لماذا خنق ألتوسير زوجته؟ ولماذا جن نيتشه؟

الفلاسفة والانهيارات الداخلية

ألتوسير
ألتوسير
TT

لماذا خنق ألتوسير زوجته؟ ولماذا جن نيتشه؟

ألتوسير
ألتوسير

عديدون هم الكتاب الذين جنوا أو عانوا أو انتحروا. يمكن أن نذكر من بينهم: فيرجينيا وولف، وستيفان زفايغ، وبول فرلين، ودوستيوفسكي، وبودلير، وغي دو موباسان، وادغار آلان بو، وكافكا، وارنست همنغواي، والقائمة طويلة. فرجينيا وولف انتحرت، وكذلك ستيفان زفايغ، وأرنست همنغواي... ويمكن القول بأن فرلين انتحر أيضاً لأنهم لقطوه من شارع السان ميشيل في قلب الحي اللاتيني وهو سكران كلياً، بعد أن تحول إلى صعلوك وشحاذ يرثى له. ولكن عن هذه الحياة البوهيمية المدمرة نتجت أروع القصائد! هناك علاقة بين الدمار الشخصي والإبداع العبقري. الأشخاص السعداء العاديون لا يمكن أن يبدعوا. ينبغي أن تموت ألف موتة قبل أن تكتب حرفاً واحداً له معنى. هذه هي ضريبة الإبداع والعبقرية. اسألوا دوستيوفسكي أو بودلير أو بعض المجانين الآخرين...(ملاحظة: لقد توقفت مطولاً عند هذه المسألة الحساسة في كتابي الجديد الذي سيصدر قريباً عن «دار المدى» بعنوان: «العباقرة وتنوير الشعوب»).

وغي دوموباسان جنّ كلياً بعد أن كتب أعظم الروايات والقصص الخلاقة وهو في الثانية والأربعين فقط. ونيتشه جن وهو في الرابعة والأربعين. جن وهو يصرخ: أنا المسيح، أنا يوليوس قيصر، أنا ديونيسوس! لم يكن المسكين يعرف أنه قد انتهى ولم يعد شيئاً، ولكنه لم يمت إلا بعد أن عاش عشر سنوات إضافية من العذاب والغياب الكامل عن هذا العالم. وهكذا انهار واحد من أكبر العقول الفلسفية على مدار العصور.

ماذا حصل لألتوسير؟

والآن، ماذا عن الفيلسوف الماركسي الشهير لويس ألتوسير؟ في يوم 16 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1980 وفي الساعة التاسعة صباحاً نزل لويس ألتوسير من شقته الباريسية إلى الشارع وهو يصرخ كالمجنون: لقد ماتت هيلين! لقد ماتت هيلين! لم يكن يشعر إطلاقاً بأنه هو الذي قتلها أو بالأحرى خنقها؛ لأنه فعل ذلك في لحظة فقدان كامل للوعي. ماذا حصل؟ بالمختصر المفيد ما يلي: كان يمسد لها على رقبتها بشكل لطيف في البداية، كان يداعبها، ثم شيئاً فشيئاً أعجبته اللعبة على ما يبدو فراح يضغط على رقبتها ثم ازداد الضغط أكثر فأكثر في لحظة جنونية معينة حتى خنقها. والغريب العجيب أنها لم تستطع أن تفلت من بين يديه. لماذا لم تقاومه؟ ربما لسبب بسيط هو أنها ما كنت تتوقع إطلاقاً أنه سيفعلها! وبالتالي فعندما أدركت ذلك كان قد فات الأوان وفقدت قواها تماماً ولم تعد تستطيع أن تفلت من قبضته. كارثة حقيقية. ولكن بما أنها كانت تعرف أنه شخص عُصابي ويعاني من مشاكل نفسية مؤرقة فقد كان ينبغي عليها أن تكون أكثر حذراً (بين قوسين: نرجو من الأزواج الكرام ألا يمسدوا على رقبات زوجاتهم الغضة الناعمة أكثر من اللزوم. نرجو ألا يضغطوا أكثر مما يجب... من يعلم؟ في لحظة ما، لا سمح الله...) نكتة فاقعة؟ نكتة بائخة؟ كلام تافه لا يليق بشخص يحترم نفسه؟ قولوا ما تشاؤون...

بعد هذا الحادث المفجع نشر ألتوسير كتاباً بعنوان شاعري جميل جداً: «المستقبل يدوم زمناً طويلاً». وفيه يحاول أن يشرح فعلته الجنونية التي أدت إلى موت زوجته وحبيبة عمره هيلين ريتمان. راح يغوص في أعماق طفولته وشبابه الأول لكي يعرف السبب العميق الذي دفعه إلى ارتكاب ما لا تحمد عقباه. راح يحفر في أعماق وعيه الباطني وسيرته العائلية الشخصية لكي يتوصل إلى السر الرهيب: سر اختلاله العقلي الذي أدى إلى قتل أعز الناس عليه. ولكن ما الفائدة؟ لقد ماتت هيلين مخنوقة بقبضتي يديه دون أن يدري، والأنكى من ذلك دون أن يشعر بأنه فعل أي شيء. فجأة نظر أمامه فاكتشف وجود جثة بلا روح على الفراش، فراشه هو، فراش الزوجية. وفجأة أدرك أنها امرأته. فجن جنونه وراح يصرخ. بل ربما راح يتساءل: لماذا ماتت؟ ماذا حصل لها؟ لماذا لم تودعه؟. فيما بعد بأسابيع وربما بشهور عديدة عرف أنه هو الذي قتلها. ألا يذكركم ذلك بشاعرنا الكبير ديك الجن الحمصي وقصيدته الشهيرة:

رويت من دمها الثرى ولطالما

روى الهوى شفتي من شفتيها

ولكن ديك الجن لم يكن مجنوناً، فقط الغيرة الكبيرة، الغيرة المرضية، هي التي دفعته إلى قتلها. ومن الحب ما قتل... ومن الحب ما خنق...

لحسن الحظ، فإن ألتوسير لم يقدم أمام المحاكم الفرنسية لكي تحاكمه على جريمته. وذلك لأن كبار مثقفي فرنسا من أمثال فوكو ودريدا وجان غيتون تدخلوا لصالحه لدى القادة السياسيين الفرنسيين وعلى رأسهم جاك شيراك، وأقنعوهم بأنه ليس مسؤولاً عن فعلته تلك لأنه قتلها في حالة غياب كامل عن الوعي. لقد استغل بعض الصحافيين هذه الحادثة الخطيرة للتشهير بالماركسية والشيوعية. ومعلوم أن ألتوسير كان المنظّر الأكبر للحزب الشيوعي الفرنسي. لقد قالوا بأن هذه الآيديولوجيا تؤدي بطبيعتها التوتاليتارية إلى ارتكاب الجرائم. وهذا غير صحيح على الإطلاق. وذلك لأن معظم مثقفي فرنسا كانوا شيوعيين في الخمسينات والستينات أو مروا بالمرحلة الشيوعية ولم يجن أحد منهم حتى بعد سقوط الشيوعية وانهيار الحلم الكبير: أكبر وهم في القرن العشرين. المشكلة ليست في الماركسية ولا الشيوعية. لا ريب في أنها آيديولوجيا توتاليتارية وديماغوجية متحجرة، ولولا ذلك لما سقطت وانهارت بعد حادثة ألتوسير بتسع سنوات فقط (1980 - 1989). ولكن المشكلة هنا ليست آيديولوجية وإنما شخصية بحتة. المشكلة هي أن ألتوسير كان مريضاً نفسياً، كان منشقاً على نفسه، كان عدواً لنفسه. وهنا يكمن وجه الخطر والخطورة. وكان مرضه يلتهب أحياناً ويتفاقم ويؤدي إلى ما لا تحمد عقباه كما حصل صبيحة ذلك اليوم المشؤوم 16 نوفمبر من عام 1980 كما ذكرنا. بل راح بعضهم يتهم الفلسفة كلها ويقول إنها تؤدي حتماً إلى الجنون. نصيحة ثانية: لا تغوصوا في دراسة الفلسفة أكثر من اللزوم. عندما كنا في جامعة دمشق كانوا يقولون لنا أيضاً بأن الفلسفة تجنن العقل. ولكن هذا كلام فارغ. إذا كان هناك عقل راسخ فإن الفلسفة تزيده رسوخاً وعمقاً. ولا توجد أي ثقافة في العالم من دون عمق فلسفي. اسألوا اليابان أو الهند أو الصين، هذا ناهيك عن جامعات أوروبا وأميركا... إلخ.

جنون نيتشه

نيتشه

دعونا ننتقل الآن إلى أستاذنا نيتشه أكاد أقول صديقنا العزيز نيتشه. ماذا فعل؟ ماذا حصل له في تلك الصبيحة أيضا من يوم 3 يناير (كانون الثاني) عام 1889. أنتم تعلمون أن نيتشه بعد أن استقال من الجامعة أصبح وحيداً متسكعاً هائماً على وجهه في الطرقات والدروب. وبدءاً من تلك اللحظة أصبح فيلسوفاً ضخماً، بل كاتباً عبقرياً لا يشق له غبار. معظم مؤلفاته الكبرى ألّفها بعد أن ترك الجامعة وتحرر تماماً من كل العلائق والقيود. كان هارباً من ألمانيا وكل بلاد الشمال الأوروبي الصقيعية الباردة. ولذلك أمضى معظم حياته في بلدان جنوب أوروبا المشمسة كإيطاليا وفرنسا وسويسرا باحثاً عن الدفء والنور. وهناك ألف كتبه الخالدة. فمثلاً «هكذا تكلم زرادشت» أنهاه في مدينة نيس جنوب فرنسا. وهي مدينة ساحرة تستلقي على شواطئ البحر الأبيض المتوسط وتشتهر بكورنيشها العظيم المدعو: كورنيش الإنجليز!

ولكن عندما حصلت الحادثة الحاسمة كان نيتشه آنذاك يعيش في مدينة تورين بشمال إيطاليا. وكان يسكن في نزل أو فندق بساحة كارلو ألبيرتو. وفجأة رأى شخصاً في الساحة يعنف حصانه ويضربه بكل قوة ومن دون أي شفقة أو رحمة. فاندفع نيتشه نحو المشهد وراح يعانق الحصان لكي يحميه من ضربات صاحبه بجسده الخاص بالذات. ثم راح يبكي ويصرخ وينهار. وعندئذ خرج صاحب النزل وأعاده إلى غرفته. عندما سمع صديقه الحميم البروفسور «أوفيربيك» بذلك ترك كل شيء وركب القطار فوراً من ألمانيا إلى إيطاليا لكي يعتني به ويعرضه على الأطباء النفسانيين، واستنتجوا أن جنونه عائد إلى إصابته بمرض الزهري لأنه كان يتردد أحياناً على الماخورات. بل لم يعرف المرأة إلا من خلال الماخور. لم تكن هناك امرأة واحدة على وجه الأرض تقبل به. ثم ذهب هذا الصديق إلى أستاذ جامعة جنيف الكبير جاكوب بوركهارت وهو يصرخ بهذه العبارة: آه يا أستاذ لقد جن نيتشه!

ولكن هناك سبباً آخر ربما، وهو أنه بعد أن وصل إلى ذروة الإبداع الفلسفي والشعري لم يعد يستطيع أن يضيف أي شيء جديد فانهار كلياً. ماذا تستطيع أن تفعل بعد أن وصلت إلى الذروة؟ ما بعد القمة إلا السقوط!

ماذا تستطيع أن تفعل بعد أن وصلت إلى الذروة؟ ما بعد القمة إلا السقوط


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.