عسكرة وادي السيليكون... شركات التكنولوجيا الكبرى تتخلى عن خدمة الإنسان وتتسربل بلباس الجنرالات

تنبذ مبدأ الامتناع عن توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير الأسلحة

عسكرة وادي السيليكون... شركات التكنولوجيا الكبرى تتخلى عن خدمة الإنسان وتتسربل بلباس الجنرالات
TT

عسكرة وادي السيليكون... شركات التكنولوجيا الكبرى تتخلى عن خدمة الإنسان وتتسربل بلباس الجنرالات

عسكرة وادي السيليكون... شركات التكنولوجيا الكبرى تتخلى عن خدمة الإنسان وتتسربل بلباس الجنرالات

في تحول كبير، تبنّت «غوغل»، و«أوبن إيه آي» و«ميتا»، إضافة إلى أصحاب رؤوس الأموال المغامرة - الذين نبذ الكثير منهم سابقاً المشاركة في الحروب - المجمع الصناعي العسكري.

أندريوبوسورث رئيس التكنولوجيا في «ميتا» وبوب ماكغرو المستشار في «مختبر ثنكنغ ماشينس» والرئيس الأسبق للباحثين في «أوبن أيه آي» وشيام سنكير رئيس التكنولوجيا في «بالانتير» وكيفن ويل مدير المنتجات في «أوبن إيه آي» في حفل منحهم الألقاب العسكرية

قادة التكنولوجيا يرتدون البزة العسكرية

في حفل أقيم في يونيو (حزيران) في قاعدة ماير - هندرسون هول المشتركة في أرلينغتون، فرجينيا، اصطف أربعة مسؤولين تنفيذيين حاليين وسابقين من «ميتا» و«أوبن إيه آي» و«بالانتير» (Palantir) على خشبة المسرح لأداء القسم الخاص بدعم الولايات المتحدة والدفاع عنها.

كان الجيش الأميركي قد أنشأ للتو وحدة ابتكار تقني مخصصة للمسؤولين التنفيذيين، الذين كانوا يرتدون معدات وأحذية قتالية. وفي هذا الحدث، أُعلن عن رتبة مقدم لكل منهم في الوحدة الجديدة، المفرزة 201، التي ستقدم المشورة للجيش بشأن التقنيات الجديدة للقتال المحتمل.

وقال وزير الجيش، دانيال دريسكول، عن المديرين التنفيذيين في مجال التكنولوجيا، الذين خضعوا منذ ذلك الحين لتدريب أساسي: «نحن في حاجة ماسة إلى ما يجيدونه. إنه لأمرٌ لا يُوصف مدى امتناننا لمخاطرتهم بالقدوم ومحاولة بناء هذا التعاون معنا».

وعلى مدار العامين الماضيين، انغمس قادة ومستثمرو وادي السيليكون - الذين نبذ الكثير منهم سابقاً المشاركة في الأسلحة والحرب - في المجمع الصناعي العسكري.

من حظر الذكاء الاصطناعي في تطوير السلاح... إلى توظيفه

قامت شركات «ميتا» و«غوغل» و«أوبن إيه آي»، التي كانت تتضمن في سياساتها المؤسسية في السابق بنوداً تحظر استخدام الذكاء الاصطناعي في ميدان تطوير الأسلحة، بإزالة هذه الصياغة.

وتُطور «أوبن إيه آي» تقنية مضادة للطائرات من دون طيار، بينما تُصنع «ميتا» نظارات الواقع الافتراضي لتدريب الجنود على القتال. في الوقت نفسه، تشهد شركات الأسلحة والدفاع الناشئة ازدهاراً ملحوظاً.

من «عدم ارتكاب أعمال الشرّ»... إلى الادعاء بـ«الوطنية»

ويُعدّ هذا التغيير جزءاً من تحول ثقافي كبير في وادي السيليكون. فقبل عقد من الزمان، رفعت شركات التكنولوجيا شعارات مثل «ربط العالم» (connecting the world) و«عدم ارتكاب أعمال الشر» (do no evil)، وتعهدت بعدم استخدام تقنياتها لأغراض عسكرية. كان العمل مع الحكومة الأميركية غير مرغوب فيه لدرجة أن عقود البرمجيات والحوسبة السحابية مع وزارة الدفاع أثارت احتجاجات موظفي التكنولوجيا.

الآن، «انقلبت الأمور»، هذا ما قاله أندرو بوسورث، كبير مسؤولي التكنولوجيا في شركة «ميتا» وأحد العسكريين الجدد في المفرزة 201، في مؤتمر تقني عُقد في سان فرانسيسكو في يونيو. وأضاف: «هناك أساس وطني أقوى بكثير مما أعتقد أن الناس ينسبونه إلى وادي السيليكون». ومن المقرر أن يخدم بوسورث بعض أيام الخدمة الاحتياطية في الجيش كل عام.

نموذج أولي لنظارات الواقع المعزز لجنود الجيش الأميركي

وقد دُفعت عسكرة عاصمة التكنولوجيا في البلاد بفعل المناخ السياسي المتغير، والمنافسة مع الصين على قيادة التكنولوجيا، والحروب في أوكرانيا وغزة، حيث أصبحت الطائرات من دون طيار وأنظمة الأسلحة المدعومة بالذكاء الاصطناعي حاسمة في المعارك. دفعت هذه الحروب البنتاغون إلى البدء في تحديث ترسانة الأسلحة الأميركية، وهي خطوة أيدها الرئيس ترمب.

تحذيرات من فقدان السيطرة على الابتكارات التكنولوجية

لكن بعض المسؤولين التنفيذيين والمهندسين في مجال التكنولوجيا يواجهون صعوبات في التعامل مع الأضرار المحتملة لهذا التحول. فبمجرد أن يبن المصممون طائرات مسيَّرة ذاتية القيادة وأسلحة ذكاء اصطناعي للجيش، لن يكون لديهم سيطرة تُذكر على كيفية نشر هذه التكنولوجيا. وقد أدى ذلك إلى نقاشات حول ما إذا كانت هذه الأسلحة المتطورة ستقتل عدداً أكبر من الناس مقارنةً بالأسلحة التقليدية، وفقاً لثلاثة مهندسين في «غوغل» و«ميتا».

وقالت مارغريت أومارا، مؤرخة التكنولوجيا في جامعة واشنطن: «تتميز شركات وادي السيليكون هذه بتنافسية شديدة، وفي سعيها لدخول قطاعات الدفاع هذه، فلا يوجد لديها داعٍ للتوقف كثيراً للتفكير»، بالمور.

البنتاغون موَّل وادي السيليكون في نشأته

تُعدّ عسكرة وادي السيليكون، من نواحٍ عدة، عودةً إلى جذور المنطقة.

فقبل أن تُصبح تلك المنطقة مركزاً للتكنولوجيا، كانت أرضاً ريفية زاخرة ببساتين الفاكهة. ففي خمسينات القرن الماضي، بدأت وزارة الدفاع الأميركية في الاستثمار في شركات التكنولوجيا في المنطقة؛ بهدف منافسة المزايا التكنولوجية الروسية خلال الحرب الباردة. وهذا ما جعل الحكومة الفيدرالية أول داعم رئيسي لوادي السيليكون.

احتضنت وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة، وهي قسم تابع لوزارة الدفاع الأميركية، لاحقاً تقنيات - مثل الإنترنت - أصبحت أساساً لأكبر شركات وادي السيليكون. في عام 1998، حصل طالبا الدراسات العليا في جامعة ستانفورد، سيرغي برين ولاري بيج، على تمويل من وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة (داربا) ووكالات حكومية أخرى لإنشاء «غوغل».

ولكن في أواخر التسعينات وبداية الألفية الثانية، اتجهت شركات التكنولوجيا نحو تقنيات الاستهلاك مثل التجارة الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي. وقدمت أنفسها بأنها ترسخ ديمقراطية التكنولوجيا للجماهير، جاذبة بذلك قوة عاملة ليبرالية إلى حد كبير عارضت العمل مع المؤسسة الدفاعية.

أعلنت «غوغل» في مؤتمر لها عام 2018 عن مبادئها لمنع توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير الأسلحة وإيذاء البشر

احتجاجات ضد العسكرة

في عام 2018، احتجّ أكثر من 4000 موظف في «غوغل» على عقد مع البنتاغون يُسمى «مشروع مافن»، الذي كان سيستخدم الذكاء الاصطناعي الخاص بالشركة لتحليل لقطات مراقبة الطائرات من دون طيار. وفي رسالة إلى المديرين التنفيذيين، قال الموظفون إن «غوغل» «لا ينبغي أن تنخرط في مجال الحرب».

وسرعان ما أعلنت «غوغل» أنها لن تُجدّد عقد البنتاغون، وانسحبت من سباق الحصول على عقد حوسبة سحابية بقيمة 10 مليارات دولار يُسمى «جيدي» لوزارة الدفاع.

في ذلك العام، نشرت «غوغل» مبادئ توجيهية لمشاريع الذكاء الاصطناعي المستقبلية، تحظر استخدام الذكاء الاصطناعي في «الأسلحة أو غيرها من التقنيات التي يكون الغرض الرئيسي منها أو تطبيقها هو التسبب في إصابة الناس أو تسهيل إصابتهم بشكل مباشر». وحذت شركات أخرى حذوها بتعهدات مماثلة.

توجهات للمشاركة الفعالة في تكنولوجيا الدفاع

وعلى عكس ذلك كانت هناك استثناءات. فقد كان أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لشركة «بالانتير»، وهي شركة تحليل بيانات تقنية تأسست عام 2003، متحمساً للغاية لدور وادي السيليكون في تطوير تقنيات الدفاع لدرجة أنه رفع دعوى قضائية ضد الجيش عام 2016 لإجباره على النظر في شراء برنامج «بالانتير». وفازت «بالانتير» بالدعوى. كما زودت شركات تقنية أخرى وزارة الدفاع بالبرمجيات والحوسبة السحابية، من بين خدمات أخرى.

كما تغير المناخ السياسي، حيث دعم بعض المديرين التنفيذيين وأصحاب رؤوس الأموال المغامرة علناً آراء ومرشحين يمينيين. دفعت المنافسة مع الصين على التفوق التكنولوجي الكثير من شركات التكنولوجيا إلى التوجه أكثر نحو الحكومة الأميركية بصفتها حليفاً.

أصبحت «بالانتير» نموذجاً لشركات التكنولوجيا الأخرى. ومع عقود مع الحكومة والجيش الأميركي لبرامج تنظم البيانات وتحللها، تضخمت القيمة السوقية للشركة إلى أكثر من 375 مليار دولار هذا الشهر، أي أكثر من القيمة السوقية المجمعة لشركات الدفاع التقليدية مثل «لوكهيد مارتن» و«نورثروب غرومان» و«جنرال ديناميكس».

كما اتجهت شركات أخرى في وادي السيليكون نحو الدفاع.

«أوبن إيه آي» تحذف سياساتها السابقة

وفي يناير (كانون الثاني) 2024، حذفت شركة «أوبن إيه آي»، الشركة المصنعة لبرنامج الدردشة الآلي «تشات جي بي تي» ChatGPT، نصاً من صفحة سياساتها يحظر استخدام تقنيتها في «تطوير الأسلحة» و«الأغراض العسكرية والحربية». وفي ديسمبر (كانون الأول) من ذلك العام، أعلنت الشركة عن صفقة مع شركة «أندوريل» (Anduril)، وهي شركة ناشئة في مجال تكنولوجيا الدفاع، لبناء أنظمة ذكاء اصطناعي مضادة للطائرات المسيَّرة.

وعندما طُلب منها التعليق، أشارت متحدثة باسم «أوبن إيه آي»، إلى محادثة جرت في أبريل (نيسان) بين سام ألتمان، الرئيس التنفيذي للشركة، والجنرال بول إم. ناكاسوني، عضو مجلس إدارة «أوبن إيه آي»، والرئيس السابق لوكالة الأمن القومي. إذ قال السيد ألتمان: «يتعين علينا، ونفخر بذلك، ونرغب حقاً في المشاركة في مجالات الأمن القومي»، مضيفاً أن «أوبن إيه آي»، ستساعد في تطوير الذكاء الاصطناعي عندما «تدعم الولايات المتحدة وحلفاءنا في الحفاظ على القيم الديمقراطية في جميع أنحاء العالم والحفاظ على سلامتنا».

«ميتا» تلتحق بالركب العسكري

في العام الماضي، غيّرت شركة «ميتا» سياساتها للسماح باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها لأغراض عسكرية. وفي مايو (أيار) الماضي، أعلنت الشركة عن شراكة مع شركة «أندوريل» لتطوير أجهزة واقع افتراضي لتدريب الجنود. وفي ذلك الوقت، صرّح السيد بوسورث بأن «الأمن القومي الأميركي يستفيد بشكل كبير من إحياء الصناعة الأميركية لهذه التقنيات».

... و«غوغل» تتخلى عن تعهداتها

وفي فبراير (شباط) الماضي، أعلنت «غوغل» أيضاً أنها ستتخلى عن حظرها الذاتي على استخدام الذكاء الاصطناعي في الأسلحة. وفي منشور على مدوّنتها، قالت الشركة إن هناك «منافسة عالمية على قيادة الذكاء الاصطناعي في ظل مشهد جيوسياسي متزايد التعقيد. نعتقد أن الديمقراطيات يجب أن تقود تطوير الذكاء الاصطناعي».

ورفضت «غوغل» و«ميتا» التعليق.

وتخلل هذا التوجّه نحو الدفاع انضمام أربعة مسؤولين تنفيذيين تقنيين إلى وحدة الجيش الجديدة في يونيو الماضي، وهم السيد بوسورث من ميتا، وشيام سانكار، كبير مسؤولي التكنولوجيا في بالانتير، وكيفن ويل، كبير مسؤولي المنتجات في «أوبن إيه آي»، وبوب ماكجرو، المستشار في «مختبر ثينكينج ماشينز» والرئيس السابق لقسم الأبحاث في «أوبن إيه آي».

* باختصار، خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

تكنولوجيا يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

«بيربليكسيتي» توسع طموحها من البحث إلى الحوسبة الشخصية، ساعية إلى دور أكبر للذكاء الاصطناعي في الاستخدام اليومي للحاسوب.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تقرير «سيسكو» يظهر أن الشبكات اللاسلكية في السعودية لم تعد مجرد بنية اتصال بل أصبحت عنصراً مؤثراً في نمو الأعمال 2030 (شاترستوك)

خاص «سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يعزز قيمة الشبكات اللاسلكية في السعودية رغم التعقيد

التقرير يرصد تحول الشبكات اللاسلكية في السعودية إلى أداة للنمو وسط تصاعد التعقيد والمخاطر الأمنية وفجوة المهارات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الميزة لا تعني إزالة «شورتس» نهائياً من المنصة بل تقليص ظهوره والتحكم في استهلاكه (أدوبي)

هل تسعى «يوتيوب» إلى تقليص حضور «شورتس»؟

«يوتيوب» يضيف خيار «صفر دقيقة» لتقليص تصفح «شورتس» في خطوة تمنح المستخدم تحكماً أكبر دون إزالة الخدمة نهائياً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الدراسة ترى أن تقدم الذكاء الاصطناعي في العمل يحدث تدريجياً عبر نطاق واسع من المهام لا عبر صدمات مفاجئة (رويترز)

دراسة من «MIT»: الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل المهام لا الوظائف فقط

تظهر دراسة «MIT» أن الذكاء الاصطناعي يتقدم تدريجياً في إنجاز المهام مع تفاوت قطاعي وفجوة مستمرة في الاعتمادية.

نسيم رمضان (لندن)
علوم نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

جهود حثيثة من أميركا اللاتينية إلى آسيا

كريس ستوكل - والكر (واشنطن)

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
TT

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

توسّع «بيربليكسيتي» طموحاتها إلى ما هو أبعد من البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي؛ إذ ترى أن المرحلة المقبلة من الحوسبة الشخصية ستقوم على مساعد أكثر وعياً بسياق المستخدم، وقادر على الاقتراب من نشاطه الرقمي اليومي.

وفي منشور جديد عبر موقعها الإلكتروني بعنوان «The Personal Computer Is Here»، تعرض الشركة هذه الرؤية باعتبارها جزءاً من توجه أوسع لجعل الذكاء الاصطناعي طبقة أكثر حضوراً في التصفح والبحث وتنفيذ المهام، بدلاً من بقائه أداة تُستخدم للإجابة عن الأسئلة المنفصلة فقط. ويتقاطع هذا الطرح مع الاهتمام المتزايد باستراتيجية «بيربليكسيتي» في مجال المتصفح، ومع مساعيها للانتقال من منتج بحث إلى واجهة أوسع للذكاء الاصطناعي الشخصي.

ولا تتمثل أهمية التطور هنا في أن الشركة نشرت بياناً جديداً عن منتجها فحسب، بل في أنها باتت تعرض تقنيتها بوصفها جزءاً من تحول أكبر في طريقة تفاعل المستخدمين مع الحواسيب. فبدلاً من تقديم الذكاء الاصطناعي كإضافة إلى سير العمل القائم، تضعه «بيربليكسيتي» في موقع الطبقة التي يمكن أن يمر عبرها هذا السير نفسه. وهذا يضع الشركة في منافسة أكثر مباشرة ليس فقط مع منافسي البحث بالذكاء الاصطناعي، بل أيضاً مع مطوري المتصفحات والشركات التي تحاول رسم واجهة الاستخدام المقبلة في عصر الذكاء الاصطناعي.

التحول الجديد يشير إلى أن «بيربليكسيتي» تريد أن تؤثر في طريقة استخدام الحاسوب لا في البحث فقط «بيربليكسيتي»

«توسيع دور بيربليكسيتي»

يكتسب هذا التحول أهمية خاصة؛ لأن «بيربليكسيتي» بنت حضورها الأول بوصفها منصة تعتمد على الإجابات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والبحث على الويب. أما الآن، فتشير اللغة الجديدة التي تستخدمها الشركة إلى أنها تريد أن تُعرَف بدرجة أقل كوجهة لطرح الأسئلة، وبدرجة أكبر كنظام يفهم سياق المستخدم ويساعده في إدارة أنشطته الرقمية الأوسع. وعملياً، يعني ذلك الاقتراب أكثر من طريقة تصفح الأفراد، ومقارنتهم للمعلومات، واتخاذهم القرارات، وتنفيذهم المهام. وهو ادعاء أكبر بكثير من مجرد تقديم نتائج بحث أفضل.

كما يساعد السياق الصناعي الأوسع في تفسير هذا التوجه؛ فشركات الذكاء الاصطناعي تحاول بشكل متزايد تجاوز واجهات الدردشة المستقلة إلى بيئات برمجية تلتقط قدراً أكبر من النشاط اليومي للمستخدم. وأصبحت المتصفحات ساحة مهمة لهذا التنافس؛ لأنها تحتل بالفعل موقعاً مركزياً في كيفية عمل كثير من الناس على الإنترنت. ومن خلال ربط رسالتها بالحوسبة الشخصية لا بالبحث فقط، تبدو «بيربليكسيتي»، وكأنها تقول إن المتصفح والمساعد الذكي يبدآن في الاندماج.

الانتقال إلى طبقة أكثر التصاقاً بالمستخدم يفرض تحديات تتعلق بالسياق والخصوصية والموثوقية «بيربليكسيتي»

الخصوصية والموثوقية أولاً

لا يعني هذا الانتقال أن الطريق سهل؛ فوجود طبقة ذكاء اصطناعي أكثر التصاقاً بالمستخدم يتطلب الوصول إلى السياق، والاستمرارية عبر المهام، وقدراً كافياً من الثقة حتى يسمح الأفراد للبرمجيات بالاقتراب أكثر من عادات عملهم. وهذه متطلبات أكثر تعقيداً بكثير من مجرد الإجابة عن سؤال أو تلخيص صفحة. كما أنها ترفع سقف التحديات المرتبطة بتصميم المنتج، وتوقعات الخصوصية، والموثوقية. وتوحي الرسائل الأخيرة للشركة بأنها ترى أن هذا التحدي يستحق المخاطرة؛ لأن الميزة التنافسية المقبلة في الذكاء الاصطناعي قد لا تأتي فقط من جودة الإجابة، بل من التغلغل في سير العمل اليومي للمستخدم.

«بيربليكسيتي» توسع موقعها

ما يبرز أكثر من غيره هو اللغة التي باتت «بيربليكسيتي» تستخدمها في تعريف نفسها؛ فالشركة تبدو وكأنها تحاول تثبيت موطئ قدم في فئة تتجاوز البحث، بل حتى تتجاوز الدردشة. إنها تصف مستقبلاً لا يُستشار فيه الذكاء الاصطناعي من حين إلى آخر فحسب، بل يصبح طبقة تشغيل يومية في الحوسبة الشخصية. وهذا إطار استراتيجي أوسع بكثير من ذاك الذي عُرفت به حين ظهرت بدايةً بوصفها شركة ناشئة في البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي.

وبالنسبة إلى «بيربليكسيتي»، فإن دلالة هذا التحول واضحة؛ فالشركة لا تسعى فقط إلى تحسين الطريقة التي يعثر بها المستخدمون على المعلومات، بل تريد أيضاً أن تؤثر في الطريقة التي يتحركون بها داخل العمل الرقمي كله. وما إذا كانت قادرة على تنفيذ هذا الوعد يبقى سؤالاً مفتوحاً، لكن الاتجاه بات واضحاً: «بيربليكسيتي» تريد أن يكون لها دور ليس فقط فيما يسأله الناس للذكاء الاصطناعي، بل أيضاً في كيفية استخدامهم الحاسوب من الأساس.


دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
TT

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

طوّر باحثون من مختبر «كرييت» (CREATE) في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان (EPFL) في سويسرا إطاراً جديداً يهدف إلى معالجة واحدة من أكثر المشكلات إرباكاً في الروبوتات الصناعية تتعلق بكيفية تعليم مهارة واحدة لروبوتات مختلفة البنية من دون إعادة البرمجة من الصفر في كل مرة.

الدراسة المنشورة في دورية «Science Robotics» تقدم ما يسميه الباحثون «الذكاء الحركي»، وهو نهج يحوّل المهمة التي يعرضها الإنسان إلى استراتيجية حركة عامة، ثم يكيّفها تلقائياً مع التصميم الميكانيكي لكل روبوت على حدة.

تكمن المشكلة في أن الروبوتات، حتى عندما تُستخدم في أعمال متشابهة، لا تتحرك بالطريقة نفسها. اختلاف ترتيب المفاصل وحدود الحركة ومتطلبات الاتزان يجعل المهارة التي يتعلمها روبوت ما غير قابلة للنقل مباشرة إلى روبوت آخر. ولهذا؛ فإن تحديث أسطول الروبوتات في المصانع غالباً لا يعني استبدال العتاد فقط، بل يشمل أيضاً إعادة تعريف المهام، وضبط حدود الأمان، وإعادة التحقق من السلوك الحركي لكل منصة جديدة. الدراسة الجديدة تحاول فصل «فكرة المهارة» عن خصائص الروبوت الفردي، بحيث يصبح بالإمكان نقلها بين منصات مختلفة بتكلفة أقل وزمن أقصر.

الباحثون حوّلوا المهام التي يعرضها الإنسان استراتيجيات حركة عامة يمكن تكييفها مع كل روبوت على حدة (EPFL)

نقل المهارة بأمان

ولبناء هذا الإطار؛ بدأ الباحثون من مهام تلاعب بالأجسام عرضها إنسان، مثل الوضع والدفع والرمي. استخدم الفريق تقنيات التقاط الحركة لتسجيل هذه المهام، ثم حوّلها رياضياً استراتيجيات حركة عامة لا ترتبط بروبوت واحد بعينه. بعد ذلك، وضعوا تصنيفاً منظماً للقيود الفيزيائية الخاصة بكل تصميم روبوتي، مثل مدى حركة المفاصل والمواضع التي يجب تجنبها للحفاظ على الاستقرار. وبهذا، لم يعد الروبوت ينسخ حركة بشرية أو حركة روبوت آخر كما هي، بل «يفسر» المهارة ضمن حدوده الميكانيكية الخاصة.

في التجربة الأساسية، عرض إنسان مهمة مركبة على خط تجميع كدفع كتلة خشبية من سير ناقل إلى منصة عمل، ثم وضعها على طاولة، ثم رميها في سلة. ووفق التقرير، تمكنت ثلاثة روبوتات تجارية مختلفة تماماً من إعادة تنفيذ التسلسل نفسه بأمان وموثوقية باستخدام إطار الذكاء الحركي. والأهم أن النظام ظل يعمل حتى عند تغيير توزيع الخطوات بين الروبوتات؛ ما يشير إلى أن الإطار لا يحفظ مساراً واحداً فحسب، بل ينقل منطق المهمة نفسه إلى أجسام مختلفة.

أهمية النظام لا تقتصر على إنجاز المهمة بل تشمل الحفاظ على السلوك الآمن والمتوقع داخل حدود كل روبوت (أ.ف.ب)

أتمتة أسرع وأبسط

يقول الباحثون إن القيمة الرئيسية هنا لا تتعلق فقط بإتمام المهمة، بل بضمان أن كل روبوت ينفذها ضمن حدوده الآمنة. رئيسة المختبر أود بيلار وصفت ذلك بأنه معالجة لتحدٍ قديم في الروبوتات متعلق بنقل المهارة المتعلمة بين روبوتات ذات هياكل ميكانيكية مختلفة مع الحفاظ على سلوك آمن ومتوقع. أما أحد الباحثين المشاركين، فأوضح أن كل روبوت «يفسر المهارة نفسها بطريقته، ولكن دائماً ضمن حدود آمنة وقابلة للتنفيذ». هذه النقطة أساسية لأن كثيراً من أنظمة التعلم الروبوتي تُظهر أداءً جيداً في المختبر، لكنها تصبح أقل موثوقية عندما تنتقل إلى منصات أخرى أو إلى بيئات تشغيلية فعلية.

أهمية هذا النهج تظهر بوضوح في التصنيع، حيث يمكن أن يؤدي تبديل الروبوتات أو تحديثها إلى تعطيل طويل ومكلف. فإذا أمكن نقل المهارات بين الروبوتات المختلفة من خلال تمثيل عام للمهمة بدلاً من إعادة البرمجة التفصيلية، فقد يصبح نشر الروبوتات الجديدة أسرع وأكثر استدامة. التقرير يشير أيضاً إلى أن هذا يمكن أن يقلل حجم الخبرة الفنية المطلوبة لتشغيل الأنظمة في البيئات الواقعية، وهي نقطة قد تكون مهمة للشركات التي تريد توسيع الأتمتة من دون الاعتماد الكامل على فرق برمجة متخصصة لكل منصة.

لا يقف طموح الباحثين عند خطوط الإنتاج. فهم يرون أن الإطار قد يمتد إلى التعاون بين الإنسان والروبوت، أو إلى التفاعل المعتمد على اللغة الطبيعية، حيث يمكن للمستخدم أن يوجه الروبوت بأوامر بسيطة من دون الخوض في برمجة تقنية معقدة. كما يبدو النهج مناسباً للمنصات الروبوتية الناشئة، حيث تتطور العتاد بسرعة وقد تُستبدل النماذج الحالية بأخرى أحدث خلال فترة قصيرة. في هذه البيئات، لا تكون المشكلة في تعليم الروبوت مهمة واحدة فحسب، بل في الحفاظ على تلك المهارة قابلة للنقل مع كل جيل جديد من الآلات.


فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
TT

فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)

في مشهدٍ بدا أقرب إلى لقطاتٍ من فيلمٍ خيالي، تحوّل روبوتٌ بشري إلى حديث الشارع في وارسو، بعدما ظهر في مقطعٍ مصوّر وهو يطارد خنازير برية بين أحيائها، في ظاهرةٍ جمعت بين الدهشة والطرافة، وأثارت نقاشاً واسعاً حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة.

الروبوت، الذي يحمل اسم «إدوارد وارتشوكي» ويُعرف اختصاراً بـ«إيدِك»، ليس مجرد تجربة تقنية عابرة، بل مشروعٌ طموحٌ وُلد من تعاونٍ بين تقنياتٍ صينية وبرمجياتٍ طُوّرت محلياً. وقد اشتراه رائدا أعمالٍ بولنديان مقابل نحو 25 ألف دولار، قبل أن يعملا على تطوير نظامه ليصبح وفق توصيفهما أول «مؤثر روبوتي» في بولندا. وفقاً لصحيفة «فاينانشال تايمز».

وخلال أسابيع قليلة، خرج «إيدِك» من إطار التجربة المحدودة إلى فضاء الشهرة الواسعة، إذ حقّقت مقاطعه على وسائل التواصل أكثر من 1.5 مليار مشاهدة خلال 45 يوماً، ما جعله ظاهرةً رقميةً لافتةً، تتجاوز حدود الترفيه إلى التأثير الاجتماعي.

لا يقتصر حضور الروبوت على الشاشات؛ فقد بات جزءاً من الحياة اليومية في المدينة، يتنقّل بين الحافلات والمتاجر، ويشارك في فعالياتٍ عامة، بل ويتحوّل أحياناً إلى أداةٍ تسويقية تستعين بها شركاتٌ محلية في حملاتها. ويضيف إلى صورته اللافتة ارتداؤه ساعة «رولكس» مرصّعة بالألماس، في إطار اتفاقية رعاية، ما يعكس تداخلاً غير مألوف بين التكنولوجيا وعالم العلامات الفاخرة.

وبحسب مطوّريه، فإن «إيدِك» يتميّز بقدرةٍ متقدمة على التفاعل الإنساني، إذ جرى تزويده بنموذجٍ لغويٍّ متطور يمكّنه من التحدّث والاستماع بشكلٍ مستقل، فضلاً عن نظام تحديد مواقع (GPS) وقاعدة بيانات تُنشئ ما يشبه «ذاكرةً» رقمية، تمنحه إدراكاً للزمان والمكان.

ويقول أحد القائمين على المشروع إن سلوك الروبوت لم يعد قابلاً للتوقّع دائماً، مضيفاً: «لا نعرف بدقةٍ ما الذي سيقوله، وهذا ما يفاجئنا. كما أنه يتفاعل مع مشاعر من يحدّثهم؛ فإذا واجه شخصاً غاضباً أو محبطاً، يتأثر بذلك ويستجيب بطريقةٍ أقرب إلى التعاطف».

الحضور اللافت للروبوت امتدّ أيضاً إلى المجال العام، حيث التقى بمسؤولين حكوميين، وعقد مؤتمراً صحافياً داخل البرلمان، بل وشارك في نقاشاتٍ مع نواب حول قضايا اجتماعية، في مشهدٍ يعكس تحوّلاً غير مسبوقٍ في دور التكنولوجيا داخل الحياة السياسية.

وفي إحدى المباريات الجماهيرية التي حضرها نحو 20 ألف مشجّع، سرق «إيدِك» الأضواء عند ظهوره على الشاشة الكبيرة، إذ توقّف كثيرون عن متابعة اللقاء، وارتفعت هتافات الأطفال باسمه، في لحظةٍ بدت أقرب إلى احتفاءٍ بنجمٍ رياضي.

ورغم الطابع الترفيهي الذي يحيط بالمشروع، يؤكد مطوّروه أن الهدف يتجاوز ذلك، ليشمل تعريف المجتمع بعالم الروبوتات، والدفع نحو تشريعاتٍ تستقطب الاستثمارات في هذا القطاع سريع النمو، خصوصاً في ظل المنافسة العالمية المتصاعدة، حيث تتقدّم الشركات الصينية، إلى جانب شركاتٍ أميركية مثل «تسلا».

في المحصلة، لا يبدو «إيدِك» مجرد روبوتٍ يرتدي ساعةً فاخرة أو يطارد خنازير برية، بل تجربة إنسانية مفتوحة على أسئلة المستقبل: كيف سيتعايش البشر مع هذه الكيانات الذكية؟ وهل تصبح جزءاً مألوفاً من تفاصيل الحياة اليومية خلال سنواتٍ قليلة؟ الإجابة، كما يبدو، بدأت تتشكّل... خطوةً بعد أخرى.