سيرة المرأة الأسطورة و«الجمال القلق»

مذكرات صوفيا لورين في ترجمة عربية

صوفيا لورين في فيلم أفريقيا تحت البحار
صوفيا لورين في فيلم أفريقيا تحت البحار
TT

سيرة المرأة الأسطورة و«الجمال القلق»

صوفيا لورين في فيلم أفريقيا تحت البحار
صوفيا لورين في فيلم أفريقيا تحت البحار

«كنت أحس دوماً أنني جميلة، إلا إنه نوع قلق من الجمال لم يكن كافياً بحد ذاته. فالجمال يمكن أن يتحول عيباً إذا ما علقت أهمية كبيرة جداً عليه. إنه يجعلك تحلق أعلى، ثم بغتة يدعك وشأنك فتتشقلب. إلا إن السحر هو هبة طبيعية في حقيقة الأمر. إنه شيء غامض بخلاف الجمال الجسدي، وله حسنة أنه لا يذوي مع تقدم العمر».

ليس هذا النص الذي ورد في مذكرات الممثلة الإيطالية صوفيا لورين، هو النموذج الوحيد الذي يمكن الاستشهاد به للدلالة على ما تمتلكه نجمة هوليوود الشهيرة من ثقافة واسعة، وما تختزنه في داخلها من وعي عميق بالحياة، ولكنني اخترت الاستشهاد به في مقدمة هذه المقالة؛ لأنه لا يقارب مفهوم الجمال من الزاوية التي تتعدى محدودية الشكل وأعراضه الزائلة فحسب، بل إنه يعكس في الوقت ذاته تجربة لورين نفسها، حيث الجمال ليس معطى ناجزاً لحامليه، بل هو اختراعهم اليومي والاستحقاق الصعب الذي يجب أن ندفع أبهظ الأثمان من أجل المحافظة عليه.

ولعل أكثر ما يستوقفنا في كتاب لورين، الذي نقله إلى العربية الكاتب والمترجم العراقي علي عبد الأمير صالح، هو قدرة المؤلفة على الجمع بين الصدق التعبيري والسرد الحكائي الممتع الذي يجعل من العمل شبيهاً بشريط سينمائي بالغ التشويق. كما تركز بطلة «امرأة النهر» على أن ما بلغته من نجومية لم يكن ليحجب بأي حال ذلك الجرح العاطفي التأسيسي الذي حفره في داخلها غياب الأب، ولم يعرف طريقه إلى الاندمال. أما الجانب الآخر من معاناة صوفيا، فكان متصلاً بالوضع المادي المتواضع الذي كانت واجهته العائلة في حقبة طفولتها المبكرة. ورغم أن جدَّي الطفلة وأمها قد بذلوا ما في وسعهم لكي يوفروا لها الحدود الدنيا من مستلزمات العيش الكريم، فإن ذلك لم يمنعها من القول فيما بعد: «الجوع هو الموضوع الرئيسي في طفولتي». وهي تشير في الكتاب إلى نحولها الشديد الذي جعل كثيرين يلقبونها «عود نبش الأسنان»، كما تتحدث بإسهاب عما عانته عائلتها في سنوات الحرب العالمية الثانية التي خرجت منها إيطاليا مهزومة ومحطمة، لتضيف ما حرفيته: «مع مرور الوقت لم يعد بحوزتنا مال ولا إمدادات، ولم تكن لدينا كسرة خبز واحدة لنأكلها».

غلاف المذكرات

وإذا كان تزمت جدي لورين هو الذي حرم أمها الجميلة من الوصول إلى هوليوود، فإن الأم المتنورة قد وجدت في دعمها الابنة فرصتها الملائمة للتعويض عما تم حرمانها منه، حيث لم تكد الأخيرة تفوز في إحدى مسابقات الأداء حتى غادرت العائلة إلى روما، لتتصدر صوفيا لازارو غلافات «الرومانسيات الفوتوغرافية»، التي يسرت لها سبل الانتقال من «بطة صغيرة قبيحة إلى بجعة جميلة»، وفق قولها الحرفي، وقبل أن توفر لها الأقدار طوالع أكثر إيجابية من ذي قبل.

أما النقلة الأهم في حياة صوفيا فتمثلت في تعرفها عام 1950، في أثناء اشتراكها في مسابقة «ملكة جمال إيطاليا»، إلى المنتج الإيطالي كارلو بونتي الذي كان عضواً في لجنة التحكيم. ورغم أن اللجنة اكتفت بمنحها لقب «ملكة جمال الأناقة»، فإن سحر المتسابقة السمراء ذات القوام الممشوق، ترك تأثيره البالغ على الرجل الذي سبق له أن اكتشف جينا لولو بريجيدا ولوسيا بوسي... وأخريات. وإذ أسند كارلو إلى صوفيا أدواراً بسيطة في بداية الأمر، فإنه لم يلبث أن توسط لدى صديقه المنتج غوفريدو لومباردو لكي يمنحها فرصتها الملائمة للانطلاق. ولم يكتف لومباردو بإسناد دور رئيسي إلى لورين في فيلمه «أفريقيا تحت البحار»، بل اقترح عليها اسمها الفني صوفيا لورين، الذي سيلازمها بعد ذلك على طريق الشهرة والمجد.

أما المخرج الإيطالي فيتوريو دي سيكا الذي آمن بموهبة لورين العالية عادّاً أنها تملك في داخلها كل مستلزمات العودة إلى ينابيعها الطفولية الأولية، فقد أسند إليها دوراً شديد الخصوصية في «فتيات البيتزا»، محرضاً إياها في الوقت ذاته على التمثيل «بكل أحاسيسها، وبرأسها وجلدها وأحشائها وقلبها وذكرياتها». ولم تخيب صوفيا ظن دي سيكا بها، فتقمصت روحية فتاة البيتزا وشكلها وحركاتها مندفعة برأس مرفوع وبتوثبٍ محموم نحو حقول الحياة المَوّارة بالأحلام، لتكر بعد ذلك سبحة الأفلام العظيمة والمتنوعة التي لعبت في معظمها دور البطولة.

ولم تكن أهمية الكتاب مرتبطة بالجانب الشخصي من سيرة المؤلفة فحسب؛ بل بحرصها الشديد على تقديم صورة بانورامية عن عصر السينما الذهبي، دون أن تتوانى عن إظهار الجوانب السلبية لعالم هوليوود الحافل بالمكائد والمنافسات غير الشريفة. لكنها تحرص في المقابل على إظهار الجوانب المضيئة لذلك المسرح المفتوح الذي يتنافس فوقه مبدعون خلاقون يتقاسمون الابتهاج بالظفر، ويشد بعضهم أزر بعض في أوقات الشدة.

كما تتحدث لورين بإسهاب عن المطبات التي سبقت زواجها من كارلو بونتي، لا بسبب فارق العمر الذي يتجاوز العقدين فحسب؛ بل بسبب التعقيدات التي واجهت طلب طلاقه من زوجته الأولى التي أنجبت منه طفلين اثنين، بما دفع المحاكم الإيطالية إلى اعتبار زواج الثنائي العاشق نوعاً من الزنا، وأجبرهما على مغادرة البلاد لسنوات عدة، قبل أن يُزج بصوفيا في السجن لشهر كامل لدى إصرارها على العودة إلى بلادها. إلا إن تجربة السجن على مرارتها، هي التي وفرت لها السانحة الملائمة لاكتشاف موهبتها الأدبية وصولاً إلى كتابة هذه المذكرات. ومع إقرار صوفيا باللحظات الصعبة التي شهدها زواجها من بونتي، كصفعه إياها بقسوة بسبب غيرته من غاري غرانت، إلا إن تلك العلاقة، وخلافاً لمعظم العلاقات الزوجية المماثلة بين الفنانين، استطاعت أن تصمد بثبات لعقود عدة، قبل أن يسدل موت بونتي عام 2007 الستار على فصلها الختامي.

ليست أهمية المذكرات مرتبطة بالجانب الشخصي من سيرة المؤلفة فحسب؛ بل أيضاً بحرصها الشديد على تقديم صورة بانورامية عن عصر السينما الذهبي

ومع ذلك، ورغم حرص لورين على تقديم نفسها للقارئ بقدر وافر من الجرأة والصدق، فإن المرء يشعر بأن جزءاً من السيرة قد جرى إخفاؤه والسكوت عنه، خصوصاً في الجانب العاطفي منها. وإذا كان أحد الأسباب هو تكوين صوفيا الخفر وما يحمله الإيطاليون من بعض السمات المشرقية المحافظة، فإن السبب الآخر هو، على الأرجح، عدم رغبة صوفيا في جرح مشاعر زوجها الغيور، وولديها اللذين حرصت دائماً على أن تلتزم تجاههما بصورة الأم الطافحة بالحنان والحب. ومع أن سياق السيرة يشير إلى علاقة الصداقة والإعجاب التي ربطت بين صوفيا وكل من فيلليني وهيتشكوك وشارلي شابلن وريتشارد بيرتون وعمر الشريف، أو إلى مشاعر الجفاء وعدم الارتياح التي خصت بها كلاً من غاري غرانت ومارلون براندو، فإن القراءة بين السطور تقدم إشارات دالة على أن ما ربطها بمارسيللو ماستروياني كان أمراً يتجاوز الصداقة إلى العشق والحب، وهو الذي كتبت في رثائه عند رحيله: «لم أشأ أن يختلط وجعي بأوجاع الآخرين. في يوم جنازته بعثت حشداً من أزهار الأوركيد الأرجوانية الفاتحة، فربما ترافقه نضارتها في رحلته، وتهبه الحب الذي سأضمره له إلى الأبد». والأمر نفسه ينسحب على غريغوري بك، الذي ربطتها به؛ في أغلب الظن، علاقة حميمة، بعد أن شاطرته البطولة في فيلم «أرابيسك»، حتى إذا التقته فجأة بعد سنوات من الانقطاع، كتبت بلا مواربة: «كان هناك واقفاً قبالتي كما لو أن لحظة واحدة تحولت إلى أبدية. في نظرته المدهشة، في التلعثم الطفيف الذي أظهره، لمحت عالماً من الأشياء التي كان يود الإفصاح عنها، إلا إنه لم يفعل؛ ولن يفعل أبداً».

وإذا كان الإقرار بنجومية صوفيا لورين وبأنها، إلى جانب غريتا غاربو، مثل مارلين مونرو وبريجيت باردو وأخريات، قد دمغت بجاذبيتها الأنثوية وحضورها الآسر عصراً بكامله، فإن الدلالة الأهم لكتاب مذكراتها لا تنحصر في امتلاكها ناصية السرد فحسب؛ بل في ثقافتها الواسعة وقدرتها الفائقة على التوفيق بين المرأة المتفجرة أنوثة والزوجة المتفهمة والمترعة بالحنان الأمومي. ولعل أفضل ما أختم به هذه المقالة هو ما وصفها به روبرتو بينيني في احتفال تكريمها في هوليوود عام 2011، حيث قال: «عندما أسمع اسم صوفيا لورين أقفز، وأقفز ثانية؛ لأنه انفجار الحياة... إنها إيطاليا، بقدر ما هي إيطالية بامتياز. وحين تتحرك أو تمشي، نشعر بأن إيطاليا بأسرها هي التي تمشي».


مقالات ذات صلة

رحلة ناظم الزهاوي من عالم الأعمال إلى مزالق السياسة

ثقافة وفنون «الفتى القادم من بغداد»... رحلة ناظم الزهاوي من عالم الأعمال إلى مزالق السياسة

رحلة ناظم الزهاوي من عالم الأعمال إلى مزالق السياسة

يروي ناظم الزهاوي مسيرة حياته منذ سنواته الأولى في العراق حتى مسيرته السياسية البريطانية حيث تولى عدة مناصب وزارية في حزب «المحافظين»

ميرزا الخويلدي (الدمام)
أوروبا مذكرات ملك إسبانيا السابق خوان كارلوس «رجل جريح» (رويترز)

ملك إسبانيا السابق خوان كارلوس يعترف في مذكراته بارتكاب «أخطاء»

يصف ملك إسبانيا السابق خوان كارلوس نفسه بأنه «رجل جريح». في مذكراته الصادرة الأربعاء في فرنسا، التي يعترف فيها العاهل السابق بأخطائه.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير إلى جانب زوجته ميلانيا في البيت الأبيض (أ.ب)

ميلانيا ترمب تُصدر كتاباً صوتياً لمذكراتها بواسطة الذكاء الاصطناعي

حصلت السيدة الأميركية الأولى، ميلانيا ترمب، على مساعدة من الذكاء الاصطناعي لإنتاج نسخة صوتية من مذكراتها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الكتابة شكَّلت عزاءه (سيرا أرسلانيان)

مذكرات الصحافي هاروتيون زينيان إلى الضوء لإنصاف الأرمن

تُعجَب سيرا أرسلانيان بمثابرة جدِّها وإصراره، تراه اختزالاً لروح أرمينيا المتفوّقة على موتها، فلمّا عَبَر درب الاضطهاد ورأى أصناف المحو، حفظت ذاكرته المشهد.

فاطمة عبد الله (بيروت)
مذاقات ديكورات جميلة ولكن مذاق الطعام عادي (إنستغرام)

المطاعم و«إنستغرام»... قصة حب غير مكتملة

في الماضي، كان الناس يخرجون لتناول الطعام في مطعمهم المفضل وتذوق طبقهم الألذ فيه، أما اليوم....

جوسلين إيليا (لندن)

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».