أدوات السفر المدعومة بالذكاء الاصطناعي... هل هي جيدة حقاً؟

تساعد في تخطيط الرحلات وترجمة اللغات

أدوات السفر المدعومة بالذكاء الاصطناعي... هل هي جيدة حقاً؟
TT

أدوات السفر المدعومة بالذكاء الاصطناعي... هل هي جيدة حقاً؟

أدوات السفر المدعومة بالذكاء الاصطناعي... هل هي جيدة حقاً؟

يقول مطوِّرو تقنيات السفر المدعومة بالذكاء الاصطناعي، إن أدواتهم تُسهِّل حياتك عبر القيام بكل شيء، بدءاً من تخطيط رحلة أحلامك، ومروراً بزيادة نقاط الولاء... إلى إخبارك عن مبنى رائع في نهاية الشارع.

ولكن هل هذا ما تقوم به حقاً؟ الإجابة، بعد اختبار بعض أكبر الشركات: نوعاً ما، كما كتب غابي كاسترو-رُوت*.

أدوات ذكاء اصطناعي للرحلات

يمكن لمجموعة كبيرة من أدوات تخطيط الرحلات المتشابهة ظاهرياً، مساعدتك في وضع برنامج رحلة، والعثور على فنادق ومطاعم، بدرجات متفاوتة من النجاح. ويتمكن أفضلها من أن يُضاهي أسلوب المحادثة في روبوتات الدردشة مثل «تشات جي بي تي»، أو «جيميناي».

بالطبع، تعاني أدوات تخطيط السفر العيوب نفسها في أي برنامج ذكاء اصطناعي: فهي لا تصل دائماً إلى أحدث البيانات، وقد لا تتوفر لديها المعلومات التفصيلية التي توفرها مواقع مثل «غوغل فلايتس» للسفرات الجوية؛ علاوة على أنها أحياناً تختلق أموراً.

اختبار أدوات السفرات الذكية

وعلى الرغم من ذلك، فإن هناك طرقاً لتحقيق أقصى استفادة منها. لقد استشرتُ خبراء واختبرتُ أدوات التخطيط هذه، بالإضافة إلى أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي للمساعدة في تحسين نقاط حجز الفنادق وشركات الطيران وترجمة المحادثات. إليكم كيف نجحت.

أداتا «إكسبيديا» و«مايندتريب» الذكيتين

«مطابقة الرحلات- من إكسبيديا» Expedia Trip Matching

- المهمة: تحويل لقطات «إنستغرام» إلى برنامج رحلة. أداة التخطيط السياحي هذه المصممة جيداً سهلة الاستخدام. عندما ترى لقطات «إنستغرام» حول وجهة ترغب في زيارتها، أرسلها إلى «إكسبيديا» عبر رسالة مباشرة، تماماً كما لو كنت تشاركها مع صديق. وسيبدأ روبوت الدردشة الذكي محادثة، ويسألك عن تفضيلاتك -«هل أنت مهتم أكثر بالتاريخ، أم الطعام، أم الطبيعة، أم الحياة الليلية، أم أي شيء آخر؟»- ويُخصص توصياته لذلك المكان بناءً على إجاباتك.

وقال يوشن كوديجك، كبير مسؤولي التسويق في مجموعة «إكسبيديا»، إن خدمة مطابقة الرحلات مصممة للأشخاص الذين ما زالوا يفكرون في رحلات ولم يخططوا لها بعد. وأضاف: «أردنا تقديم خدمة للمسافرين الذين يرون شيئاً ما فيقولون: (مرحباً، هذا رائع. ما هذا؟)».

توفر خدمة مطابقة الرحلات هذه روابط لحجز الفنادق فوراً، في حال كنت تشعر بالاندفاع.

- المشكلات: مثل أدوات الذكاء الاصطناعي الأخرى، تواجه خدمة مطابقة الرحلات بعض المشكلات التي يجب حلها. فقد قدمت لي توصيات عامة حول أنشطة لوجهات سفري، واقترحت مراراً وتكراراً الإقامة في فنادق قليلة أو معدومة التوفر في التواريخ التي أردتها. عندما طلبت منها العثور على رحلات لقضاء عطلة خيالية في آسيا الوسطى، اقترحت عليَّ التفكير في التوقف في موسكو، على الرغم من أن الحرب الدائرة مع أوكرانيا تجعل السفر هناك محفوفاً بالمخاطر بالنسبة للأميركيين.

«مايندتريب» Mindtrip

- المهمة: تقديم اقتراحات رحلات مصممة خصيصاً بناءً على اهتماماتك.

تمنح الصور الرائعة هذه التي تشبه تلك التي يقدمها «تشات جي بي تي»، ميزة إضافية. واجهة الأداة هي محادثة تفاعلية مع روبوت دردشة، تتضمن خرائط وصوراً مفصلة لكل معلم سياحي أو مكان إقامة. ابدأ في حل اختبار قصير لمساعدتك في تخصيص اقتراحات الروبوت بما يناسب اهتماماتك.

إذا لم تكن متأكداً من أسئلة المتابعة التي يجب طرحها، فيمكن لـ«مايندتريب» مساعدتك في ذلك أيضاً؛ حيث تقترح ميزة «قد ترغب في السؤال» أسئلة يمكنها كشف مزيد من التفاصيل حول المكان الذي يثير اهتمامك. وبمجرد تضييق نطاق خياراتك، يمكنك الحصول على التفاصيل من موظف.

ويضم البرنامج نحو 30 ألف دليل من إعداد منشئي محتوى ومستخدمين آخرين. ويمكنك حجز بعض الفنادق مباشرة عبر البرنامج الذي يحصل على عمولة عند الحجز عبر موقعه.

- المشكلات: ما يعيب هذا البرنامج هو التعرف على الرحلات الجوية؛ إذ أخبرني الموقع أنه لا يوفر «أسعاراً محددة للرحلات أو توفراً» لخطوط معينة، وسرعان ما أظهر بحث على الإنترنت أسعاراً أرخص لرحلات جوية لوجهات عدة، على الرغم من أن الأداة بدت أكثر دقة للرحلات الداخلية منها للرحلات الدولية.

و«مايندتريب» مجاني، ولكن ستحتاج إلى إنشاء حساب بعد الرسائل القليلة الأولى.

«ليلى» و«الجندول»

«ليلى» laylaa

- المهمة: تقديم نصائح تخطيط الرحلات مع مراعاة مشاعرك.

يقول سعد سعيد، الرئيس التنفيذي لشركة «ليلى»، إن هذه الأداة تعمل بشكل أفضل عندما تشارك مشاعرك معها. وأضاف: «الذكاء الاصطناعي مفيد جداً في بداية الرحلة، عندما لا تعرف بالضبط ما تريده. ويمكنك التعبير بوضوح عما تشعر به، ولماذا ترغب في السفر». وقال: «مع الأسف، البحث عن الرحلات الجوية أفضل بالتأكيد على (غوغل فلايتس)».

«ليلى» بصورتها الرمزية لشابة ذات شعر مجعد، تتميز بتصميم مشابه لـ«مايندتريب»: واجهة نصية تفاعلية، بالإضافة إلى خريطة ومجموعة من الصور، على الرغم من أنها تحتاج أحياناً إلى بعض التلميحات لعرض الصور. كما تتيح لك عضويتها البالغة 49 دولاراً سنوياً الحصول على خصومات تصل إلى 20 في المائة في فنادق مختارة حول العالم.

- المشكلات: والفرق الكبير بين الأداتين: أسلوب المحادثة؛ إذ عندما أخبرتُ «ليلى» أنني أخطط لرحلة إلى فيرمونت هذا الخريف، سألتني بعض الأسئلة، ثم قالت: «أخبرني بالتفاصيل، وسأُحضِّر لك بعض الأشياء الرائعة!» ولكن بأسلوب غير رفيع.

العيب الآخر هو أن «ليلى» تُرسل إليك أقل من 10 رسائل قبل أن تطلب منك دفع الرسوم. ومع أنه لا يزال بإمكانك الحصول على معلومات جيدة قبل ذلك، لم أكن مُقتنعاً بأن «ليلى» تستحق الدفع مقابل خدماتها، في حين أن منصاتٍ أخرى تُقدم منتجاً مماثلاً مجاناً.

«الجندول» Gondola

- المهمة: استفد إلى أقصى حد من نقاط الولاء والأميال.

يُقدم «الجندول» المساعدة في العثور على أفضل عرض في عالم برامج الولاء المُربك.

يمكن للمستخدمين منح «الجندول» الإذن لمسح صندوق بريدهم الإلكتروني للبحث عن حجوزات السفر، أو إدخال المعلومات يدوياً.

إذا كانت لديك نقاط مع فنادق «ماريوت» و«هيلتون» و«هايات»، على سبيل المثال، يمكنك البحث عن جميع الفنادق الثلاث معاً على «Gondola»، وسيُرتب الموقع خياراتك من الأفضل إلى الأسوأ من حيث القيمة، مع عرض أسعار الدفع النقدي والنقاط جنباً إلى جنب، بالإضافة إلى النقاط التي ستربحها من كل خيار. ويمكنك حجز فندق مباشرة عبر «الجندول».

يراقب الموقع أيضاً أسعار تذاكر الطيران والغرف، حتى بعد حجز رحلة أو فندق، لذا إذا انخفض السعر يمكنك إعادة الحجز بسعر أقل. ولكن لا يمكنك حجز الرحلات الجوية مباشرة على الموقع.

وصرح سكيلر إريكسون، أحد المؤسسين المشاركين، بأن جمهور «الجندول» المستهدف هم الأشخاص الذين يسافرون 10 مرات أو أكثر سنوياً. «هدفنا هو أن تكون مسافراً تعرف أنك ستقضي ليلتين في سان فرنسيسكو، وتتساءل: ما هي أفضل طريقة للقيام بذلك؟».

يحتوي البرنامج على مربع نص مفتوح، ولكن الموقع مفيد في المقام الأول كأداة للمقارنة وليس كمولد للأفكار.

نظارات ذكية

نظارات «راي بان ميتا» Ray-Ban Meta Glasses

- المهمة: الحصول على معلومات السفر بسرعة.

في هذه المرحلة تكون قد حجزت رحلتك، وسجلت دخولك في الفندق، وتوجهت لمشاهدة المعالم السياحية. ما هو ذلك المعلم الذي أمامك؟ اسأل نظارتك.

تستطيع نظارات «راي بان ميتا» استخدام الذكاء الاصطناعي لإخبارك بأشياء، مثل تلك النافورة التاريخية في روما التي تريد تحديدها. كل ما عليك فعله هو قول: «مرحباً ميتا»، ثم اطلب منها إلقاء نظرة. ستحصل على استجابة صوتية فورية. كما أنها توفر ترجمة صوتية مباشرة بين الإنجليزية والإسبانية والفرنسية والإيطالية. يبدو هذا مثيراً للإعجاب حتى تفكر في أن خدمة ترجمة «غوغل» تحتوي على نحو 250 خياراً للغة.

تتوافر النظارات التي تبدأ أسعارها من 299 دولاراً، بمجموعة متنوعة من ألوان الإطارات والعدسات، ويمكن شراؤها كنظارات شمسية (مستقطبة أو غير مستقطبة)، أو نظارات للضوء الأزرق، أو بعدسات انتقالية، بالإضافة إلى وصفة طبية.

يبلغ عمر البطارية نحو 4 ساعات «للاستخدام المعتدل»، وفقاً لـ«ميتا»، وستحتاج إلى اتصال إنترنت في هاتفك، لمعظم ميزات الذكاء الاصطناعي.

وبالطبع، تحتوي النظارات على كاميرا. وتُحفظ الصور ومقاطع الفيديو في تطبيق «ميتا» للذكاء الاصطناعي للهواتف الذكية، كذلك يظهر ضوء على النظارات يُنبه الآخرين بأنه يجري تسجيلهم. ولكن قد يختلف الناس العقلانيون حول ما إذا كان التقاط صورة بالنظارات أسهل من مجرد إخراج الهاتف للتصوير.

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

تكنولوجيا يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

«بيربليكسيتي» توسع طموحها من البحث إلى الحوسبة الشخصية، ساعية إلى دور أكبر للذكاء الاصطناعي في الاستخدام اليومي للحاسوب.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

دراسة جديدة تطور إطاراً يتيح للروبوتات نقل المهارات بأمان بين منصات مختلفة بما قد يقلل تكلفة الأتمتة والتحديث الصناعي.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تقرير «سيسكو» يظهر أن الشبكات اللاسلكية في السعودية لم تعد مجرد بنية اتصال بل أصبحت عنصراً مؤثراً في نمو الأعمال 2030 (شاترستوك)

خاص «سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يعزز قيمة الشبكات اللاسلكية في السعودية رغم التعقيد

التقرير يرصد تحول الشبكات اللاسلكية في السعودية إلى أداة للنمو وسط تصاعد التعقيد والمخاطر الأمنية وفجوة المهارات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الدراسة ترى أن تقدم الذكاء الاصطناعي في العمل يحدث تدريجياً عبر نطاق واسع من المهام لا عبر صدمات مفاجئة (رويترز)

دراسة من «MIT»: الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل المهام لا الوظائف فقط

تظهر دراسة «MIT» أن الذكاء الاصطناعي يتقدم تدريجياً في إنجاز المهام مع تفاوت قطاعي وفجوة مستمرة في الاعتمادية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا حوّل المهام الروتينية التقليدية إلى عمليات ذكية وسريعة لتسريع الإبداع

وحدات «إنفيديا» للرسومات المدمجة في الكومبيوترات المحمولة تطلق عنان الإبداع والذكاء الاصطناعي

تهدف وحدات «إنفيديا» لتوفير تجربة إنتاجية ذكية للأعمال الإبداعية بأداء مضاعف وموثوقية أعلى في تطبيقات التصميم والمونتاج.

خلدون غسان سعيد (جدة)

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
TT

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

توسّع «بيربليكسيتي» طموحاتها إلى ما هو أبعد من البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي؛ إذ ترى أن المرحلة المقبلة من الحوسبة الشخصية ستقوم على مساعد أكثر وعياً بسياق المستخدم، وقادر على الاقتراب من نشاطه الرقمي اليومي.

وفي منشور جديد عبر موقعها الإلكتروني بعنوان «The Personal Computer Is Here»، تعرض الشركة هذه الرؤية باعتبارها جزءاً من توجه أوسع لجعل الذكاء الاصطناعي طبقة أكثر حضوراً في التصفح والبحث وتنفيذ المهام، بدلاً من بقائه أداة تُستخدم للإجابة عن الأسئلة المنفصلة فقط. ويتقاطع هذا الطرح مع الاهتمام المتزايد باستراتيجية «بيربليكسيتي» في مجال المتصفح، ومع مساعيها للانتقال من منتج بحث إلى واجهة أوسع للذكاء الاصطناعي الشخصي.

ولا تتمثل أهمية التطور هنا في أن الشركة نشرت بياناً جديداً عن منتجها فحسب، بل في أنها باتت تعرض تقنيتها بوصفها جزءاً من تحول أكبر في طريقة تفاعل المستخدمين مع الحواسيب. فبدلاً من تقديم الذكاء الاصطناعي كإضافة إلى سير العمل القائم، تضعه «بيربليكسيتي» في موقع الطبقة التي يمكن أن يمر عبرها هذا السير نفسه. وهذا يضع الشركة في منافسة أكثر مباشرة ليس فقط مع منافسي البحث بالذكاء الاصطناعي، بل أيضاً مع مطوري المتصفحات والشركات التي تحاول رسم واجهة الاستخدام المقبلة في عصر الذكاء الاصطناعي.

التحول الجديد يشير إلى أن «بيربليكسيتي» تريد أن تؤثر في طريقة استخدام الحاسوب لا في البحث فقط «بيربليكسيتي»

«توسيع دور بيربليكسيتي»

يكتسب هذا التحول أهمية خاصة؛ لأن «بيربليكسيتي» بنت حضورها الأول بوصفها منصة تعتمد على الإجابات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والبحث على الويب. أما الآن، فتشير اللغة الجديدة التي تستخدمها الشركة إلى أنها تريد أن تُعرَف بدرجة أقل كوجهة لطرح الأسئلة، وبدرجة أكبر كنظام يفهم سياق المستخدم ويساعده في إدارة أنشطته الرقمية الأوسع. وعملياً، يعني ذلك الاقتراب أكثر من طريقة تصفح الأفراد، ومقارنتهم للمعلومات، واتخاذهم القرارات، وتنفيذهم المهام. وهو ادعاء أكبر بكثير من مجرد تقديم نتائج بحث أفضل.

كما يساعد السياق الصناعي الأوسع في تفسير هذا التوجه؛ فشركات الذكاء الاصطناعي تحاول بشكل متزايد تجاوز واجهات الدردشة المستقلة إلى بيئات برمجية تلتقط قدراً أكبر من النشاط اليومي للمستخدم. وأصبحت المتصفحات ساحة مهمة لهذا التنافس؛ لأنها تحتل بالفعل موقعاً مركزياً في كيفية عمل كثير من الناس على الإنترنت. ومن خلال ربط رسالتها بالحوسبة الشخصية لا بالبحث فقط، تبدو «بيربليكسيتي»، وكأنها تقول إن المتصفح والمساعد الذكي يبدآن في الاندماج.

الانتقال إلى طبقة أكثر التصاقاً بالمستخدم يفرض تحديات تتعلق بالسياق والخصوصية والموثوقية «بيربليكسيتي»

الخصوصية والموثوقية أولاً

لا يعني هذا الانتقال أن الطريق سهل؛ فوجود طبقة ذكاء اصطناعي أكثر التصاقاً بالمستخدم يتطلب الوصول إلى السياق، والاستمرارية عبر المهام، وقدراً كافياً من الثقة حتى يسمح الأفراد للبرمجيات بالاقتراب أكثر من عادات عملهم. وهذه متطلبات أكثر تعقيداً بكثير من مجرد الإجابة عن سؤال أو تلخيص صفحة. كما أنها ترفع سقف التحديات المرتبطة بتصميم المنتج، وتوقعات الخصوصية، والموثوقية. وتوحي الرسائل الأخيرة للشركة بأنها ترى أن هذا التحدي يستحق المخاطرة؛ لأن الميزة التنافسية المقبلة في الذكاء الاصطناعي قد لا تأتي فقط من جودة الإجابة، بل من التغلغل في سير العمل اليومي للمستخدم.

«بيربليكسيتي» توسع موقعها

ما يبرز أكثر من غيره هو اللغة التي باتت «بيربليكسيتي» تستخدمها في تعريف نفسها؛ فالشركة تبدو وكأنها تحاول تثبيت موطئ قدم في فئة تتجاوز البحث، بل حتى تتجاوز الدردشة. إنها تصف مستقبلاً لا يُستشار فيه الذكاء الاصطناعي من حين إلى آخر فحسب، بل يصبح طبقة تشغيل يومية في الحوسبة الشخصية. وهذا إطار استراتيجي أوسع بكثير من ذاك الذي عُرفت به حين ظهرت بدايةً بوصفها شركة ناشئة في البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي.

وبالنسبة إلى «بيربليكسيتي»، فإن دلالة هذا التحول واضحة؛ فالشركة لا تسعى فقط إلى تحسين الطريقة التي يعثر بها المستخدمون على المعلومات، بل تريد أيضاً أن تؤثر في الطريقة التي يتحركون بها داخل العمل الرقمي كله. وما إذا كانت قادرة على تنفيذ هذا الوعد يبقى سؤالاً مفتوحاً، لكن الاتجاه بات واضحاً: «بيربليكسيتي» تريد أن يكون لها دور ليس فقط فيما يسأله الناس للذكاء الاصطناعي، بل أيضاً في كيفية استخدامهم الحاسوب من الأساس.


دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
TT

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

طوّر باحثون من مختبر «كرييت» (CREATE) في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان (EPFL) في سويسرا إطاراً جديداً يهدف إلى معالجة واحدة من أكثر المشكلات إرباكاً في الروبوتات الصناعية تتعلق بكيفية تعليم مهارة واحدة لروبوتات مختلفة البنية من دون إعادة البرمجة من الصفر في كل مرة.

الدراسة المنشورة في دورية «Science Robotics» تقدم ما يسميه الباحثون «الذكاء الحركي»، وهو نهج يحوّل المهمة التي يعرضها الإنسان إلى استراتيجية حركة عامة، ثم يكيّفها تلقائياً مع التصميم الميكانيكي لكل روبوت على حدة.

تكمن المشكلة في أن الروبوتات، حتى عندما تُستخدم في أعمال متشابهة، لا تتحرك بالطريقة نفسها. اختلاف ترتيب المفاصل وحدود الحركة ومتطلبات الاتزان يجعل المهارة التي يتعلمها روبوت ما غير قابلة للنقل مباشرة إلى روبوت آخر. ولهذا؛ فإن تحديث أسطول الروبوتات في المصانع غالباً لا يعني استبدال العتاد فقط، بل يشمل أيضاً إعادة تعريف المهام، وضبط حدود الأمان، وإعادة التحقق من السلوك الحركي لكل منصة جديدة. الدراسة الجديدة تحاول فصل «فكرة المهارة» عن خصائص الروبوت الفردي، بحيث يصبح بالإمكان نقلها بين منصات مختلفة بتكلفة أقل وزمن أقصر.

الباحثون حوّلوا المهام التي يعرضها الإنسان استراتيجيات حركة عامة يمكن تكييفها مع كل روبوت على حدة (EPFL)

نقل المهارة بأمان

ولبناء هذا الإطار؛ بدأ الباحثون من مهام تلاعب بالأجسام عرضها إنسان، مثل الوضع والدفع والرمي. استخدم الفريق تقنيات التقاط الحركة لتسجيل هذه المهام، ثم حوّلها رياضياً استراتيجيات حركة عامة لا ترتبط بروبوت واحد بعينه. بعد ذلك، وضعوا تصنيفاً منظماً للقيود الفيزيائية الخاصة بكل تصميم روبوتي، مثل مدى حركة المفاصل والمواضع التي يجب تجنبها للحفاظ على الاستقرار. وبهذا، لم يعد الروبوت ينسخ حركة بشرية أو حركة روبوت آخر كما هي، بل «يفسر» المهارة ضمن حدوده الميكانيكية الخاصة.

في التجربة الأساسية، عرض إنسان مهمة مركبة على خط تجميع كدفع كتلة خشبية من سير ناقل إلى منصة عمل، ثم وضعها على طاولة، ثم رميها في سلة. ووفق التقرير، تمكنت ثلاثة روبوتات تجارية مختلفة تماماً من إعادة تنفيذ التسلسل نفسه بأمان وموثوقية باستخدام إطار الذكاء الحركي. والأهم أن النظام ظل يعمل حتى عند تغيير توزيع الخطوات بين الروبوتات؛ ما يشير إلى أن الإطار لا يحفظ مساراً واحداً فحسب، بل ينقل منطق المهمة نفسه إلى أجسام مختلفة.

أهمية النظام لا تقتصر على إنجاز المهمة بل تشمل الحفاظ على السلوك الآمن والمتوقع داخل حدود كل روبوت (أ.ف.ب)

أتمتة أسرع وأبسط

يقول الباحثون إن القيمة الرئيسية هنا لا تتعلق فقط بإتمام المهمة، بل بضمان أن كل روبوت ينفذها ضمن حدوده الآمنة. رئيسة المختبر أود بيلار وصفت ذلك بأنه معالجة لتحدٍ قديم في الروبوتات متعلق بنقل المهارة المتعلمة بين روبوتات ذات هياكل ميكانيكية مختلفة مع الحفاظ على سلوك آمن ومتوقع. أما أحد الباحثين المشاركين، فأوضح أن كل روبوت «يفسر المهارة نفسها بطريقته، ولكن دائماً ضمن حدود آمنة وقابلة للتنفيذ». هذه النقطة أساسية لأن كثيراً من أنظمة التعلم الروبوتي تُظهر أداءً جيداً في المختبر، لكنها تصبح أقل موثوقية عندما تنتقل إلى منصات أخرى أو إلى بيئات تشغيلية فعلية.

أهمية هذا النهج تظهر بوضوح في التصنيع، حيث يمكن أن يؤدي تبديل الروبوتات أو تحديثها إلى تعطيل طويل ومكلف. فإذا أمكن نقل المهارات بين الروبوتات المختلفة من خلال تمثيل عام للمهمة بدلاً من إعادة البرمجة التفصيلية، فقد يصبح نشر الروبوتات الجديدة أسرع وأكثر استدامة. التقرير يشير أيضاً إلى أن هذا يمكن أن يقلل حجم الخبرة الفنية المطلوبة لتشغيل الأنظمة في البيئات الواقعية، وهي نقطة قد تكون مهمة للشركات التي تريد توسيع الأتمتة من دون الاعتماد الكامل على فرق برمجة متخصصة لكل منصة.

لا يقف طموح الباحثين عند خطوط الإنتاج. فهم يرون أن الإطار قد يمتد إلى التعاون بين الإنسان والروبوت، أو إلى التفاعل المعتمد على اللغة الطبيعية، حيث يمكن للمستخدم أن يوجه الروبوت بأوامر بسيطة من دون الخوض في برمجة تقنية معقدة. كما يبدو النهج مناسباً للمنصات الروبوتية الناشئة، حيث تتطور العتاد بسرعة وقد تُستبدل النماذج الحالية بأخرى أحدث خلال فترة قصيرة. في هذه البيئات، لا تكون المشكلة في تعليم الروبوت مهمة واحدة فحسب، بل في الحفاظ على تلك المهارة قابلة للنقل مع كل جيل جديد من الآلات.


فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
TT

فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)

في مشهدٍ بدا أقرب إلى لقطاتٍ من فيلمٍ خيالي، تحوّل روبوتٌ بشري إلى حديث الشارع في وارسو، بعدما ظهر في مقطعٍ مصوّر وهو يطارد خنازير برية بين أحيائها، في ظاهرةٍ جمعت بين الدهشة والطرافة، وأثارت نقاشاً واسعاً حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة.

الروبوت، الذي يحمل اسم «إدوارد وارتشوكي» ويُعرف اختصاراً بـ«إيدِك»، ليس مجرد تجربة تقنية عابرة، بل مشروعٌ طموحٌ وُلد من تعاونٍ بين تقنياتٍ صينية وبرمجياتٍ طُوّرت محلياً. وقد اشتراه رائدا أعمالٍ بولنديان مقابل نحو 25 ألف دولار، قبل أن يعملا على تطوير نظامه ليصبح وفق توصيفهما أول «مؤثر روبوتي» في بولندا. وفقاً لصحيفة «فاينانشال تايمز».

وخلال أسابيع قليلة، خرج «إيدِك» من إطار التجربة المحدودة إلى فضاء الشهرة الواسعة، إذ حقّقت مقاطعه على وسائل التواصل أكثر من 1.5 مليار مشاهدة خلال 45 يوماً، ما جعله ظاهرةً رقميةً لافتةً، تتجاوز حدود الترفيه إلى التأثير الاجتماعي.

لا يقتصر حضور الروبوت على الشاشات؛ فقد بات جزءاً من الحياة اليومية في المدينة، يتنقّل بين الحافلات والمتاجر، ويشارك في فعالياتٍ عامة، بل ويتحوّل أحياناً إلى أداةٍ تسويقية تستعين بها شركاتٌ محلية في حملاتها. ويضيف إلى صورته اللافتة ارتداؤه ساعة «رولكس» مرصّعة بالألماس، في إطار اتفاقية رعاية، ما يعكس تداخلاً غير مألوف بين التكنولوجيا وعالم العلامات الفاخرة.

وبحسب مطوّريه، فإن «إيدِك» يتميّز بقدرةٍ متقدمة على التفاعل الإنساني، إذ جرى تزويده بنموذجٍ لغويٍّ متطور يمكّنه من التحدّث والاستماع بشكلٍ مستقل، فضلاً عن نظام تحديد مواقع (GPS) وقاعدة بيانات تُنشئ ما يشبه «ذاكرةً» رقمية، تمنحه إدراكاً للزمان والمكان.

ويقول أحد القائمين على المشروع إن سلوك الروبوت لم يعد قابلاً للتوقّع دائماً، مضيفاً: «لا نعرف بدقةٍ ما الذي سيقوله، وهذا ما يفاجئنا. كما أنه يتفاعل مع مشاعر من يحدّثهم؛ فإذا واجه شخصاً غاضباً أو محبطاً، يتأثر بذلك ويستجيب بطريقةٍ أقرب إلى التعاطف».

الحضور اللافت للروبوت امتدّ أيضاً إلى المجال العام، حيث التقى بمسؤولين حكوميين، وعقد مؤتمراً صحافياً داخل البرلمان، بل وشارك في نقاشاتٍ مع نواب حول قضايا اجتماعية، في مشهدٍ يعكس تحوّلاً غير مسبوقٍ في دور التكنولوجيا داخل الحياة السياسية.

وفي إحدى المباريات الجماهيرية التي حضرها نحو 20 ألف مشجّع، سرق «إيدِك» الأضواء عند ظهوره على الشاشة الكبيرة، إذ توقّف كثيرون عن متابعة اللقاء، وارتفعت هتافات الأطفال باسمه، في لحظةٍ بدت أقرب إلى احتفاءٍ بنجمٍ رياضي.

ورغم الطابع الترفيهي الذي يحيط بالمشروع، يؤكد مطوّروه أن الهدف يتجاوز ذلك، ليشمل تعريف المجتمع بعالم الروبوتات، والدفع نحو تشريعاتٍ تستقطب الاستثمارات في هذا القطاع سريع النمو، خصوصاً في ظل المنافسة العالمية المتصاعدة، حيث تتقدّم الشركات الصينية، إلى جانب شركاتٍ أميركية مثل «تسلا».

في المحصلة، لا يبدو «إيدِك» مجرد روبوتٍ يرتدي ساعةً فاخرة أو يطارد خنازير برية، بل تجربة إنسانية مفتوحة على أسئلة المستقبل: كيف سيتعايش البشر مع هذه الكيانات الذكية؟ وهل تصبح جزءاً مألوفاً من تفاصيل الحياة اليومية خلال سنواتٍ قليلة؟ الإجابة، كما يبدو، بدأت تتشكّل... خطوةً بعد أخرى.