديدة تبحث عن الذات

عكست الأفلام المعروضة ضمن برنامج «الأصوات السويدية» للأفلام القصيرة في النسخة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية»، نبرة إنسانية.

أحمد عدلي (مالمو (السويد))
يوميات الشرق قدم صناع الأفلام عروضاً لمشاريعهم الجديدة (مهرجان مالمو)

تجارب سينمائية عربية تبحث عن الدعم في «مالمو»

عكست مشاريع الأفلام الروائية الطويلة في مرحلة التطوير التي قدمت ضمن «أيام مالمو لصناعة السينما» ملامح موجة سينمائية عربية تنشغل بما هو أبعد من حكاية تقليدية.

أحمد عدلي (مالمو (السويد))
يوميات الشرق يهدف الفيلم لتعريف الأطفال بقضية اللجوء - (الشركة المنتجة)

«اللجوء إلى المدرسة» يتعاطف مع أوضاع اللاجئين في أوروبا

احتضنت الدورة الـ16 من مهرجان «مالمو للسينما العربية»، عرض فيلم الرسوم المتحركة «اللجوء إلى المدرسة».

أحمد عدلي (مالمو (السويد))

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.