أميركا في 2024... سوابق ومفاجآت

الديمقراطيون يبحثون عن استراتيجية جديدة بعد خسارة مدوية

TT

أميركا في 2024... سوابق ومفاجآت

ترمب بعد محاولة اغتياله الأولى في بنسلفانيا - 13 يوليو 2024 (رويترز)
ترمب بعد محاولة اغتياله الأولى في بنسلفانيا - 13 يوليو 2024 (رويترز)

شهدت الولايات المتحدة أحداثاً تاريخية متعاقبة، من إدانة رئيس أميركي بتهم جنائية، إلى حصول امرأة سوداء على ترشيح حزبها، مروراً بمحاولة اغتيال مرشح رئاسي مرتين.

عام واحد وكأنه دهر، هكذا يصف كثيرون أحداث عام 2024 حول العالم بشكل عام، وفي أميركا بشكل خاص؛ فالولايات المتحدة شهدت أحداثاً تاريخية متعاقبة، من إدانة رئيس أميركي بتهم جنائية لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة، مروراً بعدول رئيس حالي عن التنافس على الرئاسة قبل أشهر من الانتخابات، ثم حصول امرأة سوداء على ترشيح حزبها في الانتخابات الرئاسية لأول مرة أيضاً في التاريخ، ووصولاً إلى الفوز الساحق لرئيس سابق في ولاية جديدة بالبيت الأبيض في الانتخابات الرئاسية.

وكأن هذا لم يكن كافياً، جاءت محاولات اغتيال ترمب لتصبَّ الزيت على نار هذه الأحداث، وترسم صورة مُنذِرة بعام مقبل مشبع بالتطورات والوعود والأزمات

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، أبرز الأحداث التي شهدتها أميركا، والدروس التي تعلمها الحزب الديمقراطي من خسارته، والجمهوري من فوزه، وانعكاساتها على العام المقبل، وتوجهات الولايات المتحدة في الداخل والخارج.

عام المفاجآت

بايدن وترمب في أول لقاء لهما بالبيت الأبيض بعد فوز ترمب في 13 نوفمبر 2024 (رويترز)

يقول الباحث في معهد الدفاع عن الديمقراطيات، حسين عبد الحسين، إن المفاجأة الكبرى في عام 2024 هي عودة ترمب. ويرجح عبد الحسين أن تؤدي الولاية الثانية لترمب إلى تغيير كبير في السياسة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة، موضحاً: «كانت مفاجأة فعلاً، لأنه لم يكن من الواضح أن ترمب سيتغلَّب على هاريس، وتغلب عليها بانتصار ساحق. وهذا يدل على أن المزاج الشعبي الأميركي يختلف عن تصور الكثيرين».

ويَعِدّ دوغلاس هاي، مدير الاتصالات السابق للجنة الوطنية الجمهورية نائب مدير الاتصالات لزعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب سابقاً، أن ما فاجأ الجميع في فوز ترمب أنه «فاز في كل مكان»، مشيراً إلى أن التحول كان حقيقياً في كل الولايات المتأرجحة. وقال هاي إن كثيرين يحاولون تعلُّم دروس من حملة ترمب الانتخابية لهذا العام، مضيفاً: «أعتقد أنّه على الديمقراطيين حالياً النظر في الدروس التي تعلموها، وكيفية تصحيح بعض المشاكل التي واجهتهم».

بايدن يتحدث على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك - 25 سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)

وهذا ما تحدثت عنه المستشارة السابقة للرئيس السابق باراك أوباما، جوهانا ماسكا، التي وجَّهت انتقادات لاذعة لحزبها، بسبب دعمه لإعادة ترشيح بايدن لولاية ثانية، رغم كبر سنِّه. وقالت: «هناك عدد كبير من الأشخاص في الكونغرس تماشوا مع فكرة إعادة ترشيح الرئيس بايدن... ولم نرَ الحقيقة إلا خلال المناظرة. وهو أمر كان يجب أن نعلمه من قبل. لم يكن يجب أن نثق بأن المؤسسة الحزبية تعلم أو تفعل ما هو صحيح».

ويقول عبد الحسين إن أحد أسباب خسارة الحزب الديمقراطي في الانتخابات أنه «خسر هويته»، وكان يتحدث مع الأميركيين بلهجة التوبيخ واللوم. وتابع: «هناك شعور لدى بعض الديمقراطيين بأن ما يفعلونه مقدَّس، وأن الأميركيين لا يعرفون مصلحتهم. أعتقد أن غالبية الناخبين عاقبوا الديمقراطيين على هذا النوع من التصرُّف».

تعزيز الانقسامات

هاريس تتحدث في جامعة برينس جورج في ماريلاند - 17 ديسمبر 2024 (إ.ب.أ)

ويرى هاي أن التصويت لم يكن ضد هاريس فحسب، بل ضد بايدن وإدارته التي كانت جزءاً منها. ويرى أن جزءاً من المشكلة التي واجهتها هاريس أنها لم تتمكن من «تمييز أو فصل نفسها عن بايدن وسياساته غير الشعبية»، في حين أن ترمب كثَّف من حضوره في كل الولايات والتواصل مع الناخبين، مركِّزاً على ملفات تهم الناخب، ومسَلِّطاً الضوء على تركيز هاريس وحملتها على ملفات هامشية. وأضاف: «لقد لاقت هذه الرسالة دعماً كبيراً في صفوف الناخبين، ولم تملك هاريس أي طريقة حقيقية لمواجهة ذلك».

من ناحيتها، تعتبر ماسكا أن الحزب الديمقراطي لم يقم بما يكفي للاستثمار في الجيل القادم من الزعماء. وتفسر: «كان من الضروري أن نفعل المزيد لتنشيط القيادة المستقبلية، والقيام بما يفعله الجمهوريون بطريقة أفضل منا بصراحة؛ وهو وضع القيادات المستقبلية في المناصب التي تمكِّنهم من التطور وبدء نقاشات مع الشعب الأميركي».

وتقول ماسكا إن أحد أسباب خسارة الحزب الديمقراطي هو أن حملة بايدن وهاريس ركزت كثيراً على الخلافات بين الأميركيين، بدلاً من الأمور التي تجمعهم: «ما أدى إلى تفرقة الأميركيين وشعور بعضهم بالتهميش»، على خلاف حملة أوباما التي عملت عليها. وأضافت: «أعتقد أنه من الضروري أن يتحدث الحزب الديمقراطي عما يجمعنا، وليس عما يفرقنا».

ويوافق عبد الحسين على هذه النقطة، مشيراً إلى أن حملة الديمقراطيين «كرَّست الانقسام. وأمضت 4 سنوات وهي تطارد ترمب في المحاكم وفي الفضائح، من دون البحث عن أرضية مشتركة».

ترشيحات جدلية

مرشح ترمب السابق لمنصب وزير العدل مات غايتس في مقر إقامة الرئيس المنتخب بفلوريدا - 14 نوفمبر (رويترز)

فوز الجمهوريين لم يقتصر على الرئاسة فحسب، بل تخطَّاها ليشمل مجلسَي الشيوخ والنواب؛ ما سيعزز موقع ترمب، ويسهِّل تنفيذ أجندته على الصعيد التشريعي. ولعلّ أبرز البنود على أجندة الكونغرس الجديد سيكون المصادقة على تعيينات ترمب الرئاسية، وهو أمر يتوقع هاي حصوله رغم الانتقادات التي يواجهها بعض المرشحين.

ويقول هاي: «سيتم الضغط على الأعضاء الجمهوريين للتصويت لصالح مرشحي ترمب، فهذا ما حصل في عهد بايدن وأوباما وريغن وبوش وغيرهم». وتابع محذّراً: «دونالد ترمب مختلف عنهم جميعاً في طريقته بالانتقام... فإن تهديداته لأعضاء من مجلس النواب، وحتى من مجلس الشيوخ، خلال الانتخابات التمهيدية، هي حقيقية، وهم يدركون ذلك».

من ناحيتها، تشكِّك ماسكا في استمرار التوافق بين الجمهوريين لفترة طويلة. وتقول: «يمكن أن يتفق الجميع، عندما لا يكون هناك الكثير على المحك، ولا يكون الشخص في موقع الحكم. لكن عندما تهب النيران وتواجه الأمور دفعة واحدة، لا أعلم مدى اتحاد هذه المجموعة، وأنا لستُ متأكدة أن التوافق سيدوم إلى الأبد».

ويشير عبد الحسين إلى أن «ما نراه الآن هو نشوة النصر لدى الحزب الجمهوري»، مرجّحاً انحسار شعبية ترمب «عندما يبدأ الحكم فعلياً، ويصبح مسؤولاً عن أي مشكلة تحصل في البلاد».

نهاية الحروب؟

ترمب في ولاية تكساس - 19 نوفمبر 2024 (رويترز)

من أهم الوعود التي تعهَّد بها ترمب إنهاء الحروب في العالم بمجرد دخوله إلى البيت الأبيض. وهنا يقول عبد الحسين: «لقد وعد أكثر مما يمكن لأي رئيس أن يفي به. من المستحيل أن تتوقف الحروب يوم دخوله إلى المكتب البيضاوي، سواء كانت الحرب في أوكرانيا أو في أي مكان من العالم». ويضيف عبد الحسين: «فلسفة السياسة الخارجية لدى ترمب جيدة، ولكن لا أعتقد أن الأمور ستُحَل بالعصا السحرية كما وعد».

من ناحيتها، ترى ماسكا أن وعود ترمب ساهمت في إعادة انتخابه، مشيرة إلى أن الأميركيين يريدون حكومة تقوم بوظيفتها، وخَفْض الإنفاق الحكومي، ووظائف أفضل، ولا يريدون الحروب. وتذكر ماسكا أن أحد أسباب فوز أوباما أنه كان ضد الحرب في العراق، مضيفة: «الأميركيون يريدون أن تركّز أميركا على نفسها».


مقالات ذات صلة

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

المشرق العربي مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه ترمب.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
شؤون إقليمية صورة نشرها التلفزيون الرسمي من اجتماع الوفد الإيراني على هامش محادثات باكستان p-circle

طائرات باكستانية رافقت مفاوضي إيران خشية هجوم إسرائيلي

رافقت ​القوات الجوية الباكستانية المفاوضين الإيرانيين إلى بلادهم بعد أن حضروا في إسلام آباد محادثات مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)

سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

عبّر السفير الأميركي لدى تركيا، توم براك، عن اعتقاده بحل الخلاف حول اقتناء تركيا منظومة الدفاع الروسية «إس - 400» قريباً

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا Brazilian President Luiz Inacio Lula da Silva (Photo by Evaristo Sa / AFP) p-circle

40 دولة تجتمع في برشلونة تحت عنوان «التعبئة التقدمية العالمية» في مواجهة «اليمين العالمي»

تحت عنوان «التعبئة التقدمية العالمية» تجتمع، الجمعة، ولمدة يومين نحو 40 دولة في عاصمة إقليم كاتالونيا برشلونة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تحليل إخباري تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)

تحليل إخباري انقسامات وضغوط داخلية ترافق توجّه ترمب نحو حسم حرب إيران

تتصاعد الضغوط على الإدارة مع ارتفاع مستمر في الأسعار، وتململ جمهوري من حرب قد تتحول إلى عبء انتخابي مع اقتراب استحقاق نوفمبر.

رنا أبتر (واشنطن)

ترمب: حصار موانىء إيران «سيظل قائماً» في حال عدم التوصل إلى اتفاق

ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)
ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)
TT

ترمب: حصار موانىء إيران «سيظل قائماً» في حال عدم التوصل إلى اتفاق

ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)
ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أنه يعتزم مواصلة محاصرة الموانىء الإيرانية في حال عدم التوصل إلى اتفاق مع طهران، مشيرا إلى أنه قد لا يمدد وقف إطلاق النار بعد موعد انتهائه الأربعاء.

وقال ترمب للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية «اير فورس وان» في تعليق على مصير وقف إطلاق النار في حال عدم التوصل لاتفاق مع طهران «ربما لن أمدده»، مضيفا «لكن الحصار سيظل قائما».

وقد أعادت إيران فتح مضيق هرمز الجمعة إثر اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، رغم تهديد طهران بإغلاق هذا الممر المائي الحيوي مجددا في حال استمرار الحصار الأميركي.

وعند سؤال ترمب عن إمكانية التوصل إلى اتفاق، قال «أعتقد أن ذلك سيحدث».

ولا تزال ثمة خلافات جوهرية بين مطالب الولايات المتحدة وإيران اللتين فشلتا سابقا في التوصل إلى اتفاق خلال محادثات باكستان.

وأبلغ ترمب الصحافيين أنه «لن تُفرض رسوم» من جانب إيران على السفن العابرة لمضيق هرمز، وهو مطلب طرحته الجمهورية الإسلامية خلال مفاوضات سابقة.

وفي منشور على منصته «تروث سوشال»، قال ترمب إن الرئيس الصيني شي جينبينغ «سعيد للغاية» بإعادة فتح هذا الممر المائي الحيوي.

وأضاف «سيكون اجتماعنا في الصين مميزا، وربما تاريخيا»، في إشارة إلى القمة المزمع عقدها في بكين بين الرئيسين الأميركي والصيني في مايو (أيار).

كما شدد ترمب على أن واشنطن وطهران ستنقلان معا اليورانيوم المخصب المخزّن في إيران إلى الولايات المتحدة بموجب الخطة التي تعمل عليها واشنطن لإنهاء الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط).

وكانت وزارة الخارجية الإيرانية قد صرّحت سابقا بأن مخزونها من اليورانيوم لن يُنقل «إلى أي مكان».

اكس/سام - جك


الولايات المتحدة تمدد إعفاء النفط الروسي الموجود في عرض البحر من العقوبات

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

الولايات المتحدة تمدد إعفاء النفط الروسي الموجود في عرض البحر من العقوبات

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أصدرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إعفاء لمدة شهر يسمح ببيع النفط الروسي المحمل على متن ناقلات في عرض البحر، وذلك في إطار خطوة سابقة لتهدئة ارتفاع أسعار الطاقة.

ويأتي هذا الترخيص الصادر عن وزارة الخزانة الأميركية، بعد يومين من تصريح وزير الخزانة سكوت بيسنت بأن واشنطن لن تمدد الإعفاء.


انقسامات وضغوط داخلية ترافق توجّه ترمب نحو حسم حرب إيران

تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)
تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)
TT

انقسامات وضغوط داخلية ترافق توجّه ترمب نحو حسم حرب إيران

تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)
تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)

بالتوازي مع الحديث عن جولة ثانية من المفاوضات بين واشنطن وطهران، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن حرب إيران شارفت على الانتهاء، في تغيير لافت في مواقفه من لهجة التصعيد إلى التهدئة، ومن التهديد إلى الانفتاح على التسوية.

وفي الداخل الأميركي، تتصاعد الضغوط على الإدارة مع ارتفاع مستمر في الأسعار، وتململ جمهوري من حرب قد تتحول إلى عبء انتخابي مع اقتراب استحقاق نوفمبر (تشرين الثاني) للتجديد النصفي.

في المقابل، لا تزال الحشود العسكرية تتوجه إلى الشرق الأوسط مع إعلان «البنتاغون» عن إرسال الآلاف من القوات الإضافية هذا الأسبوع.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، التجاذبات الداخلية في الولايات المتحدة جراء حرب إيران، وما إذا كانت تؤثر على توجّه ترمب في استئناف الحرب أو التوصل إلى اتفاق مع إيران.

لبنان وإيران

مع إعلان ترمب عن التوصل إلى وقف إطلاق نار بين لبنان وإسرائيل، رحب أدولفو فرانكو مستشار السيناتور الجمهوري السابق جون ماكين والخبير الاستراتيجي الجمهوري، بهذا التطور ووصفه بالإيجابي للغاية، مشيراً إلى ارتباطه الوثيق بالملف الإيراني. وفسّر قائلاً إن وقف إطلاق النار شكّل نقطة خلافية مع إيران، التي تصر على أنه كان جزءاً من الاتفاق الأولي معها، على خلاف موقف الولايات المتحدة.

ترمب أعلن عن اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ويعتبر فرانكو أن هذا الإعلان من شأنه أن يزيل عقبة أمام استمرار المفاوضات مع طهران.

من ناحيته، يعتبر إيان راسل نائب المدير التنفيذي السابق للجنة الحملة الانتخابية الديمقراطية للكونغرس، أن أحد أسباب هذا الإعلان هو أن ترمب يواجه مشكلة حقيقية في الداخل الأميركي، ما سيدفعه للجوء إلى تسوية مع إيران. ويشير إلى أنه أصبح في موقف دفاعي بسبب ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية، وتأثير ذلك على استطلاعات الرأي، مضيفاً: «الرئيس يواجه مشكلة حقيقية في الوقت الحالي، والجمهوريون الذين يخوضون انتخابات نوفمبر يواجهون المشكلة ذاتها؛ لذا تبدو الإدارة في حالة يأس متزايد في محاولة للتوصل إلى حل لهذا الأمر».

وانعكس هذا القلق الجمهوري في تصويت مجلس النواب لتقييد صلاحيات ترمب في حرب إيران؛ إذ كانت النتيجة متقاربة جداً بفارق صوت واحد فقط تمكن من إفشال إقراره، على خلاف مجلس الشيوخ، حيث لا يزال الجمهوريون محافظين على وحدة صفهم.

وتنقل دانييلا تشيسلو، مراسلة الأمن القومي في موقع «بوليتيكو»، ما سمعته من آراء المشرّعين بهذا الخصوص، مشيرة إلى تقارب الأرقام في مجلس النواب. وقالت إن الديمقراطيين سيستمرون في محاولاتهم طرح هذه المشاريع للتصويت للضغط على الجمهوريين في الموسم الانتخابي، في حين يحرص الجمهوريون على عدم إغضاب ترمب في هذه المرحلة، ويدفعون نحو المزيد من الإحاطات من الإدارة التي لا تزال حتى الساعة مغلقة.

انقسامات حزبية

دافع فرانكو عن الموقف الجمهوري الداعم لسياسات ترمب تجاه إيران، مشدداً على أن التقارب في الأصوات طبيعي في قضايا من هذا النوع بسبب التركيبة الحالية في الكونغرس.

زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ جون ثون بالكونغرس يوم 14 أبريل 2026 (رويترز)

ويعتبر فرانكو أن تحرك الديمقراطيين في مساعيهم لتقييد صلاحيات ترمب هو سياسي بحت، مشيراً إلى أنه، حتى لو تم إقرار المشروع، يمكن لترمب استعمال حق النقض ضده. وفي رأي المحلل الجمهوري، فإن مشروع تفويض الحرب الذي أقره الكونغرس في عام 1973، والذي يعطي المجلس التشريعي صلاحية الإعلان عن الحرب، هو «غير قانوني ومخالف للدستور»، معرباً عن أمله في أن يسعى ترمب إلى اختباره في المحاكم الأميركية.

ويخفف فرانكو من وطأة حرب إيران على حظوظ الجمهوريين في الانتخابات النصفية، مشيراً إلى أن حزب الرئيس غالباً ما يخسر الأغلبية في مجلس النواب بغض النظر عن القضايا المطروحة.

كما خفّف من شأن ارتفاع الأسعار، وقال: «أنا أختلف تماماً مع هذه المقاربة، لو كان هذا هو التحليل في الحرب العالمية الثانية، لما خضنا الحرب. إيران تشكل تهديداً وجودياً للمنطقة وللعالم. إنها دولة إرهابية لا يمكننا تحمل امتلاكها سلاحاً نووياً».

ورداً على انتقادات الديمقراطيين، ذكر فرانكو أن سعر البنزين في عهد إدارة بايدن وصل إلى مستويات عالية بسبب حرب أوكرانيا، مضيفاً: «كانت إدارة بايدن تدعو الأميركيين إلى التحمل بسبب حرب أوكرانيا. والوضع نفسه ينطبق الآن على الجمهوريين. لكن الفارق هو أن الشعب الأميركي يدرك أن إيران تشكل تهديداً لأمن هذا البلد».

ترتفع أسعار البنزين في أميركا جراء حرب إيران (رويترز)

تصريحات أثارت استياء راسل، الذي أعرب عن أمله في أن يردد الجمهوريون مواقف فرانكو في انتخابات التجديد النصفي، معتبراً أن الشعب الأميركي سيستجيب بشكل سلبي للغاية لهذه الرسالة. ويضيف: «الجمهوريون في وضع حرج بالفعل مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. وما فعله ترمب هو أنه عقّد فرصهم في الفوز. فهو ركز في حملته الانتخابية على خفض التكاليف. لكن بدلاً من ذلك، ارتفعت التكاليف. كما لم يحاول إقناع الشعب الأميركي بضرورة خوض هذه الحرب».

واعتبر راسل أن الحرب ستتسبب في «كارثة سياسية للمرشحين الجمهوريين في جميع أنحاء البلاد». وتوقع أن يبرم ترمب اتفاقاً مشابهاً لذلك الذي أبرمته إدارة باراك أوباما مع إيران، مضيفاً: «لقد أدرك الإيرانيون أنه بإمكانهم فرض رسوم عبور على مضيق هرمز. وقد نكون في وضع أسوأ مما كنا عليه في عام 2016 بعد أن أبرم أوباما الاتفاق النووي مع إيران. إنها كارثة سياسية كاملة بالنسبة لترمب والجمهوريين، وأخشى أن الأسوأ لم يأتِ بعد».

ترمب يتحدث عن سياساته الضريبية في نيفادا يوم 16 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وتسلط تشيسلو الضوء على ما تسمعه من بعض النشطاء الجمهوريين، مشيرة إلى أنهم يشعرون بالقلق من الانتخابات، وتنقل عنهم: «لقد قال أحد النشطاء لزملائي إن كل شيء أصبح أكثر صعوبة بسبب القرارات الصادرة من البيت الأبيض، على حد تعبيره. إنهم يشعرون أنه في الوقت الذي يريدون فيه أن يركز الرئيس على مسألة القدرة على تحمل التكاليف، فإنه يشتت انتباهه بالحرب في إيران».

وأعطت مثالاً على ذلك قائلة إن الخامس عشر من أبريل (نيسان) كان يوم الضرائب في أميركا، وهو يوم كان من المفترض أن يعكس انتصاراً سياسياً كبيراً للجمهوريين الذين أقروا تخفيضات كبيرة في الضرائب، لكن الناس لا يشعرون بتخفيف العبء؛ لأن أسعار البنزين ترتفع. وتضيف: «يشهد المزارعون ارتفاعاً في أسعار الأسمدة والديزل. هذه فئة من الناخبين كانت داعمة جداً للرئيس. وأعتقد أن الاستراتيجيين الجمهوريين يشعرون بقلق أكبر قليلاً مما قد نسمعه من الجمهوريين، مثل زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ جون ثون، الذي يتحدث بثقة كبيرة داعماً لتحركات الرئيس». لكن فرانكو يعارض هذا التقييم، ويرفض استطلاعات الرأي التي تظهر أن أغلبية الأميركيين يعارضون الحرب، مشيراً إلى أن «موسم الحرب لم ينتهِ بعد». ويقول: «بمجرد أن تنتهي هذه الحرب، وأعتقد أنها ستنتهي لصالح الولايات المتحدة وسنحقق أهدافنا، أعتقد أن شعبية الرئيس سترتفع بشكل كبير، وستبدأ الأسعار في الانخفاض بسرعة. أنا أتفق أنه من الصعب دائماً إقناع الناس بضرورة شد أحزمتهم. لكن الأمر يتعلق بكيفية انتهاء هذا الصراع في النهاية، وأعتقد أن الناس يرون الفرق بين القوة والضعف. وما نراه الآن هو اختلاف كبير مع سياسات الديمقراطيين الكارثية الاستسلامية والانهزامية».

استراتيجية ديمقراطية

أما راسل فيعتبر أن ما يراه الشعب الأميركي مختلف عما يصوره فرانكو. ويقول إن «أحد الأسباب التي تجعل هذه الأزمة كارثة سياسية كبرى بالنسبة لترمب، هو أن الشعب الأميركي يقول إن الأموال تتوفر بوفرة عندما يريد الجنرالات والسياسيون خوض حرب، ولكن عندما يتعلق الأمر بتوفير الرعاية الصحية أو بناء البنية التحتية أو تنمية بلدنا ورعاية شعبنا، فإن ترمب نفسه قال إننا لا نستطيع توفير حضانات للأطفال وتوفير الرعاية الصحية لأن لدينا حرباً نخوضها. الشعب الأميركي لم يوافق على هذه الصفقة، ولن يقبل بذلك. ولهذا السبب، سيُطرد الجمهوريون من مناصبهم في نوفمبر».

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر بالكونغرس يوم 14 أبريل 2026 (أ.ب)

تصريحات أثارت غضب فرانكو الذي توجّه إلى راسل بالحديث قائلاً: «لن تقلق بشأن الرعاية الصحية أو سوق الأسهم أو الاقتصاد إذا أطلقت إيران قنبلة نووية على الولايات المتحدة. مشكلة الحزب الديمقراطي هي أنه يدعم فلسفة الأربعينيات، التي انتظرت حتى ضربة في بيرل هاربور. ربما ينجح ذلك في الحرب التقليدية وعدم شن ضربة استباقية، لكنه لا ينجح في عالم اليوم. لن نضطر إلى القلق بشأن اقتصادنا إذا طورت إيران سلاحاً نووياً؛ سنضطر إلى القلق بشأن بقائنا. وهذا هو ما يُعتبر قصر نظر. كان قصر نظر في الثلاثينيات عندما كان أمثالهم في السلطة ووقع هجوم بيرل هاربور، وهو قصر نظر اليوم».

تراجع الدعم الحزبي لإسرائيل

وفي ظل هذه الاتهامات المتبادلة، تتحدث تشيسلو عن تغيير لافت في المشهد السياسي الأميركي. وتعطي مثالاً على ذلك بتصويت مجلس الشيوخ على تقييد الأسلحة الأميركية لإسرائيل الذي طرحه السيناتور التقدمي بيرني ساندرز.

السيناتور التقدمي بيرني ساندرز في تجمع للنقابات العمالية بنيويورك يوم 14 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

فرغم إسقاط المشروع، فإنه حصد دعم 40 ديمقراطياً من أصل 47، وهو يُعدّ سابقة في الكونغرس الذي لطالما دعم الحزبان فيه إسرائيل. وأضافت: «ما نراه الآن هو أن إسرائيل ستظهر مراراً وتكراراً كقضية حاسمة للغاية بالنسبة للديمقراطيين في الانتخابات النصفية، وستشكل نوعاً من الاختبار الحاسم لمعرفة مَن في الحزب مستعد لاتخاذ موقف أكثر تقدمية، وأكثر يسارية، وانتقادي تجاه إسرائيل، ومَن سيبقى متمسكاً بالموقف الأكثر اعتدالاً للحزب، الذي، مثل الجمهوريين، ظل على مدى عقود متحالفاً مع إسرائيل».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مؤتمر صحافي بالقدس يوم 19 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ويلوم راسل رئيسَ الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وسياساته على جعل إسرائيل قضية حزبية، بعد أن كانت قضية يُجمع عليها الحزبان. ويضيف: «لقد كانت إسرائيل وأمنها يعلوان على السياسة الحزبية، لكن نتنياهو غيّر ذلك. إذا نظرتم إلى التصويت في مجلس الشيوخ، فإن أي ديمقراطي في المجلس يفكر بجدية في الترشح للرئاسة صوّت لصالح مشروع ساندرز. وهذا يعكس موقف الناخبين وموقف الديمقراطيين. فهناك شعور أن إسرائيل تحصل على كل ما تطلبه من الولايات المتحدة. وحقيقة الأمر أن ترمب حقق حلم نتنياهو المحموم بضرب إيران، والشعب الأميركي يدفع ثمناً باهظاً لذلك».