مثاقفة محمد جابر الأنصاري الباريسية

مقالاته خلت من التفاعل الثقافي والأدبي مع ما كان يدور في عاصمة الأنوار

طيب تيزيني
طيب تيزيني
TT

مثاقفة محمد جابر الأنصاري الباريسية

طيب تيزيني
طيب تيزيني

ذكرت في محاضرتي «مع الأنصاري في توفيقيته صراع الأضداد» مساء يوم 6 ديسمبر (أيلول) الماضي، بمركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة بالمحرق، أنني دعوت الدكتور محمد جابر الأنصاري إلى كتابة مقال أسبوعي في جريدة «الرياض» الأسبوعية كل جمعة بين سنة 1982- و1983. أحصيتها فوجدتها قرابة خمسين مقالاً، كان يرسلها إلي كل أسبوع من باريس، حين كان الأنصاري يعمل مستشاراً ثقافياً في سفارة خليجية بين سنة 1979 و1983م، وهي مقالات تراوحت بين المعالجة السياسية والثقافية والأدبية، تحت عنوان «مساحة للعقل العربي».

وقتذاك كان أفرغ وسعه وبذل جهده في أطروحته للدكتوراه، التي انتهى من مناقشتها سنة 1979م في جامعة بيروت الأميركية، محورها حول النزعة التوفيقية، مفصلاً التتبع التاريخي للتجارب السياسية والمداولات الفكرية في عصر العرب الحديث، ابتداءً من حملة نابليون على مصر سنة 1798 إلى هزيمة 1967، متوقفاً ودارساً نقائضها المتراوحة، بين الوطنية والاستعمار والتراث والنهضة والأصالة والمعاصرة، وذلك في ما أصدره بعد ذلك من كتاب ضخم بعنوان «الفكر العربي وصراع الأضداد».

محمد جابر الأنصاري

غير أن ما لفت نظري في مقالاته الباريسية، خلوها من التفاعل الثقافي والأدبي، مع ما كان يدور في عاصمة الأنوار، من سجالات فلسفية وحراكات أدبية وفنية، طاولت بثوراتها قضايا وصرعات، لم تستثن الأزياء والمطبخ والألعاب الرياضية. وكما نعلم، فإن باريس شكّلت مثاقفة مستمرة في العالم العربي، منذ قامت الظاهرة الاستعمارية في بعض بلدانه، فزارها رحالة وأدباء وشعراء، وابتُعث إلى جامعتها عدد من الطلاب العرب... وقد جسد علاقة الأنا العربي بالآخر الفرنسي عدد من أبرز الرحالة والروائيين، خاصة من خضعت بلدانهم للاستعمار الفرنسي - مشرقاً ومغرباً - بل إن هناك من يذهب إلى أن ترجمة أنطوان غالان «ألف ليلة وليلة» من العربية إلى الفرنسية في القرن الثامن عشر، ما كانت لتتم لولا مساعدة الرحالة الحلبي حنا دياب، الذي أضاف إلى الليالي قصة علاء الدين، كما اعترف غالان نفسه.

فكيف أغفل الدكتور الأنصاري ما كان يجري في باريس من أفكار وآداب وفنون في مقالاته الخمسين وغيرها؟ بل إنه لم يتطرق إلى ما كتبه قبله من مفكرين عرب جدد، حول موضوعه النهضوي الأثير الذي انشغل به.

فقد كتب الأنصاري في مقاله «جمود الفكر كيف نفسره» بتاريخ 18 أبريل (نيسان) 1982:

«أن تكون ثمة أزمة في المجتمع وفي الأمة... معنى هذا أن هناك مخاضاً يجري وتحولاً من طور إلى آخر... ومن سنة إلى أخرى... وأن شيئاً جديداً يتبلور... أو لا بد أن يتبلور في نهاية المطاف مهما طال الزمن. ولكن أن تصل أزمة الثقافة والفكر إلى حد العقم والإفلاس مع كل هذه المعاناة التي نعانيها الأمة وأجيالها في مختلف المجالات».

علي الشوك

ويتساءل الأنصاري في نهاية مقاله «فما بال فكرنا العربي في هذه الأيام لا يستجيب لهذا القانون... وما باله يشذ عن هذه القاعدة الحضارية الحياتية، رغم كل هذه الأزمات والمعاناة والنكبات القومية؟».

قبل تاريخ سؤال الأنصاري بسنوات، كان المفكر المغربي عبد الله العروي بدأ ينشر مقالاته أواخر الستينات في مجلة «دراسات عربية» ومجلة «مواقف» اللبنانيتين حول تاريخ الأفكار والنقد الآيديولوجي، وفي سنة 1970 فاجأ الساحة العربية بأطروحته العميقة المنشورة في بيروت سنة 1970 حول «الآيديولوجيا العربية المعاصرة» بمقدمة المستشرق الفرنسي مكسيم رودنسون الضليع في دراسة المجتمعات وتحليل الأفكار في العالم العربي والإسلامي، وقد ترجم الكتاب الباحث اللبناني محمد عيتاني، الذي بدأ - وقتذاك - ينشر دراساته عن الفكر الإسلامي والقرآني بمنظور ماركسي.

وقد ذهب العروي في كتابه أن الآيديولوجيا ليست شقشقة لسان فارغة لا معنى لها، بل حاول أن يظهر في كتابه اللافت أنها ذات دلالة وفكر منظم متماسك، هدفت إلى إرشاد المصلحين إلى مسالك العمل والإنجاز، لكنه في الوقت نفسه كشف عن أنها تستعيد منطق تطور الغرب في سياق تطور التاريخ الحديث، واصفاً هذه الآيديولوجيا العربية بالتعالي المستقل عن حركة المجتمع العربي، مدللاً على وجود تماثل عاضوي وبنيوي بينه وبين سيرورة العقل الحديث.

عبد الله العروي

أما كتابه الآخر «العرب والفكر التاريخي» الصادر سنة 1974، فأول ما سمعت به على لسان القاص المصري يوسف إدريس، وأنا أزوره في منتجعه الصيفي على شاطئ الإسكندرية، واقتنيته إثر ذلك من مكتبة «مدبولي» بالقاهرة، فوجدت العروي يتطرق في مؤلفه إلى استلاب الفكر العربي المعاصر بشقيه التقليدي والعصري، باحثاً عن كيفية استيعاب الفكر العربي للفكر الليبرالي طريقاً نحو فكر تقدمي، معالجاً أوضاع التأخر العربي عن ركب العالم الحديث، وداعياً المثقف العربي إلى أن ينفلت نهائياً عنها بالنفاذ إلى الجذور، محذراً أن يكون العرب آخر شعب يقوم من سباته، رغم أنه عرف أول نهضة فكرية في العالم الثالث، داعياً إلى اجتثاث الفكر التقليدي... وحينما يرد عليه بأن ثقافتنا المعاصرة هذه ستكون تابعة لثقافة الغير، يجيب العروي وهو يرفع لواء القطيعة مع التراث... فليكن ذلك!

هذا هو ما كان بدأ يتطارحه - وقتذاك – الدكتور زكي نجيب محمود، وقد عاد من مغتربه البريطاني إلى كرسي أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، ليعود متأخراً إلى دراسة التراث العربي والإسلامي برؤية عصرية، تجلت في كتابه «تجديد الفكر العربي» وكتابه «المعقول واللامعقول في تراثنا العربي». داعياً المفكرين العرب من وحي الفلسفة الوضعية، إلى صياغة مشروع فكري عربي جديد.

ولم يكن العروي المهمَل وحده في اهتمام الأنصاري الفكري، كما يتجلى لا في مقالاته الباريسية وحدها وإنما كذلك في أطروحته «الفكر العربي وصراع الأضداد»، فهو مثلاً لم يتطرق قط إلى ما تطارحه المفكر السوري الدكتور طيب تيزيني، أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق؛ إذ أصدر كتابه «مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط» سنة 1971م في دمشق وكان الكتاب متداولاً في أوساط اليسار في المشرق العربي، وهو ينبّههم إلى ما في التراث الفكري العربي من ظواهر اجتماعية وفكرية ثورية، سبقه إلى استثارتها كتاب «تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام» لبندلي جوزي (1878 – 1942) الباحث الفلسطيني الذي استوطن روسيا قبل الثورة البلشفية على القياصرة وعاش فيها بعدها، وقد حصل على الدكتوراه حول المعتزلة في جامعة قازان، وأصبح أستاذاً للفلسفة الإسلامية في جامعة باكو لسنوات، وله الكثير من الدراسات الفكرية والأدبية واللغوية.

أما على الصعيدين الأدبي والفني، فقد تناول الأنصاري في 22 يوليو 1983 مقالاً بعنوان «جديد باريس... فن بدائي يمد لسانه لبيكاسو» انتقد فيه بشدة الفن التشكيلي الحديث، مقارناً ما شاهده في باريس من لوحات فنية غمض عليه فهمها، وقد أصبحت مدرسة وحركة فنية، ولوحات مؤثرة عالمية، لا يحصيها العد لفنانين من مختلف دول أوروبا الغربية والشرقية، وقد احتلوا لأنفسهم مكانة في ساحة الفن بباريس... مقارناً هذه اللوحات بما كان يشاهده صبياً وشاباً على جدران دكاكين الهنود وعلى واجهات محالهم في أحياء المحرق! وهي تصور الريف البسيط وموكب المهراجا بزخارفه المترفة، ومسيرة الأفيال بسروجها البراقة، وأعراس الفلاحين ومواسم الحصاد ولهو الأطفال، ومهرجان المياه الملونة التي يتراشق بها الهنود في الأعياد.

لم يكن العروي المهمَل وحده في اهتمام الأنصاري الفكري فهو مثلاً لم يتطرق قط إلى ما تطارحه المفكر السوري طيب تيزيني

نعم، إنه بحساسيته الفنية الرومانسية وحنينه النوستالجي، يقارنها بما شاهده في ساحة الفن بباريس الثمانينات، واصفاً إياها بأنها مسورة بأكثر من سياج مادي ومعنوي وفني؛ إذ لا تستطيع اقتحامها، ما لم تكن سوريالياً أو تكعيبياً، إذ يرى أنها ذهبت ببساطة الفن الأصيل الجميل، ونفرت الناس منه، فكلما كانت اللوحات مغرقة في الغموض والسوداوية والتشاؤم مثقلة بالرموز حافلة بالنقائض والمعاني العكسية - وهذا ما ينطبق على تجربة بيكاسو المتعاقبة بين الواقعية والسوريالية والتكعيبية كما تجلت في لوحته الشهيرة «الغرنيكا» - زاد حظك من القبول لدى كهان الفن الباريسي، الذين لم يمد لهم بيكاسو لسانه!

ولا يقتصر نقد الأنصاري الساخر اللاذع على ظاهرة الفن الحديث، وإنما يصبّ جام غضبه كذلك على نقاده، الذين يزيدون غموض هذه اللوحات غموضاً بقراءاتهم النقدية... في حين يعترف بأن هذه الظاهرة لم تنبت من فراغ ولم تظهر دون مبررات، فهي تعبر عن التأزمات النفسية للحضارة الغربية، مشوبة بفكرة اللاوعي الفرويدي، والتشاؤم والعبث الوجودي.

ويواصل الدكتور الأنصاري تذمره من ظواهر باريس الأدبية والشعرية في مقال آخر عنونه بـ«أدب اللامعقول... هل يتفق وإيقاظ العرب»، داعياً فيه الشباب العربي إلى ألا يقعوا في الإشكالية التي وقع فيها التيار السوريالي العربي المعاصر في لبنان، بتأثره الميكانيكي بما كان يحدث في فرنسا من رد فعل على طغيان الموجة العقلانية الواقعية، قادت بعض شعرائه (بريتون) خاصة إلى كتابة شعر خرج على المألوف الفني، معبراً عن التقلبات النفسية التي عاشتها فرنسا، بعد الحربين العالميتين، وقد عجز العقل الاجتماعي والثقافي من استيعاب آثارها على النفسية الاجتماعية.

العجيب هنا، أن الأنصاري الذي نشر مقاله في 22 أبريل 1983 كان الناقد العراقي علي الشوك قد تناوله بإحاطة شاملة في كتابه «الدادائية» المنشور في بيروت سنة 1970، كما أنه كتب عن السوريالية وتبدياتها العربية في قصيدة النثر والفن التشكيلي، الكثير من الدراسات النقدية والمقالات الصحفية، منذ بداية بروزها على يدي اللبناني بشر فارس، بعد عودته من الدراسة الأكاديمية في ألمانيا، وبدأ ينشر منذ الثلاثينات الميلادية قصائده النثرية ومقالاته النقدية التجديدية، فوق صفحات مجلة رسالة الزيات التقليدية.


مقالات ذات صلة

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».