لعبة «شبح يوتيه»: تحفة فنية تتجاوز التوقعات

تطويرات كبيرة من إصدار «شبح سوشيما» بأسلحة وأساليب قتال متنوعة

قصة انتقام «أتسو» لمقتل أهلها وتدمير قريتها في قلب منطقة «إيزو» اليابانية
قصة انتقام «أتسو» لمقتل أهلها وتدمير قريتها في قلب منطقة «إيزو» اليابانية
TT

لعبة «شبح يوتيه»: تحفة فنية تتجاوز التوقعات

قصة انتقام «أتسو» لمقتل أهلها وتدمير قريتها في قلب منطقة «إيزو» اليابانية
قصة انتقام «أتسو» لمقتل أهلها وتدمير قريتها في قلب منطقة «إيزو» اليابانية

قدمت لعبة «شبح سوشيما» Ghost of Tsushima في عام 2020 ملحمة قتالية يابانية مبهرة، لتعود الآن بإصدارها الجديد «شبح يوتيه» Ghost of Yotei بتطويرات مبهرة لآلية اللعب والبيئة والأسلحة وحرية التنقل. ويُعدّ هذا الإصدار الجديد تحفة فنية قائمة بذاتها تجسّد التزام الشركة المطورة بتقديم تجربة ساموراي متكاملة وغنية ومصقولة.

وستأخذنا اللعبة في رحلة انتقام عبر البيئة اليابانية الخلابة في حقبة زمنية جديدة بلمسات إبداعية تجعلها واحدة من أبرز ألعاب هذا العام. واختبرت «الشرق الأوسط» اللعبة الحصرية على جهاز «بلايستيشن5» قبل إطلاقها، ونذكر ملخص التجربة.

ر

قصة ثأر فوق ثلوج جبل «إيزو»

تدور قصة اللعبة في عام 1603 (بعد 329 عاماً من أحداث إصدار «شبح سوشيما») في منطقة «إيزو» حول جبل «يوتيه» المهيب. وتركز القصة على شخصية مقاتلة الساموراي «أتسو» Atsu التي تقودها رغبة عارمة بالانتقام لمقتل عائلتها قبل 16 عاماً على يد مجموعة من ستة محاربين قساة يُعرفون باسم «ستة يوتيه» بقيادة «سايتو»، الذين قاموا بتدمير قريتها وتركوها لتموت بالنار.

وتهرب «أتسو» وتصبح مقاتلة مستقلة شرسة قبل أن تعود إلى قريتها برغبة الانتقام، وتستهدف مساعدي «سايتو» الستة، ولكنها تصاب إصابة بليغة بعد قتل أول مساعد، ليعتقد سكان القرية أنها ماتت وعادت إلى الحياة ويطلقون عليها اسم «شبح يوتيه». وتعلم بعد ذلك بأن «سايتو» يقوم بتجهيز جيش للسيطرة على كامل منطقة «إيزو»، ولكن عشيرة «ماتسوماي» تقاومه وتعلن الحرب عليه. وتقوم «أتسو» بالمساعدة في إعداد السكان عسكرياً وقتال الأعداء، لتتعرف على أصدقاء يشاركونها رحلتها النارية.

ما يميز قصة «شبح يوتيه» هو هيكلها غير الخطي الذي يمنح اللاعب حرية اختيار ترتيب مواجهة أفراد «ستة يوتيه» (باستثناء الأول والأخير)؛ ما يجعل لكل لاعب رحلته الفريدة. وتتعزز القصة بوجود شخصيات ثانوية عميقة مثل «أويوكي» و«جوبي» الذين يشكلون مع «أتسو» ما يعرف بـ«قطيع الذئاب». هؤلاء الحلفاء لا يقدمون الدعم في المعارك فحسب، بل يضيفون المزيد من الطبقات للقصة، خصوصاً مع الكشف عن أسرارهم وماضيهم؛ ما يجعل عالم اللعبة أكثر حيوية وواقعية.

هذه القصة الشخصية والعميقة تضعنا مباشرة في قلب صراع عنيف، حيث كل مبارزة وكل خطوة تقرّب «أتسو» من هدفها القديم. ولن نذكر المزيد من تفاصيل القصة، ونتركها للاعب ليكتشفها بنفسه.

مزايا لعب مطورة

وتعرض اللعبة المجريات من خلال المنظور الثالث (يمكن مشاهدة كامل الشخصية خلال اللعب) وتعتمد على أساسيات أسلوب اللعب في الجزء الأول من قتال واستكشاف وتسلل، ولكنها تضيف إليها مزايا جديدة تزيد من عمق التجربة. وسيخوض اللاعبون في قتالات مباشرة بالسيوف والأسلحة قصيرة المدى أو عن بُعد باستخدام السهم والنشاب والبندقيات أو من خلال رمي السيوف نحو الأعداء.

معارك ضارية بأسلوب تصوير سينمائي لكبار المخرجين اليابانيين

* نظام القتال: يظل نظام القتال هو جوهر اللعبة، حيث تم صقله ليصبح أكثر سلاسة وفتكاً. ويبدو كل هجوم وصد ومراوغة ذا ثقل وتأثير؛ ما يجعل كل مواجهة تجربة مثيرة. وتعود المبارزات الفردية التي كانت من أبرز نقاط قوة الإصدار الأول بشكل أكبر وأكثر تحدياً. وعلى الرغم من وجود خيار التسلل، فإن اللعبة لا تفرضه على اللاعب، بل تشجعه على خوض المعارك المباشرة للاستمتاع بنظام القتال الرائع. كما يمكن صد ضربات الأعداء المختلفين باستخدام الأسلحة الكثيرة التي يحصل عليها اللاعب خلال تقدمه التي تناسب كل نوع من أنواع الأعداء، حيث يبدأ اللاعب وبحوزته سيف واحد، ولكنه سيحصل على الرمح والسلسلة وسيف ضخم وسيفين منفصلين وسهم ونشاب والبندقية القوية، مع القدرة على استخدام الخطاف من بداية اللعب للوصول إلى الأماكن المرتفعة.

تعتمد اللعبة على التسلل والقتال والاستكشاف

* قتال استراتيجي: تقدم اللعبة القدرة على استهداف أماكن محددة في جسد كل شخصية والحصول على نتائج مختلفة في كل معركة، مثل القدرة على استهداف يديهم عن بُعد لإزالة الأسلحة ومن ثم المهاجمة بشكل مباشر (الأمر نفسه ينطبق على شخصية «أتسو»، حيث يمكن للأعداء القيام بالأمر نفسه؛ ولذا يجب توخي الحذر في كل مواجهة مع الأعداء)، مع إمكانية حمل السيوف من الأرض ورميها نحو الأعداء والقدرة على استدعاء ذئب صديق لـ«أتسو» لقتال الأعداء وإلحاق الذعر بقلوبهم لدى مشاهدته.

* آليات لعبة مطورة: لم تكتفِ اللعبة بتقديم بطلة وعالم جديدين، بل طورت من آليات اللعب الأساسية، حيث تم توسيع ترسانة الأسلحة وخيارات المهارات لمنح اللاعبين خيارات أوسع لتخصيص أسلوب لعبهم. كما أن النهج غير الخطي في القصة الرئيسية يمثل تغييراً كبيراً، حيث يضع مصير الرحلة بيد اللاعب بشكل أكبر. هذه التطورات تجعل «شبح يوتيه» تجربة متجددة ومحسّنة، وليست مجرد تكرار للإصدار السابق.

يمكن التنقل بحرية في أرجاء الخريطة حسب اختيار كل لاعب

* حرية باختيار المسار: يمكن للاعبين الآن تولي مهام إكمال المهمات الجانبية للحصول على المكافآت الكثيرة (النقود أو تطوير قدرات «أتسو») أو مهام إتقان الأسلحة لفتح قدرات جديدة. إضافة «المخيم» تعدّ لمسة ذكية، حيث يمكن لـ«أتسو» أن تستريح وتتناول الوجبات لتعزيز قدراتها وصُنع الذخيرة؛ ما يضيف عنصراً استراتيجياً للتخطيط قبل كل مهمة، إلى جانب القدرة على تعلم أغنيات شعبية خاصة تسمح لرياح منطقة «إيزو» أن تدل اللاعب على مناطق جديدة في الخريطة.

*بيئة متغيرة: تقدم اللعبة بيئة متغيرة، حيث يتغير الطقس حسب المناخ الحقيقي لجيل «يوتيه»، بما في ذلك هطول الأمطار وتساقط الثلوج وحدوث الشفق والوهج في السماء ليلاً.

الفروقات عن إصدار «شبح تسوشيما»: أبرز ما يميز «شبح يوتيه» هو بطلتها الجديدة «أتسو، ساكاي» الهادئة. وهذا التغيير ينعكس على القصة التي تركز بشكل أكبر على الانتقام الشخصي بدلاً من الصراع من أجل الشرف. عالم منطقة «إيزو» بحد ذاته يمثل اختلافاً جوهرياً، حيث تتميز تضاريسه الثلجية وغاباته الكثيفة بجمال فريد ومختلف عن جزيرة «سوشيما»؛ ما يمنح اللعبة هويتها البصرية الخاصة.

مواصفات تقنية

من الناحية البصرية، فإن «شبح يوتيه» هي استعراض حقيقي لقدرات جهاز «بلايستيشن5». وتبدو المناظر الطبيعية في منطقة «إيزو»، من الحقول المغطاة بالزهور إلى قمم الجبال الثلجية، وكأنها لوحات فنية تنبض بالحياة. واستلهم المطورون الأسلوب السينمائي من أفلام المخرج الياباني «أكيرا كوروساوا»، وهو ما يظهر جلياً في زوايا الكاميرا والمشاهد السينمائية التي تجعل كل لحظة في اللعبة تستحق لقطة شاشة؛ وهو ما يسهله «طور التصوير» المتاح دائماً، إلى جانب تقديم أسلوب تصوير المخرجين السينمائيين «تاكاشي ماييكي» و«شينشيرو واتانابي» المميز كخيارين إضافيين. وتجدر الإشارة إلى أن اللعبة تقدم قوائم وحوارات نصية معربة بالكامل؛ ما يزيد من مستويات الانغماس للاعبين في المنطقة العربية.

ويزداد الانغماس في عالم اللعبة بفضل التصميم الصوتي المتقن، حيث سافر فريق التطوير إلى اليابان لتسجيل أصوات الطبيعة في حديقة «شيريتوكو» الوطنية. هذا الاهتمام بالتفاصيل يظهر بوضوح في كل صوت نسمعه، من حفيف أوراق الشجر إلى هدير الرياح. والموسيقى التصويرية التي تمزج بين الآلات اليابانية التقليدية والألحان الملحمية تضبط نغمة كل مشهد بشكل مثالي، سواء كان لحظة تأمل هادئة أو مبارزة عنيفة حتى الموت.

معلومات عن اللعبة

- الشركة المبرمجة: «ساكر بانش بروداكشنز» Sucker Punch Productions www.SuckerPunch.com

- الشركة الناشرة: «سوني إنترآكتيف إنترتينمنت» Sony Interactive Entertainment www.SonyInteractive.com

- موقع اللعبة: www.SuckerPunch.com

- نوع اللعبة: مغامرات وقتال Action-adventure

- أجهزة اللعب: «بلايستيشن 5» حصرياً

- تاريخ الإطلاق: أكتوبر (تشرين الأول) 2025

- تصنيف مجلس البرامج الترفيهية ESRB: للبالغين فوق 17 عاماً

- دعم للعب الجماعي: نعم، من خلال تحديث مجاني مقبل يدعم اللعب الجماعي التعاوني في عام 2026 اسمه «شبح يوتيه: الأساطير» Ghost of Yotei - Legends


مقالات ذات صلة

وحدات «إنفيديا» للرسومات المدمجة في الكومبيوترات المحمولة تطلق عنان الإبداع والذكاء الاصطناعي

تكنولوجيا حوّل المهام الروتينية التقليدية إلى عمليات ذكية وسريعة لتسريع الإبداع

وحدات «إنفيديا» للرسومات المدمجة في الكومبيوترات المحمولة تطلق عنان الإبداع والذكاء الاصطناعي

تهدف وحدات «إنفيديا» لتوفير تجربة إنتاجية ذكية للأعمال الإبداعية بأداء مضاعف وموثوقية أعلى في تطبيقات التصميم والمونتاج.

خلدون غسان سعيد (جدة)
رياضة سعودية 100 ألف لاعب يتنافسون للمشاركة في كأس المنتخبات للرياضات الإلكترونية (مؤسسة الرياضات الإلكترونية)

100 ألف لاعب يتنافسون للمشاركة في كأس المنتخبات للرياضات الإلكترونية

كشفت مؤسسة الرياضات الإلكترونية عن القائمة المؤكدة والكاملة للألعاب الست عشرة المشمولة ضمن بطولة كأس المنتخبات للرياضات الإلكترونية 2026.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا لعبة «براغماتا» الممتعة المقبلة

لعبة «براغماتا»: حين يصبح القمر مسرحاً لـ«حلم» تقني خرج عن السيطرة

تناغم ممتع بين القتال التكتيكي والاختراق الرقمي.

خلدون غسان سعيد (جدة)
رياضة عالمية أبو مكة محتفلا بالكأس (حساب اللاعب على إكس)

أبو مكة يهدي القادسية لقب الدوري السعودي الإلكتروني... ويصعد للمونديال

حقق لاعب نادي القادسية، أبو مكة إنجازا لافتا بتتويجه بلقب الدوري السعودي الإلكتروني للمحترفين.

«الشرق الأوسط» (الرياض )
خاص جانب من منافسات كأس العالم للرياضات الإلكترونية في الرياض (واس)

خاص سوق الألعاب السعودية تقترب من 2.4 مليار دولار بنهاية 2025

بلغ حجم سوق الألعاب الإلكترونية في السعودية نحو 2.39 مليار دولار خلال عام 2025، في وقت تشهد فيه الصناعة تحولاً متسارعاً مدفوعاً بنمو قاعدة اللاعبين.

زينب علي (الرياض)

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
TT

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

توسّع «بيربليكسيتي» طموحاتها إلى ما هو أبعد من البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي؛ إذ ترى أن المرحلة المقبلة من الحوسبة الشخصية ستقوم على مساعد أكثر وعياً بسياق المستخدم، وقادر على الاقتراب من نشاطه الرقمي اليومي.

وفي منشور جديد عبر موقعها الإلكتروني بعنوان «The Personal Computer Is Here»، تعرض الشركة هذه الرؤية باعتبارها جزءاً من توجه أوسع لجعل الذكاء الاصطناعي طبقة أكثر حضوراً في التصفح والبحث وتنفيذ المهام، بدلاً من بقائه أداة تُستخدم للإجابة عن الأسئلة المنفصلة فقط. ويتقاطع هذا الطرح مع الاهتمام المتزايد باستراتيجية «بيربليكسيتي» في مجال المتصفح، ومع مساعيها للانتقال من منتج بحث إلى واجهة أوسع للذكاء الاصطناعي الشخصي.

ولا تتمثل أهمية التطور هنا في أن الشركة نشرت بياناً جديداً عن منتجها فحسب، بل في أنها باتت تعرض تقنيتها بوصفها جزءاً من تحول أكبر في طريقة تفاعل المستخدمين مع الحواسيب. فبدلاً من تقديم الذكاء الاصطناعي كإضافة إلى سير العمل القائم، تضعه «بيربليكسيتي» في موقع الطبقة التي يمكن أن يمر عبرها هذا السير نفسه. وهذا يضع الشركة في منافسة أكثر مباشرة ليس فقط مع منافسي البحث بالذكاء الاصطناعي، بل أيضاً مع مطوري المتصفحات والشركات التي تحاول رسم واجهة الاستخدام المقبلة في عصر الذكاء الاصطناعي.

التحول الجديد يشير إلى أن «بيربليكسيتي» تريد أن تؤثر في طريقة استخدام الحاسوب لا في البحث فقط «بيربليكسيتي»

«توسيع دور بيربليكسيتي»

يكتسب هذا التحول أهمية خاصة؛ لأن «بيربليكسيتي» بنت حضورها الأول بوصفها منصة تعتمد على الإجابات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والبحث على الويب. أما الآن، فتشير اللغة الجديدة التي تستخدمها الشركة إلى أنها تريد أن تُعرَف بدرجة أقل كوجهة لطرح الأسئلة، وبدرجة أكبر كنظام يفهم سياق المستخدم ويساعده في إدارة أنشطته الرقمية الأوسع. وعملياً، يعني ذلك الاقتراب أكثر من طريقة تصفح الأفراد، ومقارنتهم للمعلومات، واتخاذهم القرارات، وتنفيذهم المهام. وهو ادعاء أكبر بكثير من مجرد تقديم نتائج بحث أفضل.

كما يساعد السياق الصناعي الأوسع في تفسير هذا التوجه؛ فشركات الذكاء الاصطناعي تحاول بشكل متزايد تجاوز واجهات الدردشة المستقلة إلى بيئات برمجية تلتقط قدراً أكبر من النشاط اليومي للمستخدم. وأصبحت المتصفحات ساحة مهمة لهذا التنافس؛ لأنها تحتل بالفعل موقعاً مركزياً في كيفية عمل كثير من الناس على الإنترنت. ومن خلال ربط رسالتها بالحوسبة الشخصية لا بالبحث فقط، تبدو «بيربليكسيتي»، وكأنها تقول إن المتصفح والمساعد الذكي يبدآن في الاندماج.

الانتقال إلى طبقة أكثر التصاقاً بالمستخدم يفرض تحديات تتعلق بالسياق والخصوصية والموثوقية «بيربليكسيتي»

الخصوصية والموثوقية أولاً

لا يعني هذا الانتقال أن الطريق سهل؛ فوجود طبقة ذكاء اصطناعي أكثر التصاقاً بالمستخدم يتطلب الوصول إلى السياق، والاستمرارية عبر المهام، وقدراً كافياً من الثقة حتى يسمح الأفراد للبرمجيات بالاقتراب أكثر من عادات عملهم. وهذه متطلبات أكثر تعقيداً بكثير من مجرد الإجابة عن سؤال أو تلخيص صفحة. كما أنها ترفع سقف التحديات المرتبطة بتصميم المنتج، وتوقعات الخصوصية، والموثوقية. وتوحي الرسائل الأخيرة للشركة بأنها ترى أن هذا التحدي يستحق المخاطرة؛ لأن الميزة التنافسية المقبلة في الذكاء الاصطناعي قد لا تأتي فقط من جودة الإجابة، بل من التغلغل في سير العمل اليومي للمستخدم.

«بيربليكسيتي» توسع موقعها

ما يبرز أكثر من غيره هو اللغة التي باتت «بيربليكسيتي» تستخدمها في تعريف نفسها؛ فالشركة تبدو وكأنها تحاول تثبيت موطئ قدم في فئة تتجاوز البحث، بل حتى تتجاوز الدردشة. إنها تصف مستقبلاً لا يُستشار فيه الذكاء الاصطناعي من حين إلى آخر فحسب، بل يصبح طبقة تشغيل يومية في الحوسبة الشخصية. وهذا إطار استراتيجي أوسع بكثير من ذاك الذي عُرفت به حين ظهرت بدايةً بوصفها شركة ناشئة في البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي.

وبالنسبة إلى «بيربليكسيتي»، فإن دلالة هذا التحول واضحة؛ فالشركة لا تسعى فقط إلى تحسين الطريقة التي يعثر بها المستخدمون على المعلومات، بل تريد أيضاً أن تؤثر في الطريقة التي يتحركون بها داخل العمل الرقمي كله. وما إذا كانت قادرة على تنفيذ هذا الوعد يبقى سؤالاً مفتوحاً، لكن الاتجاه بات واضحاً: «بيربليكسيتي» تريد أن يكون لها دور ليس فقط فيما يسأله الناس للذكاء الاصطناعي، بل أيضاً في كيفية استخدامهم الحاسوب من الأساس.


دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
TT

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

طوّر باحثون من مختبر «كرييت» (CREATE) في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان (EPFL) في سويسرا إطاراً جديداً يهدف إلى معالجة واحدة من أكثر المشكلات إرباكاً في الروبوتات الصناعية تتعلق بكيفية تعليم مهارة واحدة لروبوتات مختلفة البنية من دون إعادة البرمجة من الصفر في كل مرة.

الدراسة المنشورة في دورية «Science Robotics» تقدم ما يسميه الباحثون «الذكاء الحركي»، وهو نهج يحوّل المهمة التي يعرضها الإنسان إلى استراتيجية حركة عامة، ثم يكيّفها تلقائياً مع التصميم الميكانيكي لكل روبوت على حدة.

تكمن المشكلة في أن الروبوتات، حتى عندما تُستخدم في أعمال متشابهة، لا تتحرك بالطريقة نفسها. اختلاف ترتيب المفاصل وحدود الحركة ومتطلبات الاتزان يجعل المهارة التي يتعلمها روبوت ما غير قابلة للنقل مباشرة إلى روبوت آخر. ولهذا؛ فإن تحديث أسطول الروبوتات في المصانع غالباً لا يعني استبدال العتاد فقط، بل يشمل أيضاً إعادة تعريف المهام، وضبط حدود الأمان، وإعادة التحقق من السلوك الحركي لكل منصة جديدة. الدراسة الجديدة تحاول فصل «فكرة المهارة» عن خصائص الروبوت الفردي، بحيث يصبح بالإمكان نقلها بين منصات مختلفة بتكلفة أقل وزمن أقصر.

الباحثون حوّلوا المهام التي يعرضها الإنسان استراتيجيات حركة عامة يمكن تكييفها مع كل روبوت على حدة (EPFL)

نقل المهارة بأمان

ولبناء هذا الإطار؛ بدأ الباحثون من مهام تلاعب بالأجسام عرضها إنسان، مثل الوضع والدفع والرمي. استخدم الفريق تقنيات التقاط الحركة لتسجيل هذه المهام، ثم حوّلها رياضياً استراتيجيات حركة عامة لا ترتبط بروبوت واحد بعينه. بعد ذلك، وضعوا تصنيفاً منظماً للقيود الفيزيائية الخاصة بكل تصميم روبوتي، مثل مدى حركة المفاصل والمواضع التي يجب تجنبها للحفاظ على الاستقرار. وبهذا، لم يعد الروبوت ينسخ حركة بشرية أو حركة روبوت آخر كما هي، بل «يفسر» المهارة ضمن حدوده الميكانيكية الخاصة.

في التجربة الأساسية، عرض إنسان مهمة مركبة على خط تجميع كدفع كتلة خشبية من سير ناقل إلى منصة عمل، ثم وضعها على طاولة، ثم رميها في سلة. ووفق التقرير، تمكنت ثلاثة روبوتات تجارية مختلفة تماماً من إعادة تنفيذ التسلسل نفسه بأمان وموثوقية باستخدام إطار الذكاء الحركي. والأهم أن النظام ظل يعمل حتى عند تغيير توزيع الخطوات بين الروبوتات؛ ما يشير إلى أن الإطار لا يحفظ مساراً واحداً فحسب، بل ينقل منطق المهمة نفسه إلى أجسام مختلفة.

أهمية النظام لا تقتصر على إنجاز المهمة بل تشمل الحفاظ على السلوك الآمن والمتوقع داخل حدود كل روبوت (أ.ف.ب)

أتمتة أسرع وأبسط

يقول الباحثون إن القيمة الرئيسية هنا لا تتعلق فقط بإتمام المهمة، بل بضمان أن كل روبوت ينفذها ضمن حدوده الآمنة. رئيسة المختبر أود بيلار وصفت ذلك بأنه معالجة لتحدٍ قديم في الروبوتات متعلق بنقل المهارة المتعلمة بين روبوتات ذات هياكل ميكانيكية مختلفة مع الحفاظ على سلوك آمن ومتوقع. أما أحد الباحثين المشاركين، فأوضح أن كل روبوت «يفسر المهارة نفسها بطريقته، ولكن دائماً ضمن حدود آمنة وقابلة للتنفيذ». هذه النقطة أساسية لأن كثيراً من أنظمة التعلم الروبوتي تُظهر أداءً جيداً في المختبر، لكنها تصبح أقل موثوقية عندما تنتقل إلى منصات أخرى أو إلى بيئات تشغيلية فعلية.

أهمية هذا النهج تظهر بوضوح في التصنيع، حيث يمكن أن يؤدي تبديل الروبوتات أو تحديثها إلى تعطيل طويل ومكلف. فإذا أمكن نقل المهارات بين الروبوتات المختلفة من خلال تمثيل عام للمهمة بدلاً من إعادة البرمجة التفصيلية، فقد يصبح نشر الروبوتات الجديدة أسرع وأكثر استدامة. التقرير يشير أيضاً إلى أن هذا يمكن أن يقلل حجم الخبرة الفنية المطلوبة لتشغيل الأنظمة في البيئات الواقعية، وهي نقطة قد تكون مهمة للشركات التي تريد توسيع الأتمتة من دون الاعتماد الكامل على فرق برمجة متخصصة لكل منصة.

لا يقف طموح الباحثين عند خطوط الإنتاج. فهم يرون أن الإطار قد يمتد إلى التعاون بين الإنسان والروبوت، أو إلى التفاعل المعتمد على اللغة الطبيعية، حيث يمكن للمستخدم أن يوجه الروبوت بأوامر بسيطة من دون الخوض في برمجة تقنية معقدة. كما يبدو النهج مناسباً للمنصات الروبوتية الناشئة، حيث تتطور العتاد بسرعة وقد تُستبدل النماذج الحالية بأخرى أحدث خلال فترة قصيرة. في هذه البيئات، لا تكون المشكلة في تعليم الروبوت مهمة واحدة فحسب، بل في الحفاظ على تلك المهارة قابلة للنقل مع كل جيل جديد من الآلات.


فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
TT

فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)

في مشهدٍ بدا أقرب إلى لقطاتٍ من فيلمٍ خيالي، تحوّل روبوتٌ بشري إلى حديث الشارع في وارسو، بعدما ظهر في مقطعٍ مصوّر وهو يطارد خنازير برية بين أحيائها، في ظاهرةٍ جمعت بين الدهشة والطرافة، وأثارت نقاشاً واسعاً حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة.

الروبوت، الذي يحمل اسم «إدوارد وارتشوكي» ويُعرف اختصاراً بـ«إيدِك»، ليس مجرد تجربة تقنية عابرة، بل مشروعٌ طموحٌ وُلد من تعاونٍ بين تقنياتٍ صينية وبرمجياتٍ طُوّرت محلياً. وقد اشتراه رائدا أعمالٍ بولنديان مقابل نحو 25 ألف دولار، قبل أن يعملا على تطوير نظامه ليصبح وفق توصيفهما أول «مؤثر روبوتي» في بولندا. وفقاً لصحيفة «فاينانشال تايمز».

وخلال أسابيع قليلة، خرج «إيدِك» من إطار التجربة المحدودة إلى فضاء الشهرة الواسعة، إذ حقّقت مقاطعه على وسائل التواصل أكثر من 1.5 مليار مشاهدة خلال 45 يوماً، ما جعله ظاهرةً رقميةً لافتةً، تتجاوز حدود الترفيه إلى التأثير الاجتماعي.

لا يقتصر حضور الروبوت على الشاشات؛ فقد بات جزءاً من الحياة اليومية في المدينة، يتنقّل بين الحافلات والمتاجر، ويشارك في فعالياتٍ عامة، بل ويتحوّل أحياناً إلى أداةٍ تسويقية تستعين بها شركاتٌ محلية في حملاتها. ويضيف إلى صورته اللافتة ارتداؤه ساعة «رولكس» مرصّعة بالألماس، في إطار اتفاقية رعاية، ما يعكس تداخلاً غير مألوف بين التكنولوجيا وعالم العلامات الفاخرة.

وبحسب مطوّريه، فإن «إيدِك» يتميّز بقدرةٍ متقدمة على التفاعل الإنساني، إذ جرى تزويده بنموذجٍ لغويٍّ متطور يمكّنه من التحدّث والاستماع بشكلٍ مستقل، فضلاً عن نظام تحديد مواقع (GPS) وقاعدة بيانات تُنشئ ما يشبه «ذاكرةً» رقمية، تمنحه إدراكاً للزمان والمكان.

ويقول أحد القائمين على المشروع إن سلوك الروبوت لم يعد قابلاً للتوقّع دائماً، مضيفاً: «لا نعرف بدقةٍ ما الذي سيقوله، وهذا ما يفاجئنا. كما أنه يتفاعل مع مشاعر من يحدّثهم؛ فإذا واجه شخصاً غاضباً أو محبطاً، يتأثر بذلك ويستجيب بطريقةٍ أقرب إلى التعاطف».

الحضور اللافت للروبوت امتدّ أيضاً إلى المجال العام، حيث التقى بمسؤولين حكوميين، وعقد مؤتمراً صحافياً داخل البرلمان، بل وشارك في نقاشاتٍ مع نواب حول قضايا اجتماعية، في مشهدٍ يعكس تحوّلاً غير مسبوقٍ في دور التكنولوجيا داخل الحياة السياسية.

وفي إحدى المباريات الجماهيرية التي حضرها نحو 20 ألف مشجّع، سرق «إيدِك» الأضواء عند ظهوره على الشاشة الكبيرة، إذ توقّف كثيرون عن متابعة اللقاء، وارتفعت هتافات الأطفال باسمه، في لحظةٍ بدت أقرب إلى احتفاءٍ بنجمٍ رياضي.

ورغم الطابع الترفيهي الذي يحيط بالمشروع، يؤكد مطوّروه أن الهدف يتجاوز ذلك، ليشمل تعريف المجتمع بعالم الروبوتات، والدفع نحو تشريعاتٍ تستقطب الاستثمارات في هذا القطاع سريع النمو، خصوصاً في ظل المنافسة العالمية المتصاعدة، حيث تتقدّم الشركات الصينية، إلى جانب شركاتٍ أميركية مثل «تسلا».

في المحصلة، لا يبدو «إيدِك» مجرد روبوتٍ يرتدي ساعةً فاخرة أو يطارد خنازير برية، بل تجربة إنسانية مفتوحة على أسئلة المستقبل: كيف سيتعايش البشر مع هذه الكيانات الذكية؟ وهل تصبح جزءاً مألوفاً من تفاصيل الحياة اليومية خلال سنواتٍ قليلة؟ الإجابة، كما يبدو، بدأت تتشكّل... خطوةً بعد أخرى.