عشرات الدعاوى القضائية لمواجهة سيل إجراءات ترمب التنفيذية

قرارات الرئيس الأميركي تتجه إلى الاصطدام بالمحكمة العليا

مبنى المحكمة العليا في واشنطن (أ.ف.ب)
مبنى المحكمة العليا في واشنطن (أ.ف.ب)
TT

عشرات الدعاوى القضائية لمواجهة سيل إجراءات ترمب التنفيذية

مبنى المحكمة العليا في واشنطن (أ.ف.ب)
مبنى المحكمة العليا في واشنطن (أ.ف.ب)

فرضت عشرات الدعاوى القضائية في مواجهة طوفان القرارات التنفيذية للرئيس الأميركي دونالد ترمب تحدياً كبيراً أمام المحاكم الفيدرالية، بما في ذلك المحكمة العليا الأميركية، التي تنظر حالياً في طلبات استئناف مرتبطة بالخطوات التي تتخذها السلطة التنفيذية، ويحتمل أن تجد نفسها بالفعل في صدام مع الرئيس ترمب الذي عيّن ثلاثة من قضاتها التسعة.

ويتبنى الرئيس ترمب نظرية عمرها عقود يمكن أن تمنحه سيطرة لا سابق لها على السلطة التنفيذية، ويشبه نفسه بالزعيم الفرنسي التاريخي نابليون بونابرت، واستعار قوله في منشور على موقعه «تروث سوشيال»: «من ينقذ بلاده لا ينتهك أي قانون». وكتب في منشور آخر وبأحرف كبيرة: «عاش الملك!».

وكان الحكم الأولي الذي أصدرته قاضية المقاطعة الأميركية آيمي جاكسون في نهاية الأسبوع الماضي، لجهة إلغاء قرار ترمب بإقالة المستشار الخاص هامبتون ديلينغر، علامة إضافية إلى إمكان انتقال معركة ترمب من المحاكم العادية إلى المحكمة العليا، نظراً إلى أن ديلينغر عين في هذا المنصب وصادق مجلس الشيوخ على تعيينه لمدة خمس سنوات خلال العام الماضي. وقالت جاكسون إن «مهمة المستشار الخاص هي التحقيق في الممارسات غير الأخلاقية أو غير القانونية الموجهة ضد موظفي الخدمة المدنية الفيدرالية وكشفها (...) من دون التعرض للانتقام». وأضافت أنه «سيكون من المفارقات، على أقل تقدير، ومعادياً للغايات التي يعززها القانون إذا كان المستشار الخاص نفسه يمكن أن يرتجف في عمله خوفاً من الإقالة التعسفية أو الحزبية».

الفصل بين السلطات

وأبلغت الكاتبة لوزارة العدل مادلين ماكماهون المحكمة أن أمر جاكسون يمثل «تدخلاً غير عادي» في سلطة الرئيس ترمب. وأعلنت أنها تنوي استئناف الحكم، الذي يتوقع أن يؤدي إلى إحالة القضية إلى المحكمة العليا. كما تنظر المحكمة العليا حالياً في استئناف طارئ حيال نحو ملياري دولار من المساعدات الخارجية التي حاولت إدارة ترمب تجميدها. وأفادت المجموعة المدعية المؤلفة من منظمات غير ربحية تدير برامج في الخارج بأن الإدارة «انتهكت علناً» أمر محكمة أدنى بإنفاق الأموال. ويرجح أن يبذل محامو وزارة العدل قصارى جهدهم لتأكيد أنهم لم يتحدوا القضاء. وكتبت القائمة بأعمال المحامي العام سارة هاريس في مذكرة، أن إدارة ترمب «تأخذ على محمل الجد واجبها الدستوري بالامتثال لأوامر» المحاكم الفيدرالية. ومن المقرر أن تقرر المحكمة العليا في الأيام المقبلة ما إذا كانت ستدعم المنظمات غير الربحية أو ترمب.

وفي كاليفورنيا، أوقف القاضي الفيدرالي ويليام ألسوب مؤقتاً إنهاء ترمب لعقود الموظفين المؤقتين عبر مكتب إدارة الموظفين، الذي وجّه الوكالات الأخرى بفصل «الموظفين المؤقتين الذين لم تحددهم على أنهم مهمون للغاية». وكتب أن القانون «لم يمنح، في أي مكان، على الإطلاق مكتب إدارة الموظفين السلطة لتوجيه إنهاء عمل الموظفين في الوكالات الأخرى». وهناك أولوية أخرى لترمب، والتي حظرت مؤقتاً من أربع محاكم فيدرالية، تسعى إلى إنهاء المواطنة التلقائية للأطفال المولودين لوالدين موجودين في البلاد ولو من دون إقامة قانونية. وجرت المصادقة على المواطنة بالولادة في التعديل الرابع عشر للدستور لعام 1868. وأيدته المحكمة العليا عام 1898. لكن ترمب يتوقع أن يتم تأييد أمره بتثبيط الهجرة غير الشرعية في المحكمة العليا.

مع ترمب أو ضده

أرشيفية لأحد مؤسسي مجلة «وايد أوايك» رونالد روزنبرغر حاملاً نسخة من المجلة خارج المحكمة العليا في واشنطن (أ.ب)

وحتى الآن، قوبلت التهديدات باحتمال تجاهل ترمب لأحكام المحاكم الفيدرالية من المحكمة العليا، التي وجه رئيسها جون روبرتس ضربة غير عادية وغير معهودة لترمب عام 2018، مؤكداً أن الأمة الأميركية لديها «مجموعة غير عادية من القضاة المخلصين الذين يبذلون قصارى جهدهم لمنح حقوق متساوية لأولئك الذين يمثلون أمامهم»، بصرف النظر عن الرئيس الذي عيّن أياً منهم.

وكانت المحكمة العليا التي تتألف حالياً من ستة قضاة محافظين وثلاثة ليبراليين منحت ترمب انتصارات بارزة، بما في ذلك من خلال حكمها العام الماضي حول حصانة الرؤساء السابقين من الملاحقة الجنائية عن أفعال رسمية بمجرد مغادرتهم مناصبهم. وفي المقابل، حكمت المحكمة ضد ترمب في قضايا كبرى أخرى منذ الانتخابات: ففي يناير (كانون الثاني) الماضي، صوّت خمسة قضاة للسماح بإدانة ترمب في قضية «أموال الصمت» في نيويورك. كما أيدت المحكمة حظراً على «تيك توك» رغم أن ترمب حض القضاة على وقفه. وسمحت المحكمة في أواخر الشهر الماضي لرئيس وكالة مراقبة مستقلة بالبقاء في الوظيفة مؤقتاً رغم اعتراضات ترمب.

ومع أن القضاة لا يناقشون ترمب بشكل مباشر، فإن هذا لا يعني أن كلمات الرئيس تمر مرور الكرام. فمن دون ذكر ترمب بالاسم، عبر روبرتس نفسه في ديسمبر (كانون الأول) عن مخاوفه من العدد المتزايد من التهديدات بتحدي المحاكم.

وفي لحظة أكثر دقة ربما تؤكد القلق داخل المحكمة، طرح القاضي المحافظ بريت كافانو فرضية غير عادية في أثناء المرافعات في قضية تتعلق بسجين يسعى للحصول على أدلة الحمض النووي التي يقول إنها ستظهر أنه لا يستحق الإعدام. وذكر بحكم المحكمة العليا لعام 1974 الذي ألزم الرئيس سابقاً ريتشارد نيكسون بالإفراج عما سمي لاحقاً أشرطة ووترغيت.

وكانت القاضية الليبرالية سونيا سوتومايور الأكثر صراحة بين القضاة التسعة في الأسابيع الأخيرة، فقالت إن «قرارات المحكمة قائمة. سواء اختار شخص معين التزامها أو لا، فهذا لا يغير الأساس الذي لا يزال قائماً على أنه أمر قضائي سيحترمه شخص ما في مرحلة ما». وإذا كان القضاة يلتزمون الصمت علناً، فلن يتمكنوا من تجنب ترمب في جدول أعمال المحكمة.

مصدر قوة ترمب

ونشأت النظرية السياسية التي تبناها ترمب لتعزيز سيطرته على السلطة التنفيذية من قضية أثارها قاضي المحكمة العليا أنطونين سكاليا عام 1988، حين أصدر حكماً يركز على «السلطة التنفيذية الموحدة»، التي تمنح الرئيس حق السيطرة الكاملة على السلطة التنفيذية، وهي نظرية تلقى الآن دعماً واسعاً من الجمهوريين. واتهمت الناطقة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت الصحافيين بـ«إثارة الخوف بين الشعب الأميركي وإقناعه بوجود أزمة دستورية». لكنها انتقدت القضاة الذين قالت إنهم «يتصرفون كناشطين قضائيين وليسوا حكاماً نزيهين للقانون».

واقترح مستشار ترمب الرفيع إيلون ماسك أن القضاة «الذين يقوضون إرادة الشعب بشكل صارخ» يجب عزلهم. ونقلت صحيفة «يو إس إيه توداي» عن أستاذ القانون الدستوري في جامعة «نورث إيسترن» جيريمي بول أنه «ليس لدينا حتى الآن رفض مباشر للامتثال لأوامر المحكمة»، لكنه عبر عن اعتقاده أنه «رغم أننا لم نصل إلى هذه النقطة بعد، فمن الواضح أننا وصلنا إلى النقطة التي تؤكد فيها الإدارة الحالية مواقف حول سلطتها الخاصة، والتي تتعارض مع التقاليد الدستورية. ولكن إلى أي مدى سيذهبون في ملاحقة هذه التأكيدات لا يزال غير واضح». وهناك شيء واحد يتفق عليه ترمب ومنتقدوه، وهو أن مطالباته بالسلطة تعكس مطالباته الملكية، خصوصاً أنه يشبه نفسه أحياناً بنابليون بونابرت. ويكتب أحياناً ليحيي نفسه بأحرف كبيرة: «عاش الملك»!


مقالات ذات صلة

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

المشرق العربي مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه ترمب.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
شؤون إقليمية صورة نشرها التلفزيون الرسمي من اجتماع الوفد الإيراني على هامش محادثات باكستان p-circle

طائرات باكستانية رافقت مفاوضي إيران خشية هجوم إسرائيلي

رافقت ​القوات الجوية الباكستانية المفاوضين الإيرانيين إلى بلادهم بعد أن حضروا في إسلام آباد محادثات مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)

سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

عبّر السفير الأميركي لدى تركيا، توم براك، عن اعتقاده بحل الخلاف حول اقتناء تركيا منظومة الدفاع الروسية «إس - 400» قريباً

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا Brazilian President Luiz Inacio Lula da Silva (Photo by Evaristo Sa / AFP) p-circle

40 دولة تجتمع في برشلونة تحت عنوان «التعبئة التقدمية العالمية» في مواجهة «اليمين العالمي»

تحت عنوان «التعبئة التقدمية العالمية» تجتمع، الجمعة، ولمدة يومين نحو 40 دولة في عاصمة إقليم كاتالونيا برشلونة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تحليل إخباري تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)

تحليل إخباري انقسامات وضغوط داخلية ترافق توجّه ترمب نحو حسم حرب إيران

تتصاعد الضغوط على الإدارة مع ارتفاع مستمر في الأسعار، وتململ جمهوري من حرب قد تتحول إلى عبء انتخابي مع اقتراب استحقاق نوفمبر.

رنا أبتر (واشنطن)

ترمب: حصار موانىء إيران «سيظل قائماً» في حال عدم التوصل إلى اتفاق

ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)
ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)
TT

ترمب: حصار موانىء إيران «سيظل قائماً» في حال عدم التوصل إلى اتفاق

ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)
ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أنه يعتزم مواصلة محاصرة الموانىء الإيرانية في حال عدم التوصل إلى اتفاق مع طهران، مشيرا إلى أنه قد لا يمدد وقف إطلاق النار بعد موعد انتهائه الأربعاء.

 

وقال ترمب للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية «اير فورس وان» في تعليق على مصير وقف إطلاق النار في حال عدم التوصل لاتفاق مع طهران «ربما لن أمدده»، مضيفا «لكن الحصار سيظل قائما».

وقد أعادت إيران فتح مضيق هرمز الجمعة إثر اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، رغم تهديد طهران بإغلاق هذا الممر المائي الحيوي مجددا في حال استمرار الحصار الأميركي.

وعند سؤال ترمب عن إمكانية التوصل إلى اتفاق، قال «أعتقد أن ذلك سيحدث».

ولا تزال ثمة خلافات جوهرية بين مطالب الولايات المتحدة وإيران اللتين فشلتا سابقا في التوصل إلى اتفاق خلال محادثات باكستان.

وأبلغ ترمب الصحافيين أنه «لن تُفرض رسوم» من جانب إيران على السفن العابرة لمضيق هرمز، وهو مطلب طرحته الجمهورية الإسلامية خلال مفاوضات سابقة.

وفي منشور على منصته «تروث سوشال»، قال ترمب إن الرئيس الصيني شي جينبينغ «سعيد للغاية» بإعادة فتح هذا الممر المائي الحيوي.

وأضاف «سيكون اجتماعنا في الصين مميزا، وربما تاريخيا»، في إشارة إلى القمة المزمع عقدها في بكين بين الرئيسين الأميركي والصيني في مايو (أيار).

كما شدد ترمب على أن واشنطن وطهران ستنقلان معا اليورانيوم المخصب المخزّن في إيران إلى الولايات المتحدة بموجب الخطة التي تعمل عليها واشنطن لإنهاء الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط).

وكانت وزارة الخارجية الإيرانية قد صرّحت سابقا بأن مخزونها من اليورانيوم لن يُنقل «إلى أي مكان».

 


الولايات المتحدة تمدد إعفاء النفط الروسي الموجود في عرض البحر من العقوبات

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

الولايات المتحدة تمدد إعفاء النفط الروسي الموجود في عرض البحر من العقوبات

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أصدرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إعفاء لمدة شهر يسمح ببيع النفط الروسي المحمل على متن ناقلات في عرض البحر، وذلك في إطار خطوة سابقة لتهدئة ارتفاع أسعار الطاقة.

ويأتي هذا الترخيص الصادر عن وزارة الخزانة الأميركية، بعد يومين من تصريح وزير الخزانة سكوت بيسنت بأن واشنطن لن تمدد الإعفاء.


انقسامات وضغوط داخلية ترافق توجّه ترمب نحو حسم حرب إيران

تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)
تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)
TT

انقسامات وضغوط داخلية ترافق توجّه ترمب نحو حسم حرب إيران

تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)
تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)

بالتوازي مع الحديث عن جولة ثانية من المفاوضات بين واشنطن وطهران، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن حرب إيران شارفت على الانتهاء، في تغيير لافت في مواقفه من لهجة التصعيد إلى التهدئة، ومن التهديد إلى الانفتاح على التسوية.

وفي الداخل الأميركي، تتصاعد الضغوط على الإدارة مع ارتفاع مستمر في الأسعار، وتململ جمهوري من حرب قد تتحول إلى عبء انتخابي مع اقتراب استحقاق نوفمبر (تشرين الثاني) للتجديد النصفي.

في المقابل، لا تزال الحشود العسكرية تتوجه إلى الشرق الأوسط مع إعلان «البنتاغون» عن إرسال الآلاف من القوات الإضافية هذا الأسبوع.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، التجاذبات الداخلية في الولايات المتحدة جراء حرب إيران، وما إذا كانت تؤثر على توجّه ترمب في استئناف الحرب أو التوصل إلى اتفاق مع إيران.

لبنان وإيران

مع إعلان ترمب عن التوصل إلى وقف إطلاق نار بين لبنان وإسرائيل، رحب أدولفو فرانكو مستشار السيناتور الجمهوري السابق جون ماكين والخبير الاستراتيجي الجمهوري، بهذا التطور ووصفه بالإيجابي للغاية، مشيراً إلى ارتباطه الوثيق بالملف الإيراني. وفسّر قائلاً إن وقف إطلاق النار شكّل نقطة خلافية مع إيران، التي تصر على أنه كان جزءاً من الاتفاق الأولي معها، على خلاف موقف الولايات المتحدة.

ترمب أعلن عن اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ويعتبر فرانكو أن هذا الإعلان من شأنه أن يزيل عقبة أمام استمرار المفاوضات مع طهران.

من ناحيته، يعتبر إيان راسل نائب المدير التنفيذي السابق للجنة الحملة الانتخابية الديمقراطية للكونغرس، أن أحد أسباب هذا الإعلان هو أن ترمب يواجه مشكلة حقيقية في الداخل الأميركي، ما سيدفعه للجوء إلى تسوية مع إيران. ويشير إلى أنه أصبح في موقف دفاعي بسبب ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية، وتأثير ذلك على استطلاعات الرأي، مضيفاً: «الرئيس يواجه مشكلة حقيقية في الوقت الحالي، والجمهوريون الذين يخوضون انتخابات نوفمبر يواجهون المشكلة ذاتها؛ لذا تبدو الإدارة في حالة يأس متزايد في محاولة للتوصل إلى حل لهذا الأمر».

وانعكس هذا القلق الجمهوري في تصويت مجلس النواب لتقييد صلاحيات ترمب في حرب إيران؛ إذ كانت النتيجة متقاربة جداً بفارق صوت واحد فقط تمكن من إفشال إقراره، على خلاف مجلس الشيوخ، حيث لا يزال الجمهوريون محافظين على وحدة صفهم.

وتنقل دانييلا تشيسلو، مراسلة الأمن القومي في موقع «بوليتيكو»، ما سمعته من آراء المشرّعين بهذا الخصوص، مشيرة إلى تقارب الأرقام في مجلس النواب. وقالت إن الديمقراطيين سيستمرون في محاولاتهم طرح هذه المشاريع للتصويت للضغط على الجمهوريين في الموسم الانتخابي، في حين يحرص الجمهوريون على عدم إغضاب ترمب في هذه المرحلة، ويدفعون نحو المزيد من الإحاطات من الإدارة التي لا تزال حتى الساعة مغلقة.

انقسامات حزبية

دافع فرانكو عن الموقف الجمهوري الداعم لسياسات ترمب تجاه إيران، مشدداً على أن التقارب في الأصوات طبيعي في قضايا من هذا النوع بسبب التركيبة الحالية في الكونغرس.

زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ جون ثون بالكونغرس يوم 14 أبريل 2026 (رويترز)

ويعتبر فرانكو أن تحرك الديمقراطيين في مساعيهم لتقييد صلاحيات ترمب هو سياسي بحت، مشيراً إلى أنه، حتى لو تم إقرار المشروع، يمكن لترمب استعمال حق النقض ضده. وفي رأي المحلل الجمهوري، فإن مشروع تفويض الحرب الذي أقره الكونغرس في عام 1973، والذي يعطي المجلس التشريعي صلاحية الإعلان عن الحرب، هو «غير قانوني ومخالف للدستور»، معرباً عن أمله في أن يسعى ترمب إلى اختباره في المحاكم الأميركية.

ويخفف فرانكو من وطأة حرب إيران على حظوظ الجمهوريين في الانتخابات النصفية، مشيراً إلى أن حزب الرئيس غالباً ما يخسر الأغلبية في مجلس النواب بغض النظر عن القضايا المطروحة.

كما خفّف من شأن ارتفاع الأسعار، وقال: «أنا أختلف تماماً مع هذه المقاربة، لو كان هذا هو التحليل في الحرب العالمية الثانية، لما خضنا الحرب. إيران تشكل تهديداً وجودياً للمنطقة وللعالم. إنها دولة إرهابية لا يمكننا تحمل امتلاكها سلاحاً نووياً».

ورداً على انتقادات الديمقراطيين، ذكر فرانكو أن سعر البنزين في عهد إدارة بايدن وصل إلى مستويات عالية بسبب حرب أوكرانيا، مضيفاً: «كانت إدارة بايدن تدعو الأميركيين إلى التحمل بسبب حرب أوكرانيا. والوضع نفسه ينطبق الآن على الجمهوريين. لكن الفارق هو أن الشعب الأميركي يدرك أن إيران تشكل تهديداً لأمن هذا البلد».

ترتفع أسعار البنزين في أميركا جراء حرب إيران (رويترز)

تصريحات أثارت استياء راسل، الذي أعرب عن أمله في أن يردد الجمهوريون مواقف فرانكو في انتخابات التجديد النصفي، معتبراً أن الشعب الأميركي سيستجيب بشكل سلبي للغاية لهذه الرسالة. ويضيف: «الجمهوريون في وضع حرج بالفعل مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. وما فعله ترمب هو أنه عقّد فرصهم في الفوز. فهو ركز في حملته الانتخابية على خفض التكاليف. لكن بدلاً من ذلك، ارتفعت التكاليف. كما لم يحاول إقناع الشعب الأميركي بضرورة خوض هذه الحرب».

واعتبر راسل أن الحرب ستتسبب في «كارثة سياسية للمرشحين الجمهوريين في جميع أنحاء البلاد». وتوقع أن يبرم ترمب اتفاقاً مشابهاً لذلك الذي أبرمته إدارة باراك أوباما مع إيران، مضيفاً: «لقد أدرك الإيرانيون أنه بإمكانهم فرض رسوم عبور على مضيق هرمز. وقد نكون في وضع أسوأ مما كنا عليه في عام 2016 بعد أن أبرم أوباما الاتفاق النووي مع إيران. إنها كارثة سياسية كاملة بالنسبة لترمب والجمهوريين، وأخشى أن الأسوأ لم يأتِ بعد».

ترمب يتحدث عن سياساته الضريبية في نيفادا يوم 16 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وتسلط تشيسلو الضوء على ما تسمعه من بعض النشطاء الجمهوريين، مشيرة إلى أنهم يشعرون بالقلق من الانتخابات، وتنقل عنهم: «لقد قال أحد النشطاء لزملائي إن كل شيء أصبح أكثر صعوبة بسبب القرارات الصادرة من البيت الأبيض، على حد تعبيره. إنهم يشعرون أنه في الوقت الذي يريدون فيه أن يركز الرئيس على مسألة القدرة على تحمل التكاليف، فإنه يشتت انتباهه بالحرب في إيران».

وأعطت مثالاً على ذلك قائلة إن الخامس عشر من أبريل (نيسان) كان يوم الضرائب في أميركا، وهو يوم كان من المفترض أن يعكس انتصاراً سياسياً كبيراً للجمهوريين الذين أقروا تخفيضات كبيرة في الضرائب، لكن الناس لا يشعرون بتخفيف العبء؛ لأن أسعار البنزين ترتفع. وتضيف: «يشهد المزارعون ارتفاعاً في أسعار الأسمدة والديزل. هذه فئة من الناخبين كانت داعمة جداً للرئيس. وأعتقد أن الاستراتيجيين الجمهوريين يشعرون بقلق أكبر قليلاً مما قد نسمعه من الجمهوريين، مثل زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ جون ثون، الذي يتحدث بثقة كبيرة داعماً لتحركات الرئيس». لكن فرانكو يعارض هذا التقييم، ويرفض استطلاعات الرأي التي تظهر أن أغلبية الأميركيين يعارضون الحرب، مشيراً إلى أن «موسم الحرب لم ينتهِ بعد». ويقول: «بمجرد أن تنتهي هذه الحرب، وأعتقد أنها ستنتهي لصالح الولايات المتحدة وسنحقق أهدافنا، أعتقد أن شعبية الرئيس سترتفع بشكل كبير، وستبدأ الأسعار في الانخفاض بسرعة. أنا أتفق أنه من الصعب دائماً إقناع الناس بضرورة شد أحزمتهم. لكن الأمر يتعلق بكيفية انتهاء هذا الصراع في النهاية، وأعتقد أن الناس يرون الفرق بين القوة والضعف. وما نراه الآن هو اختلاف كبير مع سياسات الديمقراطيين الكارثية الاستسلامية والانهزامية».

استراتيجية ديمقراطية

أما راسل فيعتبر أن ما يراه الشعب الأميركي مختلف عما يصوره فرانكو. ويقول إن «أحد الأسباب التي تجعل هذه الأزمة كارثة سياسية كبرى بالنسبة لترمب، هو أن الشعب الأميركي يقول إن الأموال تتوفر بوفرة عندما يريد الجنرالات والسياسيون خوض حرب، ولكن عندما يتعلق الأمر بتوفير الرعاية الصحية أو بناء البنية التحتية أو تنمية بلدنا ورعاية شعبنا، فإن ترمب نفسه قال إننا لا نستطيع توفير حضانات للأطفال وتوفير الرعاية الصحية لأن لدينا حرباً نخوضها. الشعب الأميركي لم يوافق على هذه الصفقة، ولن يقبل بذلك. ولهذا السبب، سيُطرد الجمهوريون من مناصبهم في نوفمبر».

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر بالكونغرس يوم 14 أبريل 2026 (أ.ب)

تصريحات أثارت غضب فرانكو الذي توجّه إلى راسل بالحديث قائلاً: «لن تقلق بشأن الرعاية الصحية أو سوق الأسهم أو الاقتصاد إذا أطلقت إيران قنبلة نووية على الولايات المتحدة. مشكلة الحزب الديمقراطي هي أنه يدعم فلسفة الأربعينيات، التي انتظرت حتى ضربة في بيرل هاربور. ربما ينجح ذلك في الحرب التقليدية وعدم شن ضربة استباقية، لكنه لا ينجح في عالم اليوم. لن نضطر إلى القلق بشأن اقتصادنا إذا طورت إيران سلاحاً نووياً؛ سنضطر إلى القلق بشأن بقائنا. وهذا هو ما يُعتبر قصر نظر. كان قصر نظر في الثلاثينيات عندما كان أمثالهم في السلطة ووقع هجوم بيرل هاربور، وهو قصر نظر اليوم».

تراجع الدعم الحزبي لإسرائيل

وفي ظل هذه الاتهامات المتبادلة، تتحدث تشيسلو عن تغيير لافت في المشهد السياسي الأميركي. وتعطي مثالاً على ذلك بتصويت مجلس الشيوخ على تقييد الأسلحة الأميركية لإسرائيل الذي طرحه السيناتور التقدمي بيرني ساندرز.

السيناتور التقدمي بيرني ساندرز في تجمع للنقابات العمالية بنيويورك يوم 14 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

فرغم إسقاط المشروع، فإنه حصد دعم 40 ديمقراطياً من أصل 47، وهو يُعدّ سابقة في الكونغرس الذي لطالما دعم الحزبان فيه إسرائيل. وأضافت: «ما نراه الآن هو أن إسرائيل ستظهر مراراً وتكراراً كقضية حاسمة للغاية بالنسبة للديمقراطيين في الانتخابات النصفية، وستشكل نوعاً من الاختبار الحاسم لمعرفة مَن في الحزب مستعد لاتخاذ موقف أكثر تقدمية، وأكثر يسارية، وانتقادي تجاه إسرائيل، ومَن سيبقى متمسكاً بالموقف الأكثر اعتدالاً للحزب، الذي، مثل الجمهوريين، ظل على مدى عقود متحالفاً مع إسرائيل».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مؤتمر صحافي بالقدس يوم 19 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ويلوم راسل رئيسَ الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وسياساته على جعل إسرائيل قضية حزبية، بعد أن كانت قضية يُجمع عليها الحزبان. ويضيف: «لقد كانت إسرائيل وأمنها يعلوان على السياسة الحزبية، لكن نتنياهو غيّر ذلك. إذا نظرتم إلى التصويت في مجلس الشيوخ، فإن أي ديمقراطي في المجلس يفكر بجدية في الترشح للرئاسة صوّت لصالح مشروع ساندرز. وهذا يعكس موقف الناخبين وموقف الديمقراطيين. فهناك شعور أن إسرائيل تحصل على كل ما تطلبه من الولايات المتحدة. وحقيقة الأمر أن ترمب حقق حلم نتنياهو المحموم بضرب إيران، والشعب الأميركي يدفع ثمناً باهظاً لذلك».