برج قرية الفاو... رسم جداري يطل الناس من شرفاته

صياغته التشكيلية الخاصة تجعل منه عملاً فريداً

جدارية من قرية الفاو محفوظة في متحف الآثار في جامعة الملك سعود بالرياض
جدارية من قرية الفاو محفوظة في متحف الآثار في جامعة الملك سعود بالرياض
TT

برج قرية الفاو... رسم جداري يطل الناس من شرفاته

جدارية من قرية الفاو محفوظة في متحف الآثار في جامعة الملك سعود بالرياض
جدارية من قرية الفاو محفوظة في متحف الآثار في جامعة الملك سعود بالرياض

يحتفظ متحف الآثار في جامعة الملك سعود بلوح يحوي بقايا رسم جداري عُثر عليه في قرية الفاو، يمثّل برجاً عالياً تطلّ من شرفاته مجموعة من الأشخاص. تتميز هذه الجدارية بطابعها المحلّي الصرف، ويتجلّى هذا الطابع في موضوع اللوحة كما في صياغتها التشكيلية الخاصة التي تجعل منها عملاً فريداً يختلف عن الأعمال الجدارية الأخرى التي خرجت من هذه القرية الأثرية.

يحتلّ هذا البرج العالي فضاء المساحة التشكيلية بشكل كامل، وهو مرسوم بخطوط حمر، على قاعدة من الجص الأبيض مجرّدة من أي عناصر تصويرية. في القسم الأسفل من التأليف نقع على جدار مؤلّف من شبكة من المساحات المستطيلة الأفقية المتراصة، يجاوره كما يبدو باب مؤلّف من مساحة مستطيلة عمودية. فوق هذا السدّ، يرتفع بناء معماري يتألّف من شبكة من العناصر الزخرفية، تماثل في تأليفها المشربية التي تشكل أحد عناصر العمارة التقليدية الصحراوية في الجزيرة العربية كما هو معروف.

أساس هذا البناء شريطان من المثلثات المتراكبة، يعلوهما شريطان من المكعبات. فوق هذا الأساس طابق أوّل يتألف من مساحتين أفقيتين، تتكوّن كل منهما من أربع مساحات أفقية عموديّة مزينة بشبكة من المثلّثات المتراكبة. عند طرف هذا الطابق، ترتفع مساحة عمودية فارغة تشكّل مدخلاً له. إلى يسار هذا المدخل، يحضر شخص ينتصب واقفاً تحت قوس يرتفع فوق عمودين مزيّنين بسلسلة من الخطوط المتوازنة. تحدّ هذا الطابق الأول شرفة تتبع في زخرفتها تأليفاً مماثلاً يجمع بين المثلثات والمكعبات.

من هذه الشرفة، تطلّ عشر قامات متجاورة يفصل بينها خط عمودي، وهذه القامات من النوع النصفي، وتمثّل الجزء الأعلى من الإنسان، أي رأسه وصدره. يعلو هذا الطابق طابق ثانٍ مماثل، يتبع النمط الزخرفي نفسه، ويتكوّن من مساحتين. تتألف المساحة السفلى من خمسة أطر أفقية عمودية مزينة بشبكة من المثلثات المتراكبة. وتتألف المساحة العليا من ثلاثة أطر مماثلة، تحدّهما شرفتان صغيرتان تطلّ منهما أربع قامات من النوع النصفي. تعلو هذا الطابق شرفة كبيرة تطلّ منها ثماني قامات متجاورة يفصل مرة أخرى بينها خط عمودي، وفقاً للنسق المتبع.

يتألف سقف هذا البرج من سلسلة مساحات أفقية تأخذ شكل سلّم يتكوّن من ثلاث درجات. الدرجة الأولى مزيّنة بشبكة من المثلثات المتراكبة، وتعلوها درجتان مزيّنتان بكتابة باللغة العربية الجنوبية القديمة. يحدّ الدرجة الأولى وعلان يستقرّ كل منهما عند طرف من طرفيها. ويحد الدرجة الثانية وعلان مماثلان. الشكل المعتمد في تصوير هذه الوعول واحد لا يتغيّر، ويتميّز بقرنين قويَّين منحنيين كسيفين أحدبين، تعلو كل منهما شبكة من النقاط الدائرية.

في قواعد المنظور الكلاسيكي، يمتد الأفق إلى العمق، حيث يختفي الكل في البعد الثالث. في العالم القديم، وفي الشرق المتعدّد الأقاليم خصوصاً، يتحوّل الرسم المنظوري فضاءً معاكساً، فينتفي المبدأ الأول القائم على الانطلاق من مركز محدّد للنور، يُلقي بانعكاسات ظلاله على سائر عناصر المشهد. تغيب نواميس المنظور وقواعد المحاكاة والتماثل، وتتوحّد الأبعاد في بناء جامع يغيب عنه البعد الثالث. في جدارية الفاو، يأخذ هذا البناء الجامع طابعاً هندسياً صرفاً يتبنّى البعد الواحد فحسب. يتحوّل البرج مسافة مسطّحة تخلو تماماً من معالم التجسيم والتظليل. خط الرسم هو السيّد، والتلوين مختزل، ويقتصر على اللون الأحمر، مع بعض من اللون الأصفر، إضافة إلى الأسوَد الذي لا يُعدّ لوناً من الألوان.

رسم توثيقي لجدارية برج الفاو

صياغة التأليف تجري عمودياً. يُسقط المصوّر الرؤية بحسب العمق، ولا يُخضع عناصر الصورة للتقليص أو التكبير وفقاً للمكان الذي تحتلّه في الأبعاد الثلاثة. تتبع القامات الآدمية نسقاً تعادلياً ثابتاً، وتؤلف جماعة رؤوس ذات أحجام متساوية تستقرّ في وحدة هندسيّة متماسكة. يصطفّ سكان البرج في وقفة ثابتة، ويؤلفون جماعة واحدة. أحجام الرؤوس الآدمية متساوية، وتوزيعها الأفقي يجري عمودياً. يحضر شخص منتصب تحت قوس عند مدخل هذا البرج. وتحضر مجموعة من الأشخاص في أعلى الطابق الأول، ومجموعة أخرى في أعلى الطابق الثاني، وتشكل كل مجموعة شريطاً يتكوّن من مجموعة من الرؤوس المتوازية. ملامح هؤلاء الأشخاص واحدة لا تتغيّر، وهي مجرّدة إلى أقصى درجة، بحيث يصعب تحديد هويّتها الجنسية. الوجه دائرة تعلوها كتلة الشعر الأسود، وملامحه نقطتان تشيران إلى العينين. والصدر مجرّد كذلك من أي مفاصل، ويخلو من أي معالم.

تخرج هذه الجدارية عن النسق الذي يبرز في الجداريات الأخرى التي عُثر عليها في الفاو، غير أننا نجد ما يماثل عناصرها الآدمية في صور منقوشة ناتئة خرجت من هذه الجهة من الجزيرة. كذلك، نجد في هذه الجهة العديد من النقوش التي تصوّر وعولاً تماثل في صياغتها التحويرية تلك التي نراها في أعلى الجدارية. لهذه الأسباب؛ يصعب تأريخ هذا العمل الفني الفريد، وكل ما يمكن القول إنه أُنجز بين القرن الثالث قبل الميلاد والقرن الثالث بعد الميلاد.

وعول على نقش تزييني من قرية الفاو محفوظ في متحف الآثار في جامعة الملك سعود بالرياض

تعلو قمة هذا البرج كتابة من جزأين: «تيم» و«منت». والأرجح أن هذه الكتابة تسمّى «تيّم مناة». ومناة معبودة معروفة حُفر اسمها مراراً على شواهد أثرية عديدة عُثر عليها في قرية الفاو، وهي ربة القدر الخيرة والمعطاءة التي عظم شأنها لدى القبائل والدول في شمال الجزيرة العربية، وعلى رأسهم اللحيانيون في دادان. وقد ذكرها ابن الكلبي في «كتاب الأصنام»، وقال إن صنمها كان أقدم الأصنام التي دانت العرب لها، «ولم يكن أحد أشد إعظاماً له من الأوس والخزرج».

يؤكّد ابن الكلبي أنّ العرب كانت «تسمّي عبد مناة وزيد مناة». ويذكر ابن حزم في «جمهرة أنساب العرب» أسماء مشابهة، منها «بنو عبد مناة بن كنانة»، و«بنو حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم»، و«سعد مناة بن غامد». ويبدو أن البرج الحاضر في جدارية الفاو كان يعود للمدعو «تيّم مناة»، كما توحي الكتابة المدوّنة في أعلى هذه اللوحة.


مقالات ذات صلة

مصر: معبد دندرة ومنازل رشيد التاريخية بقائمة التراث في العالم الإسلامي

يوميات الشرق معبد دندرة ضمن قائمة التراث بالعالم الإسلامي (وزارة السياحة والآثار)

مصر: معبد دندرة ومنازل رشيد التاريخية بقائمة التراث في العالم الإسلامي

أدرجت لجنة التراث في العالم الإسلامي معبد دندرة بمحافظة قنا، والمنازل التاريخية بمدينة رشيد، ضمن قائمة التراث.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر: مقبرة رومانية نادرة في المنيا... ألسنة ذهبية وبردية تكشف عن أسرار البهنسا

عثرت البعثة داخل المقبرة على عدد من المومياوات العائدة إلى العصر الروماني، بعضها ملفوف بلفائف مزخرفة بزخارف هندسية...

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق القطع المستردة تعود لعصور مختلفة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر تسترد 13 قطعة أثرية من أميركا تعود لعصور مختلفة

مصر تسترد 13 قطعة أثرية من الولايات المتحدة الأميركية تنتمي إلى عصور تاريخية مختلفة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق السيناريو المتحفي الجديد لقاعة الخبيئة بعد تطويره (وزارة السياحة والآثار المصرية)

عرض خبيئة معبد الأقصر كاملة للمرة الأولى

انتهت وزارة السياحة والآثار المصرية من أعمال تطوير قاعة الخبيئة بمتحف الأقصر، تمهيداً لافتتاحها خلال الفترة القليلة المقبلة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر: فتح مقبرتين للمرة الأولى أمام الزوار بالأقصر

تستعد وزارة السياحة والآثار المصرية لفتح مقبرتي «TT416» و«TT417» الأثريتين للمرة الأولى أمام الزوار خلال الفترة المقبلة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.