«تشات جي بي تي» الجديد... يرى ويتحادث

اختبارات نظام الذكاء الاصطناعي التوليدي تؤكد تفوقه وتمايزه

«تشات جي بي تي» الجديد... يرى ويتحادث
TT

«تشات جي بي تي» الجديد... يرى ويتحادث

«تشات جي بي تي» الجديد... يرى ويتحادث

«تشات جي بي تي» ChatGPT نظام الذكاء الاصطناعي التوليدي المثير، قاتل العمل المكتبي الممل، العدو اللدود لمعلمي المدارس الثانوية ولكتاب السيناريو في هوليوود على حد سواء، يحصل على بعض الصلاحيات الجديدة.

الرؤية والاستماع والتحدث

أعلنت شركة «أوبن إيه إي» OpenAI، الشركة المصنّعة للنظام، أنها ستمنح برنامج الدردشة الشهير القدرة على «الرؤية والاستماع والتحدث» من خلال ميزتين جديدتين: الأولى، تحديث يسمح لـChatGPT بتحليل الصور والرد عليها؛ إذ يمكنك تحميل صورة لدراجة، على سبيل المثال، والحصول على تعليمات حول كيفية خفض المقعد، أو الحصول على اقتراحات لوصفات الأطعمة بناءً على صورة لمحتويات ثلاجتك. والأخرى، هي ميزة تتيح للمستخدمين التحدث إلى «تشات جي بي تي» والحصول على ردود يتم تسليمها بصوت الذكاء الاصطناعي، بالطريقة التي قد تتحدث بها مع «سيري» Siri أو «أليكسا» Alexa.

تعدّ هذه الميزات جزءاً من التوجه على مستوى الصناعة نحو ما يسمى «أنظمة الذكاء الاصطناعي متعددة الوسائط» التي يمكنها التعامل مع النصوص والصور ومقاطع الفيديو، وأي شيء آخر قد يقرر المستخدم طرحه عليها.

الهدف النهائي، وفقاً لبعض الباحثين، هو تصميم نظام ذكاء اصطناعي قادر على معالجة المعلومات بجميع الطرق التي يستطيع الإنسان القيام بها.

لا يستطيع معظم المستخدمين الوصول إلى الميزات الجديدة حتى الآن، لكن الشركة ستقدمها أولاً لعملاء ChatGPT Plus وEnterprise خلال الأسابيع القليلة المقبلة، وستجعلها متاحة على نطاق أوسع بعد ذلك. وستعمل ميزة الرؤية على كل من سطح المكتب والهاتف الجوال، في حين أن ميزة الكلام ستكون متاحة فقط من خلال تطبيقات ChatGPT على نظم تشغيل «آي أو إس» و«أندرويد».

«تشات جي بي تي» الجديد ينتقل إلى مرحلة «أنظمة الذكاء الاصطناعي متعددة الوسائط»

اختبارات عملية على المزايا الجديدة

حصلت على وصول مبكر إلى ChatGPT الجديد لإجراء اختبار عملي. هذا ما وجدته عندما بدأت بتجربة ميزة التعرف على الصور في النظام الذكي على بعض الأغراض المنزلية؟

* «ما هذا الشيء الذي وجدته في درج النفايات الخاص بي»؟ سألت بعد أن حمّلت صورة لقطعة غامضة من السيليكون الأزرق بها خمسة ثقوب.

- أجاب ChatGPT: يبدو أن الجسم عبارة عن حامل أو قبضة من السيليكون، وغالباً ما يستخدم لربط عناصر متعددة معاً»».

وكان الجواب قريباً للحقيقة بما فيه الكفاية، إنه مقوٍ للأصابع استخدمته منذ سنوات أثناء تعافيي من إصابة في اليد.

* بعد ذلك، غذّيت النظام ببعض الصور للعناصر التي كنت أنوي بيعها على «سوق فيسبوك» Facebook Marketplace، وطلبت منه كتابة تفصيلات لكل منها.

- نجح النظام بشكل فائق في تفسير وشرح كل الأشياء، واصفاً ثلاجة صغيرة من طراز قديم بأنها «مثالية لأولئك الذين يقدرون لمسة من الماضي في منازلهم الحديثة».

* يمكن لـChatGPT الجديد أيضاً تحليل النص داخل الصور. التقطت صورة للصفحة الأولى من النسخة المطبوعة لصحيفة «نيويورك تايمز» يوم الأحد وطلبت من الروبوت تلخيصها.

- لقد كان أداء النظام جيداً، حيث وصف جميع المقالات الخمس الموجودة على الصفحة الأولى في بضع جمل لكل منها، على الرغم من أنه ارتكب خطأً واحداً على الأقل، حيث اخترع إحصائية حول الوفيات المرتبطة بالفنتانيل لم تكن موجودة في المقالة الأصلية.

* عيون ChatGPT ليست مثالية. لقد فشل عندما طلبت منه حل لغز الكلمات المتقاطعة. لقد ظنت خطأ أن لعبة الديناصورات المحشوة لطفلي، هي حوت. وعندما طلبت المساعدة في تحويل واحدة من تلك الرسوم البيانية لتجميع الأثاث التي لا تحتوي على كلمات إلى قائمة تعليمات خطوة بخطوة، أعطاني قائمة مختلطة من الأجزاء، معظمها كان خاطئاً.

صوت اصطناعي سلس وطبيعي

الآن، دعنا نتحدث عما أراه الأكثر إثارة للإعجاب بين الميزتين: الميزة الصوتية الجديدة لـ«جي بي تي»، التي تتيح للمستخدمين التحدث إلى التطبيق وتلقي الردود المنطوقة.

يعدّ استخدام الميزة أمراً سهلاً: فقط اضغط على أيقونة سماعة الرأس وابدأ في التحدث. وعندما تتوقف، يقوم النظام بتحويل كلماتك إلى نص باستخدام نظام «ويسبر» Whisper للتعرف على الكلام المطور من قِبل الشركة، الذي يولد استجابة ويعيد إليك الإجابة باستخدام خوارزمية جديدة لتحويل النص إلى كلام، وذلك باستخدام واحد من خمسة أصوات ذكاء اصطناعي.

تم إنشاء الأصوات، التي تشمل أصوات الذكور والإناث، باستخدام مقتطفات قصيرة أخذت من ممثلين صوتيين محترفين قامت الشركة بتعيينهم. واخترت «إمبر» «Ember»، وهو صوت ذكوري مفعم بالحيوية.

تفوق على أدوات المساعدة الصوتية

اختبرت الميزة الصوتية في «جي بي تي» لساعات عدة في مجموعة من المهام المختلفة، قراءة قصة قبل النوم لطفلي الصغير، والدردشة معي حول التوتر المرتبط بالعمل، ومساعدتي في تحليل حلم رأيته مؤخراً. لقد فعلت كل هذه الأمور بشكل جيد إلى حد ما، خاصة عندما أعطيته بعض المطالبات الذهبية وطلبت منها محاكاة صديق أو معالج أو معلم.

ما برز في هذه الاختبارات هو مدى اختلاف التحدث إلى ChatGPT عن التحدث إلى الأجيال الأقدم من أجهزة المساعدة الصوتية التي تعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي، مثل «سيري» و«أليكسا».

تلك الأدوات المساعدة، يمكن حتى في أفضل حالاتها، أن تكون خشبية ومسطحة. إنها تجيب عن سؤال واحد في كل مرة، غالباً من خلال البحث عن شيء ما على الإنترنت وقراءته بصوت عالٍ كلمة بكلمة، أو الاختيار من بين عدد محدود من الإجابات المبرمجة.

على النقيض من ذلك، يبدو الصوت الاصطناعي لـ«جي بي تي» سلساً وطبيعياً، مع اختلافات طفيفة في النغمة والإيقاع؛ مما يجعله يبدو أقل آلياً. لقد كان قادراً على إجراء محادثات طويلة ومفتوحة حول أي موضوع تقريباً قمت بتجربته، بما في ذلك المطالبات التي كنت متأكداً من أنه لم يواجهها من قبل.

ربما لن يستخدم معظم الأشخاص روبوتات الدردشة المدعمة بالذكاء الاصطناعي بهذه الطريقة. بالنسبة للكثير من المهام، لا تزال الكتابة أسرع من التحدث، وكان انتظاري للنظام لقراءة ردوده الطويلة أمراً مزعجاً.

كما لم يكن من المفيد؛ كون التطبيق بطيئاً ومعيباً في بعض الأحيان نتيجة لبعض المشكلات الفنية في الإصدار التجريبي من التطبيق الذي اختبرته.

دفء المحادثة مع صوت أكثر إنسانية

إن وجود الذكاء الاصطناعي يتحدث إليك بصوت يشبه الإنسان هو تجربة أكثر حميمية من قراءة ردوده على الشاشة. وبعد بضع ساعات من التحدث مع ChatGPT بهذه الطريقة، شعرت بدفء جديد يتسلل إلى محادثاتنا. ومن دون الارتباط بواجهة نصية، شعرت بضغط أقل للتوصل إلى المطالبة المثالية. لقد تحدثنا بشكل عرضي أكثر، وكشفت المزيد عن حياتي.

قال بيتر دينغ، نائب رئيس المنتجات الاستهلاكية والمؤسساتية في OpenAI، والذي تحدث معي عن الميزة الصوتية الجديدة: «يبدو الأمر وكأنه منتج مختلف تقريباً». وقال: «لأنك لم تعد تنسخ ما لديك في رأسك إلى أصابعك ينتهي بك الأمر إلى طرح أشياء مختلفة».

هل سيقع المستخدمون الوحيدون المتيمون في حب «جي بي تي»، بعد أن أصبح بإمكانه الاستماع إليهم والرد عليهم؟ ذلك ممكن. أنا شخصياً لم أنسَ أبداً أنني كنت أتحدث إلى برنامج الدردشة الآلي. ومن المؤكد أنني لم أقع في خطأ عدّ ChatGPT كائناً واعياً، ولم أطوّر ارتباطات عاطفية به.

لكنني رأيت أيضاً لمحة عن المستقبل الذي قد يسمح فيه بعض الأشخاص لأجهزة الذكاء الاصطناعي المساعدة المعتمدة على الصوت بالدخول إلى الحرم الداخلي لحياتهم، حيث يأخذون معهم روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي أثناء التنقل، ويعاملونهم كأصدقاء مقربين لهم على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، ومعالجين، ومبارزين.

إن ذلك يبدو جنوناً، أليس كذلك؟ ومع ذلك، ألم يكن كل هذا يبدو جنونياً بعض الشيء قبل عام؟

«تشات جي بي تي» يرفض التعليق حول الصور البشرية

إن أكبر القيود على ميزة الرؤية في ChatGPT هي أنه يرفض الإجابة عن معظم الأسئلة المتعلقة بصور الوجوه البشرية. وهذا حسب التصميم. وقد أخبرتني شركة «أوين إيه إي» أنها لا تريد تمكينه من التعرف على الوجه أو أي استخدامات مخيفة أخرى، وأنها لا تريد أن يصدر التطبيق إجابات متحيزة أو مسيئة للأسئلة المتعلقة بالمظهر الجسدي للأشخاص. ولكن حتى من دون الوجوه، من السهل أن نتخيل الكثير من الطرق التي يمكن أن يكون بها روبوت المحادثة القائم على الذكاء الاصطناعي القادر على معالجة المعلومات المرئية مفيداً، خاصة مع تحسن التكنولوجيا.

يمكن أن يستخدمه البستاني، والباحث عن الطعام للتعرف على النباتات في البرية. كما يمكن لعشاق التمارين الرياضية استخدامه لتوليد خطط تمرين مخصصة، فقط عن طريق التقاط صورة للمعدات الموجودة في صالة الألعاب الرياضية الخاصة بهم. ويمكن للطلاب استخدامه لحل مسائل الرياضيات والعلوم المرئية، ويمكن للأشخاص ضعاف البصر استخدامه للتنقل حول العالم بسهولة أكبر.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

تكنولوجيا يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

«بيربليكسيتي» توسع طموحها من البحث إلى الحوسبة الشخصية، ساعية إلى دور أكبر للذكاء الاصطناعي في الاستخدام اليومي للحاسوب.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تقرير «سيسكو» يظهر أن الشبكات اللاسلكية في السعودية لم تعد مجرد بنية اتصال بل أصبحت عنصراً مؤثراً في نمو الأعمال 2030 (شاترستوك)

خاص «سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يعزز قيمة الشبكات اللاسلكية في السعودية رغم التعقيد

التقرير يرصد تحول الشبكات اللاسلكية في السعودية إلى أداة للنمو وسط تصاعد التعقيد والمخاطر الأمنية وفجوة المهارات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الميزة لا تعني إزالة «شورتس» نهائياً من المنصة بل تقليص ظهوره والتحكم في استهلاكه (أدوبي)

هل تسعى «يوتيوب» إلى تقليص حضور «شورتس»؟

«يوتيوب» يضيف خيار «صفر دقيقة» لتقليص تصفح «شورتس» في خطوة تمنح المستخدم تحكماً أكبر دون إزالة الخدمة نهائياً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الدراسة ترى أن تقدم الذكاء الاصطناعي في العمل يحدث تدريجياً عبر نطاق واسع من المهام لا عبر صدمات مفاجئة (رويترز)

دراسة من «MIT»: الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل المهام لا الوظائف فقط

تظهر دراسة «MIT» أن الذكاء الاصطناعي يتقدم تدريجياً في إنجاز المهام مع تفاوت قطاعي وفجوة مستمرة في الاعتمادية.

نسيم رمضان (لندن)
علوم نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

جهود حثيثة من أميركا اللاتينية إلى آسيا

كريس ستوكل - والكر (واشنطن)

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
TT

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

توسّع «بيربليكسيتي» طموحاتها إلى ما هو أبعد من البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي؛ إذ ترى أن المرحلة المقبلة من الحوسبة الشخصية ستقوم على مساعد أكثر وعياً بسياق المستخدم، وقادر على الاقتراب من نشاطه الرقمي اليومي.

وفي منشور جديد عبر موقعها الإلكتروني بعنوان «The Personal Computer Is Here»، تعرض الشركة هذه الرؤية باعتبارها جزءاً من توجه أوسع لجعل الذكاء الاصطناعي طبقة أكثر حضوراً في التصفح والبحث وتنفيذ المهام، بدلاً من بقائه أداة تُستخدم للإجابة عن الأسئلة المنفصلة فقط. ويتقاطع هذا الطرح مع الاهتمام المتزايد باستراتيجية «بيربليكسيتي» في مجال المتصفح، ومع مساعيها للانتقال من منتج بحث إلى واجهة أوسع للذكاء الاصطناعي الشخصي.

ولا تتمثل أهمية التطور هنا في أن الشركة نشرت بياناً جديداً عن منتجها فحسب، بل في أنها باتت تعرض تقنيتها بوصفها جزءاً من تحول أكبر في طريقة تفاعل المستخدمين مع الحواسيب. فبدلاً من تقديم الذكاء الاصطناعي كإضافة إلى سير العمل القائم، تضعه «بيربليكسيتي» في موقع الطبقة التي يمكن أن يمر عبرها هذا السير نفسه. وهذا يضع الشركة في منافسة أكثر مباشرة ليس فقط مع منافسي البحث بالذكاء الاصطناعي، بل أيضاً مع مطوري المتصفحات والشركات التي تحاول رسم واجهة الاستخدام المقبلة في عصر الذكاء الاصطناعي.

التحول الجديد يشير إلى أن «بيربليكسيتي» تريد أن تؤثر في طريقة استخدام الحاسوب لا في البحث فقط «بيربليكسيتي»

«توسيع دور بيربليكسيتي»

يكتسب هذا التحول أهمية خاصة؛ لأن «بيربليكسيتي» بنت حضورها الأول بوصفها منصة تعتمد على الإجابات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والبحث على الويب. أما الآن، فتشير اللغة الجديدة التي تستخدمها الشركة إلى أنها تريد أن تُعرَف بدرجة أقل كوجهة لطرح الأسئلة، وبدرجة أكبر كنظام يفهم سياق المستخدم ويساعده في إدارة أنشطته الرقمية الأوسع. وعملياً، يعني ذلك الاقتراب أكثر من طريقة تصفح الأفراد، ومقارنتهم للمعلومات، واتخاذهم القرارات، وتنفيذهم المهام. وهو ادعاء أكبر بكثير من مجرد تقديم نتائج بحث أفضل.

كما يساعد السياق الصناعي الأوسع في تفسير هذا التوجه؛ فشركات الذكاء الاصطناعي تحاول بشكل متزايد تجاوز واجهات الدردشة المستقلة إلى بيئات برمجية تلتقط قدراً أكبر من النشاط اليومي للمستخدم. وأصبحت المتصفحات ساحة مهمة لهذا التنافس؛ لأنها تحتل بالفعل موقعاً مركزياً في كيفية عمل كثير من الناس على الإنترنت. ومن خلال ربط رسالتها بالحوسبة الشخصية لا بالبحث فقط، تبدو «بيربليكسيتي»، وكأنها تقول إن المتصفح والمساعد الذكي يبدآن في الاندماج.

الانتقال إلى طبقة أكثر التصاقاً بالمستخدم يفرض تحديات تتعلق بالسياق والخصوصية والموثوقية «بيربليكسيتي»

الخصوصية والموثوقية أولاً

لا يعني هذا الانتقال أن الطريق سهل؛ فوجود طبقة ذكاء اصطناعي أكثر التصاقاً بالمستخدم يتطلب الوصول إلى السياق، والاستمرارية عبر المهام، وقدراً كافياً من الثقة حتى يسمح الأفراد للبرمجيات بالاقتراب أكثر من عادات عملهم. وهذه متطلبات أكثر تعقيداً بكثير من مجرد الإجابة عن سؤال أو تلخيص صفحة. كما أنها ترفع سقف التحديات المرتبطة بتصميم المنتج، وتوقعات الخصوصية، والموثوقية. وتوحي الرسائل الأخيرة للشركة بأنها ترى أن هذا التحدي يستحق المخاطرة؛ لأن الميزة التنافسية المقبلة في الذكاء الاصطناعي قد لا تأتي فقط من جودة الإجابة، بل من التغلغل في سير العمل اليومي للمستخدم.

«بيربليكسيتي» توسع موقعها

ما يبرز أكثر من غيره هو اللغة التي باتت «بيربليكسيتي» تستخدمها في تعريف نفسها؛ فالشركة تبدو وكأنها تحاول تثبيت موطئ قدم في فئة تتجاوز البحث، بل حتى تتجاوز الدردشة. إنها تصف مستقبلاً لا يُستشار فيه الذكاء الاصطناعي من حين إلى آخر فحسب، بل يصبح طبقة تشغيل يومية في الحوسبة الشخصية. وهذا إطار استراتيجي أوسع بكثير من ذاك الذي عُرفت به حين ظهرت بدايةً بوصفها شركة ناشئة في البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي.

وبالنسبة إلى «بيربليكسيتي»، فإن دلالة هذا التحول واضحة؛ فالشركة لا تسعى فقط إلى تحسين الطريقة التي يعثر بها المستخدمون على المعلومات، بل تريد أيضاً أن تؤثر في الطريقة التي يتحركون بها داخل العمل الرقمي كله. وما إذا كانت قادرة على تنفيذ هذا الوعد يبقى سؤالاً مفتوحاً، لكن الاتجاه بات واضحاً: «بيربليكسيتي» تريد أن يكون لها دور ليس فقط فيما يسأله الناس للذكاء الاصطناعي، بل أيضاً في كيفية استخدامهم الحاسوب من الأساس.


دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
TT

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

طوّر باحثون من مختبر «كرييت» (CREATE) في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان (EPFL) في سويسرا إطاراً جديداً يهدف إلى معالجة واحدة من أكثر المشكلات إرباكاً في الروبوتات الصناعية تتعلق بكيفية تعليم مهارة واحدة لروبوتات مختلفة البنية من دون إعادة البرمجة من الصفر في كل مرة.

الدراسة المنشورة في دورية «Science Robotics» تقدم ما يسميه الباحثون «الذكاء الحركي»، وهو نهج يحوّل المهمة التي يعرضها الإنسان إلى استراتيجية حركة عامة، ثم يكيّفها تلقائياً مع التصميم الميكانيكي لكل روبوت على حدة.

تكمن المشكلة في أن الروبوتات، حتى عندما تُستخدم في أعمال متشابهة، لا تتحرك بالطريقة نفسها. اختلاف ترتيب المفاصل وحدود الحركة ومتطلبات الاتزان يجعل المهارة التي يتعلمها روبوت ما غير قابلة للنقل مباشرة إلى روبوت آخر. ولهذا؛ فإن تحديث أسطول الروبوتات في المصانع غالباً لا يعني استبدال العتاد فقط، بل يشمل أيضاً إعادة تعريف المهام، وضبط حدود الأمان، وإعادة التحقق من السلوك الحركي لكل منصة جديدة. الدراسة الجديدة تحاول فصل «فكرة المهارة» عن خصائص الروبوت الفردي، بحيث يصبح بالإمكان نقلها بين منصات مختلفة بتكلفة أقل وزمن أقصر.

الباحثون حوّلوا المهام التي يعرضها الإنسان استراتيجيات حركة عامة يمكن تكييفها مع كل روبوت على حدة (EPFL)

نقل المهارة بأمان

ولبناء هذا الإطار؛ بدأ الباحثون من مهام تلاعب بالأجسام عرضها إنسان، مثل الوضع والدفع والرمي. استخدم الفريق تقنيات التقاط الحركة لتسجيل هذه المهام، ثم حوّلها رياضياً استراتيجيات حركة عامة لا ترتبط بروبوت واحد بعينه. بعد ذلك، وضعوا تصنيفاً منظماً للقيود الفيزيائية الخاصة بكل تصميم روبوتي، مثل مدى حركة المفاصل والمواضع التي يجب تجنبها للحفاظ على الاستقرار. وبهذا، لم يعد الروبوت ينسخ حركة بشرية أو حركة روبوت آخر كما هي، بل «يفسر» المهارة ضمن حدوده الميكانيكية الخاصة.

في التجربة الأساسية، عرض إنسان مهمة مركبة على خط تجميع كدفع كتلة خشبية من سير ناقل إلى منصة عمل، ثم وضعها على طاولة، ثم رميها في سلة. ووفق التقرير، تمكنت ثلاثة روبوتات تجارية مختلفة تماماً من إعادة تنفيذ التسلسل نفسه بأمان وموثوقية باستخدام إطار الذكاء الحركي. والأهم أن النظام ظل يعمل حتى عند تغيير توزيع الخطوات بين الروبوتات؛ ما يشير إلى أن الإطار لا يحفظ مساراً واحداً فحسب، بل ينقل منطق المهمة نفسه إلى أجسام مختلفة.

أهمية النظام لا تقتصر على إنجاز المهمة بل تشمل الحفاظ على السلوك الآمن والمتوقع داخل حدود كل روبوت (أ.ف.ب)

أتمتة أسرع وأبسط

يقول الباحثون إن القيمة الرئيسية هنا لا تتعلق فقط بإتمام المهمة، بل بضمان أن كل روبوت ينفذها ضمن حدوده الآمنة. رئيسة المختبر أود بيلار وصفت ذلك بأنه معالجة لتحدٍ قديم في الروبوتات متعلق بنقل المهارة المتعلمة بين روبوتات ذات هياكل ميكانيكية مختلفة مع الحفاظ على سلوك آمن ومتوقع. أما أحد الباحثين المشاركين، فأوضح أن كل روبوت «يفسر المهارة نفسها بطريقته، ولكن دائماً ضمن حدود آمنة وقابلة للتنفيذ». هذه النقطة أساسية لأن كثيراً من أنظمة التعلم الروبوتي تُظهر أداءً جيداً في المختبر، لكنها تصبح أقل موثوقية عندما تنتقل إلى منصات أخرى أو إلى بيئات تشغيلية فعلية.

أهمية هذا النهج تظهر بوضوح في التصنيع، حيث يمكن أن يؤدي تبديل الروبوتات أو تحديثها إلى تعطيل طويل ومكلف. فإذا أمكن نقل المهارات بين الروبوتات المختلفة من خلال تمثيل عام للمهمة بدلاً من إعادة البرمجة التفصيلية، فقد يصبح نشر الروبوتات الجديدة أسرع وأكثر استدامة. التقرير يشير أيضاً إلى أن هذا يمكن أن يقلل حجم الخبرة الفنية المطلوبة لتشغيل الأنظمة في البيئات الواقعية، وهي نقطة قد تكون مهمة للشركات التي تريد توسيع الأتمتة من دون الاعتماد الكامل على فرق برمجة متخصصة لكل منصة.

لا يقف طموح الباحثين عند خطوط الإنتاج. فهم يرون أن الإطار قد يمتد إلى التعاون بين الإنسان والروبوت، أو إلى التفاعل المعتمد على اللغة الطبيعية، حيث يمكن للمستخدم أن يوجه الروبوت بأوامر بسيطة من دون الخوض في برمجة تقنية معقدة. كما يبدو النهج مناسباً للمنصات الروبوتية الناشئة، حيث تتطور العتاد بسرعة وقد تُستبدل النماذج الحالية بأخرى أحدث خلال فترة قصيرة. في هذه البيئات، لا تكون المشكلة في تعليم الروبوت مهمة واحدة فحسب، بل في الحفاظ على تلك المهارة قابلة للنقل مع كل جيل جديد من الآلات.


فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
TT

فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)

في مشهدٍ بدا أقرب إلى لقطاتٍ من فيلمٍ خيالي، تحوّل روبوتٌ بشري إلى حديث الشارع في وارسو، بعدما ظهر في مقطعٍ مصوّر وهو يطارد خنازير برية بين أحيائها، في ظاهرةٍ جمعت بين الدهشة والطرافة، وأثارت نقاشاً واسعاً حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة.

الروبوت، الذي يحمل اسم «إدوارد وارتشوكي» ويُعرف اختصاراً بـ«إيدِك»، ليس مجرد تجربة تقنية عابرة، بل مشروعٌ طموحٌ وُلد من تعاونٍ بين تقنياتٍ صينية وبرمجياتٍ طُوّرت محلياً. وقد اشتراه رائدا أعمالٍ بولنديان مقابل نحو 25 ألف دولار، قبل أن يعملا على تطوير نظامه ليصبح وفق توصيفهما أول «مؤثر روبوتي» في بولندا. وفقاً لصحيفة «فاينانشال تايمز».

وخلال أسابيع قليلة، خرج «إيدِك» من إطار التجربة المحدودة إلى فضاء الشهرة الواسعة، إذ حقّقت مقاطعه على وسائل التواصل أكثر من 1.5 مليار مشاهدة خلال 45 يوماً، ما جعله ظاهرةً رقميةً لافتةً، تتجاوز حدود الترفيه إلى التأثير الاجتماعي.

لا يقتصر حضور الروبوت على الشاشات؛ فقد بات جزءاً من الحياة اليومية في المدينة، يتنقّل بين الحافلات والمتاجر، ويشارك في فعالياتٍ عامة، بل ويتحوّل أحياناً إلى أداةٍ تسويقية تستعين بها شركاتٌ محلية في حملاتها. ويضيف إلى صورته اللافتة ارتداؤه ساعة «رولكس» مرصّعة بالألماس، في إطار اتفاقية رعاية، ما يعكس تداخلاً غير مألوف بين التكنولوجيا وعالم العلامات الفاخرة.

وبحسب مطوّريه، فإن «إيدِك» يتميّز بقدرةٍ متقدمة على التفاعل الإنساني، إذ جرى تزويده بنموذجٍ لغويٍّ متطور يمكّنه من التحدّث والاستماع بشكلٍ مستقل، فضلاً عن نظام تحديد مواقع (GPS) وقاعدة بيانات تُنشئ ما يشبه «ذاكرةً» رقمية، تمنحه إدراكاً للزمان والمكان.

ويقول أحد القائمين على المشروع إن سلوك الروبوت لم يعد قابلاً للتوقّع دائماً، مضيفاً: «لا نعرف بدقةٍ ما الذي سيقوله، وهذا ما يفاجئنا. كما أنه يتفاعل مع مشاعر من يحدّثهم؛ فإذا واجه شخصاً غاضباً أو محبطاً، يتأثر بذلك ويستجيب بطريقةٍ أقرب إلى التعاطف».

الحضور اللافت للروبوت امتدّ أيضاً إلى المجال العام، حيث التقى بمسؤولين حكوميين، وعقد مؤتمراً صحافياً داخل البرلمان، بل وشارك في نقاشاتٍ مع نواب حول قضايا اجتماعية، في مشهدٍ يعكس تحوّلاً غير مسبوقٍ في دور التكنولوجيا داخل الحياة السياسية.

وفي إحدى المباريات الجماهيرية التي حضرها نحو 20 ألف مشجّع، سرق «إيدِك» الأضواء عند ظهوره على الشاشة الكبيرة، إذ توقّف كثيرون عن متابعة اللقاء، وارتفعت هتافات الأطفال باسمه، في لحظةٍ بدت أقرب إلى احتفاءٍ بنجمٍ رياضي.

ورغم الطابع الترفيهي الذي يحيط بالمشروع، يؤكد مطوّروه أن الهدف يتجاوز ذلك، ليشمل تعريف المجتمع بعالم الروبوتات، والدفع نحو تشريعاتٍ تستقطب الاستثمارات في هذا القطاع سريع النمو، خصوصاً في ظل المنافسة العالمية المتصاعدة، حيث تتقدّم الشركات الصينية، إلى جانب شركاتٍ أميركية مثل «تسلا».

في المحصلة، لا يبدو «إيدِك» مجرد روبوتٍ يرتدي ساعةً فاخرة أو يطارد خنازير برية، بل تجربة إنسانية مفتوحة على أسئلة المستقبل: كيف سيتعايش البشر مع هذه الكيانات الذكية؟ وهل تصبح جزءاً مألوفاً من تفاصيل الحياة اليومية خلال سنواتٍ قليلة؟ الإجابة، كما يبدو، بدأت تتشكّل... خطوةً بعد أخرى.