سقوط حكومة بايرو يُدخِل فرنسا في نفق أزمات متشابكة

الأزمات السياسية والاجتماعية تضعِف ماكرون في الداخل وتهدّد نفوذ باريس في الخارج

فرنسوا بايرو يلقي خطابه أمام النواب بالجمعية الوطنية في جلسة استثنائية بعد ظهر الاثنين (رويترز)
فرنسوا بايرو يلقي خطابه أمام النواب بالجمعية الوطنية في جلسة استثنائية بعد ظهر الاثنين (رويترز)
TT

سقوط حكومة بايرو يُدخِل فرنسا في نفق أزمات متشابكة

فرنسوا بايرو يلقي خطابه أمام النواب بالجمعية الوطنية في جلسة استثنائية بعد ظهر الاثنين (رويترز)
فرنسوا بايرو يلقي خطابه أمام النواب بالجمعية الوطنية في جلسة استثنائية بعد ظهر الاثنين (رويترز)

كمن يصعد درجات المقصلة، تسلق فرنسوا بايرو، رئيس الحكومة الفرنسية، في الثالثة من بعد ظهر الاثنين، متمهلاً الدرجات الأربع لبلوغ منصة الجمعية الوطنية وإلقاء كلمته «التاريخية» التي طلب بموجبها من النواب منحه ثقة البرلمان؛ بناءً على خطته في مواجهة مديونية البلاد التي ولجت منزلقاً خطيراً. ولأنه كان يعرف سلفاً ومنذ أن فشل، خلال الأسبوعين الماضيين، في إقناع نواب المعارضة، يميناً ويساراً، بإعطائه فرصة إضافية للسير بمشروع الموازنة الذي حبكه وأعلن عنه في شهر يوليو (تموز) الماضي، فإنه أراد أن يكون خطابه للتاريخ. وبرأيه، فإن المسألة التي دعي البرلمان لحسمها «ليست مسألة سياسية وليست تناحراً بين الأحزاب، بل هي موضوع تاريخي يهم مصير الشعوب والأمم والأجيال القادمة».

خلال 45 دقيقة، عرض بايرو سريعاً الوضع العام لفرنسا وللتحديات التي تواجهها ليركز كلمته على المديونية التي بلغت 3415 مليار يورو والتي سترتب على فرنسا فوائد تزيد على 67 مليار يورو في العام الحالي، ويمكن أن تصل إلى 107 مليارات يورو مع نهاية العقد الحالي. ولمزيد من الإيضاح، أشار بايرو إلى أن 60 في المائة من المديونية من الدائنين هم من الأجانب، وأن تفاقم الأزمة سيفقد فرنسا سيادتها وتأثيرها في العالم، ويضعف القيم التي تدافع عنها. وبنظره، فإن «الخضوع للمديونية يشبه الإخضاع بقوة السلاح».

صورة عامة للجمعية الوطنية الفرنسية خلال إلقاء فرنسوا بايرو كلمة أمام النواب الاثنين (رويترز)

ولم يتردد رئيس الحكومة في مهاجمة اليمين المتطرف واليسار، مشيراً إلى أن مصير الحكومة كان معروفاً منذ اليوم الأول لولادتها قبل (تسعة أشهر)؛ كونها لا تمتلك الأكثرية لا المطلقة ولا النسبية في البرلمان، وأن بقاءها كان مرهوناً بتساهل المعارضة معها. وحرص بايرو على التذكير بما يعرفه كل الفرنسيين، وهو أن اليمين المتطرف وأحزاب اليسار والبيئويين يختلفون حول كل شيء إلا أنهم اتفقوا على إسقاط حكومته.

الحراك في الشارع

مع فشله في الحصول على ثقة البرلمان، يكون بايرو أول رئيس حكومة منذ قيام الجمهورية الخامسة يلقى هذا المصير البائس، حيث رفض نواب الأمة منحه الثقة التي لم يطلبها عند تشكيل حكومته. بيد أن الفشل ليس مسؤوليته وحده. فقرار الرئيس إيمانيول ماكرون، بداية صيف العام الماضي، بحل البرلمان والدعوة إلى انتخابات عامة هو السبب الرئيسي؛ لأن الانتخابات جاءت ببرلمان مُشظَّى مكون من ثلاث مجموعات، اثنتان على طرفي الخريطة (اليمين المتطرف واليسار) وكتلة «مركزية» مشكَّلة من الأحزاب الداعمة لماكرون ومن اليمين التقليدي. والحال، أن حكومتين قامتا على «الكتلة المركزية» لم تعمرا طويلاً: الأولى برئاسة ميشال بارنيه، الوزير والمفوض الأوروبي السابق التي عاشت أقل من ثلاثة أشهر والأخرى حكومة بايرو. ومنذ بدء ولايته الثانية في عام 2022، استهلك ماكرون أربعة رؤساء حكومات. والصعوبة التي يواجهها اليوم تكمن في العثور على الشخصية التي يستطيع تكليفها تشكيل الحكومة الخامسة، وأن تكون قادرة على الاستدامة.

مارين لوبن زعيمة اليمين المتطرف ورئيسة المجموعة النيابية لحزبها «التجمع الوطني» تلقي بدورها كلمة في البرلمان (أ.ف.ب)

ما يزيد الوضع حراجة، ترافق الأزمة السياسية بتعبئة احتجاجية شعبية واجتماعية باكورتها الأربعاء، حيث دعت مجموعات «مدنية» تحظى بدعم بعض اليسار والنقابات المرتبطة به إلى «شل البلاد» في القطاعات كافة؛ احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. والاستحقاق الثاني سيحل يوم 18 الحالي، حيث دعت مجموعة كبيرة من النقابات إلى حراك واسع يشمل المظاهرات والإضرابات التي قد تتواصل وهي تستهدف سياسة حكومة بايرو الاقتصادية والاجتماعية. والتخوف الكبير في فرنسا أن تتوسع التعبئة، على غرار ما عرفته البلاد قبل عام 2020، بحيث تسير على خطى حراك «السترات الصفراء» التي شهدت صدامات ومناوشات وحرائق وعمليات كر وفر بين المتظاهرين وبينهم «مشاغبون» وبين قوات الأمن.

خيارات ماكرون

تنتهي ولاية ماكرون الثانية في ربيع عام 2027. ويرى المراقبون في فرنسا أن مسألة المديونية وما يرافقها من أزمات مالية واهتزاز سياسي وحراك اجتماعي من شأنها أن «تفسد» ما تبقى من عهده في الداخل وتضعفه على المسرحين الأوروبي والدولي. ويحل هذا الوهن بينما الرئيس الفرنسي يحاول أن يلعب دوراً مؤثراً أكان في حرب روسيا في أوكرانيا أو حرب إسرائيل في غزة، فضلاً عن عملية لي أذرع بين الاتحاد الأوروبي والإدارة الأميركية أو داخل الاتحاد الأوروبي... ولا شك أن مديونية فرنسا، التي تحولت «التلميذ الفاشل» داخل «الاتحاد»؛ إذ إنه لا يحترم معاييره بالنسبة لعجز الميزانية أو نسبة المديونية إلى الناتج الإجمالي الخام، يضربان صورة باريس وصدقية سياستها الاقتصادية ونجاعتها، خصوصاً إزاء شريكتها الأولى ألمانيا. ولذا؛ فإن مصلحة ماكرون ومصلحة بلاده تكمنان في الإسراع، قدر الإمكان، في الخروج من الأزمة السياسية بالعثور سريعاً على رئيس للحكومة الجديدة تكون مهمته الأولى الاتفاق مع «الكتلة المركزية». وللتذكير، فإن هذه «الكتلة» تتكون من الأحزاب الثلاثة الداعمة لماكرون (النهضة والحركة الديموقراطية وهورايزون وحزب الجمهوريون اليميني التقليدي)، ولكل منها حساباته السياسية ومحاذيره وخطوطه الحمراء.

أوليفيه فور أمين عام الحزب الاشتراكي من الخيارات لدى ماكرون لتشكيل الحكومة الجديدة (رويترز)

لعل الحل الجذري المتوفر لماكرون أن يعمد إلى حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة. لكن ثمة عقبتين تمنعانه من السير به: الأولى، أن استطلاعات الرأي المتوافرة تبين أن الفائز الأكبر من هذه الانتخابات سيكون اليمين المتطرف على حاسب الأحزاب الداعمة له، وهو السبب الذي يدفع الحزب المذكور إلى مطالبته بحل سريع للبرلمان. والعقبة الأخرى، تعد الأكثر خطورة بالنسبة إليه؛ إذ إن تواصل الأزمة السياسية بعد الانتخابات سيفضي إلى وضع، حيث لا يستطيع ماكرون البقاء في السلطة. ومنذ اليوم، يطالب حزب «فرنسا الأبية» وزعيمه جان لوك ميلونشون باستقالة ماكرون والذهاب مباشرة إلى انتخابات رئاسية لن يستطيع الرئيس الحالي المشاركة فيها بسبب المانع الدستوري. وتصور ميلونشون أن انتخابات كهذه ستضعه في مواجهة مارين لوبن، زعيمة اليمين المتطرف وأن حظوظ فوزه جدية.

أسماء قيد التداول

حقيقة الأمر أن ماكرون يجد نفسه في موقف حرج. صحيح أن هناك مجموعة من الأسماء، منها اسم وزير الدفاع (سيباستيان لوكورنو) أو العدل (جيرالد دارمانان) أو الاقتصاد (إريك لومبار) أو برنار كازنوف، رئيس آخر حكومة في عهد فرنسوا هولند، الرئيس الاشتراكي السابق. كذلك من بين الأسماء المطروحة أوليفيه فور، أمين عام الحزب الاشتراكي.

فرنسوا بايرو بعد إلقاء خطابه أمام النواب بالجمعية الوطنية في جلسة استثنائية بعد ظهر الاثنين (رويترز)

وآخر الحلول قد يكون تسمية شخصية «مدنية» تعمد إلى تشكيل حكومة غير سياسية من «التكنوقراط»، أي من كبار الموظفين أو الخبراء. والاسم المطروح لهذه المهمة هو تيري بوديه الذي سبق لماكرون أن لوَّح به قبل قيام حكومة بايرو. ومشكلة ماكرون مزدوجة: فمن جهة، لا يستطيع أن يجرب المجرب، بمعنى أن يسمي شخصية من «الكتلة المركزية»؛ لأنها ستواجه الصعوبات نفسها التي واجهها قبله بارنيه وبايرو بسبب غياب الأكثرية البرلمانية واحتمال السقوط بدوره. ومن جهة ثانية، لا يرغب رئيس الجمهورية في تسمية شخصية يسارية مثل أوليفيه فور أو غيره ينفذ سياسة مختلفة تماماً عن سياسة ماكرون التي سار عليها منذ ثمانية أعوام، خصوصاً في ملفي الاقتصاد والضرائب. وأعلن أوليفيه فور الأسبوع الماضي أنه جاهز لترؤس الحكومة، شرط ألا ينضم اليمين إليها، وأن تنفذ البرنامج الاقتصادي الذي أقره الحزب الاشتراكي، ومن بنوده فرض ضريبة على الثروات التي تزيد على 100 مليون يورو، وعلى الرواتب المرتفعة جداً، فضلاً عن أرباح الشركات الكبرى.

إزاء ما سبق، يبدو وضع ماكرون كمن يسعى إلى تربيع الدائرة؛ لأن عليه أن يضع هذه العوامل كافة في الحسبان، وأن يوفق ما بينها وما بين حسابات الأحزاب المتضاربة. هل سيخرج أرنباً من قبعته كما يقول المثل الفرنسي؟ ثمة شكوك جدية إزاء هذا الاحتمال والجواب في القادم القريب من الأيام.


مقالات ذات صلة

إيران تعلن فتح مضيق «هرمز» حتى انتهاء الهدنة... وترمب يرحّب

شؤون إقليمية سفينة شحن في مياه الخليج العربي (أ.ب)

إيران تعلن فتح مضيق «هرمز» حتى انتهاء الهدنة... وترمب يرحّب

أعلنت إيران، اليوم (الجمعة)، إعادة فتح مضيق «هرمز» بشكل كامل خلال الفترة المتبقية من وقف النار في الشرق الأوسط، وذلك عقب موافقة إسرائيل على هدنة مع «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يلتقي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في تشيكرز - لندن 9 يناير 2025 (د.ب.أ) p-circle

مؤتمر دولي ينعقد في باريس لضمان أمن الملاحة بمضيق هرمز

يناقش الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في باريس، الجمعة، مع قادة دول حليفة تشكيل قوة متعددة الأطراف لضمان حرية الملاحة في هرمز.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً في قصر الإليزيه الرئاسي في باريس فرنسا 16 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ماكرون يُعرب عن قلقه من أن يُهدد استمرار العمليات العسكرية الهدنة في لبنان

أعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الجمعة، عن قلقه من أن يُهدّد استمرار العمليات العسكرية وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ بين إسرائيل و«حزب الله».

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

ماكرون يبحث مع قادة أوروبا حماية القُصّر من وسائل التواصل الاجتماعي

كشف قصر الإليزيه أن الرئيس الفرنسي سيجري اتصالاً بالفيديو مع قادة آخرين في الاتحاد الأوروبي ‌​بهدف التأسيس ⁠لتحرك منسق بشأن حظر استخدام القصر للتواصل الاجتماعي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية سفينة تنقل غاز البترول المسال في ميناء مومباي بالهند بعد عبورها مضيق هرمز... 1 أبريل 2026 (رويترز) p-circle

مصدر: محادثات تقودها فرنسا وبريطانيا ستشمل فرض عقوبات على إيران

قال مصدر، الثلاثاء، إن المناقشات التي تقودها بريطانيا وفرنسا بشأن الخطوات اللازمة لفتح مضيق هرمز ستشمل فرض عقوبات مالية محتملة على إيران.

«الشرق الأوسط» (باريس)

واشنطن توافق على بيع معدات عسكرية إلى ألمانيا بقيمة 11.9 مليار دولار

أرشيفية لجنود من الجيش الألماني يشاركون في مناورات عسكرية في بابراد  (رويترز)
أرشيفية لجنود من الجيش الألماني يشاركون في مناورات عسكرية في بابراد (رويترز)
TT

واشنطن توافق على بيع معدات عسكرية إلى ألمانيا بقيمة 11.9 مليار دولار

أرشيفية لجنود من الجيش الألماني يشاركون في مناورات عسكرية في بابراد  (رويترز)
أرشيفية لجنود من الجيش الألماني يشاركون في مناورات عسكرية في بابراد (رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأميركية، الجمعة إن الولايات المتحدة وافقت على بيع محتمل لمعدات عسكرية لألمانيا تقدر قيمتها بنحو 11.9 مليار دولار.

وجاء في بيان الخارجية الأميركية، إن «هذا البيع المقترح سيدعم أهداف السياسة الخارجية وأهداف الأمن القومي للولايات المتحدة من خلال تحسين أمن دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو)».

وأضاف البيان أن ألمانيا كانت قوة للاستقرار السياسي والتقدم الاقتصادي في أوروبا.

ووفقا للبيان، تسعى ألمانيا للحصول على ثمانية أنظمة قتالية متكاملة وأنظمة رادار حديثة وأنظمة إطلاق للصواريخ الموجهة، من بين معدات أخرى.

وستسمح هذه التكنولوجيا للسفن الحربية باكتشاف التهديدات مبكرا والتصدي لها والاتصال بوحدات الناتو الأخرى.

وقالت وزارة الخارجية إن «البيع المقترح سيعزز قدرة القوات البحرية الألمانية على مواجهة التهديدات الحالية والمستقبلية من خلال تحسين الدفاع الوطني والإقليمي بالإضافة إلى إمكانية التشغيل البيني مع القوات الأميركية وقوات حلف الناتو».

وتم تقديم الصفقة إلى الكونغرس الأميركي، الذي لا يزال بإمكانه الاعتراض عليها.


زيلينسكي يحذر بيلاروسيا من الانزلاق مجدداً إلى الحرب الروسية ضد بلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
TT

زيلينسكي يحذر بيلاروسيا من الانزلاق مجدداً إلى الحرب الروسية ضد بلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

حذّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بيلاروسيا من أي تورط آخر في الحرب التي تشنّها روسيا ضد بلاده، مشيراً إلى أن عليها أن تعتبر بما حلّ بزعيم فنزويلا السابق.

وقال زيلينسكي: «إن طبيعة ما جرى مؤخراً في فنزويلا، وتداعيات الأحداث هناك، ينبغي أن تمنع قيادة بيلاروسيا من ارتكاب أخطاء مماثلة»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، نفّذ الجيش الأميركي عملية عسكرية في فنزويلا أسفرت عن اعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما إلى نيويورك، حيث لا يزالان محتجَزين حتى الآن، ويواجهان تُهماً؛ من بينها التآمر لتهريب المخدّرات.

وكشف زيلينسكي أن الاستخبارات الأوكرانية رصدت قيام بيلاروسيا بتوسيع شبكة طرقها وبناء مواقع مدفعية في مناطق قريبة من الحدود مع أوكرانيا.

ولم يقدّم الرئيس الأوكراني أدلة ملموسة على تلك الأنشطة داخل بيلاروسيا.

كانت روسيا قد استخدمت الأراضي البيلاروسية منطلقاً في غزوها الشامل لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022.

وأضاف زيلينسكي: «نحن نفترض أن روسيا ستحاول مجدداً جرّ بيلاروسيا إلى حربها» ضد أوكرانيا.

وأوضح أنه كلف «الجهات المعنية» بتوجيه تحذير إلى مينسك من العواقب المحتملة، مؤكداً أن أوكرانيا مستعدة للدفاع عن أراضيها واستقلالها.


40 دولة تجتمع في برشلونة تحت عنوان «التعبئة التقدمية العالمية» في مواجهة «اليمين العالمي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في صورة مركبة (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في صورة مركبة (أ.ف.ب)
TT

40 دولة تجتمع في برشلونة تحت عنوان «التعبئة التقدمية العالمية» في مواجهة «اليمين العالمي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في صورة مركبة (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في صورة مركبة (أ.ف.ب)

تحت عنوان «التعبئة التقدمية العالمية» تجتمع، الجمعة، ولمدة يومين نحو 40 دولة في عاصمة إقليم كاتالونيا برشلونة، يشارك فيها رئيس البرازيل لويز إيناسيو لولا دا سيلفا، ورئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا، إلى جانب رئيس وزراء إسبانيا بيدرو سانتشيث، وهو منتقد آخر للرئيس الأميركي دونالد ​ترمب، وينتمي إلى التيار اليساري ‌مثل لولا.

وقال رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني لارس كلينغبايل، الذي يشارك هو الآخر في هذا اللقاء إن هذا «أول اجتماع عالمي من نوعه ولحظة تاريخية».

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز خلال خطابه المُتَلفز (إ.ب.أ)

وينتمي كلينغبايل إلى هيئة رئاسة «التحالف التقدمي» الذي أُسس عام 2013 في مدينة لايبزيغ الألمانية، وتضم أكثر من 130 حزباً ديمقراطياً اجتماعياً واشتراكياً.

دعا كلينغبايل، الذي يشغل أيضاً منصبي نائب المستشار الألماني ووزير المالية، إلى إقامة شبكة عالمية للقوى التقدمية كقوة موازنة لما وصفه بـ«اليمين العالمي». وقال في تصريحات لـ«وكالة الأنباء الألمانية» في برلين: «اليمين العالمي بات منذ مدة طويلة مترابطاً بشكل جيد على مستوى العالم... لذلك من المهم الآن أن نجتمع نحن كقوى تقدمية، بما يتجاوز أوروبا بكثير.

الرئيس البرازيلي ناقش وضع نيمار مع مدرب المنتخب كارلو أنشيلوتي (رويترز)

وقال كلينغبايل: «للأسف انحرفت المعايير لدى الرئيس ترمب»، مضيفاً أن سياساته أصبحت نموذجاً لعالم يفرض فيه الأكثر استعراضاً للقوة نفسه، مؤكداً أن المطلوب الآن هو بناء الجسور، وتعزيز مؤسسات قوية مثل الأمم المتحدة، وأضاف: «لا نريد مجتمعات منقسمة ومستمرة في الاستقطاب»، مشيراً إلى أن ما حدث في المجر يمنح بعض الأمل، حيث تم إقصاء فيكتور أوربان - أحد أبرز ممثلي الأحزاب الشعبوية اليمينية - من السلطة.

وأضاف: «الأمر لا يتعلق فقط بالتبادل، بل أكثر من ذلك، بجعل هذا الترابط السياسي فعالاً»، موضحاً أن الهدف هو تقديم نموذج مقابل «لبوتين وترمب ومن هم على شاكلتهما» يقوم على قواعد واضحة، وقانون دولي قوي.

وقال الرئيس البرازيلي: «لا يحق لأحد أن يخيف الآخرين. يجب ⁠أن ⁠يتحمل أصحاب النفوذ مسؤولية أكبر في الحفاظ على السلام»، واصفاً نفسه بأنه زعيم يفضل الاحترام على الخوف.

ووجّه لولا انتقاداً لاذعاً للرئيس الأميركي دونالد ​ترمب في مقابلة مع صحيفة «ألباييس» الإسبانية نُشرت، الخميس، قائلاً إن على قادة العالم السعي إلى كسب الاحترام بدلاً من الحكم بالترهيب. وأضاف: «لم يُنتخب من أجل ذلك، ودستوره لا يسمح بذلك». ووصف لولا نهج الرئيس الأميركي في ⁠السياسة الخارجية بأنه «لعبة مغلوطة للغاية» ‌يقودها افتراض ‌أن القوة العسكرية والاقتصادية لواشنطن ​تخولها بوضع ‌القواعد.

الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز خلال اجتماع في كراكاس بفنزويلا 13 مارس 2026 (رويترز)

وتأتي تصريحات لولا بعدما حذّر ترمب، هذا الشهر، من أن «حضارة بكاملها ستموت» في إيران ما لم تفتح طهران مضيق هرمز. وقال لولا للصحيفة: «لا يحق لترمب أن يستيقظ صباحاً، ويهدد دولة»، لافتاً إلى أن الدستور الأميركي يقسّم السلطة في ما يتعلّق بالحرب والسياسة الخارجية بين الكونغرس والرئيس. وأضاف الرئيس اليساري البالغ 80 عاماً أن «من الضروري أن يتولى قادة الدول القوية مسؤولية أكبر في المحافظة على السلام».

أعضاء اللجنة التوجيهية لأسطول الصمود العالمي ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً بينما يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة (رويترز)

ودعا إلى إجراء انتخابات حرة في فنزويلا دون تدخل من واشنطن، وذلك عقب العملية المفاجئة التي نفذتها القوات الخاصة الأميركية في الثالث من يناير (كانون الثاني)، ​وألقت فيها ​القبض على الرئيس نيكولاس مادورو في كراكاس.

ويفترض رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني أن تصدر عن المؤتمر رسالة مفادها أن «التعاون يجعلنا أقوى لا أضعف». وفي إشارة إلى الرئيس الأميركي، قال كلينجبايل: «هذا التحالف ليس موجهاً في المقام الأول كحركة مضادة لترمب»، موضحاً في المقابل أن النظام العالمي يشهد تحولاً عميقاً، ويعمل باستمرار بصورة أقل وفق قوة القانون، وبصورة أكثر وفق قانون الأقوى، وأضاف: «هذا بالتحديد ما نتصدى له».

وما زالت العلاقة بين واشنطن وبرازيليا متوترة رغم عقد اجتماع بين ترمب ولولا، العام الماضي، أسهم في تخفيف حدّة التوتر، وأدى إلى خفض الرسوم التجارية. وجدد لولا دعوته لإصلاح مجلس الأمن الدولي بحيث يشمل إلغاء حق النقض (الفيتو) الذي تتمتّع به الدول الخمس دائمة العضوية، وضم مزيد من البلدان الأفريقية ومن أميركا اللاتينية. وأضاف، كما نقلت عنه «وكالة الصحافة الفرنسية»: «حان الوقت لإعادة تشكيل الأمم المتحدة ومنحها مصداقية، وإلا فإن ترمب سيكون محقّاً»، في إشارة إلى انتقادات الرئيس الأميركي للهيئة الدولية، وقوله إنها فقدت فاعليتها.

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في كلمته أمام نواب البرلمان (أ.ف.ب)

وأشار كلينغبايل إلى أنه من المتوقع أيضاً حضور قوى تقدمية من الولايات المتحدة، وقال: «نحن في الحزب الاشتراكي الديمقراطي نحافظ تقليدياً على علاقات وثيقة جداً مع الديمقراطيين في الولايات المتحدة، ونعمل حالياً على توسيع هذه الاتصالات»، موضحاً أن ذلك يشمل حكام الولايات وأعضاء مجلس الشيوخ والكونغرس، وأضاف: «يجب أن نظل في حوار يتجاوز الإدارات». وقد تسفر انتخابات التجديد النصفي في الخريف المقبل عن تغيير في المشهد السياسي الأميركي».

وقال: «أنا لست مع الابتعاد عن الولايات المتحدة، لكن يجب أن نوضح أن العلاقات عبر الأطلسي تعرضت لضرر حقيقي»، مضيفاً أن «هذا قد يتغير مجدداً، لكننا في المرحلة الحالية نمرُّ بمرحلة انفصال للإدارة تحت قيادة ترمب»، مشدداً على أن أوروبا يجب أن تكون قادرة على سلوك طريقها الخاص، وقال: «هذا غير موجَّه ضد الولايات المتحدة، إنما هو التزام واضح بأوروبا مستقلة».

رئيس الوزراء الإسباني والرئيس الفرنسي (إ.ب.أ)

وأشار كلينغبايل إلى أنه سبق أن قال بعد الغزو الروسي لأوكرانيا إن العالم سينظم نفسه في مراكز متعددة، مضيفاً أن أوروبا يجب أن تكون مركزاً جاذباً، مثل أفريقيا أو أميركا اللاتينية، وقال: «على أوروبا أن تدافع عن دورها بثقة أكبر، فالعالم لا ينتظرنا». وفي المقابل، أشار كلينجبايل إلى وجود دول «يجب أن نسعى بنشاط لكسبها».

وبالإشارة إلى زعيم المعارضة في الهند راهول غاندي، أوضح كلينغبايل أن الهدف هو بناء تحالفات، بما في ذلك العمل على ألا تواصل دولة كبيرة مثل الهند التقارب مع روسيا.

ويرافق كلينغبايل في برشلونة وفد من الحزب الاشتراكي الديمقراطي يضم أيضاً وزيرة التنمية ريم العبلي رادوفان، والأمين العام تيم كلوسندورف.