لماذا ينتحر الشعراء؟

شعروا بأن قلوبهم أصبحت صحراء فارغة وأرواحهم ميتة

ريلكه  -  بول سيلان
ريلكه - بول سيلان
TT

لماذا ينتحر الشعراء؟

ريلكه  -  بول سيلان
ريلكه - بول سيلان

عبقرية كل أمة، شخصية كل أمة، تتجسد في شِعرها، في قصائدها. الشعر هو جوهر الأمم: إنه نسغها، لُبُّها، عصارتها. ما معنى الهند من دون طاغور؟ أو العرب من دون المتنبي؟ أو الفرنسيين من دون فيكتور هيغو؟ أو الإنجليز من دون شكسبير... إلخ؟ أو الإيطاليين من دون دانتي؟ أو الإسبان من دون سرفانتس؟... إلخ. الشعر هو اللغة، واللغة هي الشعر. كل الشعراء الكبار خلقوا لغة تدل عليهم، تفضحهم. وهذا ما ينطبق أيضاً على شعراء ألمانيا الكبار من أمثال غوته وهولدرلين وريلكه وحتى نيتشه. نعم نيتشه! لقد كان شاعراً كبيراً وليس فقط فيلسوفاً عبقرياً. لقد جمع المجد من طرفيه: مجد الشعر ومجد النثر. وهذا نادر. وتوَّج كل ذلك بالجنون!

من أهم شعراء القرن العشرين الذين تلوا عصر نيتشه نذكر ريلكه، وجورج تراكل، وبول سيلان، وآخرين كثيرين. كان ريلكه قد وُلد في براغ عام 1875 وابتدأ بكتابة الشعر بشكل مبكر جداً. ولكنه تنكّر فيما بعد لقصائده الأولى. ثم راح يرحل في البلدان بحثاً عن آفاق أخرى، فعاش في ألمانيا وبخاصة في مدينة ميونيخ الساحرة، حيث تعرف على تلك الحسناء اللعوب، لو أندريا سالومي، التي دوّخت عقول الرجال واستمتعت بذلك كل الاستمتاع دون أن تعطيهم شيئاً. اسألوا التعيس نيتشه! أما هو فقد أعطته كل شيء وأنقذته. ثم سافرا معاً في رحلة مشتركة إلى روسيا. وهناك قابلا تولستوي في مزرعته. ولكن اللقاء لم يكن جيداً لأن الكاتب الروسي الشهير كان في حالة نفسية يرثى لها بسبب الخصام العنيف والمتواصل مع زوجته صوفيا. ويبدو أنهما سمعا مشادة حادة وعنيفة جداً بينهما في الغرفة المجاورة. وقد خجلا عندئذ من نفسيهما إذ اطّلعا على ما لا ينبغي الاطلاع عليه. ألم نقل لكم إنه لا أحد مرتاحاً في هذه الحياة؟ لماذا تزوجت يا صديقي العزيز وأنت الغنيّ الأرستقراطي المترف الذي يستطيع أن يستغني عن الزواج؟ لماذا أنجبت 13 طفلاً فقط بالإضافة إلى الطفل رقم 14 بالحرام؟ لماذا أتعست نفسك بنفسك أيها الكاتب العظيم؟ لو بقيت حراً أعزب تتنقل من زهرة إلى زهرة، ومن بستان إلى بستان، أما كان ذلك أفضل؟ لا تلُمْ إلا نفسك. ولكن ما علاقتنا بالموضوع؟ لماذا نحشر أنفنا فيما لا يعنينا في كل مرة؟ ألا تكفيك مشكلاتك الشخصية أيها الإنسان المتفذلك المتغطرس؟ بأيِّ حق تعطي دروساً للآخرين؟ وهل الناس بحاجة إلى نصائحك أنت العاجز عن إنقاذ نفسك أصلاً؟

ثم ذهب ريلكه عام 1902 إلى باريس عاصمة الفنون والآداب والعشق والغرام، وفهمكم كفاية. وهناك تعرف على النحات الشهير رودان وأصبح سكرتيراً له، وظل يتردد على باريس طيلة اثنتي عشرة سنة متواصلة. وهناك تشكل ريلكه الحقيقي وابتدأ يكتب أعماله النثرية والشعرية الكبرى، ومن بينها رواية شهيرة بعنوان: «دفاتر مالت لوريدز بريدج»، 1910. وهي عبارة عن سيرة ذاتية مقنّعة. وذلك لأن بطل القصة ليس إلا توأم الكاتب ذاته. وهي تعد شكلاً ومضموناً أول رواية حديثة في اللغة الألمانية. وقد طرح فيها أسئلة ميتافيزيقية ووجودية أساسية: كالحب، والفقر، والموت، والخوف، والرعب، والهجران، والبحث عن الله. وفي عام 1912 ابتدأ كتابة مراثي الدوينو الشهيرة، ولم تنتهِ إلا بعد عشر سنوات عام 1922، حيث وصل إلى ذروة الكتابة الشعرية والفكرية والأدبية.

وبعد أن أنجزها شعر بفرح غامر وارتياح هائل وعرف أنه انتصر شعرياً وفلسفياً بالضربة القاضية! يقول عنها: «لقد أنهيتها خلال بضعة أيام فقط، لقد كان ذلك بمثابة عاصفة بلا اسم، كان إعصاراً روحياً داخلياً لم أشهده في حياتي كلها من قبل قط. لقد دمَّرني ذلك الإعصار وأحياني. الآن انتهيت وفرّغت كل ما عندي. لم يعد في أحشائي شيء. الآن يحق لي أن أتنفس الصعداء وأقول: لقد أنجزت مهمتي في الحياة». وبالفعل فقد مات بعدها بسنوات قليلة عام 1926 عن عمر يناهز الخمسين (مثل المتنبي).

على الرغم من كل إنجازاته وإبداعاته الخارقة هل تعلمون أن ريلكه لم ينل جائزة نوبل؟ وإنما نالها آخرون لا يصلون إلى كعب كعبه من حيث الإبداع والعبقرية. بل ولا حتى تولستوي نالها!

عجائز نوبل متى يستيقظون؟ متى يخجلون ويعتذرون؟

لنقرأ فقط هذا المقطع الصغير من قصيدة بعنوان: الصيف، أن تعيش لبضعة أيام معاصراً للورود منتعشاً بالجو المحيط بأرواحهن المتفتحة كان ريلكه مغرما بالورود إلى أقصى حد وبخاصة الورود الحمراء التي تنشر العطور حولها دائر ما اندار.... كان يسكر، يدوخ في مثل هذا الجو. كان يقدس الورود، يعبدها عبادة. وربما كان يعدها شخصيات حية مثل العشيقات. وما الفرق أصلاً؟ من المعلوم أن هذا الشاعر العبقري عاش فقيراً مدقعاً طيلة حياته كلها. وعلاوة على ذلك فقد كان يعيش على حافة الهاوية: هاوية القلق الجنوني القاتل والانهيار المؤجل في كل مرة عن طريق ضربة إبداعية خارقة.

هناك علاقة وثيقة بين العبقرية والجنون. وقد توقفتُ عندها مطولاً في كتابي الجديد الذي سيصدر لاحقاً عن «دار المدى» بعنوان: «العباقرة وتنوير الشعوب». أما الشاعر جورج تراكل فقد وُلد عام 1887 ومات منتحراً عام 1914 عن عمر لا يتجاوز السابعة والعشرين عاماً. وبالتالي فحياته الأدبية كانت قصيرة جداً، بل أقصر من حياة رامبو التي يُضرب بها المثل في القِصر. وعموماً تسيطر على أشعاره موضوعات كالخريف، والوحدة، والموت. لنستمع إليه يقول: على نافذتي يبكي الليل. الليل صامت ولكن الريح هي التي تبكي. الريح كطفل ضائع. لماذا تنتحب الريح وتعول هكذا؟

انحسار المسيحية عن وجه أوروبا الغربية في القرنين التاسع عشر والعشرين كانت له آثار كارثية

في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1914 امتص جورج تراكل كميات ضخمة من العقاقير الطبية أو المخدرات ونام إلى الأبد. وبموته يختفي أحد كبار الشعراء في ألمانيا. وربما كان قد جسّد في الشعر ذلك المذهب الانطباعي الذي ساد في فن الرسم آنذاك. وهو مذهب مولع بالطبيعة جداً. ومن أشهر ممثليه: مانيه، ومونيه، وديغا، وفان غوخ، وكوربيه، إلخ. وقد صوروا الطبيعة بشكل أخّاذ وفي كل الفصول. من لا يحب اللوحات الانطباعية؟ أنا شخصياً أذوب فيها ذوباناً. كما أسلفنا آنفاً على الرغم من قِصر عمره فإنهم يعدونه أحد كبار شعراء القرن العشرين. يقال إنه قُبيل انتحاره عبَّر لأحد أصدقائه الخلَّص عن القلق الرهيب الذي يجتاحه من الداخل ويكتسحه اكتساحاً. قال له إنه يخشى السقوط في بحر الجنون الكامل. وأضاف هذه الكلمات: آه يا إلهي! ماذا حصل لي؟ ما ضربة القدر التي وقعت على رأسي؟ ارفع معنوياتي يا صديقي. ارفع معنوياتي. قل لي إني لن أصبح مجنوناً. قل لي إني سأمتلك القدرة على تجاوز المحنة. طمئنّي يا صديقي. قل لي إني لست مجنوناً. لقد أطبقت عليّ ظلاميات مرعبة كالحجر الأصم، كالقبر. آه يا صديقي لقد أصبحت صغيراً جداً ومتهالكاً... إنني تعيس يا صديقي، إنني حزين جداً ومدمَّر. (رسالة فجائعية تفطر القلب). هذا هو جورج تراكل. وهذه هي ضريبة الشعر والمجد. البعض يقولون إنه كان مفجوعاً بشيء أساسي دمَّر الحضارة الغربية ألا وهو: فقدان الإيمان بالله. وهنا اسمحوا لنا أن نغامر بالأطروحة التالية، وهي: أن كل الجنون الذي أصاب الشعراء الأوروبيين، وكل الانتحار الذي ابتُلوا به له علاقة بانحسار الدين عن وجه المجتمعات الأوروبية. لقد شعروا بأن قلوبهم أصبحت صحراء فارغة، وأرواحهم ميتة، بعد غياب ذلك الحضور الهائل الذي كان يعمر القلب إيماناً بالكائن الأعظم الذي يتجاوز الوجود ويتعالى عليه. لا يمكن فهم الآداب الأوروبية، لا يمكن فهم غرقها في مستنقع العبث واللامعقول والجنون والمخدرات وكل أنواع الشذوذ، إن لم نأخذ هذه النقطة بعين الاعتبار. انحسار المسيحية عن وجه أوروبا الغربية في القرنين التاسع عشر والعشرين كانت له آثار كارثية ضخمة جداً. وكانت له آثار تحريرية هائلة جداً أيضاً! أما الشاعر بول سيلان فيعده البعض أهم شاعر ألماني بعد الحرب العالمية الثانية. وكان قد وُلد عام 1920 في رومانيا ومات منتحراً هو الآخر أيضاً في باريس عام 1970 بعد أن ألقى بنفسه من أعلى أحد الجسور الباريسية الواقعة على نهر السين. وقد انتحر في العشرين من شهر أبريل (نيسان) ولكنهم لم يكتشفوا جثمانه إلا بعد عشرة أيام، أي في الأول من مايو (أيار). (بين قوسين: لماذا ينتحر الشعراء كثيراً؟ ولماذا لم أنتحر أنا أيضاً؟ حتماً لأني لست شاعراً: فقط مجرد ثرثار على هامش الشعر...).


مقالات ذات صلة

يوميات الشرق ارتفعت العصا في يد هاروت فازليان فبدا كأنّ الصمت نفسه يستعدّ ليقول شيئاً (الجامعة الأميركية)

هاروت فازليان «في بحر الحبّ»: الموسيقى والشِّعر يُعيدان تشكيل الإنسان

بين صوت رفعت طربيه ونَفَس هاروت فازليان، وبين الشّعراء والملحّنين الذين مرّوا، ترك «في بحر الحبّ» للروح حقّها في أن تُصاب، ثم تتعافى، ثم تتّسع.

فاطمة عبد الله (بيروت)
صحتك وصلات الشعر الشائعة الاستخدام قد تصيب النساء بأمراض خطيرة (أ.ب)

احترسي... وصلات الشعر قد تصيبك بالسرطان واضطرابات الهرمونات

كشفت دراسة علمية حديثة عن وجود عشرات المواد الكيميائية السامة في منتجات وصلات الشعر (الإكستنشن) شائعة الاستخدام، بعضها مرتبط بالسرطان واضطرابات الهرمونات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
ثقافة وفنون دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمود البريكان... شعرية الاغتراب

محمود البريكان... شعرية الاغتراب

تجربة الشاعر محمود البريكان، بوصفه أحد شعراء الحداثة العراقيين، المجايلين للشاعر بدر شاكر السياب، منذ خمسينات القرن الماضي، تجربة شعرية متفردة إلى حدٍ كبير.

فاضل ثامر

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.