وسط انقسامات حادة... رئيس الحكومة الفرنسية ينجو من سحب الثقة

«الحزب الاشتراكي» أنقذ لوكورنو مقابل تجميد العمل بقانون التقاعد

رئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو وإلى جانبه وزيرة الزراعة آني جينوفار يستمعان الخميس لكلمات النواب في الجمعية الوطنية قبيل تصويت الثقة (رويترز)
رئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو وإلى جانبه وزيرة الزراعة آني جينوفار يستمعان الخميس لكلمات النواب في الجمعية الوطنية قبيل تصويت الثقة (رويترز)
TT

وسط انقسامات حادة... رئيس الحكومة الفرنسية ينجو من سحب الثقة

رئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو وإلى جانبه وزيرة الزراعة آني جينوفار يستمعان الخميس لكلمات النواب في الجمعية الوطنية قبيل تصويت الثقة (رويترز)
رئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو وإلى جانبه وزيرة الزراعة آني جينوفار يستمعان الخميس لكلمات النواب في الجمعية الوطنية قبيل تصويت الثقة (رويترز)

إذا كان سيباستيان لوكورنو، رئيس الحكومة الفرنسية، قد نجا هو وحكومته من سحب ثقة في الجمعية الوطنية، صباح الخميس، فإنه يدين بذلك لكتلة نواب «الحزب الاشتراكي» التي رفضت التصويت لصالح مذكرة حجب الثقة التي تقدم بها «حلفاؤه» في جبهة اليسار، والتي تضم «الحزب الشيوعي»، و«الخضر»، وحزب «فرنسا الأبية».

حصلت المذكرة على 271 صوتاً، وقد لامست العدد المطلوب للوصول إلى الأكثرية المطلقة؛ أي 289 صوتاً. والحال أن «الحزب الاشتراكي» يتمتع بـ69 صوتاً، التزمت أكثريتهم الساحقة بتوصية قيادته مُمثّلة في أمينه العام أوليفيه فور، الذي دعا إلى الامتناع عن التصويت لحجب الثقة. ورغم التوصية، فإن سبعة من نوابه رفضوا الاستجابة؛ ما ضمن لرئيس الحكومة البقاء في منصبه. وما كان لوكورنو ليحظى بـ«عطف» الاشتراكيين لو لم يقدم لهم عدداً من التنازلات، أبرزها إعلانه تجميد العمل بقانون التقاعد الذي أُقرّ في عام 2023، وفرض ضرائب إضافية على الثروات الكبرى والمرتبات العالية في موازنة عام 2026، وإتاحة الفرصة لتكون للبرلمان الكلمة النهائية في تقرير مصير بنود الموازنة التي سيبدأ النظر فيها الأسبوع القادم.

وما كان لدعاة إسقاط لوكورنو أن يجمعوا هذا العدد المهم من الأصوات لو لم ينضم إليهم نواب حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف، مع حليفهم حزب «تحالف اليمين من أجل الجمهورية» بأصواته الـ147، رغم أن لا شيء يجمع بينهما سوى المصلحة «الظرفية» في التخلص من حكومة لوكورنو الثانية. وتجدر الإشارة إلى أن «التجمع الوطني» قدّم، من جانبه، مُذكّرة مماثلة لمذكرة اليسار، إلا أنها لم تحصد سوى 144 صوتاً.

«خشبة الخلاص» الاشتراكية

قطعاً، يمكن اعتبار أن ما حصل الخميس في الجمعية الوطنية «إنجاز» يُحسب لصالح لوكورنو. بيد أن هذا النجاح يبقى بالغ الهشاشة ومؤقتاً؛ فالامتحان الجدي سيبدأ مع انطلاق البحث في إقرار الموازنة. وثمة سيف مسلط فوق رقبة رئيس الحكومة الذي ينتظر منه الاشتراكيون أن يفي بوعوده.

أوليفيه فور أمين عام «الحزب الاشتراكي» أنقذ حكومة لوكورنو من السقوط بعد أربعة أيام من ولادتها (أ.ف.ب)

وأكد أوليفيه فور، مباشرة عقب الإعلان عن نتيجة التصويتين، إنه «إن لم يتم تجميد قانون التقاعد، فإن (الحزب الاشتراكي) سيحجب الثقة عن الحكومة»، مضيفاً أن حزبه «لا يتبنى سياسة الحكومة» في ما يتعلق بالموازنة، وهو سيسعى لتعديلها، خصوصاً ما يتعلق بالزيادات الضريبية التي تطول الفئتين الوسطى والدنيا، وأيضاً مرتبات المتقاعدين التي يتضمنها مشروع الموازنة المذكور.

ولمزيد من الوضوح، نبّه النائب لوران بوميل، متحدثاً باسم الكتلة الاشتراكية، إلى أنه «لن تكون هناك أية حيلة أو مناورة إجرائية» للإفلات من تنفيذ الوعود، مُضيفاً أن «عدم تصويتنا اليوم لصالح نزع الثقة لا يعني بأي حال من الأحوال اتفاقاً على عدم اللجوء إليه مستقبلاً. نحن لا نلتزم بالتصويت (إلى جانب الحكومة) أو التغاضي عن موازنة انكماشية وظالمة قدّمها لنا وزراؤكم».

وباختصار، فإن «الحزب الاشتراكي» وفّر لرئيس الحكومة «خشبة الخلاص» التي حمته من الغرق منذ اليوم الرابع لولادة حكومته، ولكن إلى متى؟

طلاق الحلفاء

المفارقة في ما جرى صباح الخميس في الجمعية الوطنية، أن حلفاء لوكورنو «الطبيعيين» الذين تضمهم حكومته، لم يقفوا إلى جانبه بشكل مطلق؛ فالنائب بول كريستوف، من مجموعة نواب «هورايزون»، انتقد تعليق إصلاح نظام التقاعد، واصفاً إياه بأنه «منفصل تماماً عن الواقعين الديمغرافي والمالي» بسبب الخسائر التي سيحملها للخزينة.

من جانبه، نبّه النائب جان-ديدييه بيرجيه، باسم كتلة حزب «الجمهوريون»، إلى أن كتلته «لن تقبل أي شيء عندما يتعلّق الأمر بإصلاح نظام التقاعد». وتضم حكومة لوكورنو ستة وزراء من حزب «الجمهوريون» الذي يجتاز إحدى أشد أزماته الداخلية. والتجاذب بين برونو روتايو رئيس الحزب ووزير الداخلية السابق، ولوران فوكييز رئيس مجموعته البرلمانية، على أشده؛ فكلاهما طامح للترشح باسم الحزب في الانتخابات الرئاسية القادمة.

من هنا، فإن تموضعهما السياسي يخضع لاعتبارات شخصية، ولا يعكس خطاً سياسياً واضحاً. والحال أن حزب «الجمهوريون» يُشكّل أحد جناحَي «الكتلة المركزية»، إلى جانب الأحزاب الثلاثة الداعمة للرئيس ماكرون؛ عهد «النهضة» الذي يرأسه غبريال أتال، و«هورايزون» بقيادة إدوار فيليب، و«الحركة الديمقراطية» بقيادة فرنسوا بايرو.

والثلاثة رؤساء حكومات سابقون لم يصلوا إلى مناصبهم إلا بقرار من ماكرون. والحال أن الأول لم يعد يتردد في انتقاده مباشرة، في حين أن الثاني يحثه على الرحيل من خلال الاستقالة وتنظيم انتخابات رئاسية مبكرة بعد إقرار الموازنة، أما الثالث فافترق عنه بعد أن كان حليفه الأول. ويتخوف الثلاثة من «تساهل» لوكورنو في مسألتَي تعليق قانون التقاعد وصيغة الموازنة المقترحة؛ ما يؤسس لجدل ومساومات حادة تحت قبة البرلمان في الأسابيع القادمة بالنظر لتضارب المواقف.

لوبن تتوعّد

ثمة نتيجة مباشرة لنجاة لوكورنو من السقوط، وهي ابتعاد شبح حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة.

مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» تلقي كلمتها الخميس في الجمعية الوطنية (أ.ف.ب)

والحال أن نتيجة تصويت الخميس تثلج صدور عدة أحزاب خائفة من العودة إلى صناديق الاقتراع. وفي كلمتها باسم مجموعة حزب «التجمع الوطني»، هاجمت مارين لوبن، المرشحة الرئاسية السابقة، جميع خصومها يميناً ويساراً، وتوجّهت إلى من عارض مذكرتَي حجب الثقة بقولها: «لن تفلتوا من تصويت الفرنسيين. لقد فعلتم كل شيء، وجربتم كل وسيلة، وضحيتم بكل شيء، لتجنب العودة إلى صناديق الاقتراع. لكنكم ستعودون إليها، وستُجبرون على مواجهة ناخبيكم، مطأطئين الرؤوس وبوجوه متجهمة، حاملين عار أولئك الذين يسعون منذ شهور من أجل كسب الوقت فقط».

وهاجمت لوبن مشروع الموازنة، واعتبرت أنه بمثابة «متحف حقيقي لكل الكوارث التي ظلت محشورة لسنوات في أدراج بيرسي (أي وزارة الاقتصاد)». ولم تخفِ رغبتها في حل البرلمان بـ«نفاد الصبر»، مُبدية أسفها لـ«هذا المشهد البائس الذي يُعد سُمّاً لديمقراطيتنا». والغريب أنها عدّت قانون التقاعد «الإصلاح الوحيد الحقيقي الذي قدّمه إيمانويل ماكرون»، والتراجع عنه بمثابة «بتر أحد الأطراف».

والحال أنها قدمت في فبراير (شباط) من عام 2023 مُذكّرة لإسقاط حكومة إليزابيث بورن بسبب إقرار القانون المذكور، وهي اليوم تندد بحكومة لوكورنو بسبب تجميده.

خلافات اليسار

لم يثبط فشل دعاة حجب الثقة همة الساعين لإسقاط الحكومة. لكنه، في المقابل، عمّق الهوة الفاصلة بين «الحزب الاشتراكي» و«حلفائه» السابقين، خصوصاً حزب «فرنسا الأبية». وقالت ماتيلد بانو، رئيسة مجموعته النيابية بُعيد التصويت، إن إدارة «الحزب الاشتراكي» تتحمل «مسؤولية تاريخية» بسبب إنقاذها حكومة لوكورنو. ولم تتردد بانو في دعوة محازبي وناخبي الحزب المذكور إلى «الخروج منه» والانضمام ومساعدة «قطب تيار المقاومة».

ماتيلد بانو رئيسة الكتلة النيابية في البرلمان لحزب «فرنسا الأبية» متحدثة الخميس للصحافة بعد التصويت على مذكرة حجب الثقة التي تقدم بها حزبها (أ.ف.ب)

ومن جانبه، هاجم زعيم حزب «فرنسا الأبية» جان لوك ميلونشون «الحلف القائم بين أوليفيه فور وماكرون»، داعياً إلى اعتماد «المقاومة الشعبية والوحدة ميدانياً». ولم يتردد مسؤولون في حزب «فرنسا الأبية» في اتهام الاشتراكيين بـ«الخيانة». وأفاد الحزب المذكور بأنه سيقدم مقترحاً جديداً لإقالة ماكرون، وسيكون الثالث من نوعه بعد فشل محاولتين سابقتين.

وقالت النائبة عن الحزب، أورور تروفيه، في كلمتها باسم الحزب، إن تعليق نظام التقاعد «ليس سوى خدعة» من ماكرون - لوكورنو. وأضافت: «هناك لحظات يصبح فيها التردد ضرباً من الجبن». وتوجهت إلى النواب الاشتراكيين قائلة: «أنتم جميعاً انتُخبتم من أجل إلغاء قانون إصلاح التقاعد، فهل ستسمحون حقاً بأن تنخدعوا بهذه الصدقة الزائفة؟».

ولم يدلِ لوكورنو بعد التصويت بأي تصريح، لكنه بدا منشرحاً وفضّل الانتقال من مجلس النواب إلى مقر رئاسة الحكومة مشياً على الأقدام. لكنه قبل ذلك حذر النواب من «إدخال البلاد نهائياً في أزمة سياسية؛ لأن التاريخ سيحكم (عليكم) بقسوة شديدة بسبب هذه المناورات». وحثهم على «تحمل المسؤولية»؛ إذ إن اللحظة الراهنة هي «لحظة الحقيقة»، متسائلاً: «هل نريد النظام الجمهوري مع نقاشات تدور في الجمعية الوطنية، أو نريد الفوضى؟».

وختم بالقول: «لا تأخذوا موازنة الأمة وميزانية الضمان الاجتماعي رهينة». ومنذ صباح الخميس، أفادت صوفي بينيه، الأمينة العامة لنقابة «الكونفدرالية العامة للشغل»، بأن المتقاعدين سينزلون إلى الشارع في 6 نوفمبر (تشرين الثاني) القادم احتجاجاً على ما تضمنه مشروع الموازنة بحقهم؛ ما ينبئ بخريف حار لحكومة لوكورنو.


مقالات ذات صلة

ماكرون: فرنسا ملتزمة بدعم وقف النار في لبنان

المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بقصر الإليزيه في باريس 21 أبريل 2026 (أ.ب)

ماكرون: فرنسا ملتزمة بدعم وقف النار في لبنان

أعلن مكتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه سيجدد خلال لقائه رئيس الحكومة اللبنانية، تأكيد التزام فرنسا الكامل بوقف إطلاق النار في لبنان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك يعقدان مؤتمراً صحافياً مشتركاً في قاعة المدينة الرئيسية في غدانسك... بولندا 20 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ماكرون وتوسك يعطيان زخماً جديداً للتعاون الدفاعي بين بلديهما

أعطى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك زخماً جديداً لتعاون بلديهما في مجالات الردع النووي والأقمار الاصطناعية العسكرية.

«الشرق الأوسط» (غدانسك)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك يعقدان مؤتمراً صحافياً مشتركاً في قاعة المدينة الرئيسية في غدانسك... بولندا 20 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ماكرون يحض إيران وأميركا على خفض التصعيد على خلفية إغلاق مضيق هرمز

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم (الاثنين)، الولايات المتحدة وإيران إلى خفض التصعيد وسط تصاعد التوتر في مطلع الأسبوع بشأن مضيق هرمز.

العالم العربي الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)

الرئيس الموريتاني يختتم زيارة دولة إلى فرنسا

اختتم الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الأحد، زيارته إلى فرنسا والتي وصفها بأنها «خطوة مهمة» في مسار تعزيز «العلاقات القائمة على الثقة» بين البلدين.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

ماكرون يستقبل رئيس الوزراء اللبناني الثلاثاء

أعلنت الرئاسة الفرنسية، اليوم (الأحد)، أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيستقبل رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (باريس )

الاتحاد الأوروبي يقرر توسيع عقوبات إيران لتشمل مسؤولي إغلاق «هرمز»

الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

الاتحاد الأوروبي يقرر توسيع عقوبات إيران لتشمل مسؤولي إغلاق «هرمز»

الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، اليوم (الثلاثاء)، إن دول التكتل اتفقت على توسيع نطاق العقوبات المفروضة على إيران لتشمل المسؤولين عن إغلاق مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضافت كالاس أنها طلبت من وزراء الخارجية خلال اجتماعهم في لوكسمبورغ تعزيز البعثة البحرية للاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط التي تعمل حالياً على حماية السفن من هجمات جماعة الحوثي اليمنية في البحر الأحمر.


ألمانيا وإيطاليا ترفضان تعليق اتفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل

وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)
TT

ألمانيا وإيطاليا ترفضان تعليق اتفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل

وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)

رفضت ألمانيا وإيطاليا، اليوم الثلاثاء، الدعوات لتعليق اتفاق للتعاون مع إسرائيل رغم تصاعد الغضب حيال الحرب في لبنان والوضع في الضفة الغربية المحتلة.

واقترحت إسبانيا وآيرلندا مجدداً تعليق العمل بالاتفاق المبرم في يونيو (حزيران) 2000 أثناء اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ.

ووصف وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول المقترح بأنه «غير مناسب». وقال في مستهل الاجتماع: «علينا التحدّث مع إسرائيل عن القضايا المهمة»، مضيفاً أن الأمر يجب أن يتم عبر «حوار بنّاء مع إسرائيل».

وأكد وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني أنه «لن يتم اتّخاذ قرار اليوم» في هذا الشأن.

وبعدما نددت بممارسات إسرائيل خلال حرب غزّة، اتّخذت بلدان في الاتحاد الأوروبي مواقف أكثر تشدداً إزاء الدولة العبرية بعد عملياتها العسكرية في لبنان، وإقرارها قانوناً يجيز فرض عقوبة الإعدام في الضفة الغربية المحتلة ويطبقها بشكل فعلي بحق الفلسطينيين.

وقالت وزيرة الخارجية الآيرلندية هيلين ماكينتي: «علينا التحرّك. علينا ضمان حماية قيمنا الأساسية».

وزيرة الخارجية الآيرلندية هيلين ماكينتي في لوكسمبورغ (أ.ب)

وطرح الاتحاد الأوروبي العام الماضي سلسلة إجراءات محتملة لمعاقبة إسرائيل على خلفية حصيلة الضحايا المدنيين لحرب غزة، شملت قطع العلاقات التجارية معها وفرض عقوبات على وزراء الحكومة. لكن أياً من الخطوات التي طرحتها بروكسل لم تحصل بعد على دعم الدول الأعضاء ليتم تطبيقها.

ويتطلب تعليق اتفاق التعاون مع الاتحاد الأوروبي إجماع الدول الأعضاء الـ27 في التكتل، وهو أمر يرجّح بأن يعرقله حلفاء إسرائيل.

وقد يكون تعليق الجزء من الاتفاق الذي يسهّل تعزيز العلاقات التجارية أمراً قابلاً أكثر للتطبيق، إذ إن هذا الإجراء لا يتطلب سوى دعم أغلبية مرجِّحة من دول الاتحاد الأوروبي. إلا أنه سيتطلب تبديل مواقف القوى المؤثّرة في التكتل مثل ألمانيا أو إيطاليا.

ولمّحت روما إلى أنها قد تكون منفتحة على تشديد موقفها حيال إسرائيل بعدما علّقت اتفاقاً دفاعياً.

لكنّ مسؤولين ودبلوماسيين في الاتحاد الأوروبي قالوا إن الدول تبدو مترددة في اتخاذ خطوة من هذا النوع، خصوصاً بعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان.

في الأثناء، كانت هناك جهود لفرض تدابير أصغر بدلاً من ذلك. وجدّدت فرنسا والسويد دعوة سابقة من بعض دول الاتحاد الأوروبي للتكتل للنظر في وقف استيراد السلع من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، التي تُعد غير قانونية بموجب القانون الدولي.

وعرقلت المجر مقترحاً منفصلاً لفرض عقوبات على مستوطنين إسرائيليين «متطرفين» في الضفة الغربية لعدة أشهر.

لكن الإطاحة مؤخرا برئيس الوزراء المجري الداعم بشدّة لإسرائيل فيكتور أوربان في الانتخابات المجرية عزّزت آمال بلدان أخرى في الاتحاد الأوروبي حيال إمكان تطبيقها قريباً.


الخلافات تطغى على أداء الحكومة الائتلافية الألمانية

المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)
TT

الخلافات تطغى على أداء الحكومة الائتلافية الألمانية

المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)

لم يمض عام بعدُ على تشكيل حكومة المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، والخلافات بين الحزبين في الائتلاف الحاكم تزداد؛ مما بدأ يطرح تساؤلات بشأن مدى قدرة الحكومة على العمل في ظل أزمات متتالية تواجهها ألمانيا. ويواجه الحزبان تحديات في إقناع الألمان بقدرتهما على قيادة البلاد وإدخال إصلاحات ضرورية وانتزاع الاقتصاد مع السقوط.

وكان استطلاع للرأي، نشر قبل أيام، أظهر أن شعبية ميرتس في الحضيض، وأنه يحظى بتأييد لا يزيد على 19 في المائة مقابل 76 في المائة من غير الراضين عن أدائه؛ مما وضعه على رأس لائحة لأقل قادة العالم شعبية، وفق استطلاع أجراه معهد «مورنينغ كونسالت» الأميركي. وتتطابق نتائج الاستطلاع هذا مع استطلاعات أخرى أجرتها معاهد محلية، كان آخرها من معهد «فورسا» في نهاية مارس (آذار) الماضي أظهر أن نسبة غير الراضين عن أداء المستشار بلغت 78 في المائة. وحتى قبل وصوله إلى السلطة، لم يكن ميرتس، زعيمُ الحزب «المسيحي الديمقراطي» الذي قادته أنجيلا ميركل 20 عاماً، ذا شعبية كبيرة، على النقيض من ميركل التي تقاعدت وهي تحظى بشعبية مرتفعة.

وفي المقابل، يبدو شريكه في الائتلاف الحكومي في مأزق أيضاً؛ فقد مُني «الحزب الاشتراكي» بزعامة نائب المستشار وزير المالية، لارس كلينغبايل، بخسائر تاريخية في انتخابات محلية بولايتين الشهر الماضي... ففي ولاية بادن فرتمبيرغ، خسر مطلع مارس الماضي نصف الأصوات ولم يحصل على أكثر من 5.5 في المائة ليحقق أسوأ نتائج منذ عام 1945. وفي ولاية راينلاند بالاتينات التي كان يحكمها قبل الانتخابات، خسر نحو 10 نقاط وانخفض تمثيله إلى 26 في المائة.

وتأتي هذه النتائج في وقت تزداد فيه شعبية حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الذي وضعته أحدث استطلاعات الرأي في الطليعة بنسبة تأييد تصل إلى 26 في المائة، أي لو أُجريت انتخابات في ألمانيا اليوم فسيفوز بها الحزب المتطرف.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال مؤتمر صحافي في هوسوم بألمانيا يوم 3 نوفمبر 2025 (د.ب.أ)

وتواجه حكومة ميرتس أزمات متتالية منذ تشكيلها العام الماضي وسط تحديات انتشال الاقتصاد الألماني الذي يواجه كثيراً من العقبات، وغير القادر على تحقيق نمو كاف. ومؤخراً زادت آثار حرب إيران وارتفاع أسعار البنزين والتأثير المباشر على المواطنين من النقمة الشعبية على الحكومة.

وتحاول الحكومة إدخال تعديلات على قوانين «الضرائب» و«النظام الاجتماعي»، وهما موضوعان يشكلان مادة جدل رئيسية بين الحزبين في الائتلاف الحكومي. ويسعى الحزب «المسيحي»، المنتمي إلى يمين الوسط بزعامة ميرتس، إلى إدخال تعديلات على نظام الضرائب تهدف إلى تقليل الضرائب على الشركات؛ بهدف جعل مناخ العمل في ألمانيا أكبر جاذبية؛ وهو ما يعارضه الحزب «الاشتراكي» الذي يريد تخفيف الأعباء عن الطبقةِ المنخفضة؛ قاعدتِه الأساسية، بمنحها إعفاءات ضريبية مقابل رفع الضرائب على ذوي الدخل الأعلى. ولكن حزب ميرتس يعارض رفع الضرائب ويقترح تخفيض الخدمات الاجتماعية وهو أيضاً ما يعارضه «الاشتراكيون».

وقد أمضى الحزبان في عطلة نهاية الأسبوع ما قبل الماضية يومين كاملين يجريان مشاورات سرية بشأن كيفية تخفيف الأعباء عن المواطنين بسبب ارتفاع أسعار الوقود إثر إغلاق مضيق هرمز. وكادت الخلافات بينهما بشأن المقاربة تتسبب في انهيار الحكومة، ولكن في النهاية اتفقا على تخفيض بعض الضرائب على الطاقة من دون فرض ضرائب أرباح على شركات الطاقة، وهو ما أراده «الاشتراكيون».

شعار حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الذي بات الحزب الثاني في ألمانيا (د.ب.أ)

والآن تلوح في الأفق خلافات جديدة مع إعلان المستشار الحاجة إلى إدخال إصلاحات على نظام التقاعد، وتحويل مرتب التقاعد إلى «مرتب أساسي»، أي تخفيضه؛ بسبب ارتفاع عدد المتقاعدين بشكل لا يتساوى مع دخول أعداد مناسبة سوقَ العمل. وقال ميرتس أمام مجموعة من الشركات المالية إنه سيتعين على الأفراد الاستثمار في معاشات تقاعد، خصوصاً أن الحكومة ستعمل على تشجيع ذلك عبر إقرار قوانين جديدة. واعترف ميرتس بأن هذه الاصلاحات ستُدخل حكومته مواجهةً جديدة، لكنه قال: «سيتعين فتح حوار جدي مع الحزب (الاشتراكي)» بشأن إصلاحات قانون التقاعد. وبالنسبة إلى «الاشتراكيين»، فإن قانون التقاعد يمس بقاعدتهم الأساسية، والموافقة على تخفيض المعاش التقاعدي ستؤثر من دون شك على شعبيتهم.

وقبل أن تبدأ المشاورات الحكومية بشأن إصلاح القانون، بدأت الخلافات على الإصلاحات، ورد النائب ديرك فيزه، من الحزب «الاشتراكي» بالقول: «يجب على الأشخاص أن يكونوا قادرين على الاعتماد على المعاش التقاعدي. كثيرون دفعوا لسنوات في التأمين التقاعدي مما جنوه من عملهم المضني، ولا يمكن لهذا أن يتحول فقط إلى معاش أساسي»، أي يغطي فقط الأساسيات. لكن السياسي الاشتراكي أبدى انفتاحاً على إصلاح قانون التقاعد، داعياً إلى توسيع قاعدة من يدفعون في التأمين التقاعدي، مقترحاً أن تطول النواب المُعفَين من ذلك حالياً.