مفاتيح غروندبرغ: التزامات خريطة السلام اليمني

تبدأ بوقف نار وتنتهي بعملية سياسية شاملة

المبعوث الأممي لليمن هانس غروندبرغ خلال مشاركته في مشاورات اليمنية ـ اليمنية برعاية خليجية في نهاية مارس 2022 (أ.ف.ب)
المبعوث الأممي لليمن هانس غروندبرغ خلال مشاركته في مشاورات اليمنية ـ اليمنية برعاية خليجية في نهاية مارس 2022 (أ.ف.ب)
TT

مفاتيح غروندبرغ: التزامات خريطة السلام اليمني

المبعوث الأممي لليمن هانس غروندبرغ خلال مشاركته في مشاورات اليمنية ـ اليمنية برعاية خليجية في نهاية مارس 2022 (أ.ف.ب)
المبعوث الأممي لليمن هانس غروندبرغ خلال مشاركته في مشاورات اليمنية ـ اليمنية برعاية خليجية في نهاية مارس 2022 (أ.ف.ب)

قبل 28 شهراً، تحدث رجل سويدي أمام مجلس الأمن قائلاً: ليست لديّ أوهام حول صعوبة المهمة، ولن تكون هناك مكاسب سريعة.

الشاب نفسه الذي عمل سنيناً قبل أن يتولى منصبه الأممي سفيراً للاتحاد الأوروبي لدى اليمن، وقبلها داخل دهاليز وزارة الخارجية في استوكهولم؛ حصل بعد عامين ونيّف، على التزامات شكلت عناصر سوف ترسم خريطة السلام اليمني، أولها وقف النار وآلية تثبيته وآخرها عملية سياسية شاملة، وأكثرها إثارة خروج القوات غير اليمنية، وهو ما كشفه هانس غروندبرغ المبعوث الأممي لدى اليمن خلال حوار موسع مع «الشرق الأوسط» جرى كتابياً وأتبعته مكالمة هاتفية.

وتقول مصادر غربية ويمنية لـ«الشرق الأوسط»، إن خروج القوات غير اليمنية يرتبط بإنجاز المرحلة الأولى ومدتها 6 أشهر. وشرحت المصادر ذاتها مصطلح «القوات غير اليمنية»، وقالت إنه يشمل «قوات التحالف، وقوات فيلق القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني، وقوات (حزب الله) اللبناني وعناصرهم».

المبعوث الخاص للأمم المتحدة في إحدى إحاطاته لمجلس الأمن حول الوضع اليمني (أ.ف.ب)

هذه الالتزامات مقسمة بحسب المبعوث على مراحل، وستكون تفاصيلها واضحة في خريطة الطريق التي ترعاها الأمم المتحدة. وسيبدأ تنفيذ الالتزامات بمجرد اتفاق الأطراف على الخريطة برعاية الأمم المتحدة، والتي ستشمل المراحل وآليات التنفيذ.

في المقابل، يجد المبعوث انتقادات مختلفة وشكوكاً في استطاعته على إنجاح المهمة.

يقول البراء شيبان، الزميل المشارك في المعهد الملكي البريطاني للدفاع والأمن (روسي)، لـ«الشرق الأوسط»: «يحتاج المبعوث الأممي إعادة ترتيب أولوياته حتى تتوافق مع احتياجات اليمنيين في تعزيز سلطات الدولة وإعادة بناء المؤسسات التي انهارت طيلة فترة الحرب».

يعي غروندبرغ أنه من الطبيعي أن تكون الثقة مفقودة بين طرفي الحرب، لهذا سيعمل على بنائها، ولكن ليس بالخطوات الإنسانية، أو الاتفاقات التي لا يمكن تنفيذها، بل بالهياكل أو البنى الحوارية (dialogue structures)، متكئاً على «مداخل السلام».

وقبل الاسترسال في القصة تجدر الإشارة إلى رسالة المبعوث لليمن واليمنيين بمناسبة العام الجديد، إذ قال: «أتمنى لليمن سلاماً يليق بصمود شعبه وبقدر المعاناة التي خلفتها سنون الحرب، سلاماً عادلاً وشاملاً ومستداماً يؤسس لمستقبل يأمن فيه اليمنيون واليمنيات على حيواتهم وحياة أبنائهم، ويُمَكِّنهم من التطلع لما هو أبعد من حد الكفاف، ويكفل كامل حقوقهم وحرياتهم».

عناصر الخريطة

ترمي الوساطة الأممية بحسب المبعوث، إلى حوار سياسي جاد يهدف بشكل واضح لإنهاء النزاع والتأسيس لسلام مستدام ومستقبل يلبي تطلعات اليمنيين في الحكم الخاضع للمساءلة والتنمية الاقتصادية والمواطنة المتساوية. يقول غروندبرغ إن «الأطراف التزمت بالفعل بالعمل معنا من أجل تحقيق هذه الغاية». مضيفاً: «نحرص على أن تتضمن خريطة الطريق الأممية التزاماً واضحاً من الأطراف بخطوات ملموسة نحو استئناف عملية سياسية شاملة وجامعة يملكها اليمنيون برعاية أممية».

هذه الالتزامات تشكل عناصر خريطة السلام التي يتحدث عنها المبعوث، وقال إنها تسعى لتفعيل وتنفيذ التزامات الأطراف التي تشمل «وقف إطلاق نار في عموم اليمن، وفتح الطرق في تعز وغيرها من المحافظات، ودفع رواتب القطاع العام بجميع أنحاء البلاد، واستئناف تصدير النفط، والمزيد من تخفيف القيود على مطار صنعاء وميناء الحديدة، وإطلاق سراح المحتجزين لأسباب ترتبط بالنزاع، والتحضير لعملية سياسية جامعة يملكها اليمنيون برعاية أممية. كما التزمت الأطراف برحيل القوات غير اليمنية (وهي التي قالت المصادر إنها تشمل التحالف، وفيلق القدس، وقوات حزب الله وعناصره)، وإعادة الإعمار، والانخراط في عملية سياسية جامعة للتوصل إلى حل سياسي شامل ودائم. وقد تعهدت الأطراف بهذه الالتزامات تجاه الشعب اليمني، وليس فقط تجاه بعضهم».

ويؤمن المبعوث بأن هناك كثيراً من المعوقات التي تقف حائلاً دون بدء مفاوضات سياسية شاملة للتوصل إلى حل مستدام للنزاع، ويرى أن أولها انخفاض مستوى الثقة بين الأطراف بعد سنوات طويلة من الحرب. ويقول: «أنا مدرك لصعوبة الأمر وتعقيده الشديد». ويعتقد بأن الحل يكمن في استدامة الحوار كوسيلة لبناء الثقة وحل الخلافات وإحراز التقدم، وهو هدف رئيسي لخريطة الطريق الأممية التي نسعى لتحقيق التوافق حول بنودها مع الأطراف. «إذا وُجِدَت الإرادة السياسية لاستدامة الحوار بحسن نية، وصَدَقَ مقصد إبداء مصلحة الشعب اليمني على المكاسب السياسية والعسكرية قصيرة النظر، فالتغلب على كل المعوقات ممكن واستئناف العملية السياسية والتوصل إلى تسوية سياسية جامعة هي أهداف ممكنة التحقيق».

توضيح «الالتزامات»

لم تكتمل الخريطة لدى غروندبرغ، إذ يبدو أن الدبلوماسي الأممي لا يفضل تعليب الحلول، أو تجزئتها، وإنما جعل الحل يصيغه اليمنيون ويكتبونه بأنفسهم، وإن كانت الطريق طويلة وشاقة.

وبسؤاله عن إعلانه نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عن التوصل إلى التزامات، وما جاء بعد ذلك من ردود، أجاب غروندبرغ: «اسمح لي بتوضيح بعض ما التبس بخصوص ما تم التوصل إليه الآن، وما نحن بصدده في الفترة المقبلة. أدت النقاشات التي دارت على مدى الأشهر السابقة لتوافق الأطراف حول عدد من الالتزامات. وأنا ممتن للدور الذي لعبته المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان من أجل الوصول إلى هذه النقطة، فقد كان هدف الدعم الإقليمي والدولي في الفترة السابقة تقريب الأطراف من الاجتماع تحت رعاية الأمم المتحدة للتقدم نحو الدفع بتسوية سياسية جامعة ومستدامة. وبالفعل، توصلت الأطراف إلى عدد من الالتزامات بخصوص وقف إطلاق للنار يشمل عموم اليمن، وعدة إجراءات لتحسين ظروف المعيشة، واستئناف عملية سياسية جامعة برعاية أممية. ووافقت الأطراف أيضاً على أن أعمل ومكتبي معهم من أجل تفعيل تلك الالتزامات من خلال خريطة طريق أممية. فالمقصد من خريطة الطريق الأممية أن تكون وثيقة لتفعيل ما توصلت الأطراف إليه من التزامات بالفعل من خلال تحديد آليات التنفيذ اللازمة للإيفاء بتلك الالتزامات، كما سترسم خريطة الطريق أيضاً الخطوات المقبلة بما يشمل التحضير من أجل استئناف عملية سياسية جامعة بقيادة يمنية ورعاية أممية».

 

وتابع بالقول: «سأعقد وفريقي حواراً مع الأطراف حول عناصر خريطة الطريق الأممية في الأيام المقبلة تفعيلاً لما التزموا به. فمهمتنا في الفترة المقبلة تركز على بناء توافق حول آليات التنفيذ، وحول كيفية البناء على التزامات الأطراف من أجل استئناف العملية السياسية».

مداخل السلام

مفاتيح غروندبرغ لا تشبه أسلافه، لم يستخدم اتفاقاً إطارياً أو سعى تجاه فسيفساء من الاتفاقات التي يستحيل تنفيذها على الأرض، ولم يصل إلى نقطة توافق كبيرة كتلك التي كادت تنهي الأزمة في مشاورات الكويت، ولم يُصِغ اتفاقات سلام وشراكة تنتهي بتمكين طرف من الانقلاب، لعله استفاد من تلك الدروس، أو على الأقل اتخذ من استراتيجية النفس الطويل مساراً هادئاً. يقول المبعوث: «جزء مهم من تركيزنا في المرحلة الحالية، وفي سياق بناء التوافق حول خريطة الطريق منصب على تأمين مشاركة الأطراف في بُنَى حوارية على المسارات السياسية والاقتصادية والعسكرية تدعم تنفيذ ما تم الاتفاق عليه من إجراءات لتحسين الظروف المعيشية في اليمن على المدى القصير، وتبتدئ النقاش حول القضايا طويلة الأمد التي تضمن استدامة تلك الإجراءات، وتمهد للوصول إلى تسوية سياسية جامعة».

وللاستدلال على ذلك، يستحضر المبعوث تفعيل تلك المنصات الحوارية منذ الهدنة، «كانت أولاها لجنة التنسيق العسكري التي جمعت ممثلين للأطراف عملوا معاً أثناء شهور الهدنة على خفض حدة التوترات والتعامل السريع مع أي مخالفات حتى لا تنفلت الأمور وينهار الاتفاق... استمر عملنا مع أعضاء اللجنة حتى بعد انتهاء الهدنة لضمان استمرار خفض التصعيد وللنقاش حول محددات اتفاق وقف إطلاق النار المأمول وطرق المضي قدماً نحو إجراءات أمنية انتقالية مسؤولة وواقعية. ونسعى الآن للتوصل إلى اتفاق حول إنشاء آلية يقودها الأطراف بتيسير أممي لإدارة وقف إطلاق النار المرتقب بناءً على تجربة لجنة التنسيق العسكري».

وتقول الأمم المتحدة إنها مستمرة في الدفع نحو الجمع بين الأطراف في منصات حوارية مماثلة اقتصادية وسياسية كلبنة أولى في طريق التوصل إلى حل شامل، وهو أمر يسانده الفاعلون الإقليميون والدوليون في إطار دعمهم لجهود الوساطة الأممية. وهناك يقين لدى غروندبرغ بأن «استدامة الحوار هي الضمان الرئيسي لاستمرار الحركة في اتجاه الحل السياسي ولتجنب النكوص عن الالتزامات. وتقع على عاتق الأطراف مسؤولية الالتزام بمواصلة العمل بشكل بناء معنا، ومع بعضهم، لضمان الحفاظ على الزخم واستمرار التقدم».

وتصف هانا بورتر وهي باحثة في «إيه آر كي»؛ وهي مؤسسة دولية تعنى بالتنمية والأبحاث، الخطوات، بأنها «حاسمة نحو تحسين سبل عيش اليمنيين والحصول على السلع الأساسية والرعاية الصحية. ومع ذلك، من المهم أن نتذكر أن هذه هي القضايا المحددة التي واجهت تحديات متكررة في الجولات السابقة من المفاوضات. ومن غير الواضح كيف سيتم حل هذه المشاكل، أو مدى الالتزام الذي سنراه من كل طرف في دفع الرواتب فعلياً أو فتح الطرق».

شبح البحر

حقق ملف السلام اليمني في عام 2023 اختراقات عديدة. سعت إيران إلى عودة العلاقات مع السعودية وجاء اتفاق بكين برعاية صينية، وزار وفد سعودي صنعاء، وزار وفد من صنعاء الرياض. ونعم اليمنيون بأطول سنة هادئة منذ انقلاب سبتمبر (أيلول) 2014. صحيح أن التهدئة بدأت في الشهر الرابع من عام 2022، لكن العام الماضي كان بأكمله عام خفض التصعيد (باستثناء هجمات تتهم الحكومة الحوثيين بتنفيذها في أكثر من محافظة).

لم يكد ينتهي العام الهادئ حتى خرج الحوثيون بهجمات قال مناهضو الجماعة إنها تستهدف الملاحة الدولية في جنوب البحر الأحمر. نفذ الحوثيون عشرات العمليات العسكرية من صواريخ موجهة وقرصنة ومسيرات مفخخة، وفي المقابل شكلت واشنطن «حارس الازدهار»، وهي تحالف بحري (وصل حتى الآن إلى 22 دولة) وأرسلت رسائل إعلامية، وأخرى عسكرية بصد هجمات وإغراق زوارق، فضلاً عن خطوات ناعمة تتمثل في تصنيف ممولين ومحركي أموال إيرانية تذهب للحوثيين في قوائم العقوبات الأميركية.

سألت «الشرق الأوسط» محمد عبد السلام المتحدث باسم الحوثيين، حول ارتباط تأثير تلك العمليات على السلام الداخلي في اليمن، فأجاب: «نعتقد أن مسار الشأن اليمني لا يتأثر بما يجري في البحر الأحمر والبحر العربي من عمليات محدودة تستهدف إسرائيل فقط».

وتتوسط السعودية بمشاركة عمانية بين الحكومة اليمنية والحوثيين ونجحت في مشوار طويل وطريق ليست مفروشة بالورد من التوسط بين الأطراف وتحقيق اختراق يمهد السلام اليمني، برعاية الأمم المتحدة.

وقال عبد السلام إن «العمليات في البحر الأحمر والبحر العربي لا علاقة لها بالملف اليمني أو مسار السلام والنقاش مع الأشقاء في المملكة برعاية عمانية، كون تلك العمليات مرتبطة بشكل محدد واضح؛ وهي تستهدف السفن الإسرائيلية أو التي لها علاقة بها أو متجهة إلى موانئ الكيان الإسرائيلي كموقف داعم للشعب الفلسطيني، ولتخفيف الحصار الخانق عليه، ولا تستهدف العمليات في البحر الأحمر والبحر العربي أي دولة أخرى في العالم غير إسرائيل، وهذه قواعد اشتباك فرضها الإسرائيلي من خلال فرضه حصاراً خانقاً يستهدف الغذاء والدواء، فضلاً عن القتل الوحشي اليومي للأطفال والنساء».

أمام ذلك يرى البراء شيبان أن هناك إشكالية ستؤثر على عملية السلام في اليمن، وقال إنها «شبيهة بمشكلة حزب الله وعلاقته بالدولة اللبنانية». ويشرح الزميل في معهد «روسي» ذلك بالقول: «يعتقد الحوثيون أن بإمكانهم اتخاذ قرارات متعلقة بأمن البحر الأحمر والسياسة الخارجية لليمن من دون التوافق مع المكونات اليمنية... السياسات الخارجية للدولة لا يتخذها طرف معين، هذه يجب أن تحظى بإجماع وطني وتكون متوافقة مع التزامات اليمن الإقليمية والدولية».

وعند سؤاله: «كيف ترى استمرار الهجمات في البحر الأحمر والتهديد المستمر للملاحة البحرية بباب المندب؟ كيف سيؤثر ذلك على جهود الأمم المتحدة في التوصل إلى خريطة طريق؟»، أجاب غروندبرغ قائلاً: «يراقب الأمين العام للأمم المتحدة والهيئات المختصة بالأمم المتحدة عن كثب، تقارير الهجمات على السفن في البحر الأحمر وباب المندب. وأكّدت الأمم المتحدة مراراً أهمية ضمان احترام القانون الدولي بالكامل فيما يتعلق بالملاحة البحرية وضرورة ضمان حرية الملاحة. كما حذر الأمين العام مراراً من خطورة توسع العنف الذي يستمر في الأراضي المحتلة، وشدد على الحاجة العاجلة إلى وقف إطلاق النار فوراً لأسباب إنسانية لإنهاء المأساة التي تتكشف في غزة. وهنا أود أن أضم صوتي لصوت الأمين العام لدق ناقوس الخطر فيما يتعلق بتوسع رقعة العنف وتهديد أمن وسلامة المنطقة».

وأضاف بالقول: «يظل تركيزي منصباً على اليمن، واليمن يستحق فرصة لتحقيق السلام. ومن أجل هذه الغاية سنحتاج إلى أن تظل البيئة مواتية لاستمرار الحوار البنّاء حول مستقبل اليمن».

من ناحيتها، تقول هانا بورتر إن «هناك قلقاً إضافياً من أن هجمات الحوثيين الأخيرة في البحر الأحمر ستؤدي إلى تقويض عملية السلام». تكمل هانا بالقول: «هذه هي اللحظة التي يشعر فيها الحوثيون بالتمكين بشكل خاص، لذلك قد نرى تردداً منهم في تقديم أي تنازلات خلال المفاوضات».

القضية الجنوبية

«المسألة الجنوبية قضية محورية»، يقول المبعوث: «أؤكد على ضرورة التوافق بشأنها بشكل سلمي يعتمد على الحوار في إطار عملية سياسية تشمل الأصوات الجنوبية على تنوعها، وتوفر الدعم لجميع اليمنيين للتوصل إلى اتفاق حول مستقبل اليمن بصورة تشاركية».

ويعتقد غروندبرغ أن الوساطة السياسية في كثير من الأحيان تتمثل في «الاستفادة من المداخل المتوفرة التي يتوافق الأطراف بشأنها... لقد دعمنا وصول الأطراف إلى الالتزامات التي وافقوا عليها على مدار الأشهر الماضية، وركزنا جهودنا على ضمان أن يكون واحداً من هذه الالتزامات هو الدخول في عملية سياسية جامعة. فبينما تتعدد المداخل، هدفنا ثابت ولم يتغير. وكانت الهدنة بالنسبة لنا أحد هذه المداخل، كما يشكل اتفاق الأطراف على هذه الحزمة من الالتزامات نقطة دخول أخرى. ونحن في الأمم المتحدة سنعمل من خلال أي نقطة بداية متاحة وصولاً إلى حل سياسي مستدام يلبي تطلعات اليمنيين واليمنيات، والذي ينبغي أن يشمل قضية الجنوب».

في هذا السياق، والحديث للمبعوث، «سنعمل مع الأطراف لوضع خريطة طريق لتفعيل الالتزامات التي توافقوا حولها بالفعل. تلك هي نقطة البداية التي ارتضتها الأطراف لنفسها، وعملنا الآن منصب على تفعيل تلك الالتزامات من خلال خريطة طريق أممية، ودعم الأطراف في تنفيذ هذه الالتزامات بعد الاتفاق على خريطة الطريق، والتقدم نحو عملية سياسية. فخريطة الطريق خطوة على مسار السلام، ولن تكون اتفاقاً شاملاً للسلام، ومنها ستبدأ الاستعدادات للعملية السياسية»، متابعاً: «تهدف تلك المرحلة التحضيرية إلى أن تكون منفتحة وجامعة إلى أقصى حد ممكن، وستشكل العملية السياسية المنبر لمعالجة القضايا السياسية طويلة المدى التي تهدف إلى حل النزاع بشكل مستدام».

المرأة... الشباب... النسيج الاجتماعي

سألت «الشرق الأوسط» المبعوث الأممي: «لماذا لا نرى الشباب ممثلاً في الحكومة ومختلف الكيانات السياسية؟ ونعني الشباب هنا الشبان والفتيات»، فقال: «هذا سؤال وجيه للحكومة ومختلف الكيانات السياسية. المشاركة السياسية للشباب والشابات تمثل قيمة أساسية ومبدأ أساسياً في المنظومة القيمية للأمم المتحدة، وهو موضوع ركز عليه كثير من قرارات مجلس الأمن».

وتابع غروندبرغ بإسهاب: «إلى جانب الإطار القانوني والقيمي، دعنا نفكر في الأمر بمنطقية. شباب اليمن هو مستقبله، ونساء اليمن هن نصف شعبه، إقصاء النساء والشباب من دوائر صنع القرار إقصاء لنصف اليمن وكامل مستقبله. وإشراك الشباب والنساء بشكل فعال أمر أكثر تعقيداً من مجرد التمثيل، إلا أن التمثيل جزء بالغ الأهمية من المعادلة. وندعو الأطراف باستمرار لإشراك النساء والشباب في اجتماعهم بالأمم المتحدة ووفود التفاوض وفي دوائر صنع القرار».

وأوضح المبعوث أن مكتبه بدأ في مجهود توسيع نطاق التشاور بشأن العملية السياسية المرتقبة في اليمن، «عقدنا في الأشهر الماضية عدداً من المشاورات مع ناشطات ونشطاء سلام وخبيرات وخبراء يمنيين في الأردن وعدن ومصر، كما تشاور فريقي مع مجموعة من الإعلاميين وناشطي المجتمع المدني في عدن ومأرب وحضرموت، بالإضافة للمشاورات المستمرة مع ممثلي السلطة المحلية والفاعلين الأمنيين والأحزاب السياسية والوسطاء المحليين على الأرض. ونسعى لتوسيع نطاق تواصلنا مع المجتمعات اليمنية بشكل مباشر لإثراء جهود الوساطة الأممية برؤى وأولويات واهتمامات اليمنيين على تنوعهم، وللتوصل إلى صيغ تشاركية وجامعة في تصميم العملية السياسية المأمولة في اليمن».

برز سؤال آخر: «لطالما أسألك كلما تقابلنا عن النسيج الاجتماعي اليمني وكيف يستطيع اليمنيون في ظل صراع كبير، وهناك صراعات أخرى ليست أصغر تفجرت من رحم هذا الصراع، فهناك مشاكل شمال وجنوب، وهناك صراع آيديولوجي، وهناك اتهامات لحركات قومية وعنصرية بدأت تتسلل وتجد جمهوراً كبيراً، فكيف يستطيع اليمنيون الحفاظ على النسيج الاجتماعي اليمني في ظل تلك العوامل؟»، أجاب غروندبرغ بالقول: «كلما طال أمد النزاع، استمرت الظروف المواتية لتأجيج الاستقطاب والتشرذم. طريق المصالحة والتعايش السلمي طريق شاقة وطويلة لا تنتهي بالتسوية السياسية، بل تبدأ بها. وأكرر مجدداً أن السبيل هي استدامة الحوار على كل المستويات الوطنية والمحلية مهما بلغ قدر الاختلافات للتوصل إلى تفاهمات توافقية وصيغ تشاركية وتقريب وجهات النظر. بالرغم من طول سنوات الحرب وتعقيد المشهد السياسي والاستقطاب الذي صاحب تلك الظروف، فإن هناك قدراً ملحوظاً من التكافل والتعاضد في المجتمعات اليمنية وجهوداً مشكورة من منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص اليمني لسد بعض الفجوات المتعلقة بالخدمات الأساسية وللمساعدة في جهود الإغاثة الإنسانية. كما أن صمود اليمنيين وعمل المجتمع المدني الدؤوب من أجل الحفاظ على النسيج الاجتماعي والتصدي للنعرات الطائفية والمناطقية رغم التحديات؛ كل ذلك يعد أمراً ملهماً ويستحق الإشادة».

الأوضاع الاقتصادية

التعثر والتشرذم الاقتصادي من مسببات المعاناة الرئيسية في اليمن، يقول غروندبرغ: «إنه مجال شهد قدراً كبيراً من التصعيد في الآونة الأخيرة. تسليح الاقتصاد على هذا النحو أمر مكلف للغاية بالنسبة للمدنيين ويجب أن يتوقف. وقد توصلت الأطراف بالفعل إلى عدة التزامات في الملف الاقتصادي؛ منها دفع رواتب القطاع العام واستئناف صادرات النفط. وستعمل خريطة الطريق الأممية على إطلاق لجنة اقتصادية مشتركة بتيسير الأمم المتحدة من أجل دعم تنفيذ تلك الالتزامات وتوفير مساحة للحوار في حال ظهور الخلافات أثناء عملية التنفيذ، وبناء الثقة وبدء المناقشات حول الأولويات الاقتصادية طويلة المدى».

يضيف المبعوث أنه «لا يمكن فصل المسار الاقتصادي عن المسار السياسي أيضاً»، إذ كشفت الأشهر الماضية «عن حجم المعاناة التي خلفتها سنوات الحرب، والذي ظهر جلياً، ومُؤكِداً بما لا يدع مجالاً للشك أن الحلول الجزئية والمؤقتة لا تكفي، وأن عملية سياسية شاملة هي السبيل الوحيدة لمعالجة القضايا المتعلقة بالتعافي الاقتصادي والإنساني بشكل مستدام». ويرى أن «معالجة الأعراض الآنية للقضايا السياسية العالقة أمر مهم في سبيل تخفيف المعاناة الإنسانية لليمنيين واليمنيات، وهو ما نحن بصدده الآن». إلا أن الحلول لن تكون كافية أو مستدامة دون أن يصاحبها تقدم حقيقي على المسار السياسي.


مقالات ذات صلة

جهود أممية لاستئناف صادرات النفط والغاز اليمنية

المشرق العربي المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ أثناء وصوله عدن مطلع أبريل الحالي (مكتب المبعوث)

جهود أممية لاستئناف صادرات النفط والغاز اليمنية

تعتقد الأمم المتحدة أن استئناف صادرات النفط والغاز في اليمن يُعد أمراً أساسياً لتعافي الاقتصاد ومفتاحاً لتحقيق مكاسب سلام مهمة لليمنيين 

عبد الهادي حبتور
الخليج أشخاص يستقلون سيارة في صنعاء تمر أمام لوحة إعلانية رقمية تحمل صورة زعيم الحوثيين يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

الحوثيون... «حساب المكاسب» يطغى على «وحدة الساحات»

كشف موقف الجماعة الحوثية خلال حرب إيران عن تغليب البراغماتية على الآيديولوجيا، إذ تجنّبت التصعيد الواسع وفضّلت حماية نفوذها الداخلي، رغم خطاب «وحدة الساحات».

علي ربيع (عدن)
العالم العربي أكد وزير الدفاع اليمني أن التحولات الإقليمية في صالح اليمن ويجب استثمارها (سبأ)

وزير الدفاع اليمني: التحولات الإقليمية لصالح اليمن... ولدينا غرفة عمليات عسكرية موحدة

أكد وزير الدفاع اليمني اللواء الركن طاهر العقيلي أن التحولات الإقليمية والدولية لصالح اليمن وأن التنسيق العسكري بلغ مراحل متقدمة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ) p-circle

خاص مدارس الحوثيين في اليمن... معسكرات تجنيد مبكّر

منذ صعودها عام 2014 في اليمن، عمدت جماعة الحوثيين إلى ترسيخ أقدامها في البنية التعليمية لجعل المدارس مكاناً لتشكيل الوعي والاستقطاب والتجنيد.

عاصم الشميري (جدّة)
العالم العربي دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

أعلنت «أسبيدس» تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن.

محمد ناصر (عدن)

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.