ثلاث مدن وأربعة لقاءات

 الشاعر عبد المنعم رمضان
الشاعر عبد المنعم رمضان
TT

ثلاث مدن وأربعة لقاءات

 الشاعر عبد المنعم رمضان
الشاعر عبد المنعم رمضان

تعرضت لفتنة محمود درويش في زمن مبكر، كنت طالبا على حافة الجامعة، بعمر يدور حول الثمانية عشر عامًا مما جعلني رومانسيًا، وبعزلة جعلتني مفردًا بصيغة المفرد، ففى العام 1969، وفى سبيل الانتصار على آثار نكسة 1967، أصدر رجاء النقاش كتابه محمود درويش شاعر الأرض المحتلة، مازلت أذكر طبعته فى سلسلة كتاب الهلال، كنت قادمًا من شعر المدارس الذي ألزمونا بدراسته بدعوى أنه شعر كل العصور، وبسببه وبسبب عزلتي وبسبب عمري أصبحت أسيرًا لشعر الرومانسيين، لولا وقوعي على بعض شعر التالين عليهم والذين كانوا يحاولون البحث عن أرض جديدة، مثل صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطى حجازى، كلاهما كان يحاول إسدال الستائر على الباقي فيهما من الرومانسية، كلاهما كان يحاول أن ينتقل من عامه السادس عشر، إلى عامه التاسع عشر وما بعده، لذلك فوجئت مرتين، مرة ذكراها مشوشة في رأسي، وذلك عندما قرأت ديوان "آخر الليل" لمحمود درويش ضمن مواد أحد أعداد مجلة الهلال، كان عنوان الديوان مضخة تفاؤل مطلوب بعد نكسة 67، آخر الليل نهار، وفيه قرأت قصائد درويش عن ريتا، بين ريتا وعيوني بندقية، وريتا سوف تظل فى ذاكرتي إلى أن رأيت صورة لها منذ وقت قريب، فى إحدى الصحف، لكنني رغم حرصي على الاحتفاظ بالصورة فقدتها للأسف.

أعود إلى ما سبق أن قلته، فوجئت مرتين، فبعد ديوان آخر الليل، صدر كتاب رجاء النقاش عن محمود درويش شاعر الأرض المحتلة، في سلسلة كتاب الهلال، الحقيقة أننى لا أذكر أيهما سبق الآخر، سيغريني الشعر المضموم في كتاب رجاء بتكرار قراءته، وسيغرينى أكثر بمحاولة الخروج على ما أكتبه من شعر عمودي، مثلما أغراني شعر صلاح وحجازي وأدونيس، فيما بعد، وعندما دعاني غالى شكري إلى منزله في سهرة على شرف محمود درويش، الذي سبق أن التقيت به، سألته عن المدعوين، فذكر لى اسم رجاء النقاش وزوجته واكتفيت، فى بيت غالي أتى آخرون، سمير سرحان، والسيدة بروين حبيب، فيما أذكر، وأظنها كانت مذيعة تليفزيونية، وصديقي الشاعر محمد سليمان، طوال السهرة كان الأكثر أناقة بيننا جميعًا وربما الأكثر حيوية هو محمود درويش، ولما اقترح أحدهم أن نسمع شعرًا، وطولبت بالقراءة، لم أعتذر، لكننى اشترطت أن يقرأ محمود درويش أيضًا، الذي بلغة قاطعة، بدت وكأنها قاطعة دائمًا، قال لي: لا حقًّ لك في ذلك، لأنك كنت منذ يومين مدعوًا إلى منزل حسن طلب بمناسبة وجودي، لكنك لم تحضر، هناك أنا قرأت، وهنا عند غالي أنت ستقرأ، فانحنيت أمام بلاغته، وقرأت ما قرأت، وهكذا تواددنا، حتى أنه دعاني لحضور ندوته بعد أيام بالجامعة الأمريكية، أذكر أنني عندما أوشكت على دخول القاعة لمحته جالسًا على المنصة.

كان الجمهور غفيرًا، في صفه الأول يجلس محمد حسنين هيكل، بعدما جلست نظرت فى اتجاهه، أعني في اتجاه درويش، فوجئت به يومئ لي برأسه، فأحطت بمهارة جديدة من مهاراته، مهارة اللياقة الاجتماعية واليقظة، صحيح أنه كانت على رأس هذه المهارات قدرته على حشد المفردات الجميلة إلى حد أنني كنت أتمنى أحيانًا وأنا أقرأه أن ينخدش هذا الجمال ببذاءة ما، ذات زيارة تالية أخرى لمحمود درويش، وفى القاهرة، اصطحبتني صديقة صحافية إلى شقة السيدة منى أنيس بوسط البلد، حيث سيكون محمود درويش هناك، وفور دخولي أحسست بأنني غريب حقًا على العائلة، فأجبرت نفسى على الانصراف السريع بعد أن رأيت (محمود) منسجمًا وسط لفيف من يساريين ويساريات كانوا يدللونه، قلت لنفسي: لم يبق إلا الانصراف، وذلك خشية أن أفسد علاقتي بمحمود وبصاحبة المكان وبالصديقة التي اصطحبتني معها، الغريب أنني لا أذكر الآن اسمًا واحدًا ممن رأيتهم، كأن ذاكرتي أصرت على نسيان هذا اللقاء، عمومًا هذان اللقاءان في بيت غالي شكري الذي تبعته ندوة الجامعة الأمريكية، وبعده فى شقة منى أنيس، يجبراننى على أن أتذكر المرة الأولى التي التقيته فيها.

في سنة 1993، كانت وزارة الثقافة الفرنسية قد دعت وفدًا أدبيًا مصريًا مكونًا من تسعة روائيين وثلاثة شعراء، الروائيون هم لطيفة الزيات وإدوار الخراط وبهاء طاهر وإبراهيم أصلان ومحمد البساطى وجمال الغيطانى وإبراهيم عبد المجيد ونبيل نعوم وسلوى بكر، والشعراء أحمد عبد المعطى حجازى ومحمد عفيفى مطر وعبد المنعم رمضان، الشعراء دائمًا أقلية، وكانت التظاهرة هذه ذات اسم لافت، "المغتربات الجميلات"، والمقصود بالمغتربات آداب اللغات الأخرى غير الفرنسية، ولأن العام السابق على تظاهرتنا، أى عام 1992، كانت حفاوته معقودة للأدب الإسرائيلي، هكذا أبلغونا، لذا فإن فرنسا الحريصة دائمًا على إحكام توازناتها السياسية، اختارت الأدب المصري، أيامها كان محمود درويش يقيم في فرنسا، يقيم كشاعر نجم فوق العادة، لذا زارنا في فندق الإقامة ليرحب بنا، وبعفوية غالبًا مقصودة، أبلغنا اعتذاره عن عدم حضور حفل الافتتاح، لأنه فى الوقت ذاته، سيكون على منصة مركز اليونسكو، يقرأ بعضًا من شعره، بينما كانت احتفاليتنا في مكان بعيد عن قلب المدينة، كانت في مركز بومبيدو، المقام حديثا، عمومًا المنظمون الفرنسيون خصصوا لنا قاعة صغيرة متوقعين أن الحضور سيكون محدودًا، لكن حمّى "الإجيبتومانيا"هزمت توقعاتهم، فأتى الفرنسيون بأعداد أجبرت المسئولين على تأجيل الافتتاح لساعة أو أكثر، ربما ساعتين، حتى يتم تجهيز أكبر قاعة.

الحضور كلهم تقريبًا كانوا فرنسيين وفرنسيات، بعض شعراء الوفد المصري وبعض روائييه الذين يعرفون محمود درويش معرفة أوثق من معرفتي، غضبوا، بعضهم رأى ندوة درويش فعلا مقصودًا، أعترف أنني غضبت مثلهم، لكنني فيما بعد، سوف أراجع نفسي واضعًا في اعتباري أن السنة السابقة على سنتنا كانت "المغتربات الجميلات" تحتفل بالأدب الإسرائيلي، وأن لعبة التوازنات الفرنسية المعهودة، ألزمتهم باستضافة مصر في العام التالي مباشرة، عندها قلت لنفسي، لابد أن درويشًا رأى وجوب التزام اللعبة الفرنسية باستضافة الأدب الفلسطيني، فهو المعادل اللازم للأدب الإسرائيلي، كما يرى هو لا كما يرى الغرب، عند ذاك همست لنفسي، ثم جهرت لها ولبعض زملائي، وقلت: معه كل الحق، لو أنني مكانه لفعلت ما فعله، لو أنني مكانه لغضبت من مصر والمصريين، لو أنني مكانه لغضبت من الغرب، والغريب أنني تماديت وأكبرت فعل درويش، مما أثار إعجاب لطيفة الزيات كما أخبرتني فيما بعد. في برلين التقيت للمرة الثانية مع درويش، كانت الشاعرة العراقية أمل جبوري وراء تنظيم مهرجان للشعر العربي ببرلين، على أن ينقسم إلى أمسيتين في يومين متتاليين، الأولى ستضم محمود درويش وأمجد ناصر ووديع سعادة وأمل جبوري وفقرة غنائية من الطبيعي أن تكون من شعر درويش، والثانية ستضم أدونيس ولميعة عباس عمارة وعباس بيضون وعبد المنعم رمضان وفقرة غنائية من الطبيعى أيضًا أن تكون من شعر أدونيس، كنت سعيدًا جدًا بمصادفة رؤيتي للميعة عباس عمارة، واستعادة ذكرى أنها أولى محبوبات بدر شاكر السياب، وأنها من الصابئة، في الأمسية الأولى، كنت أجلس خلف درويش وأمجد، وذات لحظات مال أمجد على أذن درويش وأسرّ له بشيء، بعدها هب درويش واقفًا وغادر الأمسية، بالطبع لحقت به أمل جبوري بصفتها المنظمة، علمنا فيما بعد أن (درويش) كان ثائرًا بسبب ما بلغه فورًا عن أن الفقرة الغنائية ستكون من شعر أمل جبوري، وتمت تسوية الأمر وإعادته إلى صوابه، فالغناء لابد أن يقترن بنجم الأمسية، ودرويش نجم الأمسية وكل أمسية، في أثناء ذلك لم أستطع تحديد موقفى من درويش، هل أنا معه، أم أنه كان من الواجب أن يتعفف، هل فعله ينتسب إلى خفة الكائن التي لا تحتمل، أم هو فعل مشروع.

وفى هذه الرحلة الألمانية زارنا نصر حامد أبو زيد شبه المنفى في هولندا بسبب قضية تكفيره، وكانت حواراته مع أدونيس في الموضوع ذاته، في رؤية نصر ورؤياه هو، بينما كانت حواراته مع درويش فيما يحيط الموضوع من قضايا ومخاوف سياسية، وكمصريين، نصر وأنا، انشغلنا بمراجعة موقف جابر عصفور من قضية نصر بصفته صديقنا المشترك، وبصفته اتخذ موقفا يستحق المراجعة، رأيناه نحن الاثنين موقفا مائعًا، بقيت مناسبة أخرى جمعت بينى وبين ظلال محمود درويش، وذلك عندما قررت مجلة الكرمل التي كان يرأس تحريرها آنذاك محمود درويش أن تخصص عددها رقم 14 للأدب المصري، على أن يرأس تحرير هذا العدد إدوار الخراط، كان إدوار أيامذاك "عراب الحداثات المتتالية" وكاهنها، منذ الستينيات حتى التسعينيات، وكان كذلك صاحب" رامة والتنين" التي أحاطتها نميمة لطيفة حول رامة ومحمود، وكأن (محمود) هو الشاعر الذي غلب إدوار في علاقته برامة، عمومًا جاء العدد ممثلًا في الأغلب لحداثيي: 1- الستينيات التى يغلبها السرد الروائي والقصصي، 2- السبعينيات التي يغلبها الفعل الشعري بجناحيه "إضاءة وأصوات "، ولأن سليم بركات، كما أشيع، كان المسئول الفعلي عن المجلة، بينما درويش كان السيد الرئيس، فإن ثمة تدخلات من سليم أدت إلى إصدارنا بيانا يندد بخروج "الكرمل" على آداب النشر المعهودة عندنا كعرب، مثل تدخلات سليم بركات بالحذف والتعديل فى بعض النصوص دون حتى مراجعة أصحابها، لم يكن نصي ضمن هذه النصوص، أيامها شاركت في التوقيع على البيان غير أنني حافظت على إعجابي بما يكتبه سليم، مع العلم أن البيان صادف هوى الإذاعة في إسرائيل، فأذاعته أكثر من مرة مما أدى إلى غضب درويش وسليم، وغضب إدوار الخراط أيضًا، المهم أن موت درويش المبكر حرمنا من إكمال ما كانت كتاباته الأخيرة تدلنا عليه، فقد فطن متأخرًا إلى ضرورة أن تكون حركته الشعرية رأسية تجتهد في الحفر، بدلًا من كونها أفقية - في الغالب- تجتهد في الاتساع، كما فطن أيضًا إلى أن المسافات الشعرية بينه وبين الباقين آنذاك من رفاقه مثل سميح القاسم لابد أن تجعله في مكان بعيد وتبقيهم في أماكنهم، فالأخوة الإنسانية ليست الأخوة الشعرية، ورسائل محمود درويش وسميح القاسم عجزت عن تصويرهما كندين أو كأخوين، وحافظت على التفاوت الواسع مثلما حدث في حوار المشرق والمغرب، بين محمد عابد الجابري وحسن حنفي، حيث بدا التفاوت لصالح عابد الجابري. مات محمود درويش قبل أن يستمتع طويلًا بجحيمه الخاص وجنته الخاصة، وبخصومة محبيه، مات محمود درويش وهو على بُعد خطوات من فرادة حقة كان ينبغي أن تليق به، لولا أنه ظنها حياة وحشية، مع ضرورة الاعتراف بأن ما سيبقى من شعره كاف لدوام وجوده، كاف للسفر عبر الأزمنة.


مقالات ذات صلة

مصر: جدل «التداعيات الاقتصادية» لا ينحسر مع مؤشرات التهدئة بالمنطقة

شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري خلال اجتماع مع وزير المالية لبحث نتائج اجتماعه مع صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

مصر: جدل «التداعيات الاقتصادية» لا ينحسر مع مؤشرات التهدئة بالمنطقة

لا يزال جدل «التداعيات الاقتصادية» للحرب الإيرانية على مصر، مستمراً في مصر، رغم مؤشرات التهدئة في المنطقة أخيراً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من اجتماع سابق داخل حزب «الوفد» المصري (حزب الوفد)

خلاف بين أحزاب مصرية على أسبقية تعديلات «قوانين الأسرة»

منذ أن وجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكومة بإدخال تعديلات على القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية، نشطت أحزاب للتعبير عن رؤيتها بشأن هوية القوانين الجديدة

عصام فضل (القاهرة)
شمال افريقيا وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان يبحثون مسار المفاوضات الأميركية-الإيرانية (الخارجية المصرية)

لقاءات مصرية مكثفة في أنطاليا لمواجهة تداعيات حرب إيران

لقاءات مصرية مكثفة تعقد على هامش أعمال منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية وإنجاح مسار المفاوضات بين واشنطن وإيران.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أثناء لقائه الرئيس الصومالي على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي (الخارجية المصرية)

مصر تؤكد التزامها بدعم الصومال سياسياً وعسكرياً وأمنياً

أكدت مصر مواصلة دعم الصومال في مختلف المجالات السياسية والعسكرية والأمنية والإنسانية، وذلك في ضوء العلاقات القوية بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا  جانب من تطوير ميناء سفاجا بالبحر الأحمر في مصر (وزارة النقل المصرية)

توترات «هرمز» تدعم الربط عبر موانئ السعودية ومصر

تدعم توترات الملاحة في مضيق هرمز الربط التجاري بين موانئ السعودية ومصر بما يوفر منفذاً جديداً لسلاسل الإمداد بين دول مجلس التعاون الخليجي وأوروبا

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.