ذكاء اصطناعي بلغات محلية... هل ينجح في كسر الهيمنة الثقافية الأجنبية؟

تجربة كورية رائدة لتطوير نظم باللغات الآسيوية والعربية

ذكاء اصطناعي بلغات محلية... هل ينجح في كسر الهيمنة الثقافية الأجنبية؟
TT

ذكاء اصطناعي بلغات محلية... هل ينجح في كسر الهيمنة الثقافية الأجنبية؟

ذكاء اصطناعي بلغات محلية... هل ينجح في كسر الهيمنة الثقافية الأجنبية؟

«تشات جي بي تي»، و«بارد» و«كلود»... روبوتات الدردشة الأكثر شهرة ونجاحاً في العالم هذه يتم تدريبها على البيانات المأخوذة من مساحات شاسعة من الإنترنت؛ ما يعكس الهيمنة الثقافية واللغوية للغة الإنجليزية ووجهات النظر الغربية.

احتكار الذكاء الاصطناعي

وقد دق هذا ناقوس الخطر بشأن عدم وجود التنوع في الذكاء الاصطناعي. وهناك أيضاً مخاوف من أن تظل التكنولوجيا حكراً على عدد قليل من الشركات الأميركية. وفي كوريا الجنوبية، القوة التكنولوجية، تستفيد الشركات من مرونة التكنولوجيا لتشكيل أنظمة الذكاء الاصطناعي من الألف إلى الياء لتلبية الاحتياجات المحلية. وقد درّب البعض منها نماذج الذكاء الاصطناعي باستخدام مجموعات من البيانات الغنية باللغة والثقافة الكورية. تقول الشركات الكورية الجنوبية إنها تقوم ببناء الذكاء الاصطناعي للجمهور التايلاندي والفيتنامي والماليزي.

نظم ذكاء للسعودية والبرازيل

ويتطلع آخرون إلى العملاء في البرازيل والمملكة العربية السعودية والفلبين، وكذلك في صناعات مثل الطب والصيدلة. وقد عزز هذا الآمال في إمكانية أن يصبح الذكاء الاصطناعي يصبح أكثر تنوعاً، ويعمل بمزيد من اللغات، ويتم تخصيصه ليناسب المزيد من الثقافات، ويتم تطويره من قبل المزيد من البلدان. وقال بيونج تاك تشانغ، أستاذ علوم الكمبيوتر في جامعة سيول الوطنية: «كلما زادت المنافسة، زادت قوة الأنظمة: مقبولة اجتماعياً، وأكثر أماناً، وأكثر أخلاقية».

وفي حين أن هناك بعض شركات الذكاء الاصطناعي غير الأميركية البارزة، مثل شركة «ميسترال» الفرنسية، فإن الاضطرابات الأخيرة في شركة OpenAI، الشركة المصنعة لـChatGPT، سلطت الضوء على مدى تركز الصناعة.

نظام ذكاء اصطناعي من شركة «نافير» باللغة الكورية

مشهد كوري ناشئ

ويقول يونج ليم، أستاذ القانون في جامعة سيول الوطنية الذي يقود مبادرة سياسة الذكاء الاصطناعي: إن مشهد الذكاء الاصطناعي الناشئ في كوريا الجنوبية هو أحد أكثر المناظر تنافسية وتنوعاً في العالم. وقد شجع اقتصاد البلاد القائم على التصدير، المشروعات الجديدة على البحث عن طرق لتصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي لتناسب شركات أو دولاً محددة.

يقول المطورون: إن كوريا الجنوبية في وضع جيد لبناء تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي؛ نظراً لامتلاكها واحدة من أكثر المجتمعات السكانية اتصالاً في العالم لتوليد كميات هائلة من البيانات لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي. فعمالقة التكنولوجيا لديهم الموارد اللازمة للاستثمار بكثافة في الأبحاث. وكان موقف الحكومة أيضاً مشجعاً: فقد زودت الشركات بالأموال والبيانات التي يمكن استخدامها لتدريب نماذج لغوية كبيرة، وهي التكنولوجيا التي تشغل روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي.

باحثة ذكاء اصطناعي من «إل جي»

صعوبات التمويل والتكنولوجيا

يقول الخبراء: إن عدداً قليلاً من الدول الأخرى لديها مزيج من رأس المال والتكنولوجيا اللازم لتطوير نموذج لغوي كبير يمكنه تشغيل روبوت الدردشة. ويقدرون أن تكلفة بناء نموذج أساسي تتراوح ما بين 100 مليون و200 مليون دولار، وهي التكنولوجيا التي تعمل كأساس لروبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي. لا تزال كوريا الجنوبية متخلفة عن الولايات المتحدة بأشهر في سباق الذكاء الاصطناعي، وقد لا تتمكن أبداً من اللحاق بها بشكل كامل، حيث تستمر برامج الدردشة الرائدة في التحسن باستخدام المزيد من الموارد والبيانات. لكن الشركات الكورية الجنوبية تعتقد أنها قادرة على المنافسة.

وبدلاً من ملاحقة السوق العالمية مثل منافسيها في الولايات المتحدة، حاولت شركات مثل Naver «نافير»و«إل جي» LG توجيه نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها إلى صناعات أو ثقافات أو لغات محددة بدلاً من الانسحاب من الإنترنت بالكامل.

ويقول سوكونج تشوي، أستاذ نظم المعلومات بجامعة ألباني: «إن الاستراتيجية المحلية هي استراتيجية معقولة بالنسبة لهم»؛ إذ تركز الشركات على الأدوات ذات الأغراض العامة. ويمكن لشركات الذكاء الاصطناعي في كوريا الجنوبية استهداف منطقة معينة.

نجاح صيني جزئي

خارج الولايات المتحدة، تبدو براعة الذكاء الاصطناعي محدودة المنال. وفي الصين، أظهر رد بايدو على ChatGPT، المسمى Ernie، ونموذج اللغة الكبير من «هواوي»، بعض النجاح في الداخل، لكنهما بعيدان عن السيطرة على السوق العالمية. وقالت حكومات وشركات في دول أخرى مثل كندا وبريطانيا والهند وإسرائيل أيضاً إنها تعمل على تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، على الرغم من أنه لم يصدر أي منها بعد نظاماً يمكن استخدامه من قبل الجمهور.

قبل نحو عام من إصدار ChatGPT، أعلنت شركة Naver، التي تدير محرك البحث الأكثر استخداماً في كوريا الجنوبية، أنها نجحت في إنشاء نموذج لغة كبير. لكن برنامج الدردشة الآلي القائم على هذا النموذج، كلوفا إكس Clova X، تم إصداره فقط في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، أي بعد عام تقريباً من ظهور ChatGPT لأول مرة. ويقول ناكو سونج، المدير التنفيذي في Naver الذي قاد مشروع الذكاء الاصطناعي التوليدي للشركة: إن توقيت إصدار ChatGPT فاجأه. وأضاف سونج: «حتى تلك اللحظة، كنا نتبع نهجاً محافظاً تجاه خدمات الذكاء الاصطناعي ونستكشف الاحتمالات بحذر». وأضاف: «ثم أدركنا أن الجدول الزمني قد تم تسريعه كثيراً». «لقد قررنا أنه يتعين علينا التحرك على الفور».

نظام ذكاء اصطناعي كوري

نموذج باللغة الكورية

والآن، تدير شركة Naver نموذجاً للذكاء الاصطناعي مصمماً للمتحدثين باللغة الكورية من الألف إلى الياء باستخدام البيانات العامة من حكومة كوريا الجنوبية ومن محرك البحث الخاص بها، والذي عطل الإنترنت في البلاد منذ عام 1999. يتعرف Clova X على التعابير الكورية وأحدث اللغات العامية، وهي اللغة التي غالباً ما تجد روبوتات الدردشة الأميركية الصنع مثل Bard وChatGPT وClaude صعوبة في فهمها. تم أيضاً دمج برنامج الدردشة الآلي الخاص بـNaver في محرك البحث؛ مما يسمح للأشخاص باستخدام الأداة للتسوق والسفر.

آفاق تعاون كوري - سعودي

وخارج سوقها المحلية، تستكشف الشركة فرص العمل مع حكومة المملكة العربية السعودية. وقال الخبراء: إن اليابان يمكن أن تكون عميلاً محتملاً آخر؛ نظراً لأن خدمة الرسائل Line، المملوكة لشركة Naver، تُستخدم على نطاق واسع هناك.

نظام «إكساوان» من «إل جي»

نموذجا «إل جي» و«سامسونغ»

كما أنشأت LG أيضاً نموذج الذكاء الاصطناعي التوليدي الخاص بها، وهو نوع الذكاء الاصطناعي القادر على إنشاء محتوى أصلي يعتمد على المدخلات، ويسمى Exaone. ومنذ إنشائها في عام 2021، عملت LG مع الناشرين ومراكز الأبحاث وشركات الأدوية والشركات الطبية لتكييف نظامها مع مجموعات البيانات الخاصة بهم وتزويدهم بإمكانية الوصول إلى نظام الذكاء الاصطناعي الخاص بها. وقال كيونغهون باي، مدير أبحاث LG AI: إن الشركة تستهدف الشركات والباحثين بدلاً من المستخدم العام. بدأت الشركات التابعة لها أيضاً في استخدام برامج الدردشة الآلية الخاصة بها. وتم استخدام أحد روبوتات الدردشة، المصممة لتحليل أبحاث الكيمياء والمعادلات الكيميائية، من قبل الباحثين لبناء مواد جديدة للبطاريات والمواد الكيميائية والأدوية. وقال هونغلاك لي، كبير العلماء في قسم أبحاث الذكاء الاصطناعي في «إل جي»: «بدلاً من السماح لأفضل نظام أو اثنين من أنظمة الذكاء الاصطناعي بالهيمنة، من المهم أن يكون لديك مجموعة من النماذج الخاصة بالمجال أو اللغة أو الثقافة». أعلنت شركة كورية جنوبية عملاقة أخرى، وهي «سامسونغ»، الشهر الماضي عن Samsung Gauss، وهو نموذج ذكاء اصطناعي توليدي يُستخدم داخلياً لإنشاء رسائل البريد الإلكتروني وتلخيص المستندات وترجمة النصوص. وتخطط الشركة لدمجه في هواتفها المحمولة وأجهزتها المنزلية الذكية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

تكنولوجيا يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

«بيربليكسيتي» توسع طموحها من البحث إلى الحوسبة الشخصية، ساعية إلى دور أكبر للذكاء الاصطناعي في الاستخدام اليومي للحاسوب.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تقرير «سيسكو» يظهر أن الشبكات اللاسلكية في السعودية لم تعد مجرد بنية اتصال بل أصبحت عنصراً مؤثراً في نمو الأعمال 2030 (شاترستوك)

خاص «سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يعزز قيمة الشبكات اللاسلكية في السعودية رغم التعقيد

التقرير يرصد تحول الشبكات اللاسلكية في السعودية إلى أداة للنمو وسط تصاعد التعقيد والمخاطر الأمنية وفجوة المهارات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الميزة لا تعني إزالة «شورتس» نهائياً من المنصة بل تقليص ظهوره والتحكم في استهلاكه (أدوبي)

هل تسعى «يوتيوب» إلى تقليص حضور «شورتس»؟

«يوتيوب» يضيف خيار «صفر دقيقة» لتقليص تصفح «شورتس» في خطوة تمنح المستخدم تحكماً أكبر دون إزالة الخدمة نهائياً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الدراسة ترى أن تقدم الذكاء الاصطناعي في العمل يحدث تدريجياً عبر نطاق واسع من المهام لا عبر صدمات مفاجئة (رويترز)

دراسة من «MIT»: الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل المهام لا الوظائف فقط

تظهر دراسة «MIT» أن الذكاء الاصطناعي يتقدم تدريجياً في إنجاز المهام مع تفاوت قطاعي وفجوة مستمرة في الاعتمادية.

نسيم رمضان (لندن)
علوم نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

جهود حثيثة من أميركا اللاتينية إلى آسيا

كريس ستوكل - والكر (واشنطن)

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
TT

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

توسّع «بيربليكسيتي» طموحاتها إلى ما هو أبعد من البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي؛ إذ ترى أن المرحلة المقبلة من الحوسبة الشخصية ستقوم على مساعد أكثر وعياً بسياق المستخدم، وقادر على الاقتراب من نشاطه الرقمي اليومي.

وفي منشور جديد عبر موقعها الإلكتروني بعنوان «The Personal Computer Is Here»، تعرض الشركة هذه الرؤية باعتبارها جزءاً من توجه أوسع لجعل الذكاء الاصطناعي طبقة أكثر حضوراً في التصفح والبحث وتنفيذ المهام، بدلاً من بقائه أداة تُستخدم للإجابة عن الأسئلة المنفصلة فقط. ويتقاطع هذا الطرح مع الاهتمام المتزايد باستراتيجية «بيربليكسيتي» في مجال المتصفح، ومع مساعيها للانتقال من منتج بحث إلى واجهة أوسع للذكاء الاصطناعي الشخصي.

ولا تتمثل أهمية التطور هنا في أن الشركة نشرت بياناً جديداً عن منتجها فحسب، بل في أنها باتت تعرض تقنيتها بوصفها جزءاً من تحول أكبر في طريقة تفاعل المستخدمين مع الحواسيب. فبدلاً من تقديم الذكاء الاصطناعي كإضافة إلى سير العمل القائم، تضعه «بيربليكسيتي» في موقع الطبقة التي يمكن أن يمر عبرها هذا السير نفسه. وهذا يضع الشركة في منافسة أكثر مباشرة ليس فقط مع منافسي البحث بالذكاء الاصطناعي، بل أيضاً مع مطوري المتصفحات والشركات التي تحاول رسم واجهة الاستخدام المقبلة في عصر الذكاء الاصطناعي.

التحول الجديد يشير إلى أن «بيربليكسيتي» تريد أن تؤثر في طريقة استخدام الحاسوب لا في البحث فقط «بيربليكسيتي»

«توسيع دور بيربليكسيتي»

يكتسب هذا التحول أهمية خاصة؛ لأن «بيربليكسيتي» بنت حضورها الأول بوصفها منصة تعتمد على الإجابات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والبحث على الويب. أما الآن، فتشير اللغة الجديدة التي تستخدمها الشركة إلى أنها تريد أن تُعرَف بدرجة أقل كوجهة لطرح الأسئلة، وبدرجة أكبر كنظام يفهم سياق المستخدم ويساعده في إدارة أنشطته الرقمية الأوسع. وعملياً، يعني ذلك الاقتراب أكثر من طريقة تصفح الأفراد، ومقارنتهم للمعلومات، واتخاذهم القرارات، وتنفيذهم المهام. وهو ادعاء أكبر بكثير من مجرد تقديم نتائج بحث أفضل.

كما يساعد السياق الصناعي الأوسع في تفسير هذا التوجه؛ فشركات الذكاء الاصطناعي تحاول بشكل متزايد تجاوز واجهات الدردشة المستقلة إلى بيئات برمجية تلتقط قدراً أكبر من النشاط اليومي للمستخدم. وأصبحت المتصفحات ساحة مهمة لهذا التنافس؛ لأنها تحتل بالفعل موقعاً مركزياً في كيفية عمل كثير من الناس على الإنترنت. ومن خلال ربط رسالتها بالحوسبة الشخصية لا بالبحث فقط، تبدو «بيربليكسيتي»، وكأنها تقول إن المتصفح والمساعد الذكي يبدآن في الاندماج.

الانتقال إلى طبقة أكثر التصاقاً بالمستخدم يفرض تحديات تتعلق بالسياق والخصوصية والموثوقية «بيربليكسيتي»

الخصوصية والموثوقية أولاً

لا يعني هذا الانتقال أن الطريق سهل؛ فوجود طبقة ذكاء اصطناعي أكثر التصاقاً بالمستخدم يتطلب الوصول إلى السياق، والاستمرارية عبر المهام، وقدراً كافياً من الثقة حتى يسمح الأفراد للبرمجيات بالاقتراب أكثر من عادات عملهم. وهذه متطلبات أكثر تعقيداً بكثير من مجرد الإجابة عن سؤال أو تلخيص صفحة. كما أنها ترفع سقف التحديات المرتبطة بتصميم المنتج، وتوقعات الخصوصية، والموثوقية. وتوحي الرسائل الأخيرة للشركة بأنها ترى أن هذا التحدي يستحق المخاطرة؛ لأن الميزة التنافسية المقبلة في الذكاء الاصطناعي قد لا تأتي فقط من جودة الإجابة، بل من التغلغل في سير العمل اليومي للمستخدم.

«بيربليكسيتي» توسع موقعها

ما يبرز أكثر من غيره هو اللغة التي باتت «بيربليكسيتي» تستخدمها في تعريف نفسها؛ فالشركة تبدو وكأنها تحاول تثبيت موطئ قدم في فئة تتجاوز البحث، بل حتى تتجاوز الدردشة. إنها تصف مستقبلاً لا يُستشار فيه الذكاء الاصطناعي من حين إلى آخر فحسب، بل يصبح طبقة تشغيل يومية في الحوسبة الشخصية. وهذا إطار استراتيجي أوسع بكثير من ذاك الذي عُرفت به حين ظهرت بدايةً بوصفها شركة ناشئة في البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي.

وبالنسبة إلى «بيربليكسيتي»، فإن دلالة هذا التحول واضحة؛ فالشركة لا تسعى فقط إلى تحسين الطريقة التي يعثر بها المستخدمون على المعلومات، بل تريد أيضاً أن تؤثر في الطريقة التي يتحركون بها داخل العمل الرقمي كله. وما إذا كانت قادرة على تنفيذ هذا الوعد يبقى سؤالاً مفتوحاً، لكن الاتجاه بات واضحاً: «بيربليكسيتي» تريد أن يكون لها دور ليس فقط فيما يسأله الناس للذكاء الاصطناعي، بل أيضاً في كيفية استخدامهم الحاسوب من الأساس.


دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
TT

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

طوّر باحثون من مختبر «كرييت» (CREATE) في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان (EPFL) في سويسرا إطاراً جديداً يهدف إلى معالجة واحدة من أكثر المشكلات إرباكاً في الروبوتات الصناعية تتعلق بكيفية تعليم مهارة واحدة لروبوتات مختلفة البنية من دون إعادة البرمجة من الصفر في كل مرة.

الدراسة المنشورة في دورية «Science Robotics» تقدم ما يسميه الباحثون «الذكاء الحركي»، وهو نهج يحوّل المهمة التي يعرضها الإنسان إلى استراتيجية حركة عامة، ثم يكيّفها تلقائياً مع التصميم الميكانيكي لكل روبوت على حدة.

تكمن المشكلة في أن الروبوتات، حتى عندما تُستخدم في أعمال متشابهة، لا تتحرك بالطريقة نفسها. اختلاف ترتيب المفاصل وحدود الحركة ومتطلبات الاتزان يجعل المهارة التي يتعلمها روبوت ما غير قابلة للنقل مباشرة إلى روبوت آخر. ولهذا؛ فإن تحديث أسطول الروبوتات في المصانع غالباً لا يعني استبدال العتاد فقط، بل يشمل أيضاً إعادة تعريف المهام، وضبط حدود الأمان، وإعادة التحقق من السلوك الحركي لكل منصة جديدة. الدراسة الجديدة تحاول فصل «فكرة المهارة» عن خصائص الروبوت الفردي، بحيث يصبح بالإمكان نقلها بين منصات مختلفة بتكلفة أقل وزمن أقصر.

الباحثون حوّلوا المهام التي يعرضها الإنسان استراتيجيات حركة عامة يمكن تكييفها مع كل روبوت على حدة (EPFL)

نقل المهارة بأمان

ولبناء هذا الإطار؛ بدأ الباحثون من مهام تلاعب بالأجسام عرضها إنسان، مثل الوضع والدفع والرمي. استخدم الفريق تقنيات التقاط الحركة لتسجيل هذه المهام، ثم حوّلها رياضياً استراتيجيات حركة عامة لا ترتبط بروبوت واحد بعينه. بعد ذلك، وضعوا تصنيفاً منظماً للقيود الفيزيائية الخاصة بكل تصميم روبوتي، مثل مدى حركة المفاصل والمواضع التي يجب تجنبها للحفاظ على الاستقرار. وبهذا، لم يعد الروبوت ينسخ حركة بشرية أو حركة روبوت آخر كما هي، بل «يفسر» المهارة ضمن حدوده الميكانيكية الخاصة.

في التجربة الأساسية، عرض إنسان مهمة مركبة على خط تجميع كدفع كتلة خشبية من سير ناقل إلى منصة عمل، ثم وضعها على طاولة، ثم رميها في سلة. ووفق التقرير، تمكنت ثلاثة روبوتات تجارية مختلفة تماماً من إعادة تنفيذ التسلسل نفسه بأمان وموثوقية باستخدام إطار الذكاء الحركي. والأهم أن النظام ظل يعمل حتى عند تغيير توزيع الخطوات بين الروبوتات؛ ما يشير إلى أن الإطار لا يحفظ مساراً واحداً فحسب، بل ينقل منطق المهمة نفسه إلى أجسام مختلفة.

أهمية النظام لا تقتصر على إنجاز المهمة بل تشمل الحفاظ على السلوك الآمن والمتوقع داخل حدود كل روبوت (أ.ف.ب)

أتمتة أسرع وأبسط

يقول الباحثون إن القيمة الرئيسية هنا لا تتعلق فقط بإتمام المهمة، بل بضمان أن كل روبوت ينفذها ضمن حدوده الآمنة. رئيسة المختبر أود بيلار وصفت ذلك بأنه معالجة لتحدٍ قديم في الروبوتات متعلق بنقل المهارة المتعلمة بين روبوتات ذات هياكل ميكانيكية مختلفة مع الحفاظ على سلوك آمن ومتوقع. أما أحد الباحثين المشاركين، فأوضح أن كل روبوت «يفسر المهارة نفسها بطريقته، ولكن دائماً ضمن حدود آمنة وقابلة للتنفيذ». هذه النقطة أساسية لأن كثيراً من أنظمة التعلم الروبوتي تُظهر أداءً جيداً في المختبر، لكنها تصبح أقل موثوقية عندما تنتقل إلى منصات أخرى أو إلى بيئات تشغيلية فعلية.

أهمية هذا النهج تظهر بوضوح في التصنيع، حيث يمكن أن يؤدي تبديل الروبوتات أو تحديثها إلى تعطيل طويل ومكلف. فإذا أمكن نقل المهارات بين الروبوتات المختلفة من خلال تمثيل عام للمهمة بدلاً من إعادة البرمجة التفصيلية، فقد يصبح نشر الروبوتات الجديدة أسرع وأكثر استدامة. التقرير يشير أيضاً إلى أن هذا يمكن أن يقلل حجم الخبرة الفنية المطلوبة لتشغيل الأنظمة في البيئات الواقعية، وهي نقطة قد تكون مهمة للشركات التي تريد توسيع الأتمتة من دون الاعتماد الكامل على فرق برمجة متخصصة لكل منصة.

لا يقف طموح الباحثين عند خطوط الإنتاج. فهم يرون أن الإطار قد يمتد إلى التعاون بين الإنسان والروبوت، أو إلى التفاعل المعتمد على اللغة الطبيعية، حيث يمكن للمستخدم أن يوجه الروبوت بأوامر بسيطة من دون الخوض في برمجة تقنية معقدة. كما يبدو النهج مناسباً للمنصات الروبوتية الناشئة، حيث تتطور العتاد بسرعة وقد تُستبدل النماذج الحالية بأخرى أحدث خلال فترة قصيرة. في هذه البيئات، لا تكون المشكلة في تعليم الروبوت مهمة واحدة فحسب، بل في الحفاظ على تلك المهارة قابلة للنقل مع كل جيل جديد من الآلات.


فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
TT

فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)

في مشهدٍ بدا أقرب إلى لقطاتٍ من فيلمٍ خيالي، تحوّل روبوتٌ بشري إلى حديث الشارع في وارسو، بعدما ظهر في مقطعٍ مصوّر وهو يطارد خنازير برية بين أحيائها، في ظاهرةٍ جمعت بين الدهشة والطرافة، وأثارت نقاشاً واسعاً حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة.

الروبوت، الذي يحمل اسم «إدوارد وارتشوكي» ويُعرف اختصاراً بـ«إيدِك»، ليس مجرد تجربة تقنية عابرة، بل مشروعٌ طموحٌ وُلد من تعاونٍ بين تقنياتٍ صينية وبرمجياتٍ طُوّرت محلياً. وقد اشتراه رائدا أعمالٍ بولنديان مقابل نحو 25 ألف دولار، قبل أن يعملا على تطوير نظامه ليصبح وفق توصيفهما أول «مؤثر روبوتي» في بولندا. وفقاً لصحيفة «فاينانشال تايمز».

وخلال أسابيع قليلة، خرج «إيدِك» من إطار التجربة المحدودة إلى فضاء الشهرة الواسعة، إذ حقّقت مقاطعه على وسائل التواصل أكثر من 1.5 مليار مشاهدة خلال 45 يوماً، ما جعله ظاهرةً رقميةً لافتةً، تتجاوز حدود الترفيه إلى التأثير الاجتماعي.

لا يقتصر حضور الروبوت على الشاشات؛ فقد بات جزءاً من الحياة اليومية في المدينة، يتنقّل بين الحافلات والمتاجر، ويشارك في فعالياتٍ عامة، بل ويتحوّل أحياناً إلى أداةٍ تسويقية تستعين بها شركاتٌ محلية في حملاتها. ويضيف إلى صورته اللافتة ارتداؤه ساعة «رولكس» مرصّعة بالألماس، في إطار اتفاقية رعاية، ما يعكس تداخلاً غير مألوف بين التكنولوجيا وعالم العلامات الفاخرة.

وبحسب مطوّريه، فإن «إيدِك» يتميّز بقدرةٍ متقدمة على التفاعل الإنساني، إذ جرى تزويده بنموذجٍ لغويٍّ متطور يمكّنه من التحدّث والاستماع بشكلٍ مستقل، فضلاً عن نظام تحديد مواقع (GPS) وقاعدة بيانات تُنشئ ما يشبه «ذاكرةً» رقمية، تمنحه إدراكاً للزمان والمكان.

ويقول أحد القائمين على المشروع إن سلوك الروبوت لم يعد قابلاً للتوقّع دائماً، مضيفاً: «لا نعرف بدقةٍ ما الذي سيقوله، وهذا ما يفاجئنا. كما أنه يتفاعل مع مشاعر من يحدّثهم؛ فإذا واجه شخصاً غاضباً أو محبطاً، يتأثر بذلك ويستجيب بطريقةٍ أقرب إلى التعاطف».

الحضور اللافت للروبوت امتدّ أيضاً إلى المجال العام، حيث التقى بمسؤولين حكوميين، وعقد مؤتمراً صحافياً داخل البرلمان، بل وشارك في نقاشاتٍ مع نواب حول قضايا اجتماعية، في مشهدٍ يعكس تحوّلاً غير مسبوقٍ في دور التكنولوجيا داخل الحياة السياسية.

وفي إحدى المباريات الجماهيرية التي حضرها نحو 20 ألف مشجّع، سرق «إيدِك» الأضواء عند ظهوره على الشاشة الكبيرة، إذ توقّف كثيرون عن متابعة اللقاء، وارتفعت هتافات الأطفال باسمه، في لحظةٍ بدت أقرب إلى احتفاءٍ بنجمٍ رياضي.

ورغم الطابع الترفيهي الذي يحيط بالمشروع، يؤكد مطوّروه أن الهدف يتجاوز ذلك، ليشمل تعريف المجتمع بعالم الروبوتات، والدفع نحو تشريعاتٍ تستقطب الاستثمارات في هذا القطاع سريع النمو، خصوصاً في ظل المنافسة العالمية المتصاعدة، حيث تتقدّم الشركات الصينية، إلى جانب شركاتٍ أميركية مثل «تسلا».

في المحصلة، لا يبدو «إيدِك» مجرد روبوتٍ يرتدي ساعةً فاخرة أو يطارد خنازير برية، بل تجربة إنسانية مفتوحة على أسئلة المستقبل: كيف سيتعايش البشر مع هذه الكيانات الذكية؟ وهل تصبح جزءاً مألوفاً من تفاصيل الحياة اليومية خلال سنواتٍ قليلة؟ الإجابة، كما يبدو، بدأت تتشكّل... خطوةً بعد أخرى.