غلبرت وغوبار تعودان إلى «امرأة العِلْيَّة»

بعد أربعة عقود من صدور كتابهما الأول

سوزان غوبار وساندرا إم. غلبرت
سوزان غوبار وساندرا إم. غلبرت
TT

غلبرت وغوبار تعودان إلى «امرأة العِلْيَّة»

سوزان غوبار وساندرا إم. غلبرت
سوزان غوبار وساندرا إم. غلبرت

الحقيقة أن الأكاديميتين والناقدتين النسويتين ساندرا إم. غلبرت وسوزان غوبار لا تعودان إلى «امرأة العِلْيَّة»؛ أقصد العودة بمعنى تناول موضوعها في كتابهما الجديد «لا تزال مجنونة... الكاتبات الأمريكيات والخيال النسوي، 2021»، ولكنهما اختارتا عنواناً يحيل عليها، وفي الوقت نفسه يُشَكِّل رابطاً بين كتابهما الجديد وكتابهما المشترك الأول «المرأة المجنونة في العِلْيَّة: الكاتبة والخيال الأدبي في القرن التاسع عشر، 1979» الذي يعد معلماً في النقد النسوي، وعملهما الأكثر شهرةً وتأثيراً «magnum opus» من بين كتبهما الثمانية - أحدها من ثلاثة أجزاء - التي اشتركتا في تحريرها أو تأليفها بداية بـ«المرأة المجنونة في العِلْيَّة»، وانتهاءً بـ«لا تزال مجنونة/ Still Mad» أو «لا تزال غاضبة».

ففي المتن تنزاح الكلمة «mad» عن المعنى «مجنون» نحو معاني «الغضب والارتباك والتمرد» في حديث المؤلفتين عن حالهما وحال الكثير من النسويات. لكن هذا الانزياح لا يلغي إحالة العنوان إلى «امرأة العِلْيَّة» وإلى الكتاب السابق، خصوصاً من وعي وذاكرة من قرأه، أو لأَقل تظل المجنونة ويظل الكتاب ذاته أثراً عالقاً بــ«mad» العنوان، لا يمكن محوه. هذا ما حدث لي لحظة قراءة خبر صدور الكتاب الجديد، لقد ذكرني على الفور بـ«المرأة المجنونة في العَلْيّة».

المرأة المجنونة في العِلْيَّة التي يشير إليها العنوان هي بيرثا ميسون أو بيرثا روتشستر، زوجة السيد إدوارد روتشستر في رواية شارلوت برونتي «جين اير، 1847»، التي تعاني من الجنون، وترى الناقدتان أنها تلعب دور البديل لشخصية جين اير، وتجادلان بأن مواجهة جين في الرواية ليست مع السيد روتشستر ولكن مع بيرثا. في «ثورنفيلد هول» القصر الذي يقيم فيه السيد روتشستر، وحيث تأتي للعمل مربيةً ومعلمةً للفتاة الفرنسية أديل، تلتقي جين اير ببديلتها بيرثا التي تعبر بتصرفاتها عن مشاعر الغضب والتمرد الموّارة في داخل جين نفسها.

ارتباط التأليف والسلطة

في كتابهما «المرأة المجنونة في العِلْيَّة»، كانت غلبرت وغوبار تحاولان، على حد قولهما، تفحص ارتباط التأليف والسلطة، وعلى امتداد قرون، بالذكورة بهدف التنقيب والكشف عن تقاليد أدبية نسائية وموروث نسائي تعرض إمّا للطمس أو التجاهل. يمثل ما تقوم به الناقدتان في «المرأة المجنونة في العِلْيَّة» تحولاً نوعياً في الدراسات الأدبية، تحولاً من تفحص كيفية خلق الكُتّاب للشخصيات النسائية نحو التعريف بالأدب الأنثوي، وكيفية بناء الكاتبات للشخصيات النسائية، مع الأخذ بعين الاعتبار المناخات والسياقات الثقافية والسياسية للكتابة والقراءة.

يأتي «لا تزال مجنونة» بعد أربعة عقود من صدور كتابهما الأول، لتناقشا في أقسامه وفصوله «التاريخ الثقافي الكامن وراء الحركة النسوية المعاصرة التي (لا تزال مجنونة) حتى اليوم، بعد نصف قرن من الموجة الثانية من الحركة النسوية التي أطلقت على نفسها اسم حركة تحرير المرأة في الستينات» (لا تزال مجنونة، 24). ولعله من المناسب التطرق إلى نسوية الموجة الأولى، أو الموجة الأولى من النسوية قبل الكتابة عن دراسة غلبرت وغوبار للموجة النسوية الثانية.

الموجة النسوية الأولى

ثمة اعتقاد سائد بأن الموجة الأولى من النسوية بدأت في 1848، وتؤرخُ بدايتها بانعقاد أول مؤتمر رسمي لحركة حقوق المرأة في سينيكا فولز في ولاية نيويورك بالولايات المتحدة. تزامن تشكل الموجة الأولى من الحركة النسوية مع الحركة النضالية لإلغاء الاستعباد. وكان من إنجازات ومكتسبات الموجة الأولى: التعديل التاسع عشر في دستور الولايات المتحدة الذي منح المرأة حق التصويت في عام 1920، وقد نصّ التعديل على أنه لا يمكن حرمان الفرد من حق التصويت بسبب جنسه. واتسعت قوانين ممتلكات المرأة المتزوجة بأن أصبح لها الحق في أن يكون لها ممتلكاتها المنفصلة، وفي حيازتها واستخدامها والتصرف بها.

الموجة الثانية

الموجة الثانية التي لا تزال مجنونة، التي بدأت ونمت في خمسينات القرن العشرين، هي الموضوع الذي ينصب عليها اهتمامُ الناقدتين غلبرت وغوبار، ويتعاطيان معها سرداً لتاريخها ولسير الناشطات فيها وقراءةً وتحليلاً لإنتاجاتهن الأدبية والفنية والفكرية: «لرواية قصة ما نَعُدّها الموجةَ الثانيةَ المستمرةَ من النسوية، اخترنا ما يمثلها من شاعرات وروائيات ومسرحيات وصحفيات وكاتبات مذكرات ومُنَظِّرات - اللاتي بَدَوْنَّ لنا كارزميات على نحو خاص» (لا تزال مجنونة، 3). لقد قوضت أولئك الناشطات - تقول الكاتبتان - الصورة الكاريكاتيرية السائدة لحركة المرأة بأنها بيضاء ومن الطبقة المتوسطة ونخبوية. وتوضحان أنهما اقتصرا اختيارهما على الأديبات في الولايات المتحدة مع أن كل كتبهما السابقة تدرس العلاقات العبر قومية لكتابة المرأة باللغة الإنجليزية. وكان سبب حصر تركيزهما على النسويات في بلدهما هو صدمة انتخاب رئيس شعبوي وغير مؤهل - دونالد ترمب.

ربما يمكن القول إنه لولا ترمب نفسه ما فكرتا في تأليف هذا الكتاب الذي جاءت فكرته ليكون إيماءة تضامن ومناصرة للمسيرات النسائية الحاشدة في 21 يناير (كانون الثاني) 2017 في واشنطن العاصمة والعديد من المدن الأميركية وفي مدن أخرى من العالم. هذا ما يُفهمُ مما تقولانه في الفقرة الاستهلالية من مقدمة الكتاب: «أولئك اللاتي لا يستطعن الزحف، يكتبن. بينما كان الكثير من صديقاتنا يتأهبن للذهاب إلى المسيرة النسائية... كنا نعرف أننا، وبسبب إعاقاتنا المختلفة، لن نستطيع الانضمام إليهن. وتساءلنا كيف يمكن الوقوف تضامناً معهن. وجاءت الإجابة عن هذا السؤال قبل أسبوع من المظاهرات العظيمة في واشنطن العاصمة والعديد من المدن حول العالم، عندما بدأنا التعاون على هذا الكتاب» (لا تزال مجنونة، 1).

انطلقت المسيرات الحاشدة في اليوم التالي لتنصيب دونالد ترمب رئيساَ للولايات المتحدة، احتجاجاً على خطابه السياسي ومواقفه التي عرّت عداءه للمرأة والتهديد لحقوقها. كانت تلك أضخم مسيرة تُنظمُ في يوم واحد. وكانت المسيرة في واشنطن العاصمة أكبر المسيرات الحاشدة، شارك فيها حوالى 440.000 شخص، وبلغ عدد المسيرات في الولايات المتحدة كلها 408 مسيرات، و169 مسيرة في 81 دولة أخرى.

يبدو أن فكرة الحشد والحشود سيطرت على ذهنى غلبرت وغوبار، ومنهما تسربت، بوعي أو بدون وعي إلى الكتاب، وقد تجلى ذلك في الحشد الكبير من الأسماء الأدبية والفنية والصحفية ومن أسماء المشتغلات على النظرية، فكأنما أرادتا أن يضاهي كتابهما تلك المسيرة باكتظاظه بالأسماء، أو أن يكون الجزء المعبر عن ذلك الكل متعدد الهويات العرقية والإثنية والقومية والمهنية والاهتمامات للمشاركات فيه. لقد زاد عدد أسماء الأديبات والفنانات على الأربعين، أذكر على سبيل المثال: سيلفيا بلاث، ديان دي بريما، أدريان ريتش، أودري لورد، غلوريا أنزالدوا، أندريا دوركين، غلوريا ستاينم، سوزان سونتاغ، توني موريسون، لورين هانزبري، دينيس ليفرتوف، أليس ووكر، جوديث بتلر، إيف كوسوفسكي، كيت ميليت، مارغريت آتوود، المغنية وكاتبة الأغاني نينا سيمون، جوان ديديون.

قابلَ تعددَ الأسماء والاهتمامات والاشتغالات تَشعبُ اهتمامِ المؤلفتين، إذ اجتمع في مقاربتهما للموضوع التحليل النقدي والتأريخ والسرد السيري الانتقائي بتسليط الضوء على الجوانب الخاصة والشخصية (الشخصي - سياسي) في حياة الأديبات ورصد تحولاتهن وانخراطهن في الحركة النسوية، أو حركة الحقوق المدنية أو معارضة الحرب في فيتنام، أو فيها كلها. فسيلفيا بلاث على سبيل المثال تحضر مذ كانت فتاة صغيرة وقارئة نهمة لمجلات الفتيات ثم الدوريات الموجهة لربات البيوت، وينتقل القارئ معها إلى كامبردج، حيث تُقدِّمُ نفسها أثناء دراستها الجامعية كَدُمْيَّةٍ حية في مقالة كتبتها لجريدة الجامعة بعنوان «سيلفيا بلاث تطوف بالمتاجر وتتوقع أزياء أسبوع مايو»، ثم ارتباطها بالشاب الوسيم «القذر» تيد هيوز الذي لم يكن يملك سوى بنطال واحد من نوع «دنغري» وجاكيت أسود... كانت تطلب منه دائماً غسل شعر رأسه وتنظيف أظافره وشراء ملابس أفضل... ثم زواجهما وقضاؤهما شهر العسل على طريقة شخصيات إرنست هيمنغوي، مروراً بخيانة هيوز وانفصالهما... إلى يوم 11 فبراير 1963، عندما وضعت أكواب الحليب وشرائح الخبر جانب أسرة أطفالها، وفتحت النوافذ، وأغلقت عليهم الباب بإحكام، ونزلت إلى المطبخ في الطابق الأرضي لتفتح الغاز للمرة الأخيرة في حياتها.

"لا تزال مجنونة" الكتاب الذي أُلِّفَ تضامناً مع مسيرات يناير الحاشدة، «احتشد» بالشخصيات الأدبية والفنية والصحفية والفكرية، وبالتحليل النقدي والسرد السيري وبالمعلومات التاريخية عن موجة النسوية الثانية (1950-2020). «لا تزال مجنونة/Still Mad»، أو «لا تزال غاضبة» كتاب يتميز بالغنى المعرفي وبمنح قارئه قدراً كبيراً من المتعة الذهنية الفكرية.


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.