نازك الملائكة... قدرة شعرية لم تكن بمستوى قدرتها النقدية

تحضر بقوة في العراق وفي بلدان عربية مما يستدعي حضوراً نقدياً موازياً

نازك الملائكة... قدرة شعرية لم تكن بمستوى قدرتها النقدية
TT

نازك الملائكة... قدرة شعرية لم تكن بمستوى قدرتها النقدية

نازك الملائكة... قدرة شعرية لم تكن بمستوى قدرتها النقدية

نادراً ما يحتفل العرب بولادات الشعراء، إذ نجدهم دائماً يحتفلون بذكرى وفاتهم، كأننا أمم جاهزة للندب لا للفرح، لذلك جاء احتفال العراقيين هذه المرة مغايراً، حيث احتضنت بغداد فعالية كبيرة ليومين عن نازك الملائكة رعاها رئيس الوزراء العراقي المهندس محمد شياع السوداني، وحضرها بنفسه وألقى كلمة بالمناسبة، وفي الوقت نفسه حضر الفعالية أكثر من ستمائة شخصية عراقية من الوسط الأدبي والثقافي فضلاً عن حضور عشر شخصيات عربية لها مكانتها وحضورها. إذاً نازك تحضر بقوة هذه المرة وتستعيد عافيتها الأدبية والفكرية من جديد، حيث تمّت طباعة أعمالها الشعرية الكاملة في مجلدين من دار الشؤون الثقافية، وكذلك طباعة عملين نقديين عن تجربتها الإبداعية، فضلاً عن إعلان الحكومة العراقية تخصيص ساحة من ساحات بغداد ونصب تمثال لنازك الملائكة في تلك الساحة، وهذا يحدث لأول مرة حيث يُصنع تمثال لسيدة عراقية ويوضع في ساحة عامة.

مبادرة غير مسبوقة

وقبل أكثر من شهرين صدر تعميم على كل مدارس العراق بأن تكون كلمة يوم الخميس لطلاب المدارس موجَّهة عن نازك الملائكة ودورها التحديثي ودور المرأة بشكل عام، وهذا أيضاً يحدث لأول مرة؛ أن يصدر مثل هذا التعميم في الحديث عن نازك الملائكة في ساعة واحدة ولكل طلاب العراق، وكذلك صدر تعميم للبريد العراقي بأن توضع صورة نازك الملائكة وذكرى مئويتها على طابع بريدي عراقي.

إذاً نازك تحضر بقوة في العراق وفي بلدان عربية كثيرة أخرى، وهذا الحضور يستدعي حضوراً نقدياً موازياً لها، ذلك أن نازك من أكثر الشخصيات الإبداعية التي تثير الجدل وتدعو لأكثر من وقفة إزاءها. نازك الشاعرة والناقدة والتنويرية والثائرة والمنعزلة أيضاً، نازك التي كسرت عمود الشعر وفحولته التي امتدت لأكثر من أربعة عشر قرناً، حيث كان أجدادها يقولون في الشواعر أمثالها (إذا صاحت الدجاجة صياح الديك فاذبحوها) وإذا بها بعد هذه المدة تمسك الديك وتنتف ريشه، وتطلق نظرية جديدة تخالف آراء أجدادها الشعراء، حيث تنظر إلى الوزن والقافية على أنهما عبارة عن سلسلة ثقيلة يجرّها الشاعر وراءه، حيث تقول:

«وقد يرى كثيرون معي أن الشعر العربي لم يقف بعدُ على قدميه بعد الرقدة الطويلة التي جثمت على صدره طيلة القرون المنصرمة الماضية. فنحن عموماً ما زلنا أسرى، تسيّرنا القواعد التي وضعها أسلافنا في الجاهلية وصدر الإسلام، ما زلنا نلهث في قصائدنا ونجر عواطفنا المقيّدة بسلاسل الأوزان القديمة وقرقعة الألفاظ الميتة»، وهذا جزء من مقدمة ديوانها «شظايا ورماد» عام 1949، فكيف بفتاة لا تتجاوز الثلاثين من عمرها تنطلق بمثل هذه الآراء الجريئة التي تتجاوز فيها على روح الثقافة العربية التي يقف الشعر في قلبها، فالمساءلة والنقد للشعر العربي والانقلاب على ثوابته يعني فيما يعنيه الانقلاب على روح الثقافة العربية ومركزيتها، فمن أين أتت نازك بهذه الطاقة والقوة لكي تقلب الطاولة على رأس الشعر التقليدي؟

تنظير متقدم

نازك خرجت من بيت مثقف ثقافةً تقليديةً لا تمرُّد فيها، بل إن أباها وعائلتها كانوا يسخرون منها حين كتبت قصائدها الجديدة، كما أن التجارب التي سبقتها ومحاولات التمرد لم تكن تشكل ظاهرة تسحب أقدام الشعراء نحوها، غير أن العالم بدأ يتغير بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، والحياة بدأت تأخذ مسارات مختلفة عمّا قبلها، فالحياة التعليمية والسفر والترجمة بدأت تنمو في العالم كله، ولم يكن العراق بمعزل عن العالم، ذلك أن كبريات المجلات كانت تصل إلى بغداد، كما أن التراجم بدأت بالانتشار، والشعراء بدأوا يطّلعون على آداب العالم، ومن هنا صرحت نازك في مقدمتها لـ«شظايا ورماد»: «والذي أعتقده أن الشعر العربي يقف اليوم على حافة تطور جارف عاصف لن يبقي من الأساليب القديمة شيئاً....

أقول هذا اعتماداً على دراسة بطيئة لشعرنا المعاصر واتجاهاته، وأقولها لأنها النتيجة المنطقية لإقبالنا على قراءة الآداب الأوروبية ودراسة أحدث النظريات في الفلسفة والفن وعلم النفس، والواقع أن الذين يريدون الجمع بين الثقافة الحديثة وتقاليد الشعر القديمة أشبه بمن يعيش اليوم بملابس القرن الأول للهجرة، ونحن بين اثنين: إما أن نتعلم النظريات ونتأثر بها ونطبقها، وإما ألا نتعلمها إطلاقاً، وقد يفيدنا أن نتذكر دائماً أن التطور الذي يحدث في الفنون والآداب في عصر ما أكثر ما يكون ناشئاً عن التقاء أمّتين وأكثر».

إذاً نازك تصرّح بشكل واضح بأن التقاء ثقافات الأمم هو الذي أسهم في تغير خريطة الشعر العربي. وهذا واضح، فالأمم المغلقة لا تُنتج ولا تكرر إلا نفسها ولا تعيد إلا ما صنعه أجدادها، ولكن السؤال الأهم: هل استطاعت نازك أن تكسر فعلاً النمط التقليدي للشعر العربي؟ بمعنى هل تغيُّر عدد التفعيلات ونقصانه أو زيادته يعد كسراً للثقافة العربية ونمط تفكيرها طيلة عقود؟ أم أن التحديث لا يرتبط بالشكل فقط إن لم يكن منطلقاً من الجوهر، وأعني به التحول في الفكر ووجهة النظر والنظر إلى الآخر والمختلف عنك نظرةً معاصرةً، وإلا ما فائدة التحولات الشكلية إن لم ترافقها تحولات موضوعية وعضوية في الوقت نفسه؟

من الرومانسية إلى الواقعية

هل كانت ثورة نازك الملائكة ورفاقها ثورة عروضية فقط؟ هل أربكوا عدد التفاعيل في السطر الواحد واطمأنوا إلى أنهم أحدثوا شيئاً مهماً في تاريخ الأدب وحركته؟ أم أن الأمر أوسع من فتح أطراف البيت الشعري التقليدي وتمطيط قافيته؟ يعني هل هناك ما هو أوسع من فكرة التفاعيل؟

من حيث الموضوع، كل بدايات نازك هي امتداد للرومانسيين العرب والإنجليز من الشعراء والكتاب، ومعظم أجواء قصائدها تدور في هذا الفلك المعتم والكئيب، حيث يهيمن الليل على مناخات قصائدها، فمثلاً قصيدتها «مأساة الحياة» هي نفسها تقول عنها: «وهو عنوان يدل على تشاؤمي المطلق، وشعوري بأن الحياة كلها ألمٌ وإبهامٌ وتعقيد»، ولكنها لا تستقر على حالة واحدة، وهو جزء من تناقضات نازك وتحولاتها، فمن الذات المغلقة والعتمة والليل إلى المشاركة في الحياة العامة السياسية والاجتماعية من خلال قصائدها التي تمشي حافية القدمين في الشوارع العربية، وهنا تتحول من شاعرة رومانسية إلى شاعرة أكثر من واقعية، حيث تتبنى قضايا الأمة العربية وتدافع عن فلسطين والقدس وتدعو بقصائد ذات نبرة خطابية عالية للدفاع عن الأرض وتحريرها، حيث كرّست ديوانها الأخير «للصلاة والثورة» لفلسطين ودافعت عن القدس دفاعاً شديداً، وقد جاء هذا الديوان بعد انقطاع 3 أعوام عن الكتابة الشعرية، حيث هزّتها بطاقة تهنئة وصلت إليها، عليها صورة قبة الصخرة، فكتبت مباشرةً بعد ذلك الانقطاع:

يا قبة الصخرة

يا ورد يا ابتهالة مضيئة الفكرة

ويا هدى تسبيحة علوية النبرة

وكتبت وكتبت حتى انتهت الفسحة الفارغة على ظهر البطاقة. بعدها تواصلت بكتابة القصائد لفلسطين حتى اكتملت مجموعتها الأخيرة «للصلاة والثورة».

ولكن الذي يحدث أن النبرة الخطابية العالية والمعالجة البسيطة للقضايا الشائكة توقِع النصوص الشعرية في البرودة، والمفارقة في الأمر أن نازك الملائكة تحمل وعياً كبيراً جداً في هذا الشأن، حيث تذكر في مقدمة ديوانها «للصلاة والثورة» أن ما تكتبه لا علاقة له بالمستقبل، فهي تفترض قارئاً مستقبلياً سيأتي بعد مائة عام من ديوانها، هذا يعني في عام 2073، وتظن أن القارئ المستقبليّ لن يتفاعل مع نصوصها لأنها لم تكتب الفن لأجل الفن، إنما تكتب للدفاع عن الأرض ولتعرية الصهاينة في تلك المدة، ولكن السؤال الأهم يدور حول وعي نازك وحساسيتها تجاه الجماليات، فهي تملك حساً عالياً إزاء الجماليات الشعرية، لذلك تقول ما معناه إن نصوصها لا مستقبل لها لأنها منشغلة بالحاضر وهي لا تعير اهتماماً للمستقبل الشعري وللمتلقي المستقبلي، وهذه النظرة هي أيضاً جزء من تحولات نازك -كما ذكرنا قبل قليل- حيث تقول في مقدمة ديوانها «للصلاة والثورة»: «... هل ينبغي أن نطمس أحاسيسنا اليوم من أجل أن يتذوق قصائدنا حفيد شاعر سيعيش عام 2073؟ هل نترك دماءنا تُراق وجثثنا تُرمى من شبابيك الطابق الرابع من المباني الصهيونية دون أن نصوّرها في شِعرنا لمجرد أن نُرضي هذا الحفيد الذي يعيش أبعاداً ثلاثة أخرى غير أبعادنا الثلاثة؟

الجواب: لا. إن ذلك سيكون منّا انتحاراً، لا بل إن سكوتنا قد يقتل هذا الحفيد ويحرمه فرصةً يولَد فيها، فنحن نقاتل بشِعرنا وقوافينا من أجله»، إذاً نازك واضحة تمام الوضوح وبقصدية عالية في كتابة الشعر وبوصف الشعر لديها سلاحاً تدافع فيه، فنحن نقاتل بشِعرنا وقوافينا، على حد قولها، ولكنها في المقدمة ذاتها وبين الأسطر تناقض نفسها حين تذكر أن «القصيدة الحيّة تُديم التاريخ بكل أبعاده وتعطيه الخلود...»، إذاً هي تفكر في خلود القصيدة أيضاً، وما كلامها عن ذلك الحفيد الذي سيأتي بعد مئة عام إلا انفعال عاطفي أمْلته عليها ظروف المرحلة، إلا أن هذه النظرة المتناقضة جزء من تحولات نازك الملائكة المعروفة، فهي تقدح الشرارة العظيمة وحين تصبح ناراً يتدفأ بها الكثيرون، تأتي وتنفخ على تلك النار المتوقدة فتطفئها، ومن ثم تعود بعد أيام وتقدح ناراً جديدة.

تعاليم صارمة

وهكذا تواصل تناقضاتها واستفزازاتها الأدبية الكبرى، وهذا الأمر لا يتعلق بالشعر فقط إنما في أفكارها النقدية المهمة أيضاً، فهي الرائدة الكبيرة التي تحمل وعياً عظيماً في التنظير والتجديد والتحديث مقارنةً برفاقها الرواد، حيث قرنت كل دواوينها الشعرية بمقدمات نظرية تطرح من خلالها رؤيتها للتحولات الشعرية، وما مقدمتها لديوان «شظايا ورماد» إلا بيان نقدي للحداثة الشعرية، ومن ثم توالت رؤيتها النقدية في كتابها الأشهر «قضايا الشعر المعاصر»، ولكنها لم تستمر على هذا النمط، إنما تحولت إلى معلمة شديدة السطوة على الشعراء وبدأت تطلق تعاليمها على الأجيال الشعرية: اكتب كذا ولا تكتب كذا. ومن يعد لمقدمة «شظايا ورماد» يجدها استشهدت في السطر الأول بعبارة برناردشو «اللاقاعدة هي القاعدة الذهبية»، وتتخذ من هذه العبارة قاعدة تسير عليها ملؤها التمرد والتجدد، ولكنها تعود بعد سنوات في كتابها «سيكولوجية الشعر» لفرض قواعد على الشعراء الذين جاءوا بعدها، وبدأت تفرض قوانينها على الحركة الشعرية، مما عرّضها لموجة من النقد الشديد وُصفت بالرِّدة عن مشروع الحداثة، بل إنها وقفت في وجه الكثير من الشعراء الشباب الذين حاولوا الخروج عن أو على مشروع الريادة، وبهذا فإن مشروع التحديث لدى نازك الملائكة مربك بصراحة، فهي تملك الوعي العالي بمشكلات الشعر العربي، وتشخّصه بدقة تامة.

العودة للأصول

ولكنها بعد مدة تعود للأصول كأي عربي متمسك بأصوله التقليدية، والمسألة الأخرى هي المقدرة الشعرية، فهي مقارنةً بوعيها العالي نجد المنجز الشعري في منطقة أخرى إلا في بعض الاستثناءات التي يقول عنها عبد الوهاب البياتي إنها لو استمرت كما بدأت لكانت أعظم شاعرة عربية، ولكنّ قدرتها الشعرية لم تكن بمستوى قدرتها النقدية، وهذا يبدو جزءاً من شخصية نازك المنطوية والمنفتحة والحداثية والتقليدية والمغامرة والمترددة والصامتة والصادحة ولكنها تبقى علامة فارقة في تاريخ الأدب العربي الحديث وصوتاً مهماً عبَّر عن مرحلته أفضل تعبير، لهذا دخلت نازك لكل مناهج التربية والتعليم في الوطن العربي وحفظ قصائدها كل الفتيان والشباب بوصفها شاعرة مجددة في مرحلة من مراحل شعرنا العربي.


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.