هل المتنبي أهم من الفارابي؟

في جدلية الشعر والفلسفة

هل المتنبي أهم من الفارابي؟
TT

هل المتنبي أهم من الفارابي؟

هل المتنبي أهم من الفارابي؟

بدايةً، دعونا نطرح هذا السؤال: هل المتنبي أهم من الفارابي الذي كان معاصراً له في بلاط سيف الدولة؟ بلا شك. لأن فلسفة الفارابي تجاوزها الزمن، في حين أن شعر المتنبي لا يمكن أن يتجاوزه الزمن. بعد ديكارت وكانط وهيغل وماركس ونيتشه وهيدغر وغيرهم، أصبحت فلسفة الفارابي في ذمة التاريخ، وكذلك فلسفة القرون الوسطى كلها. النظريات الفلسفية يتجاوز بعضها بعضاً بمرور الزمن، وكذلك النظريات العلمية. كوبرنيكوس وغاليليو ونيوتن تجاوزوا كلياً تصورات بطليموس وأرسطو عن الكون. أصبحت أضحوكة أو غلطة كبيرة. الأرض هي التي تدور حول الشمس، وليس العكس يا سيد أرسطو، ويا سيد بطليموس. ولكن من يستطيع أن يتجاوز شعر هوميروس، الذي عاش مثل أرسطو وبطليموس، قبل ثلاثة آلاف سنة؟ لا أحد. في الشعر لا يوجد تقدم أو تأخر. لا يوجد شعر تقدمي، وشعر رجعي. يوجد شعر أو لا شعر. نقطة على السطر، بودلير كان رجعياً كبيراً، عكس فيكتور هيغو ولكن شعره باقٍ يتحدى الزمن والعصور. ثم مَن يستطيع أن يتجاوز هذه الأبيات الخالدة للنابغة الذبياني؟

«سقط النصيف ولم ترد إسقاطه

فتناولته واتقتنا باليد»..

لقطة جمالية، أكاد أقول لقطة سينمائية من أرقى ما يكون. إنها قصيدة «المتجردة»، وما أدراك ما المتجردة؟ زوجة النعمان بن المنذر: أميرة عربية! يقال إنها كانت أجمل نساء العالم: لا بريجيت باردو، ولا مارلين مونرو، ولا من يحزنون... الجمال العربي يجبُّ ما قبله وما بعده. كم يتمنى المرء لو أنه رآها، تعرَّف عليها؟ ولكن لها حفيدات كثيرات: لا تخافوا! لنكمل قليلاً:

«زعم الهُمام بأن فاها باردٌ

عذبٌ إذا قبلته قلت ازددِ

زعم الهُمام ولم أذقه بأنه

يُروى بطيب لثاتها العطشُ الصَّدِي»

هذه الأبيات قيلت قبل 1500 سنة، ومع ذلك فلا تزال تُعايشنا وتُعاصرنا. لا تزال تهزُّنا. هنا تكمن عبقرية الشعر العربي.

ما علاقة ديغول بنيتشه؟

أيّاً ما يكن، فكل شيء يذهب مع الريح، يتبخر في الهواء، ويبقى الشعر: أي اللاشيء، الفراغ، العدم، التلاشي... يبقى هذا الهيجان الداخلي الذي يحتاج لشحنات شعرية من وقت لآخر بغية امتصاصه وتهدئته، ولو مؤقتاً: بغية إشباعه. بهذا المعنى فإن قصيدة واحدة للمتنبي أو البحتري أو ابن زيدون تبقى أهم من كل العلاجات التي قد أشتريها من الصيدلية الباريسية. فما عدت أتداوى من أمراضي إلا بالشعر أو الأدب بشكل عام. ولكن دون أن أُشفى نهائياً لحسن الحظ! يبقى الشعر كفاكهة، علاجاً للروح التي لا علاج لها. نعم تبقى بعض القصائد التي نترنّم بها في خلواتنا عندما يرحل كل شيء وندخل في مرحلة الفراغ والتيه، فراغ مفتوح على فوهة المجهول والمحتوم. من يعلم أن شارل ديغول كان يترنم في أوقات يأسه وإحباطه من الفرنسيين بأبيات من فريدريك نيتشه؟ من يستطيع أن يتخيل وجود أي علاقة بين ديغول ونيتشه؟ أبعد من السماء عن الأرض! ومع ذلك فكثيراً ما تفاجأ ابنه الأميرال فيليب ديغول وهو يسمعه يردد في خلواته هذه الكلمات النيتشوية بصوت عال أو خافت، ربما:

«لا شيء يساوي شيئاً

لا شيء يحصل أصلاً تحت الشمس

ومع ذلك فكل شيء يحصل

ولكن بلا جدوى.

لا شيء له معنى في نهاية المطاف»

الترجمة الحرفية: حتى المعنى فقَد معناه. حتى المعنى أصبح أجوف فاغراً فاه. ما معنى الوجود، في نهاية المطاف، إذا كانت النهاية معروفة ومحتومة؟ كل شيء باطل في باطل وقبْض الريح... لماذا كنت معجباً في شبابي الأول بكتب إبراهيم عبد القادر المازني. عناوينها فقط تُحدث قشعريرة في نفسي، تتناغم مع أعماق روحي: حصاد الهشيم، قبض الريح، خيوط العنكبوت... إلخ. هذه النصوص وسواها هي التي أيقظتني لأول مرة على حب الأدب. كنت في الثانوي أو بدايات الجامعة. ولهذا السبب تركت دراسة الطب في جامعة حلب، وسجلت نفسي في كلية الآداب بجامعة دمشق. أبيع الدنيا كلها من أجل عيون الأدب. الأدب ديدني ومعبودي.

هذا لا يعني بالطبع أن ديغول كان عدمياً مثل نيتشه، وإلا لمَا تحرّك من أرضه وقاد الرجال وغيَّر وجه فرنسا وأنقذها مرتين: مرة أولى من جحيم النازية إبان الحرب العالمية الثانية، ومرة ثانية من جحيم المغطس الاستعماري الرهيب في الجزائر. ولم تكن الثانية أسهل من الأولى، على عكس ما نظن. ولكن في لحظات اليأس والإحباط واستعصاء الفرنسيين عليه، كان يستسلم لمثل هذه الأفكار السوداء والمواقف النيتشوية، قبل أن ينتفض مرة أخرى كالعملاق من أعماق الخواء العدمي، لكي يتدخل في مجرى الأحداث ويغير مجرى التاريخ.

ماذا يستطيع الزمن أن يفعل بلوحات فان غوخ أو قصائد هولدرلين؟

هناك شيء واحد يستطيع أن يقاوم الموت أو الفناء أو العدم أو الحياة الهاربة من بين أصابعنا في كل لحظة، هو: الفن. الشعر، الجنون، اللوحات الخالدة: ربات الجمال... ماذا تستطيع السنون أو القرون أن تفعل بقصائد هولدرلين أو لوحات فان غوخ؟ ماذا تستطيع السنون أو القرون أن تفعل بلوحته الخالدة التي رسمها في مدينة آرل، جنوب فرنسا: «السماء المرصعة بالنجوم»؟ العنوان بحد ذاته قصيدة شعر، وأيّ شعر! وهي تساوي الآن عشرات الملايين من الدولارات، وربما مئات الملايين، في حين أنه كان جائعاً عندما رسمها، ثم سرعان ما انتحر بعدها بقليل. هل يمكن لتراكمات الزمن أو تكلساته أن تصيب قصائد هولدرلين بالتجاعيد أو الأخاديد؟ فلسفة صديقه هيغل شاخت، على الرغم من عظمتها وجبروتها، ولكن أبيات هولدرلين لا تشيخ... هل يمكن للشعر أن يشحب، كما تشحب النظريات الفكرية أو الفلسفية المتعاقبة وراء بعضها البعض؟ أبداً، لا. الشعر لا يموت، الشعر لا يشيخ، على عكس الفكر: الشعر يبقى كما هو، حياً أبد الدهر. بهذا المعنى فإن الشعر يتفوق على الفلسفة، بل يتفوق حتى على النظريات العلمية التي يلغي بعضها بعضاً أو يتجاوزها، كما ذكرنا آنفاً. أما في مجال الشعر فسوف يضحكون عليك إذا ما قلت إن رامبو ألغى هوميروس، أو أن أحمد شوقي ألغى المتنبي؟ من يستطيع أن يتجاوز المتنبي أو يلغيه؟ لم تخلقه أمه بعدُ...

لنستمع الآن إلى بعض الشعر:

الربيع

آه، يا لسطوع الشمس وأزهار الأرياف!

الأيام تجيء، غنية بالأزهار، الأيام وديعة

المساء أيضاً له أزهاره. ونهارات مشرقة تنزل

من السماء، هناك حيث تولد الأيام..

***

هاهي السنة، مع فصولها،

كالمجد أو كالأعياد تنتشر...

الإنسان يستعيد أعماله ويفكر بأشياء أخرى

وكالإشارات في هذا العالم، وفرةُ المعجزات!..

آه، أيها الوطن!

البحّار يعود فرحاً إلى النهر الهادئ

بعد أن يكون قد جنى حصاده من الجزر البعيدة

أودّ مثله أن أعود إلى بلادي

ولكن ماذا حصدت غير الألم؟

***

أيتها الضفاف التي أحاطت بطفولتي

هل تعرفين تهدئة عذابات الحب؟

وأنتِ يا غابات بلادي، هل تعرفين

عندما أعود، أن تعيدي لي سلام الأيام القديمة؟

( هولدرلين)

وأخيراً، ماذا يمكن أن نقول عن هذا الموضوع الشائك: هل الشاعر أهم من الفيلسوف أم لا؟ والجواب هو أن كليهما مهم، وإنْ لسبب مختلف؛ فالشاعر يُمتعنا ويطربنا: يدوخنا، بل قد يحدس بالأشياء حدساً قبل أن تحصل، ولكن الشاعر لا يستطيع أن يحل مشكلة العصر، الشاعر لا يستطيع أن يحقق لنا أعظم الانفراجات بعد الانسدادات. الشاعر عاجز عن حل عقدة العُقد الموجعات. وحده الفيلسوف - بالمعنى الحديث والعميق للكلمة - قادر على ذلك. الشاعر يستخدم الخيال الخلاق والشطحات الرائعات. شكراً له. أما الفيلسوف فيستخدم العقل التحليلي الجبار القادر على اختراق غياهب الظلمات كالرادار. وهنا آنَ الأوان لكي نعطي الأولوية للفيلسوف على الشاعر؛ فهو وحده القادر على حل المشكلة التي تؤرق العصر، لهذا السبب أقول إن العالم العربي، بل الإسلامي كله، بحاجة ماسّة الآن لكي يظهر الفيلسوف الكبير المنتظَر الذي سيحررنا من ظلمات العصور. الآن زمن الفكر لا زمن الشعر. هذا ما حصل في فرنسا عندما ظهر ديكارت أو ألمانيا، عندما ظهر كانط أو هيغل. الفلاسفة الكبار بهذا المعنى هم منارات العصور.


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.