«الشرق الأوسط» تدخل مختبر «مايكروسوفت للتكنولوجيا الشاملة» في أميركا

المختبر يعالج تحديات ذوي الإعاقة مع التكنولوجيا

المختبر يُجسد رؤية «مايكروسوفت» للشمولية والتزامها بتمكين ذوي الإعاقة عبر تكنولوجيا تلبي احتياجاتهم (الشرق الأوسط)
المختبر يُجسد رؤية «مايكروسوفت» للشمولية والتزامها بتمكين ذوي الإعاقة عبر تكنولوجيا تلبي احتياجاتهم (الشرق الأوسط)
TT

«الشرق الأوسط» تدخل مختبر «مايكروسوفت للتكنولوجيا الشاملة» في أميركا

المختبر يُجسد رؤية «مايكروسوفت» للشمولية والتزامها بتمكين ذوي الإعاقة عبر تكنولوجيا تلبي احتياجاتهم (الشرق الأوسط)
المختبر يُجسد رؤية «مايكروسوفت» للشمولية والتزامها بتمكين ذوي الإعاقة عبر تكنولوجيا تلبي احتياجاتهم (الشرق الأوسط)

تُشكل التكنولوجيا جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، ويصبح ضمان وصولها إلى الجميع ضرورة أساسية وليست رفاهية. يُعد مختبر «مايكروسوفت للتكنولوجيا الشاملة» ( Inclusive Tech Lab) مثالاً حياً لكيفية استخدام الابتكار لتوفير عالم أكثر شمولية وتمكين الأفراد ذوي الإعاقة. المختبر الواقع في حرم الشركة الرئيسي في مدينة سياتل الأميركية، والذي تلقت «الشرق الأوسط» دعوة خاصة لزيارته، يعدّ مساحة ديناميكية تتحول فيه الأفكار إلى حلول عملية لتُحدث تغييراً جذرياً. كما يُجسد التزام «مايكروسوفت» بتوفير تكنولوجيا تخدم الجميع، بغض النظر عن القدرات البدنية أو الإدراكية.

تسعى «مايكروسوفت» من خلال المختبر إلى أن تكون القوة التي تمكّن الناس من تحقيق ما يريدونه وليس ما يعوقهم (الشرق الأوسط)

رؤية طموحة للشمولية

يرتكز مختبر «التكنولوجيا الشاملة» على فلسفة «التصميم لفرد واحد يمتد إلى الجميع»، وهي رؤية تُركز على معالجة التحديات التي يواجهها الأشخاص ذوو الإعاقة، مع ضمان أن تؤدي هذه الحلول إلى فوائد أوسع تشمل جميع المستخدمين. يوضح سولومون رومني، مدير برنامج الوصول في «مايكروسوفت» خلال حديثه مع «الشرق الأوسط»، أن «هذا المختبر ليس عن الأشخاص ذوي الإعاقة، بل هو من أجلهم».

هذه الكلمات تلخص التزام شركته بجعل التكنولوجيا شاملة للجميع من خلال التعاون مع مجتمع ذوي الإعاقة. منذ انضمامه إلى الشركة في عام 2014، كان لرومني دور رئيسي في تطوير منتجات بارزة مثل «Xbox Adaptive Controller» و«Surface Adaptive Kit». ومنذ انتقاله إلى «مختبر التكنولوجيا الشاملة» في عام 2020، قاد جهوداً لتطوير منتجات جديدة وتصميم عبوات أكثر شمولية، مما يجعل التكنولوجيا أكثر قرباً وراحةً للجميع.

«التصميم الشامل»... فلسفة تنبض بالإنسانية

يُميز «مختبر التكنولوجيا الشاملة» التزامه بمبادئ التصميم الشامل لـ«مايكروسوفت» من حيث بدء التصميم في فهم التحديات التي تواجه الفئات الأكثر تهميشاً. المبدأ الثاني يكمن في «حل مشكلة لشخص واحد، ثم توسيعها للجميع» ما يعني حلولاً تُركز على احتياجات فردية، لكنها تنعكس إيجابياً على الجميع.

إضافة إلى ذلك يلتزم المختبر باستلهام الأفكار من التجارب المتنوعة لضمان أن تلبي المنتجات احتياجات قاعدة أوسع من المستخدمين.

سولومون رومني مدير برنامج الوصول في «مايكروسوفت» متحدثاً عن «مختبر التكنولوجيا الشاملة» (الشرق الأوسط)

إعادة تصميم تغليف المنتجات

في الماضي، كان العديد من ذوي الإعاقة بحاجة إلى مساعدة لفتح عبوات المنتجات التقنية، مما كان يحرمهم من تجربة «فتح الصندوق» المميزة. الآن، وبفضل استخدام مواد مستدامة وتصميمات مدروسة تتضمن علامات بلغة «برايل» وطبقات سهلة الاستخدام والنزع، أصبحت هذه العبوات أكثر شمولية. يعد رومني أن «التغليف ليس مجرد عنصر ثانوي، بل جزء أساسي من تجربة المستخدم».

الابتكار في «مختبر التكنولوجيا الشاملة» لا يقتصر على العبوات. منتجات مثل «Surface Adaptive Kit» والإكسسوارات التكيفية مصممة لتعزيز الاستقلالية والتمكين. مثلاً يوفر نظام الفأرة ( الماوس) التكيفي إمكانية تخصيص الجهاز بما يناسب احتياجات كل مستخدم من خلال ملحقات مطبوعة بتقنية ثلاثية الأبعاد.

ويشير رومني إلى أهمية العمل التعاوني مع المجتمع طالباً من ذوي الإعاقة «أن يخبروا شركته بالمشكلات التي يواجهونها لتصميم الحلول بناءً على ذلك». هذه العملية التشاركية تضمن أن تكون المنتجات عملية ومناسبة لاحتياجات المستخدمين اليومية.

الذكاء الاصطناعي... محرك الشمولية في المستقبل

لا يقتصر عمل المختبر على تطوير الأجهزة فقط. أصبح دمج الذكاء الاصطناعي (AI) محوراً أساسياً لجهود «مايكروسوفت» لتعزيز الشمولية. يقول رومني إن «الذكاء الاصطناعي لديه القدرة على أتمتة المهام المتكررة وتقليل الجهد وتعزيز الاستقلالية».

من الأمثلة الملهمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، تحسين التفاعل مع الحاسوب. بالنسبة لأولئك الذين يعانون من صعوبة في الحركات الدقيقة، يمكن للذكاء الاصطناعي تفسير المدخلات العامة مثل الحركات العينية غير الدقيقة وتحويلها إلى مخرجات دقيقة. ويضيف رومني أن «الذكاء الاصطناعي يعمل كعدسة، يحول المدخلات غير الواضحة إلى إجراءات دقيقة، مما يجعل التكنولوجيا أكثر سهولة».

تسعى «مايكروسوفت» أيضاً إلى تطوير أدوات ذكاء اصطناعي يمكنها أتمتة عمليات مثل فتح التطبيقات أو الإملاء الصوتي، مما يمنح المستخدمين المزيد من الوقت والجهد للتركيز على الأمور المهمة.

شمولية على نطاق عالمي

على الرغم من أن جهود المختبر ركزت في البداية على أميركا الشمالية، فإن «مايكروسوفت» تعمل على توسيع تأثيرها عالمياً. من خلال شراكات مع منظمات محلية في أوروبا وآسيا وأميركا الجنوبية، تهدف الشركة إلى فهم الفروقات الثقافية في التعامل مع الإعاقة. يرى رومني أن «الإعاقة هي ظاهرة عالمية، ولكن كيفية التعامل معها تختلف من ثقافة إلى أخرى». هذه الفروق تستدعي حلولاً مخصصة لكل منطقة، مع التركيز على تلبية الاحتياجات المحلية بأفضل طريقة ممكنة.

تلتزم «مايكروسوفت» بتسعير منتجاتها التكيفية بشكل يجعلها متاحة لشريحة واسعة من المستخدمين دون تكلفة إضافية (الشرق الأوسط)

الألعاب... وسيلة للتواصل الشامل

«مايكروسوفت» تُعيد تعريف الألعاب لتصبح أكثر شمولية من أي وقت مضى. وحدة التحكم التكيفية لـ«إكس بوكس» (Xbox) هي مثال رائع على كيفية تسخير التكنولوجيا لتلبية احتياجات اللاعبين ذوي الإعاقة. يصف رومني أثر هذه الابتكارات بامتلاك وحدة تحكم تتيح لك اللعب على نفس المستوى مع الجميع، يمنحك إحساساً بالحرية والاستقلالية.

لا يقتصر الابتكار في هذا المجال على الأجهزة فقط، بل تعمل «مايكروسوفت» على استخدام الذكاء الاصطناعي لمساعدة اللاعبين على تحديد الألعاب التي تتناسب مع قدراتهم وتفضيلاتهم، مما يلغي عملية التجربة والخطأ التي كانت تُرهق العديد من المستخدمين.

الشمولية والاستدامة...رؤية واحدة

جانب آخر يُميز مختبر التكنولوجيا الشاملة هو التزامه بالاستدامة. من خلال تقليل التغليف الزائد واستخدام مواد صديقة للبيئة، تسعى «مايكروسوفت» إلى تحقيق توازن بين المسؤولية البيئية والاجتماعية. يقول رومني لـ«الشرق الأوسط» إنه «كلما قل التغليف، كان ذلك أفضل للبيئة وللمستخدم». ويوضح أن التصميمات المستدامة ليست فقط أخف وزناً وأسهل فتحاً، بل تعزز أيضاً تجربة المستخدم بشكل عام، مما يجعل التكنولوجيا أكثر شمولية للجميع.

يعمل المختبر مع منظمات محلية في أوروبا وآسيا وأميركا الجنوبية لفهم التحديات الثقافية وتصميم حلول تلبي الاحتياجات المحلية (الشرق الأوسط)

التكلفة وإتاحة الوصول

«مايكروسوفت» تؤمن بأن الشمولية يجب ألا تكون مكلفة. ويرفض رومني نظرية التكلفة الإضافية التي قد تفرض على ذوي الإعاقة للحصول على نفس التجربة التي يحصل عليها الجميع. ويوضح أن هذا المبدأ يدفع الشركة إلى تسعير منتجاتها التكيفية بأسعار تنافسية، مما يجعلها في متناول الجميع.

سواء كانت لوحة مفاتيح كبيرة الطباعة أو فأرة خاصة، تسعى «مايكروسوفت» لضمان أن تكون هذه المنتجات متاحة بأسعار ميسورة دون المساس بالجودة، على حد قوله.

مختبر الابتكار والأمل

بالنسبة لسولومون رومني، «مختبر التكنولوجيا الشاملة» هو أكثر من مجرد مكان عمل، «إنه مهمة لتغيير الحياة». يقول متأثراً: «هذا المكان غيّر حياتي... العمل هنا هو فرصة لإحداث تأثير حقيقي يومياً».

لا يعد «مختبر مايكروسوفت للتكنولوجيا الشاملة» مجرد مساحة لتطوير المنتجات؛ إنه نموذج لإعادة تعريف دور التكنولوجيا في بناء مجتمع أكثر عدالة. من خلال وضع الناس في مركز التصميم والاستفادة من أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي، يُظهر المختبر كيف يمكن للتكنولوجيا أن تُحقق العدالة والشمولية، ويمهد الطريق لمستقبل تصبح فيه التكنولوجيا قوة دافعة للخير.


مقالات ذات صلة

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

تكنولوجيا يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

«بيربليكسيتي» توسع طموحها من البحث إلى الحوسبة الشخصية، ساعية إلى دور أكبر للذكاء الاصطناعي في الاستخدام اليومي للحاسوب.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

دراسة جديدة تطور إطاراً يتيح للروبوتات نقل المهارات بأمان بين منصات مختلفة بما قد يقلل تكلفة الأتمتة والتحديث الصناعي.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تقرير «سيسكو» يظهر أن الشبكات اللاسلكية في السعودية لم تعد مجرد بنية اتصال بل أصبحت عنصراً مؤثراً في نمو الأعمال 2030 (شاترستوك)

خاص «سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يعزز قيمة الشبكات اللاسلكية في السعودية رغم التعقيد

التقرير يرصد تحول الشبكات اللاسلكية في السعودية إلى أداة للنمو وسط تصاعد التعقيد والمخاطر الأمنية وفجوة المهارات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الميزة لا تعني إزالة «شورتس» نهائياً من المنصة بل تقليص ظهوره والتحكم في استهلاكه (أدوبي)

هل تسعى «يوتيوب» إلى تقليص حضور «شورتس»؟

«يوتيوب» يضيف خيار «صفر دقيقة» لتقليص تصفح «شورتس» في خطوة تمنح المستخدم تحكماً أكبر دون إزالة الخدمة نهائياً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الدراسة ترى أن تقدم الذكاء الاصطناعي في العمل يحدث تدريجياً عبر نطاق واسع من المهام لا عبر صدمات مفاجئة (رويترز)

دراسة من «MIT»: الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل المهام لا الوظائف فقط

تظهر دراسة «MIT» أن الذكاء الاصطناعي يتقدم تدريجياً في إنجاز المهام مع تفاوت قطاعي وفجوة مستمرة في الاعتمادية.

نسيم رمضان (لندن)

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
TT

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

توسّع «بيربليكسيتي» طموحاتها إلى ما هو أبعد من البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي؛ إذ ترى أن المرحلة المقبلة من الحوسبة الشخصية ستقوم على مساعد أكثر وعياً بسياق المستخدم، وقادر على الاقتراب من نشاطه الرقمي اليومي.

وفي منشور جديد عبر موقعها الإلكتروني بعنوان «The Personal Computer Is Here»، تعرض الشركة هذه الرؤية باعتبارها جزءاً من توجه أوسع لجعل الذكاء الاصطناعي طبقة أكثر حضوراً في التصفح والبحث وتنفيذ المهام، بدلاً من بقائه أداة تُستخدم للإجابة عن الأسئلة المنفصلة فقط. ويتقاطع هذا الطرح مع الاهتمام المتزايد باستراتيجية «بيربليكسيتي» في مجال المتصفح، ومع مساعيها للانتقال من منتج بحث إلى واجهة أوسع للذكاء الاصطناعي الشخصي.

ولا تتمثل أهمية التطور هنا في أن الشركة نشرت بياناً جديداً عن منتجها فحسب، بل في أنها باتت تعرض تقنيتها بوصفها جزءاً من تحول أكبر في طريقة تفاعل المستخدمين مع الحواسيب. فبدلاً من تقديم الذكاء الاصطناعي كإضافة إلى سير العمل القائم، تضعه «بيربليكسيتي» في موقع الطبقة التي يمكن أن يمر عبرها هذا السير نفسه. وهذا يضع الشركة في منافسة أكثر مباشرة ليس فقط مع منافسي البحث بالذكاء الاصطناعي، بل أيضاً مع مطوري المتصفحات والشركات التي تحاول رسم واجهة الاستخدام المقبلة في عصر الذكاء الاصطناعي.

التحول الجديد يشير إلى أن «بيربليكسيتي» تريد أن تؤثر في طريقة استخدام الحاسوب لا في البحث فقط «بيربليكسيتي»

«توسيع دور بيربليكسيتي»

يكتسب هذا التحول أهمية خاصة؛ لأن «بيربليكسيتي» بنت حضورها الأول بوصفها منصة تعتمد على الإجابات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والبحث على الويب. أما الآن، فتشير اللغة الجديدة التي تستخدمها الشركة إلى أنها تريد أن تُعرَف بدرجة أقل كوجهة لطرح الأسئلة، وبدرجة أكبر كنظام يفهم سياق المستخدم ويساعده في إدارة أنشطته الرقمية الأوسع. وعملياً، يعني ذلك الاقتراب أكثر من طريقة تصفح الأفراد، ومقارنتهم للمعلومات، واتخاذهم القرارات، وتنفيذهم المهام. وهو ادعاء أكبر بكثير من مجرد تقديم نتائج بحث أفضل.

كما يساعد السياق الصناعي الأوسع في تفسير هذا التوجه؛ فشركات الذكاء الاصطناعي تحاول بشكل متزايد تجاوز واجهات الدردشة المستقلة إلى بيئات برمجية تلتقط قدراً أكبر من النشاط اليومي للمستخدم. وأصبحت المتصفحات ساحة مهمة لهذا التنافس؛ لأنها تحتل بالفعل موقعاً مركزياً في كيفية عمل كثير من الناس على الإنترنت. ومن خلال ربط رسالتها بالحوسبة الشخصية لا بالبحث فقط، تبدو «بيربليكسيتي»، وكأنها تقول إن المتصفح والمساعد الذكي يبدآن في الاندماج.

الانتقال إلى طبقة أكثر التصاقاً بالمستخدم يفرض تحديات تتعلق بالسياق والخصوصية والموثوقية «بيربليكسيتي»

الخصوصية والموثوقية أولاً

لا يعني هذا الانتقال أن الطريق سهل؛ فوجود طبقة ذكاء اصطناعي أكثر التصاقاً بالمستخدم يتطلب الوصول إلى السياق، والاستمرارية عبر المهام، وقدراً كافياً من الثقة حتى يسمح الأفراد للبرمجيات بالاقتراب أكثر من عادات عملهم. وهذه متطلبات أكثر تعقيداً بكثير من مجرد الإجابة عن سؤال أو تلخيص صفحة. كما أنها ترفع سقف التحديات المرتبطة بتصميم المنتج، وتوقعات الخصوصية، والموثوقية. وتوحي الرسائل الأخيرة للشركة بأنها ترى أن هذا التحدي يستحق المخاطرة؛ لأن الميزة التنافسية المقبلة في الذكاء الاصطناعي قد لا تأتي فقط من جودة الإجابة، بل من التغلغل في سير العمل اليومي للمستخدم.

«بيربليكسيتي» توسع موقعها

ما يبرز أكثر من غيره هو اللغة التي باتت «بيربليكسيتي» تستخدمها في تعريف نفسها؛ فالشركة تبدو وكأنها تحاول تثبيت موطئ قدم في فئة تتجاوز البحث، بل حتى تتجاوز الدردشة. إنها تصف مستقبلاً لا يُستشار فيه الذكاء الاصطناعي من حين إلى آخر فحسب، بل يصبح طبقة تشغيل يومية في الحوسبة الشخصية. وهذا إطار استراتيجي أوسع بكثير من ذاك الذي عُرفت به حين ظهرت بدايةً بوصفها شركة ناشئة في البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي.

وبالنسبة إلى «بيربليكسيتي»، فإن دلالة هذا التحول واضحة؛ فالشركة لا تسعى فقط إلى تحسين الطريقة التي يعثر بها المستخدمون على المعلومات، بل تريد أيضاً أن تؤثر في الطريقة التي يتحركون بها داخل العمل الرقمي كله. وما إذا كانت قادرة على تنفيذ هذا الوعد يبقى سؤالاً مفتوحاً، لكن الاتجاه بات واضحاً: «بيربليكسيتي» تريد أن يكون لها دور ليس فقط فيما يسأله الناس للذكاء الاصطناعي، بل أيضاً في كيفية استخدامهم الحاسوب من الأساس.


دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
TT

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

طوّر باحثون من مختبر «كرييت» (CREATE) في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان (EPFL) في سويسرا إطاراً جديداً يهدف إلى معالجة واحدة من أكثر المشكلات إرباكاً في الروبوتات الصناعية تتعلق بكيفية تعليم مهارة واحدة لروبوتات مختلفة البنية من دون إعادة البرمجة من الصفر في كل مرة.

الدراسة المنشورة في دورية «Science Robotics» تقدم ما يسميه الباحثون «الذكاء الحركي»، وهو نهج يحوّل المهمة التي يعرضها الإنسان إلى استراتيجية حركة عامة، ثم يكيّفها تلقائياً مع التصميم الميكانيكي لكل روبوت على حدة.

تكمن المشكلة في أن الروبوتات، حتى عندما تُستخدم في أعمال متشابهة، لا تتحرك بالطريقة نفسها. اختلاف ترتيب المفاصل وحدود الحركة ومتطلبات الاتزان يجعل المهارة التي يتعلمها روبوت ما غير قابلة للنقل مباشرة إلى روبوت آخر. ولهذا؛ فإن تحديث أسطول الروبوتات في المصانع غالباً لا يعني استبدال العتاد فقط، بل يشمل أيضاً إعادة تعريف المهام، وضبط حدود الأمان، وإعادة التحقق من السلوك الحركي لكل منصة جديدة. الدراسة الجديدة تحاول فصل «فكرة المهارة» عن خصائص الروبوت الفردي، بحيث يصبح بالإمكان نقلها بين منصات مختلفة بتكلفة أقل وزمن أقصر.

الباحثون حوّلوا المهام التي يعرضها الإنسان استراتيجيات حركة عامة يمكن تكييفها مع كل روبوت على حدة (EPFL)

نقل المهارة بأمان

ولبناء هذا الإطار؛ بدأ الباحثون من مهام تلاعب بالأجسام عرضها إنسان، مثل الوضع والدفع والرمي. استخدم الفريق تقنيات التقاط الحركة لتسجيل هذه المهام، ثم حوّلها رياضياً استراتيجيات حركة عامة لا ترتبط بروبوت واحد بعينه. بعد ذلك، وضعوا تصنيفاً منظماً للقيود الفيزيائية الخاصة بكل تصميم روبوتي، مثل مدى حركة المفاصل والمواضع التي يجب تجنبها للحفاظ على الاستقرار. وبهذا، لم يعد الروبوت ينسخ حركة بشرية أو حركة روبوت آخر كما هي، بل «يفسر» المهارة ضمن حدوده الميكانيكية الخاصة.

في التجربة الأساسية، عرض إنسان مهمة مركبة على خط تجميع كدفع كتلة خشبية من سير ناقل إلى منصة عمل، ثم وضعها على طاولة، ثم رميها في سلة. ووفق التقرير، تمكنت ثلاثة روبوتات تجارية مختلفة تماماً من إعادة تنفيذ التسلسل نفسه بأمان وموثوقية باستخدام إطار الذكاء الحركي. والأهم أن النظام ظل يعمل حتى عند تغيير توزيع الخطوات بين الروبوتات؛ ما يشير إلى أن الإطار لا يحفظ مساراً واحداً فحسب، بل ينقل منطق المهمة نفسه إلى أجسام مختلفة.

أهمية النظام لا تقتصر على إنجاز المهمة بل تشمل الحفاظ على السلوك الآمن والمتوقع داخل حدود كل روبوت (أ.ف.ب)

أتمتة أسرع وأبسط

يقول الباحثون إن القيمة الرئيسية هنا لا تتعلق فقط بإتمام المهمة، بل بضمان أن كل روبوت ينفذها ضمن حدوده الآمنة. رئيسة المختبر أود بيلار وصفت ذلك بأنه معالجة لتحدٍ قديم في الروبوتات متعلق بنقل المهارة المتعلمة بين روبوتات ذات هياكل ميكانيكية مختلفة مع الحفاظ على سلوك آمن ومتوقع. أما أحد الباحثين المشاركين، فأوضح أن كل روبوت «يفسر المهارة نفسها بطريقته، ولكن دائماً ضمن حدود آمنة وقابلة للتنفيذ». هذه النقطة أساسية لأن كثيراً من أنظمة التعلم الروبوتي تُظهر أداءً جيداً في المختبر، لكنها تصبح أقل موثوقية عندما تنتقل إلى منصات أخرى أو إلى بيئات تشغيلية فعلية.

أهمية هذا النهج تظهر بوضوح في التصنيع، حيث يمكن أن يؤدي تبديل الروبوتات أو تحديثها إلى تعطيل طويل ومكلف. فإذا أمكن نقل المهارات بين الروبوتات المختلفة من خلال تمثيل عام للمهمة بدلاً من إعادة البرمجة التفصيلية، فقد يصبح نشر الروبوتات الجديدة أسرع وأكثر استدامة. التقرير يشير أيضاً إلى أن هذا يمكن أن يقلل حجم الخبرة الفنية المطلوبة لتشغيل الأنظمة في البيئات الواقعية، وهي نقطة قد تكون مهمة للشركات التي تريد توسيع الأتمتة من دون الاعتماد الكامل على فرق برمجة متخصصة لكل منصة.

لا يقف طموح الباحثين عند خطوط الإنتاج. فهم يرون أن الإطار قد يمتد إلى التعاون بين الإنسان والروبوت، أو إلى التفاعل المعتمد على اللغة الطبيعية، حيث يمكن للمستخدم أن يوجه الروبوت بأوامر بسيطة من دون الخوض في برمجة تقنية معقدة. كما يبدو النهج مناسباً للمنصات الروبوتية الناشئة، حيث تتطور العتاد بسرعة وقد تُستبدل النماذج الحالية بأخرى أحدث خلال فترة قصيرة. في هذه البيئات، لا تكون المشكلة في تعليم الروبوت مهمة واحدة فحسب، بل في الحفاظ على تلك المهارة قابلة للنقل مع كل جيل جديد من الآلات.


فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
TT

فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)

في مشهدٍ بدا أقرب إلى لقطاتٍ من فيلمٍ خيالي، تحوّل روبوتٌ بشري إلى حديث الشارع في وارسو، بعدما ظهر في مقطعٍ مصوّر وهو يطارد خنازير برية بين أحيائها، في ظاهرةٍ جمعت بين الدهشة والطرافة، وأثارت نقاشاً واسعاً حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة.

الروبوت، الذي يحمل اسم «إدوارد وارتشوكي» ويُعرف اختصاراً بـ«إيدِك»، ليس مجرد تجربة تقنية عابرة، بل مشروعٌ طموحٌ وُلد من تعاونٍ بين تقنياتٍ صينية وبرمجياتٍ طُوّرت محلياً. وقد اشتراه رائدا أعمالٍ بولنديان مقابل نحو 25 ألف دولار، قبل أن يعملا على تطوير نظامه ليصبح وفق توصيفهما أول «مؤثر روبوتي» في بولندا. وفقاً لصحيفة «فاينانشال تايمز».

وخلال أسابيع قليلة، خرج «إيدِك» من إطار التجربة المحدودة إلى فضاء الشهرة الواسعة، إذ حقّقت مقاطعه على وسائل التواصل أكثر من 1.5 مليار مشاهدة خلال 45 يوماً، ما جعله ظاهرةً رقميةً لافتةً، تتجاوز حدود الترفيه إلى التأثير الاجتماعي.

لا يقتصر حضور الروبوت على الشاشات؛ فقد بات جزءاً من الحياة اليومية في المدينة، يتنقّل بين الحافلات والمتاجر، ويشارك في فعالياتٍ عامة، بل ويتحوّل أحياناً إلى أداةٍ تسويقية تستعين بها شركاتٌ محلية في حملاتها. ويضيف إلى صورته اللافتة ارتداؤه ساعة «رولكس» مرصّعة بالألماس، في إطار اتفاقية رعاية، ما يعكس تداخلاً غير مألوف بين التكنولوجيا وعالم العلامات الفاخرة.

وبحسب مطوّريه، فإن «إيدِك» يتميّز بقدرةٍ متقدمة على التفاعل الإنساني، إذ جرى تزويده بنموذجٍ لغويٍّ متطور يمكّنه من التحدّث والاستماع بشكلٍ مستقل، فضلاً عن نظام تحديد مواقع (GPS) وقاعدة بيانات تُنشئ ما يشبه «ذاكرةً» رقمية، تمنحه إدراكاً للزمان والمكان.

ويقول أحد القائمين على المشروع إن سلوك الروبوت لم يعد قابلاً للتوقّع دائماً، مضيفاً: «لا نعرف بدقةٍ ما الذي سيقوله، وهذا ما يفاجئنا. كما أنه يتفاعل مع مشاعر من يحدّثهم؛ فإذا واجه شخصاً غاضباً أو محبطاً، يتأثر بذلك ويستجيب بطريقةٍ أقرب إلى التعاطف».

الحضور اللافت للروبوت امتدّ أيضاً إلى المجال العام، حيث التقى بمسؤولين حكوميين، وعقد مؤتمراً صحافياً داخل البرلمان، بل وشارك في نقاشاتٍ مع نواب حول قضايا اجتماعية، في مشهدٍ يعكس تحوّلاً غير مسبوقٍ في دور التكنولوجيا داخل الحياة السياسية.

وفي إحدى المباريات الجماهيرية التي حضرها نحو 20 ألف مشجّع، سرق «إيدِك» الأضواء عند ظهوره على الشاشة الكبيرة، إذ توقّف كثيرون عن متابعة اللقاء، وارتفعت هتافات الأطفال باسمه، في لحظةٍ بدت أقرب إلى احتفاءٍ بنجمٍ رياضي.

ورغم الطابع الترفيهي الذي يحيط بالمشروع، يؤكد مطوّروه أن الهدف يتجاوز ذلك، ليشمل تعريف المجتمع بعالم الروبوتات، والدفع نحو تشريعاتٍ تستقطب الاستثمارات في هذا القطاع سريع النمو، خصوصاً في ظل المنافسة العالمية المتصاعدة، حيث تتقدّم الشركات الصينية، إلى جانب شركاتٍ أميركية مثل «تسلا».

في المحصلة، لا يبدو «إيدِك» مجرد روبوتٍ يرتدي ساعةً فاخرة أو يطارد خنازير برية، بل تجربة إنسانية مفتوحة على أسئلة المستقبل: كيف سيتعايش البشر مع هذه الكيانات الذكية؟ وهل تصبح جزءاً مألوفاً من تفاصيل الحياة اليومية خلال سنواتٍ قليلة؟ الإجابة، كما يبدو، بدأت تتشكّل... خطوةً بعد أخرى.