أبواب الدبلوماسية ما زالت مفتوحة للمساومات في النيجر

السفيرة الأميركية الجديدة في نيامي تحمل معها «خريطة طريق» وسطية

أحد العسكريين يخطب في تجمع لمؤيدي الانقلاب في نيامي الأحد (أ.ف.ب)
أحد العسكريين يخطب في تجمع لمؤيدي الانقلاب في نيامي الأحد (أ.ف.ب)
TT

أبواب الدبلوماسية ما زالت مفتوحة للمساومات في النيجر

أحد العسكريين يخطب في تجمع لمؤيدي الانقلاب في نيامي الأحد (أ.ف.ب)
أحد العسكريين يخطب في تجمع لمؤيدي الانقلاب في نيامي الأحد (أ.ف.ب)

لم تكن مفاجئة ردة الفعل الرافضة الصادرة عن المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا، بشأن تصور انقلابيي النيجر لمرحلة انتقالية تمتد لثلاث سنوات ومنطلقها حوار شامل يستمر شهراً حول التعديلات الدستورية بعدها تعود البلاد إلى الحكم المدني من خلال انتخابات عامة. ذلك أن المقترحات التي قدمها رئيس المجلس العسكري الذي يمسك بالسلطة ليس فيها ما يتجاوب مع متطلبات «إيكواس» التي تريد فوراً إخلاء سبيل الرئيس المحتجز محمد بازوم، وتمكينه من العودة إلى ممارسة صلاحياته في إطار الرجوع إلى «الانتظام الدستوري».

ووفق المجموعة الاقتصادية، فإن السبيل لتجنب عملية عسكرية تم التحضير لها، من أوجهها كافة، خلال اجتماعات لقادة أركان 11 دولة عضواً في «إيكواس» على مرحلتين، الأولى في أبوجا والثانية في أكرا، عاصمة غانا، عنوانها استجابة الانقلابيين للشروط التي أصبحت معروفة من القاصي والداني. وعلى هذه الخلفية، يفهم التشدد الذي برز في تصريحات عبد الفتاح موسى، مفوض الشؤون السياسية والسلم والأمن في «إيكواس» الاثنين في حديث تلفزيوني، حيث أكد أن «الفترة الانتقالية التي تستغرق ثلاث سنوات غير مقبولة»، ومطالبته بـ«استعادة النظام الدستوري في أسرع وقت ممكن».

مؤيدون للانقلاب العسكري في النيجر يحملون صورة الجنرال تياني في نيامي الأحد (أ.ف.ب)

بداية، ترى أوساط سياسية في باريس أنه يتعين وضع مقترحات الجنرال عبد الرحمن تياني، زعيم الانقلاب ورئيس المجلس الانتقالي في سياقها إذ إنها جاءت بعد عنصرين مهمين: الأول، إعلان رئيس الحكومة النيجرية المدني المعين علي زين، خلال زيارته إلى إنجامينا، أن النيجر «تجتاز مرحلة انتقالية» ما يتعين أن يفهم منه أن سلطة العسكر «مؤقتة»، وأن بعدها سيعود الحكم للمدنيين. والعنصر الثاني عنوانه زيارة وفد رفيع المستوى من «إيكواس» بقيادة رئيس نيجيريا الأسبق والاستقبال الرسمي الذي حظي به ثم اجتماعه بالجنرال تياني وتمكينه من مقابلة الرئيس المخلوع وقضائه ليلة السبت - الأحد في نيامي. وتضيف هذه المصادر أنه يتعين المقارنة بين ما واجهه الوفد المذكور في المرة الأولى، حيث لم يتح الخروج من المطار وحرية الحركة التي حظي بها في المرة الثانية. والأهم من ذلك كله التصريح الذي أدلى به عبد السلام أبو بكر رئيس الوفد الذي أعلن أنه «بلا شك ثمة أمل» للوصول إلى حل سياسي، مضيفا أن البعثة «عثرت على المفتاح الذي من شأنه أن يقودنا إلى مفاوضات تفضي إلى حل هذه المشكلة». ثم لا بد من الإشارة إلى أن الأيام الأربعة الماضية، شهدت تركيزاً على تدهور صحة الرئيس المخلوع وتحذيرات بـ«عواقب جدية» ستصيب الانقلابيين في حال إصابته بسوء وفق ما جاء على لسان الرئيس النيجيري بولا تينوبو، بمناسبة محادثة له مع شارل ميشال، رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي، فضلا عن تحذيرات من الأمين العام للأمم المتحدة وعواصم غربية رئيسية. والحال أن بازوم بدا بصحة جيدة لا بل كان مبتسماً ولم ينقل عنه أنه يعاني من أمراض أو من سوء معاملة.

حقيقة الأمر أن «إيكواس» تبدو «محشورة» إلى حد بعيد. فهي، من جهة، تتهيب الرد العسكري على الانقلابيين في بلد من الأفقر في العالم، إذ إنه يحتل المرتبة الـ189 (من أصل 191 بلداً) بين البلدان الأكثر فقراً في العالم. وجاء تحذير «اليونيسيف» الذي نبه إلى أن أكثر من مليوني طفل نيجري يعانون من سوء التغذية يحتاجون لمساعدات إنسانية طارئة ليزيد الضغوط على مجموعة «إيكواس» ولثنيها عن إطلاق عملية عسكرية ستكون من أولى نتائجها زيادة معاناة المدنيين. ونبهت المنظمة الدولية من النتائج الثقيلة المترتبة على الحصار المفروض على النيجر وإغلاق الحدود والغلاء وانقطاع التيار الكهربائي وصعوبة إيصال الأدوية... ومن جهة ثانية، ثمة مخاوف من عملية عسكرية قد تتحول إلى حرب بين مجموعتين: «الإيكواس» من جهة و«مجموعة الانقلابيين» من جهة ثانية والمتشكلة من النيجر ومالي وبوركينا فاسو التي حضّرت، بدعم من غينيا، خططاً عسكرية لمواجهة أي عملية تقوم بها قوات من نيجيريا وساحل العاج وبنين وربما من دول أخرى بدعم من فرنسا. وثالث العناصر عنوانه أن أي حرب ستشكل هدية ثمينة للمجموعات الجهادية والإرهابية التي تنشط في منطقة الساحل. وجاءت الهجمات التي استهدفت الأسبوع الماضي قوة عسكرية نيجرية سقط منها عشرون قتيلا قريبا مما يسمى «الحدود المثلثة»، ثم استهداف مدنيين بالقرب منها، لتبين سلفاً المخاطر المرتبطة بالاحتكام لقوة السلاح من أجل إعادة بازوم إلى السلطة.

وأخيراً، لا يمكن تناسي الضغوط الممارسة على «إيكواس» لدفعها إلى التراجع عن العمل العسكري، خصوصا من الولايات المتحدة الأميركية التي أرسلت سفيرتها إلى نيامي في عز الأزمة ما فُهم أنه دعوة إلى تغليب الحل السياسي وهو ما دأب وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن على الدعوة إليه.

رئيس نيجيريا بولا تينوبو الذي قد تشارك بلاده في عملية عسكرية ضد انقلابيي النيجر (أ.ب)

كذلك يتعين الأخذ بعين الاعتبار دعوة البابا فرنسيس الأحد ودفاعه عن السلام وتحفظ جارتين للنيجر هما الجزائر وتشاد والانقسامات داخل الأسرة الأوروبية إذ تجد فرنسا نفسها معزولة إلى حد كبير، ناهيك عن تردد الاتحاد الأفريقي. وكل ذلك يمثل ضغوطاً على «إيكواس» لثنيها عن تفضيل الحل العسكري. وبالمقابل، فإن تراجعها، رغم التهديدات التي أطلقتها سيفقدها المصداقية، وسيشجع آخرين على الاحتذاء بما حصل في أربع دول انقلابية (الثلاث المشار إليها سابقا وغينيا).

يبدو واضحاً اليوم أن نيامي اختارت السير على الدرب التي سلكتها باماكو وواغادوغو لجهة الإعلان عن الرغبة بإعادة الحكم إلى المدنيين بعد مرحلة انتقالية. وكان الجنرال تياني حازماً في تأكيده أن العسكريين «لن يصادروا السلطة». وللتذكير، فإن عسكر مالي وبوركينا فاسو وغينيا «استرضوا» «إيكواس» بإغداق الوعود بالتعجيل بإجراء انتخابات عامة والعودة إلى الثكنات. والحال أن أيا من هذه الوعود لم يتحقق وما زال الجنرالات في مواقعهم ولا شيء يشي بأنهم سيتخلون عنها. من هنا، فإن «إيكواس» لا تريد حلاً شبيهاً في النيجر وهي تعي أن كل يوم يمر من شأنه تعزيز قبضة العسكريين وتمكينهم من المناورة، وقد أثبتوا أنهم يجيدونها أولا من خلال تعيين رئيس حكومة مدني، سبق أن مارس مهمات وزارية في الداخل، وفي إطار منظمات إقليمية ودولية، ولاحقا من خلال الإعلان عن مرحلة انتقالية من ثلاث سنوات.

لعل الأمر المثير للانتباه أن «إيكواس» تخلت عن نهج توجيه إنذارات مع مهل زمنية محددة، وهذا من شأنه أن يترك الباب مفتوحاً لمداولات إضافية. وتشير مصادر سياسية غير حكومية في باريس إلى أن وساطة الوفد الأفريقي لم تنته وليس من المستبعد أن يعود إلى نيامي في وقت لاحق لانتزاع تنازلات من الانقلابيين تتناول، من جهة، مصير الرئيس بازوم الذي قد يسمح له بمغادرة البلاد مع عائلته فيما يبقى ابنه ساني، وزير النفط، محتجزاً مع عدد من المسؤولين، ومن جهة ثانية تقصير فترة المرحلة الانتقالية، وتوفير ضمانات يمكن الأخذ بها إذا كانت الولايات المتحدة مثلاً طرفاً فيها.

وفي هذا السياق، كان لافتاً البيان الذي صدر عن الخارجية الأميركية، بمناسبة تسلم السفيرة فيتزغيبون منصبها، إذ جاء فيه أن خريطة الطريق التي زودت بها تقوم على «الدفاع عن حل دبلوماسي يحافظ على الانتظام الدستوري، ويتيح إطلاق سراح الرئيس بازوم مع عائلته وكل الذين احتجزوا خلافاً للقانون». وخطة كهذه مع بعض التعديلات يمكن أن تشكل حلاً وسطاً ومادة المساومة بين مطالب العسكر ورغبات «إيكواس».


مقالات ذات صلة

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر (أ.ف.ب)

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أعلنت النيجر، الأحد، طرح اليورانيوم الذي تنتجه شركة «سومير» التابعة لشركة «أورانا» الفرنسية العملاقة قبل تأميمها في يونيو (حزيران)، للبيع في السوق الدولية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر والذي جاء إلى السلطة بانقلاب يُحيّي حشداً من الناس في نيامي في يوليو 2024 (أ.ف.ب) p-circle

تاريخ حافل بالاضطرابات... ما أبرز الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال العقد الأخير؟

تاريخ أفريقيا حافل بها... فيما يلي الانقلابات العسكرية الناجحة في السنوات العشر الأخيرة في القارة السمراء وآخرها انقلاب غينيا بيساو يوم الأربعاء 26 نوفمبر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا سفير النيجر بالجزائر يسلم أوراق اعتماده للرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

استئناف الحوار بين الجزائر والنيجر بعد تصاعد الأزمة في 2023

يسعى وفد من حكومة النيجر يزور الجزائر حالياً، لطي خلاف حاد نشأ في صيف 2023 بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم، واشتدت الأزمة باحتجاج نيامي على …

أفريقيا رئيس النيجر المخلوع محمد بازوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

النيجر نحو تنظيم «مؤتمر وطني» بشأن ميثاق انتقالي

أعلنت وزارة الداخلية في النيجر أن النظام العسكري الحاكم سينظّم «مؤتمراً وطنياً» من 15 حتى 19 فبراير (شباط)، يهدف خصوصاً لتحديد مدة للفترة الانتقالية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
الولايات المتحدة​ قاعدة أغاديز (أرشيفية - أ.ب)

الجيش الأميركي أنهى سحب قواته من آخر قاعدة في النيجر

أعلن الجيش الأميركي، الاثنين، إنهاء سحب كل قواته من قاعدته الأخيرة في النيجر؛ تلبية لمطلب قادة الانقلاب العسكري في الدولة الأفريقية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

واشنطن تعلن اتفاق حكومة الكونغو الديمقراطية والمتمردين على عدم مهاجمة المدنيين 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
TT

واشنطن تعلن اتفاق حكومة الكونغو الديمقراطية والمتمردين على عدم مهاجمة المدنيين 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأميركية، السبت، إن ممثلين لحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو) أحرزوا ‌تقدماً ‌بشأن ​بروتوكول ‌يتعلق ⁠بوصول ​قوافل المساعدات ⁠الإنسانية والحماية القضائية ومراقبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح ⁠الأسرى.

وأفادت الخارجية الأميركية ‌في ‌بيان ​مشترك ‌مع حكومة ‌جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين بأنه خلال اجتماع ‌عقد في سويسرا خلال الأيام القليلة ⁠الماضية، ⁠اتفق الطرفان في الكونغو الديمقراطية على عدم مهاجمة المدنيين وعلى تسهيل تنقل العاملين في المجال ​الإنساني ​والقافلات الإنسانية.


جدل في نيجيريا بعد ضربة جوية استهدفت سوقاً شعبية

ضحايا الضربة الجوية للسوق المحلية في مدينة جيلي الواقعة بولاية بورنو السبت الماضي (أ.ب)
ضحايا الضربة الجوية للسوق المحلية في مدينة جيلي الواقعة بولاية بورنو السبت الماضي (أ.ب)
TT

جدل في نيجيريا بعد ضربة جوية استهدفت سوقاً شعبية

ضحايا الضربة الجوية للسوق المحلية في مدينة جيلي الواقعة بولاية بورنو السبت الماضي (أ.ب)
ضحايا الضربة الجوية للسوق المحلية في مدينة جيلي الواقعة بولاية بورنو السبت الماضي (أ.ب)

نفت حكومة نيجيريا استهداف المدنيين خلال قصف جوي لإحدى الأسواق شمال شرقي البلاد، مشيرة إلى أن السوق تحولت «قاعدة لوجيستية» للجماعات الإرهابية في المنطقة، وخاصة تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» وجماعة «بوكو حرام».

ويحتدم الجدل في نيجيريا منذ استهداف السوق المحلية في مدينة جيلي، الواقعة بولاية بورنو، السبت الماضي، بضربة جوية أسفرت عن مقتل أكثر من 100 شخصٍ، بينهم مدنيون، حسب تقارير غير رسمية، في حين ارتفعت مطالب بفتح تحقيق في سقوط ضحايا أبرياء خلال العملية العسكرية.

مصابون يتلقون العلاج بعد تعرض السوق المحلية في مدينة جيلي الواقعة بولاية بورنو لضربة جوية أسفرت عن مقتل أكثر من 100 شخصٍ (أ.ب)

وفي أول بيان رسمي، قالت الحكومة، الأربعاء، إن الضربة الجوية على سوق جيلي كانت «متعمدة وليست عشوائية»، وأضافت أن الضربة «استهدفت مواقع إرهابية مؤكدة، بناءً على معلومات استخباراتية، وليست هجوماً عشوائياً»، مشيرة إلى أن السوق كانت «أحد أشهر الممرات الإرهابية في البلاد».

وجاء في البيان الموقّع من طرف وزير الإعلام محمد إدريس: «تم تصنيف جيلي منطقةً عالية الخطورة، مع وجود توجيهات أمنية واضحة تقيد وجود المدنيين»، ولكنه أضاف أن «كل حياة نيجيرية مقدسة، وأي خسارة في أرواح المدنيين مؤسفة للغاية».

رجال شرطة ومواطنون بمكان هجوم مسلح في جوس عاصمة ولاية بلاتو النيجيرية (رويترز)

وأوضحت الحكومة أن السوق المستهدفة كانت تعرف محلياً باسم «سوق الإرهابيين»، وظلت لفترة طويلة تحت سيطرة المجموعات الإرهابية، وكانت تخضع منذ فترة لمراقبة استخباراتية دقيقة وعمليات استطلاع مكثفة.

وأكدت الحكومة أن «عناصر من (داعش) و(بوكو حرام) كانوا يستخدمون المنطقة لفرض الإتاوات، وشراء الإمدادات، وتنسيق الهجمات»، وأضافت: «تعزز هذا التقييم في 12 أبريل (نيسان) 2026، عندما ألقت القوات القبض على شخص يبلغ من العمر 15 عاماً تابع لتنظيم (داعش) يُدعى تيجاني في نغامدو، حيث اعترف بنقل الأموال والإمدادات بين جيلي ومواقع أخرى؛ ما يبرز عمق النشاط الإرهابي في المنطقة واستغلال المدنيين، بمن فيهم القُصّر».

الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو لدى حضوره مهرجاناً للصيد تزامناً مع تدهور الوضع الأمني (إ.ب.أ)

وأعلنت الحكومة فتح «تحقيق مستقل» في العملية العسكرية، مشيرة إلى أنه «سيشمل مراجعة المعلومات الاستخباراتية، وآليات تحديد الأهداف، وتنفيذ العملية، وسنعالج أي ثغرات ونضمن المساءلة عند الحاجة». وخلصت الحكومة النيجيرية إلى التأكيد على أن «حماية أرواح المدنيين تظل التزاماً أساسياً للقوات المسلحة».

مواقف متباينة

أثارت الضربة جدلاً في نيجيريا، حيث تباينت منها المواقف، خاصة حين تحدثت تقارير إعلامية عن استهداف سوق مزدحمة بالمدنيين عن طريق الخطأ، وسط مطالب بحماية المدنيين من الإرهاب ولكن أيضاً خلال العمليات العسكرية.

القائد السابق للجيش، الفريق أول المتقاعد توكور بوراتاي، وصف الغارة الجوية على سوق جيلي بأنها ضربة ضرورية لمعقل إرهابي، ورفض أي اتهام للجيش باستهداف المدنيين، وأضاف: «أشيد هُنا بالقوات الجوية والاستخبارات على الشجاعة والاحترافية في هذه العملية».

أرشيفية لمركبة تابعة للصليب الأحمر النيجيري بموقع هجوم مسلح أسفر عن مقتل عدد من الأشخاص في ولاية بلاتو نهاية مارس الماضي (رويترز)

من جانبه، دعا الرئيس السابق لمجلس الشيوخ أحمد لاوان إلى فتح تحقيق فوري ومستقل في الغارة الجوية، وأضاف: «رغم تقديري للتضحيات الكبيرة التي تقدمها قواتنا المسلحة وتعقيدات التمييز بين المقاتلين والمدنيين في مناطق النزاع، فإن حجم هذه المأساة يفرض علينا طرح أسئلة صعبة، لكنها ضرورية». وحذّر من أن «الحرب على الإرهاب لا ينبغي أن تكون على حساب أرواح المدنيين»، داعياً إلى اعتماد استراتيجيات أكثر دقة واعتماداً على الاستخبارات. وقال: «يجب ألا نسمح أبداً للحرب على الإرهاب بأن تُفقدنا الإحساس بحرمة حياة الإنسان البريء».

الرئاسة تدافع

أمام تصاعد وتيرة الهجمات الإرهابية عقد الرئيس بولا أحمد تينوبو، اجتماعاً طارئاً مع وزير الدفاع وقادة الجيش والأمن والاستخبارات، الاثنين الماضي، في حين دافع تينوبو عن العملية، مشيراً إلى أن السوق كانت قد «تم اختراقها» من قِبل الإرهابيين.

ضباط من الشرطة والجيش النيجيريين يصلون لحضور فعالية في مدينة مينا النيجيرية 22 ديسمبر 2025 (أ.ب)

وقال المستشار الخاص لشؤون الإعلام في الرئاسة، توبي أجايي، إن السوق أصبحت «هدفاً عسكرياً مشروعاً» بعد أن حولها مقاتلو «بوكو حرام» و«داعش» مركزاً لوجيستياَ وتجارياً.

ولكن الاجتماع الطارئ ناقش أيضاً، تطورات أمنية عدة، من أهمها تحذير سفر أصدرته وزارة الخارجية الأميركية، أجازت فيه المغادرة الطوعية للموظفين الحكوميين غير الأساسيين وعائلاتهم من سفارتها في أبوجا.

وتحدث التحذير عن «تدهور الوضع الأمني»، حيث وضع 23 ولاية من أصل 36 في نيجيريا ضمن التصنيف «المستوى الرابع: لا تسافر»، وهو أعلى مستوى للمخاطر، وبررت السلطات الأميركية تحذيرها بالتمرد في الشمال الشرقي وقطع الطرق في الشمال الغربي والوسط، إضافة إلى استمرار العنف في أجزاء من الجنوب والجنوب الشرقي، بما في ذلك المناطق النفطية.

وحدة من قوات الشرطة تجوب شوارع مينا في نيجيريا (أ.ب)

وفي ردها على التحذير الأميركي، وصفته الحكومة النيجيرية بأنه إجراء احترازي روتيني يستند إلى بروتوكولات داخلية أميركية، مؤكدة أنه لا يعكس الواقع الأمني العام في البلاد.

وقال وزير الإعلام والتوجيه الوطني محمد إدريس إنه رغم استمرار حوادث متفرقة، «لا يوجد انهيار عام في القانون والنظام، ومعظم أنحاء البلاد لا تزال مستقرة».


توغو تريد من الأمم المتحدة اعتماد خريطة تظهر حجم أفريقيا الحقيقي

خريطة للعالم تبرز الحجم الحقيقي لقارة أفريقيا بشكل أكثر دقة
خريطة للعالم تبرز الحجم الحقيقي لقارة أفريقيا بشكل أكثر دقة
TT

توغو تريد من الأمم المتحدة اعتماد خريطة تظهر حجم أفريقيا الحقيقي

خريطة للعالم تبرز الحجم الحقيقي لقارة أفريقيا بشكل أكثر دقة
خريطة للعالم تبرز الحجم الحقيقي لقارة أفريقيا بشكل أكثر دقة

قال وزير خارجية توغو إن بلاده ستطلب من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة اعتماد خريطة للعالم تبرز الحجم الحقيقي لقارة أفريقيا بشكل أكثر دقة، والتخلي عن «إسقاط مركاتور» الذي يعود إلى القرن السادس عشر.

ويقول المنتقدون إن «إسقاط مركاتور»، الذي يجعل غرينلاند تبدو في حجم أفريقيا في حين أن القارة في الواقع أكبر منها بنحو 14 مرة، يعزز التصورات السائدة حول هامشية أفريقيا رغم مساحتها الشاسعة وعدد سكانها الكبير، بما يؤثر في السرديات السائدة في الإعلام والتعليم والسياسات.

وكلف الاتحاد الأفريقي توغو بتعزيز حملة «صححوا الخريطة» لإنهاء استخدام خريطة مركاتور من قبل الحكومات والمنظمات الدولية. وتدعو الحملة، التي تقودها مجموعتا (أفريقيا بلا فلتر) و(تكلموا من أجل أفريقيا)، إلى اعتماد إسقاط «إيكوال إيرث» لعام 2018، الذي يهدف إلى إظهار الأحجام الحقيقية للبلدان.

ولا يظهر «إسقاط مركاتور»، الذي صممه رسام الخرائط جيراردوس مركاتور لأغراض الملاحة، الحجم الحقيقي للقارات، حيث يضخم المناطق القريبة من القطبين مثل أميركا الشمالية وغرينلاند بينما يقلص حجم أفريقيا وأميركا الجنوبية.

وقال وزير خارجية توغو روبرت دوسي في مقابلة مع رويترز أمس الاثنين «الحجم الذي نراه للقارة الأفريقية على الكرة الأرضية... غير دقيق جغرافيا»، ودعا إلى اعتماد «الحقيقة العلمية». ولا يزال «إسقاط مركاتور» مستخدما على نطاق واسع، بما في ذلك في المدارس وشركات التكنولوجيا في جميع أنحاء العالم.

وقالت موكي ماكورا، المديرة التنفيذية لمنظمة (أفريقيا بلا فلتر) إن «التمثيل الدقيق لا يقتصر على الخرائط فحسب، بل يتعلق أيضا بالقدرة على الفعل، والتقدم، وضمان أن يرى العالم أفريقيا على حقيقتها».

إعداد مشروع قرار للأمم المتحدة

وفي وقت سابق من هذا العام، اعتمد الاتحاد الأفريقي مشروع قرار يحث على اعتماد إسقاط (إيكوال إيرث) ويشجع دوله الأعضاء البالغ عددها 55 دولة على التخلي عن إسقاط مركاتور.

وقال دوسي «يتمثل التحدي المؤسسي في استصدار قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة لاعتماد هذه الخريطة... ومن البديهي أن البلدان الأفريقية متجاوبة فعليا مع هذه المبادرة». وقال دوسي إن مشروع قرار يجري إعداده، ومن المرجح أن يُطرح للتصويت في الدورة المقبلة للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر أيلول. وأضاف أن طريقة تصويت الدول ستكشف عن «حقيقتها».

واعتمدت الأمم المتحدة الشهر الماضي قرارا قادته دول أفريقية يوصف الرق على أنه «أفظع جريمة ضد الإنسانية» ويدعو إلى دفع تعويضات. وامتنعت جميع دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا عن التصويت، بينما صوتت الولايات المتحدة وإسرائيل والأرجنتين ضد القرار.