انتصارات الديمقراطيين تُعيد رسم خريطة التوازنات الحزبية في أميركا

«انتخابات الثلاثاء» عدّت استفتاء على أداء إدارة دونالد ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال إفطار مع أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين في البيت الأبيض بواشنطن 5 نوفمبر (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال إفطار مع أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين في البيت الأبيض بواشنطن 5 نوفمبر (إ.ب.أ)
TT

انتصارات الديمقراطيين تُعيد رسم خريطة التوازنات الحزبية في أميركا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال إفطار مع أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين في البيت الأبيض بواشنطن 5 نوفمبر (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال إفطار مع أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين في البيت الأبيض بواشنطن 5 نوفمبر (إ.ب.أ)

شكّلت نتائج الانتخابات المحلية التي شهدتها ولايات فيرجينيا ونيوجيرسي وكاليفورنيا ومدن كبرى مثل نيويورك، محطة سياسية لافتة في المشهد السياسي الأميركي، إذ تحولت إلى ما يشبه الاستفتاء على العام الأول من الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب. وتابع الأميركيون، الذين تسمّروا مساء الثلاثاء أمام شاشات التلفزيون لمتابعة نتائج فرز الأصوات، سلسلة الانتصارات الواسعة التي حققها الديمقراطيون، حيث فازوا فيها بحكام ولايتين رئيسيتين ورئاسة بلدية أكبر مدينة أميركية، في حين فشل الجمهوريون في تحقيق أي اختراق، رغم دعم ترمب المباشر لمرشحيهم.

رسالة قاسية إلى ترمب

يرى مراقبون أن الناخبين وجّهوا رسالة رفض واضحة لأسلوب ترمب وإدارته.

ميكي شيريل المرشحة الديمقراطية تحتفل لفوزها بمنصب حاكم ولاية نيوجيرسي (رويترز)

فالديمقراطيون، الذين ركزوا حملاتهم على ربط خصومهم بالرئيس الجمهوري، نجحوا في تحويل الانتخابات المحلية إلى تصويت احتجاجي على سياسات الرئيس. وفي فيرجينيا، التي تُعد عادة مؤشراً مبكراً لاتجاهات الرأي العام بعد عام من الانتخابات الرئاسية، فازت الديمقراطية المعتدلة أبيغيل سبانبرغر بمنصب الحاكم بفارق 15 نقطة، لتصبح أول امرأة تتولى المنصب في الولاية. وفي نيوجيرسي، فازت ميكي شيريل، النائبة السابقة والضابطة السابقة في البحرية الأميركية، بنسبة مماثلة، منهية بذلك آمال الجمهوري جاك تشيتاريلي الذي تبنى خطاب ترمب نفسه.

أما في كاليفورنيا، فقد دعم الناخبون «المقترح 50» الذي يتيح إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية بطريقة تعزز حظوظ الديمقراطيين في استعادة الأغلبية في مجلس النواب خلال انتخابات منتصف الولاية المقبلة. وجاءت نتيجة التصويت بمثابة تحدٍّ مباشر لترمب، الذي سعى في المقابل إلى تعزيز تمثيل الجمهوريين في الولايات المحافظة عبر خطوات مشابهة.

تحول في المزاج الشعبي

تشير نتائج الاستطلاعات إلى أن نسبة كبيرة من الناخبين عدّت التصويت في انتخابات الثلاثاء وسيلة لمعارضة ترمب، أكثر من كونها تأييداً للديمقراطيين.

الديمقراطية أبيغيل سبانبرغر مع عائلتها بعد خطاب النصر الذي ألقته في سباق ولاية فرجينيا لمنصب الحاكم (رويترز)

ففي فيرجينيا ونيوجيرسي، لم تتجاوز نسبة تأييد ترمب 42 في المائة، وهي النسبة نفسها تقريباً التي حصل عليها مرشحو الحزب الجمهوري. الأهم أن الانتخابات كشفت عن تحوّل ملموس في القواعد الانتخابية. فقد استعاد الديمقراطيون تفوقهم بين الناخبين الشباب وناخبي الأقليات، بعد التراجع الذي أصابهم في انتخابات 2024 الرئاسية. وارتفعت نسبة تأييد الديمقراطيين بين اللاتينيين بـ9 نقاط في نيوجيرسي، و5 نقاط في فيرجينيا، فيما صوّت أكثر من 90 في المائة من السود لمرشحي الحزب.

إلى ذلك، استعادت ضواحي المدن الكبرى – ولا سيّما في مقاطعتي لودون وفيرفاكس بفيرجينيا – ولاءها للديمقراطيين بعد أن مالت نسبياً للجمهوريين العام الماضي.

هواجس ما قبل 2026

حملت النتائج إنذاراً مبكراً للجمهوريين الذين كانوا يعولون على نجاحات محلية لتأكيد متانة التحالف الذي أوصل ترمب إلى البيت الأبيض للمرة الثانية.

حاكم ولاية كاليفورنيا غافين نيوسوم يتحدث خلال مؤتمر صحافي ليلة الانتخابات بمكتب الحزب الديمقراطي في كاليفورنيا (أ.ب)

ويقول مايكل دوهايم، المدير السياسي السابق للجنة الوطنية الجمهورية، إن «هذه النتائج سيئة للغاية للحزب، وهي مؤشر على أن الناخبين في الولايات المتأرجحة لا يزالون غير مستعدين لتكرار تجربة ترمب». ويرى خبراء أن ترمب لم يعد مكسباً انتخابياً في المناطق المعتدلة، بل عبء على مرشحيه، إذ تراجعت قدرته على جذب المستقلين والناخبين الوسطيين، فيما تزداد معارضته في المدن الكبرى وضواحيها.

وفي المقابل، أخفق المرشحون الجمهوريون في بناء هوية مستقلة عنه، كما لم يتمكنوا من تعبئة قواعدهم الانتخابية التقليدية بالحماس نفسه الذي أحدثه ترمب سابقاً.

ويعترف بعض الجمهوريين بأن خسارة فيرجينيا ونيوجيرسي بهذا الهامش الكبير تعني أن الحزب بحاجة إلى إعادة تموضع استراتيجي، خصوصاً في القضايا الاقتصادية والاجتماعية، بعيداً عن خطاب المواجهة والعزلة الذي يعتمده ترمب.

الانقسام الديمقراطي

في المقابل، فتحت الانتصارات المتتالية الباب أمام نقاش داخلي عميق بين جناحي الحزب الديمقراطي: الوسطي والتقدمي. فإلى جانب فوز سبانبَرغر وشيريل، حقّق الديمقراطي زهران ممداني، الموصوف بـ«الاشتراكي»، فوزاً مدوّياً بمنصب عمدة نيويورك، ما أدخل الحزب في جدل حول الوجه الذي يجب أن يُقدّمه للناخبين في المرحلة المقبلة.

المرشح الديمقراطي الفائز بمنصب عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني وزوجته راما دوجي في تجمع انتخابي ليلي في نيويورك (رويترز)

يرى الجمهوريون أن ممداني، بوعوده اليسارية؛ مثل دعم النقل المجاني والإسكان الميسّر ورفع الضرائب على الأغنياء، يمثل «الوجه الحقيقي» للحزب الديمقراطي اليوم، ويعتزمون استخدام صورته في حملاتهم المقبلة لتصوير الديمقراطيين كـ«حزب اشتراكي متطرف». أما القادة الديمقراطيون، وعلى رأسهم زعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز، فيسعون لتقديم وجوه معتدلة مثل سبانبَرغر وشيريل بوصفهما النموذج الأقدر على مخاطبة الناخبين المستقلين وكسب المعارك المقبلة.

ويقول عضو الكونغرس السابق الديمقراطي، رام إيمانويل، إن «من يريد الفوز على المستوى الوطني يجب أن يخاطب سكان ضواحي نيوجيرسي وريف فيرجينيا، لا نخب بروكلين». ويضيف أن تجربة المرأتين الفائزتين تمثل «خريطة طريق» لاستعادة الأغلبية في الكونغرس عام 2026.

بين الإنكار والهجوم

لم يتقبل الرئيس ترمب الهزيمة بهدوء، إذ سارع إلى التشكيك في نزاهة الانتخابات، مُتّهماً كاليفورنيا بـ«تزوير واسع النطاق» في الاستفتاء على «المقترح 50»، ومهاجماً الناخبين اليهود الذين صوتوا لممداني ووصفهم ترمب بـ«الأغبياء»، في تصريحات عدّها البعض تحمل «إيحاءات عنصرية».

وبينما واصل انتقاداته للديمقراطيين على منصته «تروث سوشيال»، قال إن «حقيقة أن ترمب لم يكن على لوائح الانتخابات، بالإضافة إلى الإغلاق الحكومي هما السببان لخسارة الجمهوريين للانتخابات الليلة»، داعياً الكونغرس إلى إلغاء التصويت بالبريد و«إنقاذ المحكمة العليا من التغول اليساري».

لكن مراقبين يرون أن رد فعل ترمب الغاضب يعكس عمق الإحباط داخل البيت الأبيض، خصوصاً أن هذه الانتخابات تمثل أول اختبار فعلي لسياساته في الداخل بعد عودته إلى الحكم. وبحسب مستشاره السابق مارك شورت، فإن النتائج «تؤشر على تراجع حقيقي في المزاج الشعبي حيال أداء الإدارة، وخاصة في القضايا الاقتصادية التي كانت يوماً مصدر قوته».

تحديات 2026

بالنسبة للديمقراطيين، أعادت هذه النتائج الثقة بإمكان استعادة أحد مجلسي الكونغرس في انتخابات منتصف الولاية المقبلة. إذ يملك الجمهوريون حالياً أغلبية ضئيلة في مجلس النواب (219 مقعداً مقابل 213 للديمقراطيين)، ما يجعل أي تبدّل بسيط في المزاج الشعبي كفيلاً بقلب المعادلة. ويُعوّل الديمقراطيون على نجاحهم في كاليفورنيا لإضافة خمسة مقاعد جديدة بفضل إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية، تُقابل المقاعد الجمهورية الجديدة التي كسبها الجمهوريون من خلال إعادة ترسيم الدوائر، ولا سيّما في تكساس.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال إفطار مع أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين في البيت الأبيض بواشنطن 5 نوفمبر (إ.ب.أ)

في المقابل، يحاول الجمهوريون امتصاص الصدمة والتأكيد أن انتخابات 2026 ستجري في ظروف مختلفة، خصوصاً إذا بدأت آثار التخفيضات الضريبية والسياسات الاقتصادية لترمب بالظهور. غير أن كثيرين داخل الحزب يُقرّون بأن استمرار الانقسام الداخلي، بين من يتمسكون بترمب ومن يدعون إلى تجاوزه، قد يضعف فرصهم في الحفاظ على الأغلبية.

لكن مما لا شك فيه أن الانتخابات الأخيرة أظهرت أن الولايات المتحدة تدخل مرحلة جديدة من الاستقطاب السياسي، حيث لم تعد المنافسة تدور فقط حول البرامج، بل حول هوية البلاد واتجاهها المستقبلي. وبينما يسعى ترمب إلى تثبيت نفوذه مستخدماً لغة المواجهة والتشكيك، يحاول الديمقراطيون استثمار اللحظة لإعادة بناء الثقة وإعادة تعريف «الوسط» الأميركي.

لكن الطريق إلى انتخابات 2026 لا تزال طويلة ومليئة بالمفاجآت. فكما أظهرت التجارب السابقة، يمكن أن تتبدل الرياح السياسية سريعاً في ظل اقتصاد متقلب وأزمات خارجية محتملة. ومع ذلك، فإن رسالة الناخبين هذا الأسبوع كانت واضحة: ترمب لم يعد محصناً انتخابياً، والديمقراطيون، رغم انقساماتهم، وجدوا مدخلاً جديداً لاستعادة زمام المبادرة.

وبينما يأمل البعض أن تمهد تلك الانتخابات لمرحلة جديدة من استعادة الوسطية على حساب الشعبوية من اليمين واليسار، تعكس نتائجها ديناميكية جديدة في السياسة الأميركية، وتسلط الضوء على تبدل أولويات الناخبين وتجدد اصطفافاتهم الحزبية. وتبقى الأسئلة مفتوحة حول قدرة الحزبين على استيعاب التحولات العميقة في المزاج الشعبي، ومدى استعداد القيادات الجديدة لصياغة خطابات وسياسات تلبي تطلعات فئات المجتمع المتنوعة.


مقالات ذات صلة

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

حتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة) أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد دونالد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
المشرق العربي مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه ترمب.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
شؤون إقليمية صورة نشرها التلفزيون الرسمي من اجتماع الوفد الإيراني على هامش محادثات باكستان p-circle

طائرات باكستانية رافقت مفاوضي إيران خشية هجوم إسرائيلي

رافقت ​القوات الجوية الباكستانية المفاوضين الإيرانيين إلى بلادهم بعد أن حضروا في إسلام آباد محادثات مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)

سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

عبّر السفير الأميركي لدى تركيا، توم براك، عن اعتقاده بحل الخلاف حول اقتناء تركيا منظومة الدفاع الروسية «إس - 400» قريباً

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا Brazilian President Luiz Inacio Lula da Silva (Photo by Evaristo Sa / AFP) p-circle

40 دولة تجتمع في برشلونة تحت عنوان «التعبئة التقدمية العالمية» في مواجهة «اليمين العالمي»

تحت عنوان «التعبئة التقدمية العالمية» تجتمع، الجمعة، ولمدة يومين نحو 40 دولة في عاصمة إقليم كاتالونيا برشلونة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ترمب: حصار موانىء إيران «سيظل قائماً» في حال عدم التوصل إلى اتفاق

ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)
ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)
TT

ترمب: حصار موانىء إيران «سيظل قائماً» في حال عدم التوصل إلى اتفاق

ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)
ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أنه يعتزم مواصلة محاصرة الموانىء الإيرانية في حال عدم التوصل إلى اتفاق مع طهران، مشيرا إلى أنه قد لا يمدد وقف إطلاق النار بعد موعد انتهائه الأربعاء.

 

وقال ترمب للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية «اير فورس وان» في تعليق على مصير وقف إطلاق النار في حال عدم التوصل لاتفاق مع طهران «ربما لن أمدده»، مضيفا «لكن الحصار سيظل قائما».

وقد أعادت إيران فتح مضيق هرمز الجمعة إثر اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، رغم تهديد طهران بإغلاق هذا الممر المائي الحيوي مجددا في حال استمرار الحصار الأميركي.

وعند سؤال ترمب عن إمكانية التوصل إلى اتفاق، قال «أعتقد أن ذلك سيحدث».

ولا تزال ثمة خلافات جوهرية بين مطالب الولايات المتحدة وإيران اللتين فشلتا سابقا في التوصل إلى اتفاق خلال محادثات باكستان.

وأبلغ ترمب الصحافيين أنه «لن تُفرض رسوم» من جانب إيران على السفن العابرة لمضيق هرمز، وهو مطلب طرحته الجمهورية الإسلامية خلال مفاوضات سابقة.

وفي منشور على منصته «تروث سوشال»، قال ترمب إن الرئيس الصيني شي جينبينغ «سعيد للغاية» بإعادة فتح هذا الممر المائي الحيوي.

وأضاف «سيكون اجتماعنا في الصين مميزا، وربما تاريخيا»، في إشارة إلى القمة المزمع عقدها في بكين بين الرئيسين الأميركي والصيني في مايو (أيار).

كما شدد ترمب على أن واشنطن وطهران ستنقلان معا اليورانيوم المخصب المخزّن في إيران إلى الولايات المتحدة بموجب الخطة التي تعمل عليها واشنطن لإنهاء الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط).

وكانت وزارة الخارجية الإيرانية قد صرّحت سابقا بأن مخزونها من اليورانيوم لن يُنقل «إلى أي مكان».

 


الولايات المتحدة تمدد إعفاء النفط الروسي الموجود في عرض البحر من العقوبات

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

الولايات المتحدة تمدد إعفاء النفط الروسي الموجود في عرض البحر من العقوبات

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أصدرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إعفاء لمدة شهر يسمح ببيع النفط الروسي المحمل على متن ناقلات في عرض البحر، وذلك في إطار خطوة سابقة لتهدئة ارتفاع أسعار الطاقة.

ويأتي هذا الترخيص الصادر عن وزارة الخزانة الأميركية، بعد يومين من تصريح وزير الخزانة سكوت بيسنت بأن واشنطن لن تمدد الإعفاء.


انقسامات وضغوط داخلية ترافق توجّه ترمب نحو حسم حرب إيران

تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)
تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)
TT

انقسامات وضغوط داخلية ترافق توجّه ترمب نحو حسم حرب إيران

تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)
تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)

بالتوازي مع الحديث عن جولة ثانية من المفاوضات بين واشنطن وطهران، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن حرب إيران شارفت على الانتهاء، في تغيير لافت في مواقفه من لهجة التصعيد إلى التهدئة، ومن التهديد إلى الانفتاح على التسوية.

وفي الداخل الأميركي، تتصاعد الضغوط على الإدارة مع ارتفاع مستمر في الأسعار، وتململ جمهوري من حرب قد تتحول إلى عبء انتخابي مع اقتراب استحقاق نوفمبر (تشرين الثاني) للتجديد النصفي.

في المقابل، لا تزال الحشود العسكرية تتوجه إلى الشرق الأوسط مع إعلان «البنتاغون» عن إرسال الآلاف من القوات الإضافية هذا الأسبوع.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، التجاذبات الداخلية في الولايات المتحدة جراء حرب إيران، وما إذا كانت تؤثر على توجّه ترمب في استئناف الحرب أو التوصل إلى اتفاق مع إيران.

لبنان وإيران

مع إعلان ترمب عن التوصل إلى وقف إطلاق نار بين لبنان وإسرائيل، رحب أدولفو فرانكو مستشار السيناتور الجمهوري السابق جون ماكين والخبير الاستراتيجي الجمهوري، بهذا التطور ووصفه بالإيجابي للغاية، مشيراً إلى ارتباطه الوثيق بالملف الإيراني. وفسّر قائلاً إن وقف إطلاق النار شكّل نقطة خلافية مع إيران، التي تصر على أنه كان جزءاً من الاتفاق الأولي معها، على خلاف موقف الولايات المتحدة.

ترمب أعلن عن اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ويعتبر فرانكو أن هذا الإعلان من شأنه أن يزيل عقبة أمام استمرار المفاوضات مع طهران.

من ناحيته، يعتبر إيان راسل نائب المدير التنفيذي السابق للجنة الحملة الانتخابية الديمقراطية للكونغرس، أن أحد أسباب هذا الإعلان هو أن ترمب يواجه مشكلة حقيقية في الداخل الأميركي، ما سيدفعه للجوء إلى تسوية مع إيران. ويشير إلى أنه أصبح في موقف دفاعي بسبب ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية، وتأثير ذلك على استطلاعات الرأي، مضيفاً: «الرئيس يواجه مشكلة حقيقية في الوقت الحالي، والجمهوريون الذين يخوضون انتخابات نوفمبر يواجهون المشكلة ذاتها؛ لذا تبدو الإدارة في حالة يأس متزايد في محاولة للتوصل إلى حل لهذا الأمر».

وانعكس هذا القلق الجمهوري في تصويت مجلس النواب لتقييد صلاحيات ترمب في حرب إيران؛ إذ كانت النتيجة متقاربة جداً بفارق صوت واحد فقط تمكن من إفشال إقراره، على خلاف مجلس الشيوخ، حيث لا يزال الجمهوريون محافظين على وحدة صفهم.

وتنقل دانييلا تشيسلو، مراسلة الأمن القومي في موقع «بوليتيكو»، ما سمعته من آراء المشرّعين بهذا الخصوص، مشيرة إلى تقارب الأرقام في مجلس النواب. وقالت إن الديمقراطيين سيستمرون في محاولاتهم طرح هذه المشاريع للتصويت للضغط على الجمهوريين في الموسم الانتخابي، في حين يحرص الجمهوريون على عدم إغضاب ترمب في هذه المرحلة، ويدفعون نحو المزيد من الإحاطات من الإدارة التي لا تزال حتى الساعة مغلقة.

انقسامات حزبية

دافع فرانكو عن الموقف الجمهوري الداعم لسياسات ترمب تجاه إيران، مشدداً على أن التقارب في الأصوات طبيعي في قضايا من هذا النوع بسبب التركيبة الحالية في الكونغرس.

زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ جون ثون بالكونغرس يوم 14 أبريل 2026 (رويترز)

ويعتبر فرانكو أن تحرك الديمقراطيين في مساعيهم لتقييد صلاحيات ترمب هو سياسي بحت، مشيراً إلى أنه، حتى لو تم إقرار المشروع، يمكن لترمب استعمال حق النقض ضده. وفي رأي المحلل الجمهوري، فإن مشروع تفويض الحرب الذي أقره الكونغرس في عام 1973، والذي يعطي المجلس التشريعي صلاحية الإعلان عن الحرب، هو «غير قانوني ومخالف للدستور»، معرباً عن أمله في أن يسعى ترمب إلى اختباره في المحاكم الأميركية.

ويخفف فرانكو من وطأة حرب إيران على حظوظ الجمهوريين في الانتخابات النصفية، مشيراً إلى أن حزب الرئيس غالباً ما يخسر الأغلبية في مجلس النواب بغض النظر عن القضايا المطروحة.

كما خفّف من شأن ارتفاع الأسعار، وقال: «أنا أختلف تماماً مع هذه المقاربة، لو كان هذا هو التحليل في الحرب العالمية الثانية، لما خضنا الحرب. إيران تشكل تهديداً وجودياً للمنطقة وللعالم. إنها دولة إرهابية لا يمكننا تحمل امتلاكها سلاحاً نووياً».

ورداً على انتقادات الديمقراطيين، ذكر فرانكو أن سعر البنزين في عهد إدارة بايدن وصل إلى مستويات عالية بسبب حرب أوكرانيا، مضيفاً: «كانت إدارة بايدن تدعو الأميركيين إلى التحمل بسبب حرب أوكرانيا. والوضع نفسه ينطبق الآن على الجمهوريين. لكن الفارق هو أن الشعب الأميركي يدرك أن إيران تشكل تهديداً لأمن هذا البلد».

ترتفع أسعار البنزين في أميركا جراء حرب إيران (رويترز)

تصريحات أثارت استياء راسل، الذي أعرب عن أمله في أن يردد الجمهوريون مواقف فرانكو في انتخابات التجديد النصفي، معتبراً أن الشعب الأميركي سيستجيب بشكل سلبي للغاية لهذه الرسالة. ويضيف: «الجمهوريون في وضع حرج بالفعل مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. وما فعله ترمب هو أنه عقّد فرصهم في الفوز. فهو ركز في حملته الانتخابية على خفض التكاليف. لكن بدلاً من ذلك، ارتفعت التكاليف. كما لم يحاول إقناع الشعب الأميركي بضرورة خوض هذه الحرب».

واعتبر راسل أن الحرب ستتسبب في «كارثة سياسية للمرشحين الجمهوريين في جميع أنحاء البلاد». وتوقع أن يبرم ترمب اتفاقاً مشابهاً لذلك الذي أبرمته إدارة باراك أوباما مع إيران، مضيفاً: «لقد أدرك الإيرانيون أنه بإمكانهم فرض رسوم عبور على مضيق هرمز. وقد نكون في وضع أسوأ مما كنا عليه في عام 2016 بعد أن أبرم أوباما الاتفاق النووي مع إيران. إنها كارثة سياسية كاملة بالنسبة لترمب والجمهوريين، وأخشى أن الأسوأ لم يأتِ بعد».

ترمب يتحدث عن سياساته الضريبية في نيفادا يوم 16 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وتسلط تشيسلو الضوء على ما تسمعه من بعض النشطاء الجمهوريين، مشيرة إلى أنهم يشعرون بالقلق من الانتخابات، وتنقل عنهم: «لقد قال أحد النشطاء لزملائي إن كل شيء أصبح أكثر صعوبة بسبب القرارات الصادرة من البيت الأبيض، على حد تعبيره. إنهم يشعرون أنه في الوقت الذي يريدون فيه أن يركز الرئيس على مسألة القدرة على تحمل التكاليف، فإنه يشتت انتباهه بالحرب في إيران».

وأعطت مثالاً على ذلك قائلة إن الخامس عشر من أبريل (نيسان) كان يوم الضرائب في أميركا، وهو يوم كان من المفترض أن يعكس انتصاراً سياسياً كبيراً للجمهوريين الذين أقروا تخفيضات كبيرة في الضرائب، لكن الناس لا يشعرون بتخفيف العبء؛ لأن أسعار البنزين ترتفع. وتضيف: «يشهد المزارعون ارتفاعاً في أسعار الأسمدة والديزل. هذه فئة من الناخبين كانت داعمة جداً للرئيس. وأعتقد أن الاستراتيجيين الجمهوريين يشعرون بقلق أكبر قليلاً مما قد نسمعه من الجمهوريين، مثل زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ جون ثون، الذي يتحدث بثقة كبيرة داعماً لتحركات الرئيس». لكن فرانكو يعارض هذا التقييم، ويرفض استطلاعات الرأي التي تظهر أن أغلبية الأميركيين يعارضون الحرب، مشيراً إلى أن «موسم الحرب لم ينتهِ بعد». ويقول: «بمجرد أن تنتهي هذه الحرب، وأعتقد أنها ستنتهي لصالح الولايات المتحدة وسنحقق أهدافنا، أعتقد أن شعبية الرئيس سترتفع بشكل كبير، وستبدأ الأسعار في الانخفاض بسرعة. أنا أتفق أنه من الصعب دائماً إقناع الناس بضرورة شد أحزمتهم. لكن الأمر يتعلق بكيفية انتهاء هذا الصراع في النهاية، وأعتقد أن الناس يرون الفرق بين القوة والضعف. وما نراه الآن هو اختلاف كبير مع سياسات الديمقراطيين الكارثية الاستسلامية والانهزامية».

استراتيجية ديمقراطية

أما راسل فيعتبر أن ما يراه الشعب الأميركي مختلف عما يصوره فرانكو. ويقول إن «أحد الأسباب التي تجعل هذه الأزمة كارثة سياسية كبرى بالنسبة لترمب، هو أن الشعب الأميركي يقول إن الأموال تتوفر بوفرة عندما يريد الجنرالات والسياسيون خوض حرب، ولكن عندما يتعلق الأمر بتوفير الرعاية الصحية أو بناء البنية التحتية أو تنمية بلدنا ورعاية شعبنا، فإن ترمب نفسه قال إننا لا نستطيع توفير حضانات للأطفال وتوفير الرعاية الصحية لأن لدينا حرباً نخوضها. الشعب الأميركي لم يوافق على هذه الصفقة، ولن يقبل بذلك. ولهذا السبب، سيُطرد الجمهوريون من مناصبهم في نوفمبر».

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر بالكونغرس يوم 14 أبريل 2026 (أ.ب)

تصريحات أثارت غضب فرانكو الذي توجّه إلى راسل بالحديث قائلاً: «لن تقلق بشأن الرعاية الصحية أو سوق الأسهم أو الاقتصاد إذا أطلقت إيران قنبلة نووية على الولايات المتحدة. مشكلة الحزب الديمقراطي هي أنه يدعم فلسفة الأربعينيات، التي انتظرت حتى ضربة في بيرل هاربور. ربما ينجح ذلك في الحرب التقليدية وعدم شن ضربة استباقية، لكنه لا ينجح في عالم اليوم. لن نضطر إلى القلق بشأن اقتصادنا إذا طورت إيران سلاحاً نووياً؛ سنضطر إلى القلق بشأن بقائنا. وهذا هو ما يُعتبر قصر نظر. كان قصر نظر في الثلاثينيات عندما كان أمثالهم في السلطة ووقع هجوم بيرل هاربور، وهو قصر نظر اليوم».

تراجع الدعم الحزبي لإسرائيل

وفي ظل هذه الاتهامات المتبادلة، تتحدث تشيسلو عن تغيير لافت في المشهد السياسي الأميركي. وتعطي مثالاً على ذلك بتصويت مجلس الشيوخ على تقييد الأسلحة الأميركية لإسرائيل الذي طرحه السيناتور التقدمي بيرني ساندرز.

السيناتور التقدمي بيرني ساندرز في تجمع للنقابات العمالية بنيويورك يوم 14 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

فرغم إسقاط المشروع، فإنه حصد دعم 40 ديمقراطياً من أصل 47، وهو يُعدّ سابقة في الكونغرس الذي لطالما دعم الحزبان فيه إسرائيل. وأضافت: «ما نراه الآن هو أن إسرائيل ستظهر مراراً وتكراراً كقضية حاسمة للغاية بالنسبة للديمقراطيين في الانتخابات النصفية، وستشكل نوعاً من الاختبار الحاسم لمعرفة مَن في الحزب مستعد لاتخاذ موقف أكثر تقدمية، وأكثر يسارية، وانتقادي تجاه إسرائيل، ومَن سيبقى متمسكاً بالموقف الأكثر اعتدالاً للحزب، الذي، مثل الجمهوريين، ظل على مدى عقود متحالفاً مع إسرائيل».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مؤتمر صحافي بالقدس يوم 19 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ويلوم راسل رئيسَ الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وسياساته على جعل إسرائيل قضية حزبية، بعد أن كانت قضية يُجمع عليها الحزبان. ويضيف: «لقد كانت إسرائيل وأمنها يعلوان على السياسة الحزبية، لكن نتنياهو غيّر ذلك. إذا نظرتم إلى التصويت في مجلس الشيوخ، فإن أي ديمقراطي في المجلس يفكر بجدية في الترشح للرئاسة صوّت لصالح مشروع ساندرز. وهذا يعكس موقف الناخبين وموقف الديمقراطيين. فهناك شعور أن إسرائيل تحصل على كل ما تطلبه من الولايات المتحدة. وحقيقة الأمر أن ترمب حقق حلم نتنياهو المحموم بضرب إيران، والشعب الأميركي يدفع ثمناً باهظاً لذلك».