قافلة مساعدات دولية أولى تدخل كاراباخ

باكو تعرض أسلحة صادرتها من الانفصاليين

صورة تظهر المدفعية التي تم الاستيلاء عليها من قوات ناغورنو كاراباخ معروضة للصحافة في موقع تسيطر عليه القوات الأذربيجانية في شوشا (أ.ف.ب)
صورة تظهر المدفعية التي تم الاستيلاء عليها من قوات ناغورنو كاراباخ معروضة للصحافة في موقع تسيطر عليه القوات الأذربيجانية في شوشا (أ.ف.ب)
TT

قافلة مساعدات دولية أولى تدخل كاراباخ

صورة تظهر المدفعية التي تم الاستيلاء عليها من قوات ناغورنو كاراباخ معروضة للصحافة في موقع تسيطر عليه القوات الأذربيجانية في شوشا (أ.ف.ب)
صورة تظهر المدفعية التي تم الاستيلاء عليها من قوات ناغورنو كاراباخ معروضة للصحافة في موقع تسيطر عليه القوات الأذربيجانية في شوشا (أ.ف.ب)

دخلت أول قافلة مساعدات تابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر أمس (السبت)، ناغورنو كاراباخ، حيث عرض الجيش الأذربيجاني أمام صحافيين على مرتفعات «العاصمة» ستيباناكيرت، مئات الأسلحة التي صادرها من الانفصاليين منذ هجومه الخاطف مطلع الأسبوع، على هذه المنطقة الانفصالية ذات الغالبية الأرمينية.

وقالت مسؤولة في الصليب الأحمر الدولي التقتها وكالة الصحافة الفرنسية، عند نقطة التفتيش الأرمينية في كورنيدزور لدى عبور القافلة، إن «اللجنة الدولية للصليب الأحمر عبرت ممر لاتشين لتنقل خصوصاً 70 طناً من المساعدات الإنسانية للسكان».

وتتهم يريفان، باكو، منذ أواخر 2022 بإغلاق هذه الطريق الوحيدة الرابطة بين كاراباخ وأرمينيا، والتسبب بنقص كبير في المواد الأساسية.

وأعلنت أذربيجان أمس (السبت)، أنها تعمل مع روسيا على «نزع سلاح» قوات منطقة ناغورنو كاراباخ، وذلك خلال جولة للصحافيين شاركت فيها وكالة الصحافة الفرنسية.

نزع سلاح

في محيط مدينة شوشا التي تسيطر عليها أذربيجان في كاراباخ والواقعة قرب ستيباناكيرت «المحاصرة»، بحسب مسؤولين محليين، عُرضت أمام الصحافيين مئات الأسلحة الخفيفة التي صودرت من الانفصاليين ودبابات تحمل إشارة صليب أبيض.

وفي الساحة، حيث عُرضت الترسانة العسكرية، كُتب بأحرف سود كبيرة «كاراباخ أذربيجانية».

وقال المتحدث باسم جيش أذربيجان آنار إيفازوف، في مدينة شوشا: «بالتعاون الوثيق مع جنود حفظ السلام الروس، نعمل على نزع سلاح» القوات الانفصالية و«دعم المدنيين».

وفي شوشا، تم تركيز مدافع هاون على تلة وتوجيهها نحو ستيباناكيرت. ولم يجب إيفازوف عن سؤال عن عمود من الدخان منبعث من المدينة الواقعة في أسفل المرتفعات في وقت متأخر من أمس (السبت).

وأصيب جندي أذربيجاني في انتهاك لوقف إطلاق النار، وفق ما أعلنت أمس (السبت)، القوة الروسية لحفظ السلام المنتشرة في المنطقة، ما يشير إلى هشاشة الوضع.

وأكدت أذربيجان أن سكاناً يضرمون النار في منازلهم. وقالت وزارة الدفاع الأذربيجانية مساء أمس (السبت)، على منصة «إكس»، إن «السكان الأرمن يحرقون عدداً كبيراً من المنازل في أغدرة»، ناشرة صوراً جوية بدا أنها تظهر منازل محترقة.

واستسلم الانفصاليون في كاراباخ بعدما ألحقت بهم باكو هزيمة جراء هجوم خاطف استمر 24 ساعة، وانتهى الأربعاء، بالتوصل إلى وقف لإطلاق النار.

ويشعر السكان بالقلق على مستقبلهم في هذه المنطقة، حيث يواجه الآلاف حالة طوارئ إنسانية.

وأكد المتحدث باسم الجيش الأذربيجاني أن العمل جارٍ على إنشاء مخيمات لإيواء المدنيين.

ويشكّل جيب ناغورنو كاراباخ محور نزاع مديداً. وألحقت السلطات السوفياتية الإقليم ذا الغالبية الأرمينية بأذربيجان عام 1921. وخاضت الجمهوريتان السوفيتيان السابقتان، أذربيجان وأرمينيا، حربين بشأنه؛ إحداهما بين 1988 و1994، راح ضحيتها 30 ألف قتيل. وآنذاك سمحت الهزيمة التي منيت بها باكو ليريفان، بالسيطرة على المنطقة ومناطق أذربيجانية مجاورة.

صورة تظهر شاحنة عسكرية أذربيجانية في شوشا بمنطقة ناغورنو كاراباخ التي تسيطر عليها أذربيجان (أ.ف.ب)

في خريف 2020، اندلعت حرب جديدة أسفرت عن مقتل 6500 شخص خلال 6 أسابيع. لكن هذه المرة، انتهت الحرب بهزيمة أرمينيا التي أُجبرت على التنازل عن مناطق مهمّة لأذربيجان في كاراباخ ومحيطها.

وقال وزير الخارجية الأرميني أرارات ميرزويان، خلال كلمة في الأمم المتحدة أمس (السبت)، إن على «المجتمع الدولي بذل قصارى جهده لنشر بعثة مشتركة من وكالات الأمم المتحدة على الفور في ناغورنو كاراباخ»، مكرراً الاتهامات بارتكاب «تطهير عرقي» في المنطقة الانفصالية.

وقبل ساعات قليلة ومن على المنبر نفسه في الجمعية العامة، وعد نظيره الأذربيجاني بأن غالبية الأرمن في كاراباخ سيُعامَلون بصفتهم «مواطنين متساوين».

وأبلغ وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن أمس (السبت)، أرمينيا، بأن الولايات المتحدة تشعر بـ«قلق عميق» حيال السكان من العرقية الأرمينية في ناغورنو كاراباخ، مضيفاً أنها سعت لتأمين الحماية لهم.

وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية ماثيو ميلر، إن بلينكن «أكد أن الولايات المتحدة تدعو أذربيجان إلى حماية المدنيين والوفاء بالتزاماتها باحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية لسكان ناغورنو كاراباخ وضمان امتثال قواتها للقانون الإنساني الدولي».

من جهته، اتهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف السبت، قادة أرمينيا بمفاقمة التوتر في كاراباخ، لكنه أبدى أمله في أن تبقى البلاد في فلك موسكو رغم الاضطراب الذي تعيشه بعد استعادة أذربيجان السيطرة على الإقليم الانفصالي.

وفي كلمة ألقاها بالأمم المتحدة، عد لافروف أن القوى الغربية «تحرّك الخيوط» لتقويض النفوذ الروسي، مضيفاً: «للأسف، القيادة في أرمينيا تصبّ من وقت لآخر بنفسها الزيت على النار».

إجلاء

أكدت يانا أفانيسيان التي تتحدر من مدينة ستيباناكيرت، وهي محاضرة في مادة القانون تبلغ 29 عاماً، أن الوضع هناك «مروع». وهي على غرار كثير من الأرمن الآخرين تحاول الاتصال بأقاربها في الإقليم.

وانضمت الشابة إلى مجموعة صغيرة من الأشخاص تجمعوا أمام نقطة تفتيش يسيطر عليها الجيش الأرميني في بلدة كورنيدزور الأرمينية القريبة جداً من ناغورنو كاراباخ، للتعبير عن قلقهم.

وقالت لوكالة الصحافة الفرنسية: «نأمل بحصول عمليات إجلاء قريباً، خصوصاً للأشخاص الذين دُمّرت منازلهم».

وقال غاريك زاكاريان (28 عاماً) الذي كان يحاول أيضاً الوصول إلى أسرته داخل الإقليم: «انتظرت 3 أيام و3 ليالٍ. أنام في السيارة».

قوات حفظ السلام الروسية (يسار) وجنود أذربيجانيون (يمين) يقفون بجانب قاعدة قوات حفظ السلام الروسية بالقرب من شوشا في منطقة ناغورنو كاراباخ التي تسيطر عليها أذربيجان (أ.ف.ب)

وكان الشاب البالغ 28 عاماً يقطن في قرية إغتساهوغ، في إقليم كاراباخ حتى ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وله أقارب وأصدقاء هناك. وأضاف لوكالة الصحافة الفرنسية: «لا أمل لدي (بإجلائهم قريباً ورؤيتهم) لكنني أردت التحرّك». وأضاف: «مجرد وجودي هنا ورؤية القاعدة الروسية على بعد كيلومتر واحد يشعرني بتحسن».

ومدينة ستيباناكيرت محرومة من الكهرباء والوقود وسكانها يفتقرون أيضاً إلى الغذاء والدواء.

وقالت المتحدثة باسم الانفصاليين أرمين هايرابيتيان، إنّ القوات الأذربيجانية «منتشرة في كل مكان حول ستيباناكيرت، إنها على مشارفها».

وبحسب آخر حصيلة صادرة عن الانفصاليين الأرمن، فإنّ العملية العسكرية الأذربيجانية التي انتهت ظهر الأربعاء، خلّفت ما لا يقل عن 200 قتيل و400 جريح.

ويؤجج انتصار أذربيجان مخاوف من رحيل سكان الإقليم البالغ عددهم 120 ألفاً.

وطالب السيناتور غاري بيترز خلال زيارة إلى المنطقة على رأس وفد من أعضاء الكونغرس الأميركي السبت، بإرسال «مراقبين دوليين» إلى كاراباخ.

ونقل عنه مراسل وكالة الصحافة الفرنسية قوله: «أبلغتنا الحكومة الأذربيجانية بأنه ليس هناك ما يدعو للقلق. وإذا كان الأمر كذلك، يجب أن نسمح لمراقبين دوليين بالذهاب والمشاهدة بأنفسهم، حتى يتمكن العالم من معرفة ما يحدث بالضبط».

باشينيان تحت الضغط

تكثّفت الضغوط في أرمينيا على رئيس الوزراء نيكول باشينيان، الذي واجه انتقادات لاذعة لتقديمه تنازلات لأذربيجان منذ خسارته مساحات واسعة من الأراضي في حرب 2020.

وأقر باشينيان الجمعة، بأن «الوضع» ما زال «متوتراً» في كاراباخ، حيث «تتواصل الأزمة الإنسانية». لكنه رأى أن «هناك أملاً في ديناميكية إيجابية»، مشيراً إلى أن وقف النار الذي دخل حيز التنفيذ الأربعاء، يتم احترامه «بشكل عام».

ويتظاهر مناهضون للحكومة في شوارع يريفان عاصمة أرمينيا يومياً منذ الأربعاء، احتجاجاً على تعاملها مع الأزمة في كاراباخ.

كذلك، أعلن زعماء المعارضة عزمهم على إطلاق إجراءات مساءلة بحق باشينيان في البرلمان.


مقالات ذات صلة

البيت الأبيض يحذف منشوراً لفانس يشير إلى «الإبادة الجماعية للأرمن»

الولايات المتحدة​ نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس والسيدة الثانية أوشا فانس يشاركان في مراسم وضع أكاليل الزهور خلال زيارة إلى النصب التذكاري للإبادة الجماعية الأرمنية في يريفان بأرمينيا 10 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

البيت الأبيض يحذف منشوراً لفانس يشير إلى «الإبادة الجماعية للأرمن»

حذف البيت الأبيض، الثلاثاء، منشوراً على منصات التواصل الاجتماعي من حساب نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس أعاد للأذهان ذكرى مجازر الأرمن باعتبارها «إبادة جماعية».

شؤون إقليمية العلم التركي فوق السفارة التركية في تل أبيب بينما يظهر العلم الإسرائيلي بالقرب منها (رويترز - أرشيفية)

تنديد تركي باعتراف نتنياهو بالإبادة الأرمنية

نددت الخارجية التركية بتصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اعترف فيها بـ«إبادة» الأرمن، معتبرة أنها مجرّد محاولة لصرف الأنظار عمّا يجري في غزة.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي مصافحاً رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال أحد لقاءاتهما (الرئاسة التركية)

مباحثات بين تركيا وأرمينيا حول دفع جهود تطبيع العلاقات

يبحث الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مع رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان جهود التطبيع بين البلدين الجارين اللذين تعاني العلاقات بينهما خلافات تاريخية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش خلال لقائه رئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل بمقر البرلمان الثلاثاء (موقع حزب الشعب الجمهوري)

«إبادة الآشوريين الكلدان»... أزمة جديدة بين تركيا وفرنسا

برزت أزمة جديدة إلى سجل الأزمات المتراكمة في العلاقات بين تركيا وفرنسا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
آسيا جنديان أذربيجانيان يحرسان نقطة تفتيش عند ممر لاتشين في أذربيجان (أ.ب)

أرمينيا تعلن توقيع اتفاق سلام مع أذربيجان الشهر المقبل

أعلن رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان أن يريفان ستوقّع اتفاق سلام مع أذربيجان الشهر المقبل.

«الشرق الأوسط» (تبليسي)

الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية الهندية، السبت، أنَّه جرى استدعاء سفير إيران لاجتماع مع الوزير مساء اليوم، بعد إطلاق النار على سفينتين ترفعان علم الهند في مضيق هرمز.

وأفاد بيان للحكومة الهندية، أن وزير الخارجية الهندي فيكرام ⁠ميسري، عبَّر خلال اجتماع مع السفير الإيراني، عن قلق ​الهند ‌البالغ إزاء ‌حادث إطلاق النار الذي وقع في وقت سابق اليوم، وشمل سفينتين ترفعان العلم الهندي في مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز».

وحثَّ وزير الخارجية الهندي سفير إيران على نقل وجهة نظر الهند إلى السلطات الإيرانية، واستئناف عملية تسهيل عبور السفن.

وكان مصدر حكومي هندي قد ذكر، في وقت سابق اليوم، أنَّ سفينة ترفع العلم الهندي وتحمل شحنةً من النفط الخام تعرَّضت لهجوم، اليوم (السبت)، في أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز. وأضاف المصدر أنَّ اسم السفينة «سانمار هيرالد»، مشيراً إلى أنَّ السفينة وطاقمها بخير.

وذكرت «رويترز»، في وقت سابق اليوم، أن سفينتين تجاريتين على الأقل أبلغتا عن تعرُّضهما لإطلاق نار في أثناء محاولتهما عبور مضيق هرمز، اليوم (السبت).

وأوضح المصدر الحكومي الهندي أنَّ نيودلهي استدعت سفير إيران لدى الهند بشأن الواقعة ذاتها.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس (الجمعة)، إنَّ إيران وافقت على فتح المضيق، بينما قال مسؤولون إيرانيون إنهم يريدون من الولايات المتحدة رفع الحصار المفروض على ناقلات النفط الإيرانية بشكل كامل.

وأظهرت بيانات شحن أنَّ أكثر من 12 ناقلة نفط، من بينها 3 سفن خاضعة لعقوبات، عبرت مضيق هرمز بعد رفع الحصار الذي ظلَّ مفروضاً عليه لمدة 50 يوماً أمس (الجمعة)، قبل أن تعيد إيران فرض قيود، اليوم (السبت)، وتطلق النار على بعض السفن.


متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، ورأى أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

 

تحوّلات ونماذج بديلة

 

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

 

امتحان التكيّف والتعاون

 

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.