هل كان الاعتراف في غوانتانامو طوعاً؟ قريباً سيقرر القاضي

معتقل غوانتانامو حيث يُحتجَز أسرى «القاعدة»... (نيويورك تايمز)
معتقل غوانتانامو حيث يُحتجَز أسرى «القاعدة»... (نيويورك تايمز)
TT

هل كان الاعتراف في غوانتانامو طوعاً؟ قريباً سيقرر القاضي

معتقل غوانتانامو حيث يُحتجَز أسرى «القاعدة»... (نيويورك تايمز)
معتقل غوانتانامو حيث يُحتجَز أسرى «القاعدة»... (نيويورك تايمز)

استجوبت «الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه)» عمار البلوشي 1119 مرة على مدار أكثر من 3 سنوات، قبل أن توجه له أي تهمة ذات صلة بهجمات «11 سبتمبر (أيلول) 2001». في البداية، تعرض للضرب، والحرمان من النوم، وظل مقيداً بالأغلال وعارياً في سجن سري بأفغانستان. حتى بعد توقف الوحشية، استمر الاستجواب، بينما كان منقطع الصلة بالغير، ومنعزلاً عن العالم الخارجي تماماً، خلال تلك المدة. ثم في عام 2006، نُقل إلى خليج غوانتانامو، وباشر «مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)» عمليات الاستجواب. خلال تلك الجلسات، في عام 2007، كان البلوشي يرتدي ملابسه كاملة، وكان الكاحل مكبلاً إلى الأرض... وكان ذلك عندما أوضح للعملاء، الذين يبنون القضية الجنائية بحقه، كيف أنه أرسل الأموال، وقدم دعماً آخر، لبعض الخاطفين الذين هاجموا الولايات المتحدة في 11 سبتمبر 2001.

جانب من القاعدة البحرية الأميركية بخليج غوانتانامو في كوبا (أ.ف.ب)

من شأن القاضي العسكري الآن أن يُقرر ما إذا كان بالإمكان استخدام اعتراف عام 2007 ضد عمار البلوشي في محاكمة عقوبتها الإعدام، من عدمه. السؤال الرئيسي هو: هل كان اعترافه لدى «مكتب التحقيقات الفيدرالي» طوعاً، أم كان نتيجة لحملة تعذيب ترعاها الدولة امتدت طوال مدة احتجازه لدى «الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه)»؟

يُذكر أن قضية «11 سبتمبر» تقف مرة أخرى عند مفترق طرق في خليج غوانتانامو. وينتظر 3 متهمين، من بينهم عمار البلوشي، وخالد شيخ محمد، حل نزاع بشأن ما إذا كان بإمكانهم الإقرار بالذنب مقابل أحكام بالسجن مدى الحياة. وحُكم على متهم رابع بأنه غير لائق عقلياً لمواجهة المحاكمة. عمار البلوشي هو السجين الوحيد حالياً الذي في طريقه إلى المحاكمة على الهجمات التي أودت بحياة نحو 3 آلاف شخص في نيويورك وبنسلفانيا ووزارة الدفاع الأميركية.

صورة رسمتها الفنانة جانيت هاملين واطلع عليها الجيش الأميركي لقاعة المحكمة تُظهر خالد شيخ محمد (وسط الصورة) والمتهم المشارك وليد بن عطاش (يسار) وهما يحضران جلسة ما قبل المحاكمة بقاعدة خليج غوانتانامو البحرية في كوبا (أ.ب)

ما تجب معرفته: قضية «11 سبتمبر» في خليج غوانتانامو

يواجه خالد شيخ محمد، المتهم بتدبير هجمات «11 سبتمبر»، برفقة 4 متهمين آخرين، اتهامات في محكمة عسكرية أميركية بخليج غوانتانامو، بالمساعدة في عمليات الاختطاف التي أسفرت عن مقتل نحو 3 آلاف شخص. وتصل عقوبة هذه الاتهامات إلى الإعدام.

المحكمة

وُجهت الاتهامات بحق المتهمين في عام 2012، ولكن القضية كانت غارقة في إجراءات ما قبل المحاكمة، وركز كثير منها على تعذيب المتهمين من قبل «الاستخبارات المركزية الأميركية».

تعرف على المزيد بشأن سبب عدم بدء المحاكمة

دور التعذيب

في عام 2021، رفض قاضٍ عسكري في قضية أخرى تتعلق بعقوبة الإعدام في غوانتانامو الأدلة الأساسية؛ لأن ذلك السجين تعرض للتعذيب. ويطعن محامو الدفاع في قضية «11 سبتمبر» في النوع نفسه من الأدلة، ويسعون إلى رفض القضية، أو احتمال صدور حكم بالإعدام بسبب التعذيب.

صفقة الإقرار بالذنب

أقرت السيدة سوزان إسكالييه، وهي جنرال متقاعد ومحامية سابقة في الجيش، بـ«اتفاقية الإقرار بالذنب» في يوليو (تموز) الماضي بُغية الوصول إلى حل للقضية من خلال إصدار أحكام بالسجن مدى الحياة على خالد شيخ محمد ومتهمين آخرين. غير أن وزير الدفاع الأميركي، لويد أوستن، ألغى ذلك الاتفاق على نحو مفاجئ، مما جدد الاحتمال بأن يواجهوا عقوبة الإعدام يوماً ما.

محتجز في غوانتانامو قٌيدت رجلاه إلى أرضية الغرفة عند حضوره دروساً لتطوير المهارات عام 2010 (رويترز)

سلطة الموافقة على صفقات الإقرار بالذنب

بعد أن طعن محامو الدفاع في إلغاء الوزير أوستن، حكم قاضٍ آخر، هو العقيد ماثيو ماكول، بأن الصفقة الأصلية يمكن أن تمضي قدماً. وفي نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، جرد أوستن السيدة إسكالييه من سلطتها في التوصل إلى تسويات بأي قضية في خليج غوانتانامو، ومنح نفسه السلطة الوحيدة للموافقة على «صفقات الإقرار بالذنب» في قضايا الإرهاب هناك خلال الأشهر الأخيرة من إدارة بايدن.

المدعى عليهم في «صفقة الإقرار بالذنب»

إلى جانب خالد شيخ محمد، يُتهم وليد بن عطاش بتدريب اثنين من الخاطفين، والبحث في الرحلات الجوية والجداول الزمنية، واختبار قدرة أحد الركاب على إخفاء شفرة حلاقة على متن الرحلات الجوية. كما يُتهم مصطفى الهوساوي بمساعدة بعض الخاطفين مالياً وتسهيل ترتيبات سفر.

المدعى عليهم الآخرون

عمار البلوشي متهم بنقل أموال من الإمارات العربية المتحدة إلى بعض الخاطفين في الولايات المتحدة. وقد اختار عدم الانضمام إلى «اتفاق الإقرار بالذنب»، وقد يواجه المحاكمة بمفرده. واتُهم رمزي بن الشيبة بالمساعدة في تنظيم خلية للخاطفين في ألمانيا. ووُجد في عام 2023 أنه غير مؤهل طبياً للمثول أمام المحكمة، وأُبعد عن القضية. وقد يواجه يوماً ما المحاكمة إذا استرد صحته العقلية.

ويُلقي السؤال بشأن ما إذا كان يمكن استخدام هذه المذكرة بظلاله على القضية لنحو 6 سنوات، والتي استحوذت على آلاف الصفحات من المرافعات السابقة للمحاكمة، وعشرات الأيام من شهادات الشهود التي قاطعتها جائحة فيروس «كورونا».

معتقل داخل معسكر «دلتا» في غوانتانامو (متداولة)

في جلسة المحكمة الأخيرة، أشار أحد المدعين العامين، وهو جيفري دي غروهارنغ، إلى ملاحظتين منسوبتين إلى عمار البلوشي في الوثيقة بوصفهما دليلاً على أن الاعتراف كان طوعاً. في أول يوم له، عندما سُئل البلوشي عما إذا كان سوف يُجيب عن أسئلتهم، رد بقوله: «دعونا نبدأ العمل». كان هذا الاستجواب رقم 1120 بالنسبة إليه. قال غروهارنغ إن البلوشي تطوع، في وقت لاحق، بذكر الدافع إلى «هجمات 11 سبتمبر»، وأوضح: «كان يريد أن يشعر الأميركيون بالألم نفسه الذي شعر به الفلسطينيون، وأن يتوقفوا عن دعم إسرائيل». وأضاف غروهارنغ أن البلوشي كان في أيامه الأولى من اعتقاله عام 2003 محتجزاً في «ظروف بائسة وغير مريحة لا يمكن إنكارها، ومن شأنها التأثير على أي شخص... لقد احتجزته (الاستخبارات المركزية الأميركية) بوصفه عدواً للولايات المتحدة، بقصد جمع المعلومات الاستخباراتية وتعطيل مزيد من المؤامرات». وقد أقر بأن الاعترافات التي أدلى بها البلوشي خلال سنواته في برنامج «(الموقع الأسود) السري لوكالة الاستخبارات، لا يمكن استخدامها ضده في محاكمته».

مدخل معسكر «دلتا» في محيط قاعدة غوانتانامو (نيويورك تايمز)

غروهارنغ عاد فقال إن البلوشي يعرف أنه يمكن أن يرفض التعاون مع عملاء «مكتب التحقيقات الفيدرالي» في غوانتانامو، مُضيفاً أن أجهزة التنصت في فناء السجن ضبطت عمار البلوشي وهو يناقش المسألة مع سجين آخر. لكن محامي الدفاع دفعوا بأنه حتى بعد نقل البلوشي إلى غوانتانامو، كان ما زال يعتقد أنه إذا لم يتعاون مع المحققين، فإنه سوف يتعرض للتعذيب مرة أخرى، وربما للقتل. استُجوب في الأيام الأولى عبر برنامج «الاستخبارات المركزية الأميركية» الذي يُسمى «الاستجواب المعزز»، والذي سمح باستخدام الأساليب الوحشية. وقد تناوب الطلاب المحققون على ضرب رأسه بالحائط. وظل مستيقظاً لمدة 82 ساعة، ودفعوه إلى الظن بالموت غرقاً في تقنية «محاكاة الغرق» التي كان يوضع فيها على قطعة قماش ويُسكب الماء البارد على منشفة تغطي وجهه.

شهد علماء النفس بأن المحققين أوقفوا العنف، ولكنهم كانوا يشيرون إليه باستخدام إشارات معينة، مثل وضع منشفة على الطاولة خلال استجوابه، غير أن المعتقل غير المتعاون، قد يخضع لمزيد من أساليب «الاستجواب المعزز». وصفت ألكا برادهان، المحامية الحقوقية، عمار البلوشي بأنه «ناجٍ محطم من برنامج (التجارب البشرية غير الرضائية) الذي أقرته الولايات المتحدة». وأشارت إلى تحقيق أجرته «الاستخبارات المركزية الأميركية»، نقلت فيه عن أحد موظفي «الوكالة» وصفه أول موقع احتجاز للسجين بأنه «زنزانة»، وآخر بأنه مثل «معسكر اعتقال نازي». غير أن التجربة استمرت، وفق قولها، «حيث نُقل بين 5 (مواقع سوداء) مختلفة. كان عالَماً منعزلاً من الضوضاء المستمرة في الخلفية، وزنازين عقيمة لم تُطفأ أنوارها مطلقاً، ومسامير يمكن تقييده بها على الأرضية أو السرير أو السقف، تماماً مثل الزنزانة التي استجوبه فيها عملاء (مكتب التحقيقات الفيدرالي) في سجن غوانتانامو».

مساحة مشتركة للمحتجزين في مركز الاحتجاز رقم «6» بخليج غوانتانامو عام 2019 (نيويورك تايمز)

عرضت السيدة برادهان على المحكمة صوراً فوتوغرافية للبلوشي حال تجهيزه للنقل بين «المواقع السوداء»: «إنه عارٍ تماماً، ويبدو أنه يعاني من سوء التغذية». وقالت إنه «في إحدى الصور وُضعت ضمادات على معصميه المكبلين؛ لأن أغلاله السابقة صارت صدئة للغاية في احتجازه الرطب، لدرجة أنه كان لا بد من قطعها عنه». وقالت السيدة برادهان: «كان الغرض من ذلك، هو ترويض عقل عمار على تحقيق الامتثال الدائم». وقالت إنه ينبغي استبعاد اعترافاته في عام 2007 بسبب «المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة على الأقل».

أقر المدعي العام بأن الطاقم الطبي العسكري الأميركي، قد شخّص حالة البلوشي بالقلق والاكتئاب. وشهد طبيب نفسي في الجيش بأنه وصف له دواء وأعطاه كتاباً للمساعدة الذاتية. وقال محاموه إن الفحوصات التي أجريت له في غوانتانامو كشفت أيضاً عن أنه كان يعاني من إصابة دماغية مؤلمة. غير أن المدعي العام دفع بأنه خلال الأيام الثلاثة التي قضاها في غوانتانامو عام 2007 لم يكتشف خلالها عملاء «مكتب التحقيقات الفيدرالي» و«المحلل» أي علامة تدل على الضيق لدى عمار البلوشي، جاعلين اعترافه طوعاً وموثوقاً به. وكان قد شرح بهدوء السجلات التي تُظهر كيف أنه أجرى عمليات شراء عبر الإنترنت وباشر تحويلات مصرفية بناء على طلب من عمه، خالد شيخ محمد، وفقاً للمدعي العام.

قدم جيمس جي كونيل الثالث، كبير محامي الدفاع عن البلوشي، حجة دستورية لدحض الاعتراف. وقال إن 3 سنوات من الاعتقال من دون السماح له بالاتصال بمحامٍ، أو الحصول على حقوق الإنسان الأساسية، ينبغي أن تكون كافية لإسقاط حق الحكومة الأميركية في استخدام ذلك الاعتراف ضده. وقال كونيل إنه بحلول الوقت الذي جُلب فيه البلوشي إلى غوانتانامو، كان محققو «الاستخبارات المركزية الأميركية» قد أظهروا له بالفعل كل وثيقة وقطعة من الأدلة التي كانت بحوزة عملاء «مكتب التحقيقات الفيدرالي» في استجوابه عام 2007. كما قال كونيل: «لا يهم ما إذا كان الناس يتصرفون انطلاقاً من دافع السادية أم الوطنية. ولا يهم ما إذا كان الناس قد تصرفوا لإنقاذ الأرواح أم لتعزيز حياتهم المهنية... ما يهم هو أن ذلك قد حدث بالفعل».


مقالات ذات صلة

دمشق تؤكد تسلّمها كل القواعد التي شغلها الجيش الأميركي في سوريا

المشرق العربي صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)

دمشق تؤكد تسلّمها كل القواعد التي شغلها الجيش الأميركي في سوريا

أكدت الحكومة السورية، الخميس، أنها تسلّمت كل القواعد العسكرية التي كانت تشغلها قوات أميركية انتشرت في البلاد منذ أعوام في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شمال افريقيا وحدات النخبة الليبية التابعة للجيش الوطني خلال مشاركتها في تمرين «فلينتلوك 2026» المقام بمدينة سرت (شعبة الإعلام الحربي)

مستشار ترمب يتحدّث عن دور أكبر لليبيا في مكافحة الإرهاب

وصف مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، الأربعاء، تمرين «فلينتلوك 2026»، الذي تستضيفه مدينة سرت الليبية، بأنه «إشارة تبعث على الأمل».

خالد محمود (القاهرة)
أفريقيا رجال شرطة وسط الأضرار التي لحقت بسوق مدينة مايدوغوري جراء التفجيرات الانتحارية (أ.ب)

جدل في نيجيريا بعد ضربة جوية استهدفت سوقاً شعبية

جدل في نيجيريا بعد ضربة جوية استهدفت سوقاً شعبية والجيش قال الضربة دقيقة وليست عشوائية والسوق مركز لوجيستي لـ«داعش» و«بوكو حرام»

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا ضباط من الشرطة والجيش النيجيريين يصلون لحضور فعالية في مدينة مينا النيجيرية يوم 22 ديسمبر 2025 (أ.ب)

مسلحون يهاجمون قاعدة للجيش النيجيري... ويقتلون قائدها و6 جنود

اقتحم مسلحون متطرفون في وقت متأخر من مساء أمس (الأحد) قاعدة للجيش النيجيري، قرب الحدود الشمالية الشرقية للبلاد مع تشاد، ما أسفر عن مقتل قائد القاعدة و6 جنود.

«الشرق الأوسط» (أبوجا)
أوروبا صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)

القضاء الفرنسي يدين شركة «لافارج» بتهمة تمويل متطرفين في سوريا

أدانت محكمة في باريس، الاثنين، شركة الأسمنت الفرنسية «لافارج» بتهمة دفع أموال لتنظيم «داعش» وجماعات متطرفة أخرى لتأمين استمرار العمل في مصنعها في سوريا.

«الشرق الأوسط» (باريس)

ترمب: حصار موانىء إيران «سيظل قائماً» في حال عدم التوصل إلى اتفاق

ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)
ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)
TT

ترمب: حصار موانىء إيران «سيظل قائماً» في حال عدم التوصل إلى اتفاق

ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)
ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أنه يعتزم مواصلة محاصرة الموانىء الإيرانية في حال عدم التوصل إلى اتفاق مع طهران، مشيرا إلى أنه قد لا يمدد وقف إطلاق النار بعد موعد انتهائه الأربعاء.

 

وقال ترمب للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية «اير فورس وان» في تعليق على مصير وقف إطلاق النار في حال عدم التوصل لاتفاق مع طهران «ربما لن أمدده»، مضيفا «لكن الحصار سيظل قائما».

وقد أعادت إيران فتح مضيق هرمز الجمعة إثر اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، رغم تهديد طهران بإغلاق هذا الممر المائي الحيوي مجددا في حال استمرار الحصار الأميركي.

وعند سؤال ترمب عن إمكانية التوصل إلى اتفاق، قال «أعتقد أن ذلك سيحدث».

ولا تزال ثمة خلافات جوهرية بين مطالب الولايات المتحدة وإيران اللتين فشلتا سابقا في التوصل إلى اتفاق خلال محادثات باكستان.

وأبلغ ترمب الصحافيين أنه «لن تُفرض رسوم» من جانب إيران على السفن العابرة لمضيق هرمز، وهو مطلب طرحته الجمهورية الإسلامية خلال مفاوضات سابقة.

وفي منشور على منصته «تروث سوشال»، قال ترمب إن الرئيس الصيني شي جينبينغ «سعيد للغاية» بإعادة فتح هذا الممر المائي الحيوي.

وأضاف «سيكون اجتماعنا في الصين مميزا، وربما تاريخيا»، في إشارة إلى القمة المزمع عقدها في بكين بين الرئيسين الأميركي والصيني في مايو (أيار).

كما شدد ترمب على أن واشنطن وطهران ستنقلان معا اليورانيوم المخصب المخزّن في إيران إلى الولايات المتحدة بموجب الخطة التي تعمل عليها واشنطن لإنهاء الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط).

وكانت وزارة الخارجية الإيرانية قد صرّحت سابقا بأن مخزونها من اليورانيوم لن يُنقل «إلى أي مكان».

 


الولايات المتحدة تمدد إعفاء النفط الروسي الموجود في عرض البحر من العقوبات

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

الولايات المتحدة تمدد إعفاء النفط الروسي الموجود في عرض البحر من العقوبات

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أصدرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إعفاء لمدة شهر يسمح ببيع النفط الروسي المحمل على متن ناقلات في عرض البحر، وذلك في إطار خطوة سابقة لتهدئة ارتفاع أسعار الطاقة.

ويأتي هذا الترخيص الصادر عن وزارة الخزانة الأميركية، بعد يومين من تصريح وزير الخزانة سكوت بيسنت بأن واشنطن لن تمدد الإعفاء.


انقسامات وضغوط داخلية ترافق توجّه ترمب نحو حسم حرب إيران

تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)
تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)
TT

انقسامات وضغوط داخلية ترافق توجّه ترمب نحو حسم حرب إيران

تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)
تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)

بالتوازي مع الحديث عن جولة ثانية من المفاوضات بين واشنطن وطهران، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن حرب إيران شارفت على الانتهاء، في تغيير لافت في مواقفه من لهجة التصعيد إلى التهدئة، ومن التهديد إلى الانفتاح على التسوية.

وفي الداخل الأميركي، تتصاعد الضغوط على الإدارة مع ارتفاع مستمر في الأسعار، وتململ جمهوري من حرب قد تتحول إلى عبء انتخابي مع اقتراب استحقاق نوفمبر (تشرين الثاني) للتجديد النصفي.

في المقابل، لا تزال الحشود العسكرية تتوجه إلى الشرق الأوسط مع إعلان «البنتاغون» عن إرسال الآلاف من القوات الإضافية هذا الأسبوع.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، التجاذبات الداخلية في الولايات المتحدة جراء حرب إيران، وما إذا كانت تؤثر على توجّه ترمب في استئناف الحرب أو التوصل إلى اتفاق مع إيران.

لبنان وإيران

مع إعلان ترمب عن التوصل إلى وقف إطلاق نار بين لبنان وإسرائيل، رحب أدولفو فرانكو مستشار السيناتور الجمهوري السابق جون ماكين والخبير الاستراتيجي الجمهوري، بهذا التطور ووصفه بالإيجابي للغاية، مشيراً إلى ارتباطه الوثيق بالملف الإيراني. وفسّر قائلاً إن وقف إطلاق النار شكّل نقطة خلافية مع إيران، التي تصر على أنه كان جزءاً من الاتفاق الأولي معها، على خلاف موقف الولايات المتحدة.

ترمب أعلن عن اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ويعتبر فرانكو أن هذا الإعلان من شأنه أن يزيل عقبة أمام استمرار المفاوضات مع طهران.

من ناحيته، يعتبر إيان راسل نائب المدير التنفيذي السابق للجنة الحملة الانتخابية الديمقراطية للكونغرس، أن أحد أسباب هذا الإعلان هو أن ترمب يواجه مشكلة حقيقية في الداخل الأميركي، ما سيدفعه للجوء إلى تسوية مع إيران. ويشير إلى أنه أصبح في موقف دفاعي بسبب ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية، وتأثير ذلك على استطلاعات الرأي، مضيفاً: «الرئيس يواجه مشكلة حقيقية في الوقت الحالي، والجمهوريون الذين يخوضون انتخابات نوفمبر يواجهون المشكلة ذاتها؛ لذا تبدو الإدارة في حالة يأس متزايد في محاولة للتوصل إلى حل لهذا الأمر».

وانعكس هذا القلق الجمهوري في تصويت مجلس النواب لتقييد صلاحيات ترمب في حرب إيران؛ إذ كانت النتيجة متقاربة جداً بفارق صوت واحد فقط تمكن من إفشال إقراره، على خلاف مجلس الشيوخ، حيث لا يزال الجمهوريون محافظين على وحدة صفهم.

وتنقل دانييلا تشيسلو، مراسلة الأمن القومي في موقع «بوليتيكو»، ما سمعته من آراء المشرّعين بهذا الخصوص، مشيرة إلى تقارب الأرقام في مجلس النواب. وقالت إن الديمقراطيين سيستمرون في محاولاتهم طرح هذه المشاريع للتصويت للضغط على الجمهوريين في الموسم الانتخابي، في حين يحرص الجمهوريون على عدم إغضاب ترمب في هذه المرحلة، ويدفعون نحو المزيد من الإحاطات من الإدارة التي لا تزال حتى الساعة مغلقة.

انقسامات حزبية

دافع فرانكو عن الموقف الجمهوري الداعم لسياسات ترمب تجاه إيران، مشدداً على أن التقارب في الأصوات طبيعي في قضايا من هذا النوع بسبب التركيبة الحالية في الكونغرس.

زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ جون ثون بالكونغرس يوم 14 أبريل 2026 (رويترز)

ويعتبر فرانكو أن تحرك الديمقراطيين في مساعيهم لتقييد صلاحيات ترمب هو سياسي بحت، مشيراً إلى أنه، حتى لو تم إقرار المشروع، يمكن لترمب استعمال حق النقض ضده. وفي رأي المحلل الجمهوري، فإن مشروع تفويض الحرب الذي أقره الكونغرس في عام 1973، والذي يعطي المجلس التشريعي صلاحية الإعلان عن الحرب، هو «غير قانوني ومخالف للدستور»، معرباً عن أمله في أن يسعى ترمب إلى اختباره في المحاكم الأميركية.

ويخفف فرانكو من وطأة حرب إيران على حظوظ الجمهوريين في الانتخابات النصفية، مشيراً إلى أن حزب الرئيس غالباً ما يخسر الأغلبية في مجلس النواب بغض النظر عن القضايا المطروحة.

كما خفّف من شأن ارتفاع الأسعار، وقال: «أنا أختلف تماماً مع هذه المقاربة، لو كان هذا هو التحليل في الحرب العالمية الثانية، لما خضنا الحرب. إيران تشكل تهديداً وجودياً للمنطقة وللعالم. إنها دولة إرهابية لا يمكننا تحمل امتلاكها سلاحاً نووياً».

ورداً على انتقادات الديمقراطيين، ذكر فرانكو أن سعر البنزين في عهد إدارة بايدن وصل إلى مستويات عالية بسبب حرب أوكرانيا، مضيفاً: «كانت إدارة بايدن تدعو الأميركيين إلى التحمل بسبب حرب أوكرانيا. والوضع نفسه ينطبق الآن على الجمهوريين. لكن الفارق هو أن الشعب الأميركي يدرك أن إيران تشكل تهديداً لأمن هذا البلد».

ترتفع أسعار البنزين في أميركا جراء حرب إيران (رويترز)

تصريحات أثارت استياء راسل، الذي أعرب عن أمله في أن يردد الجمهوريون مواقف فرانكو في انتخابات التجديد النصفي، معتبراً أن الشعب الأميركي سيستجيب بشكل سلبي للغاية لهذه الرسالة. ويضيف: «الجمهوريون في وضع حرج بالفعل مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. وما فعله ترمب هو أنه عقّد فرصهم في الفوز. فهو ركز في حملته الانتخابية على خفض التكاليف. لكن بدلاً من ذلك، ارتفعت التكاليف. كما لم يحاول إقناع الشعب الأميركي بضرورة خوض هذه الحرب».

واعتبر راسل أن الحرب ستتسبب في «كارثة سياسية للمرشحين الجمهوريين في جميع أنحاء البلاد». وتوقع أن يبرم ترمب اتفاقاً مشابهاً لذلك الذي أبرمته إدارة باراك أوباما مع إيران، مضيفاً: «لقد أدرك الإيرانيون أنه بإمكانهم فرض رسوم عبور على مضيق هرمز. وقد نكون في وضع أسوأ مما كنا عليه في عام 2016 بعد أن أبرم أوباما الاتفاق النووي مع إيران. إنها كارثة سياسية كاملة بالنسبة لترمب والجمهوريين، وأخشى أن الأسوأ لم يأتِ بعد».

ترمب يتحدث عن سياساته الضريبية في نيفادا يوم 16 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وتسلط تشيسلو الضوء على ما تسمعه من بعض النشطاء الجمهوريين، مشيرة إلى أنهم يشعرون بالقلق من الانتخابات، وتنقل عنهم: «لقد قال أحد النشطاء لزملائي إن كل شيء أصبح أكثر صعوبة بسبب القرارات الصادرة من البيت الأبيض، على حد تعبيره. إنهم يشعرون أنه في الوقت الذي يريدون فيه أن يركز الرئيس على مسألة القدرة على تحمل التكاليف، فإنه يشتت انتباهه بالحرب في إيران».

وأعطت مثالاً على ذلك قائلة إن الخامس عشر من أبريل (نيسان) كان يوم الضرائب في أميركا، وهو يوم كان من المفترض أن يعكس انتصاراً سياسياً كبيراً للجمهوريين الذين أقروا تخفيضات كبيرة في الضرائب، لكن الناس لا يشعرون بتخفيف العبء؛ لأن أسعار البنزين ترتفع. وتضيف: «يشهد المزارعون ارتفاعاً في أسعار الأسمدة والديزل. هذه فئة من الناخبين كانت داعمة جداً للرئيس. وأعتقد أن الاستراتيجيين الجمهوريين يشعرون بقلق أكبر قليلاً مما قد نسمعه من الجمهوريين، مثل زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ جون ثون، الذي يتحدث بثقة كبيرة داعماً لتحركات الرئيس». لكن فرانكو يعارض هذا التقييم، ويرفض استطلاعات الرأي التي تظهر أن أغلبية الأميركيين يعارضون الحرب، مشيراً إلى أن «موسم الحرب لم ينتهِ بعد». ويقول: «بمجرد أن تنتهي هذه الحرب، وأعتقد أنها ستنتهي لصالح الولايات المتحدة وسنحقق أهدافنا، أعتقد أن شعبية الرئيس سترتفع بشكل كبير، وستبدأ الأسعار في الانخفاض بسرعة. أنا أتفق أنه من الصعب دائماً إقناع الناس بضرورة شد أحزمتهم. لكن الأمر يتعلق بكيفية انتهاء هذا الصراع في النهاية، وأعتقد أن الناس يرون الفرق بين القوة والضعف. وما نراه الآن هو اختلاف كبير مع سياسات الديمقراطيين الكارثية الاستسلامية والانهزامية».

استراتيجية ديمقراطية

أما راسل فيعتبر أن ما يراه الشعب الأميركي مختلف عما يصوره فرانكو. ويقول إن «أحد الأسباب التي تجعل هذه الأزمة كارثة سياسية كبرى بالنسبة لترمب، هو أن الشعب الأميركي يقول إن الأموال تتوفر بوفرة عندما يريد الجنرالات والسياسيون خوض حرب، ولكن عندما يتعلق الأمر بتوفير الرعاية الصحية أو بناء البنية التحتية أو تنمية بلدنا ورعاية شعبنا، فإن ترمب نفسه قال إننا لا نستطيع توفير حضانات للأطفال وتوفير الرعاية الصحية لأن لدينا حرباً نخوضها. الشعب الأميركي لم يوافق على هذه الصفقة، ولن يقبل بذلك. ولهذا السبب، سيُطرد الجمهوريون من مناصبهم في نوفمبر».

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر بالكونغرس يوم 14 أبريل 2026 (أ.ب)

تصريحات أثارت غضب فرانكو الذي توجّه إلى راسل بالحديث قائلاً: «لن تقلق بشأن الرعاية الصحية أو سوق الأسهم أو الاقتصاد إذا أطلقت إيران قنبلة نووية على الولايات المتحدة. مشكلة الحزب الديمقراطي هي أنه يدعم فلسفة الأربعينيات، التي انتظرت حتى ضربة في بيرل هاربور. ربما ينجح ذلك في الحرب التقليدية وعدم شن ضربة استباقية، لكنه لا ينجح في عالم اليوم. لن نضطر إلى القلق بشأن اقتصادنا إذا طورت إيران سلاحاً نووياً؛ سنضطر إلى القلق بشأن بقائنا. وهذا هو ما يُعتبر قصر نظر. كان قصر نظر في الثلاثينيات عندما كان أمثالهم في السلطة ووقع هجوم بيرل هاربور، وهو قصر نظر اليوم».

تراجع الدعم الحزبي لإسرائيل

وفي ظل هذه الاتهامات المتبادلة، تتحدث تشيسلو عن تغيير لافت في المشهد السياسي الأميركي. وتعطي مثالاً على ذلك بتصويت مجلس الشيوخ على تقييد الأسلحة الأميركية لإسرائيل الذي طرحه السيناتور التقدمي بيرني ساندرز.

السيناتور التقدمي بيرني ساندرز في تجمع للنقابات العمالية بنيويورك يوم 14 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

فرغم إسقاط المشروع، فإنه حصد دعم 40 ديمقراطياً من أصل 47، وهو يُعدّ سابقة في الكونغرس الذي لطالما دعم الحزبان فيه إسرائيل. وأضافت: «ما نراه الآن هو أن إسرائيل ستظهر مراراً وتكراراً كقضية حاسمة للغاية بالنسبة للديمقراطيين في الانتخابات النصفية، وستشكل نوعاً من الاختبار الحاسم لمعرفة مَن في الحزب مستعد لاتخاذ موقف أكثر تقدمية، وأكثر يسارية، وانتقادي تجاه إسرائيل، ومَن سيبقى متمسكاً بالموقف الأكثر اعتدالاً للحزب، الذي، مثل الجمهوريين، ظل على مدى عقود متحالفاً مع إسرائيل».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مؤتمر صحافي بالقدس يوم 19 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ويلوم راسل رئيسَ الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وسياساته على جعل إسرائيل قضية حزبية، بعد أن كانت قضية يُجمع عليها الحزبان. ويضيف: «لقد كانت إسرائيل وأمنها يعلوان على السياسة الحزبية، لكن نتنياهو غيّر ذلك. إذا نظرتم إلى التصويت في مجلس الشيوخ، فإن أي ديمقراطي في المجلس يفكر بجدية في الترشح للرئاسة صوّت لصالح مشروع ساندرز. وهذا يعكس موقف الناخبين وموقف الديمقراطيين. فهناك شعور أن إسرائيل تحصل على كل ما تطلبه من الولايات المتحدة. وحقيقة الأمر أن ترمب حقق حلم نتنياهو المحموم بضرب إيران، والشعب الأميركي يدفع ثمناً باهظاً لذلك».